الصراع الأوربي الأثيوبي وتقسيم بلاد الصومال

من معرفة المصادر

محتويات

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

الباب الأول: الصراع الأوربي الأثيوبي وتقسيم بلاد الصومال

الفصل الأول: طلائع الاستعمار الأوربي في الصومال

طبيعة الكشوف الجغرافية

تعتبر الكشوف الجغرافية بداية التاريخ الحديث للعلاقات الصومالية الأوربية ، كما تعتبر بداية التاريخ الاستعماري الأوربي والأثيوبي للصومال ..فإن ظهور القوى البحرية في أوروبا الغربية وانتصارها على القوى البرية في آسيا وأفريقيا في العصر الحديث بعد أن كانت الغلبة للقوى البرية في العصور الوسطى لآسيا وأفريقيا ، كانت بسبب نضوج الطاقة المحركة في أوروبا مما دفع بالأوروبيين إلى الاتياد والكشف في آسيا وأفريقيا والعالم الجديد للتعرف على مستويات الشعوب واقتصادها تمهيداً لإرسال خبراء الاستعمار ومعاونيهم لعقد المعاهدات والاتفاقيات بصور من شأنها أن تعطي للدولة الأوروبية السيادة والهيمنة على الأرض والسكان.

ولنجاح الكشوف الجغرافية في البحار الشرقية ظهرت الصومال في ميدان الصراع العالمي لما تتضمنه من مواقع استراتيجية هامة في شرق أفريقيا ولأنها كقاعدة إشراف وإدارة وتوجيه لأي منطقة في شرق أفريقيا والجنوب العربي وكمنطقة ضبط وتموين الخطوط التجارية العالمية المارة بين الشرق والغرب عبر خليج عدن ومضيق باب المندب .

واتخذت الكشوف الجغرافية طابعاً دينياً في العصور الوسطى حينما قامت من أجل مملكة القديس يوحنا التي قيل عنها أنها توجد في منطقة ما في شرقي أفريقيا ، وأنها دولة غنية ولمليكها ألف صليب ، وخلف كل صليب ألف جندي .. فكان السعي للعثور على هذه المملكة هو مجال توسيع النفوذ المسيحي في افريقيا الوسطى والشرقية حتى يمكن حصر العالم الإسلامي في آسيا وأفريقيا بين مملكة القديس يوحنا جنوباً وأوروبا المسيحية في الشمال . وفي العصر الحديث كانت الكشوف الجغرافية تتجه نحو الانتقام لما أصاب أوروبا في العصور الوسطى من هزائم على يد صلاح الدين الأيوبي الذي حطم قوى الجيوش الأوروبية التي أعلنت الحرب الصليبية على المسلمين في الشرق الأوسط .

فكان الاستيلاء على الصومال معناه قيام حرب صليبية انتقامية لا من الصومال فحسب ، بل من المحيط الإسلامي المجاور لها ، وفي الوقت نفسه للقضاء على المسلمين في المحيط الهندي واحتكار تجارتهم لصالح أوروبا المسيحية ..


رواد الكشف والارتياد

البرتغاليون

وقد تزعمت حركة الكشوف الجغرافية الدولة البرتغالية في جنوب غرب أوروبا وهى على مقربة من غرب أفريقيا ، ولذلك فهى حاملة لملامح أوروبية وأفريقية بالإضافة إلى ما عرفت به منذ زمن بعيد من التعصب الشديد للمسيحية مما جعل الكنيسة الكاثولوكية تترك لها قيادة زعامة الاضطهاد للمسلمين خلال القرنين الخامس عشروالسادس عشر مما دعا مسلمي أسبانيا أن يستنجدوا بمسلمي أفريقيا الذين عبروا البحروهزموا المسيحين ، ومما يدلنا على أن البرتغاليين ما وصلوا إلى الصومال إلا من أجل شن حرب صليبية تلك الرسالة التي بعث بها البابا نيقولا الخامس إلى الأمير هنري الملاح في عام 1454 يطلب منه إقامة الحرب على الكفرة (المسلمين) ونشر المسيحية والاتصال بالممالك المسيحية في الشرق والتحالف معها ضد الكفرة (المسلمين) وأن يدعو الناس للمسيحية في البلاد التي دخلها الإسلام ..

بعث حكام البرتغال بعثات كشفية مدعمة بالسلاح لمحاربة المسلمين ، وكشف أراض جديدة ، فوصل فاسكودا جاما إلى البحار الصومالية ثم اتجه إلى الهند ، وفي عودته صوب مدافعه إلى مدينة مقدشوة فهدم كثيراً من مساكنها وقد ذكر فاسكودا جاما أن مدينة مقدشوة متناهية في الكبر ولها أربع أبراج ضخمة (يقصد بها المآذن الإسلامية)

التعليق

وأقام البرتغاليون على سواحل الصومال وخاصة مدينة براوة وحالوا دون وصول السلع والبضائع القادمة من الدول الإسلامية واحتكار تجارة الصومال . ولم تستمر براوة تحت حكم البرتغال فترة طويلة ، وإنما قامت بثورة ضد التجار البرتغاليين فغادروا البلاد ، وعادت السفن البرتغالية في عام 912هــ- 1507م في محاولة ثانية لاحتلال براوة ، ولم تنجح خطتهم ،فاتجهوا إلى سوقطرة ورأس غردفوري حيث أقاموا منارة لمراقبة السفن العربية ومنع وصلها إلى المواني الصومالية في الجنوب أو في الشمال . وكان لهذا الحصار البرتغالي للسواحل الصومالية آثارسيئة في اقتصاديات الصومال فظهر انحلال فجائي في مقدشوة لوقف الحركة التجارية حتى أن بعض المدن الداخلية والساحلية كانت تلقي بإنتاجها في الجبال والوديان والبحر للتخلص مما أصابها من تعفن من طول فترة التخزين وعدم تصريفها مثل الجلود وغيرها من حبوب الطعام .

والذكرى الوحيدة للاحتلال البرتغالي لمقدشوة ممثلة في المنارة الموجودة بقرب مسجد عبد العزيز ؛ وفي الحقيقة أن البرتغاليين لم يبنوا منارة وإنما استخدموا برجاً كان موجوداً قبل حضورهم ، ومازال البرج الموجود يحمل الطابع الفارسي . (أهم الأبراج برج جامع حمروين) .

وعلى أية حال فأن الفترة التى قضاها البرتغاليون في مقدشوه ، أو محاصرة سواحلها ، أو في المحيط الهندي بصفة عامة لم تمكنهم من السيطرة المباشرة على سواحل الصومال وإنما الأثر الفعلي للحركة البرتغالية على سواحل الصومال يتجلى في إظهار الموقع الصومالي في المحيط العالمي ، فعرف العالم أهمية الصومال في مجال الكشف و الارتياد بالنسبة لشرق أفريقيا ووسطها فكانت المحاولات العديدة التي قام بها الرواد الأوربيون أو طلائع الاستعمار من بريطانيين و فرنسيين و إيطاليين وغيرهم بهدف كشف السواحل و معرفة البيئة الصومالية وطبيعة أنتاجها ومستقبلها ،بالإضافة إلي اتخاذ الصومال كمعبر إلي وسط و قلب أفريقيا ،وتحديد القوي اللازمة لامكانيات الاستعمار والاستغلال ، و مدي الفائدة التي تعود على الدولة المستعمرة من القيام باحتلال في الصومال ، و من أشهر الرواد الأوربيين أو من أشهر طلائع الأستعمار هم :القبطان كارلو جوليان ، وكارلوكلاو ديوفون دبرديكيين ،جيوريفول ولويجي روبيكي بريكتي ،وفيتوربويوتيجو ، أوغو فراندي رتشارد برتون ..

وسنذكر هنا نبذات عن هؤلاء الرواد ، وأحوال البلاد الصومالية أثناء حركة الارتياد والكشف ..

القبطان كارلو جوليان : Carlo Guillain

احد ضباط البحرية الفرنسية و من الرواد المشهورين الذين تحدثوا عن الصومال والبلاد الواقعة على الميط الهندي ، وقد بدأ رحلاته على سواحل الصومال في عام 1262هـ -1864م ،1264هـ -1848م وقام بزيارة مدينة حافون ،و وارشيخ ،ومقدشوه ، ومركه ،وبراوه وغيرها من المدن الصغيرة ..

وقد أقام جوليان في منطقة قليدي التي كان من الصعب على أجنبيي أوربي أن يدخلها ،ولكنه صمم على زيارتها رغم النصائح التي قدمها إليه أعيان مقدشوه من عدم التوجه إلي قليدي ،غيرأنه استعان بأحد أشراف مدينة براوه وهو السيد فلتيني الذي كتب رسالة للسلطان يوسف سلطان قليدي صديقه الحميم بأن يسمح للأوربي بزيارة قليدي ..

وقام جوليان بأعداد قافلة من الصوماليين وبعض العرب ثم اتجه بها إلي قليدي ،و بعد أن قام بزيارتها كتب كتابه عن الصومال وهو عبارة عن وثائق تاريخية وجغرافية وتجارية عن أفريقيا الشرقية وقد طبع في باريس عام 1856 وفيه معلومات قيمة عن اخبار هذه المنطقة لمن يريد استثمارها ، ويعتبر مرجعا هاما في تاريخ هذه الفترة ،وكان لانتشاره في فرنسا أثر كبير في جذب أنظار الفرنسيين وغيرهم نحو الصومال ..

وقد ذكر جوليان عن مقدشوه أنها تتكون أساسا من ضاحيتين بينهما فراغ كبير حيث يوجد قوس كبير ومنارة تسمي جاكا جاكا Jaca Jaca في المكان الذي يحتله القوس الروماني الأن ، و كان مكتوبا على هذه المنارة باللغة العربية (في 19 شعبان 1268 هـ 9يونيو1852)..

وتحدث جوليان عن سكان مقدشوه بأن تعدادهم يصل إلي خمسة آلاف نسمة ،وسكان الضاحيتين في شجار دائم ،ويزعم ضاحية حمروين الشيخ مؤمن ،أماضاحية شنغاني فعليها الأمام أحمد على ، وكلاهما تحت حكم سلطان زنجبار ..

وبعد أن تحدث عن عادات مقدشوه القديمة قال :ِِِ(أن أهم ما أسترعي نظرى هو طبخ البن (حبوب البن )مع السمن أو سليط (زيت )السمسم ) ، و ذكر عن سلطان قليدي أنه رجل مشهور ،وله سلطة كاملة على طول وادى شبيلي ،و أوديقلي ،وجميع ناحية دافيت ،ولسلطنة قليدي مجلس شورى من الزعماء يقوم بإنتخاب من يتولى سلطنة البلاد ، ومن حق السلطان تعيين القاضى العالم بالدين الأسلامي الحنيف ليحكم بين الناس وفق الشريعة الأسلامية .

و ذكر أن قليدي تتكون من ثلاث ضواح ،اثنتيين منها على الضفة اليمني للنهر ،والثالثة إلي الشمال ،و أغلب سكانها رعاة أصحاب ماشية ولهم زراعة في أصناف الذرة ..

ويذكر جوليان أن أخا السلطان المدعو يوسف بن محمود يقوم بأعمال رئيس الوزراء لكافة شئون الدولة ، ويكون نائبا عن السلطان أثناء غيابه ، وخلال فترة وجود جوليان في قليدي كان يوسف بن محمود يعد جيشا لقمع أهل بارديرا وبراوة و اخضاعهما لنفوذ سلطان قليدي ..

ويذكر جوليان أن مدينة براوه تختلف أختلافا كبيرا عن مدينة مقدشوه ، فقد أصبح لبراوة منازل حجرية ،ولكل منزل حديقة جميلة ،والمنازل على مسافات متباعدة عن بعضها البعض ،و للمدينة خمسة آبار للمياه أحدها خاص بمسجد سيدنا عمر وهو ذو ماء عذب و ذكر عن تعداد يروه أنه نحو خمسة آلاف نسمة أى كتعداد سكان مدينة مقدشوه ..

ويذكر جوليان أن من عادات شعب براوه أن يمسك الرجال بعصى خفيفة أثناء خروجهم بعيدا عن مساكنهم ، وأن لشعب براوه حكما يشبه الحكم الجمهورى في عام 1850 (1226هـ) لأنه يتكون من رؤساء الأحزاب و يسمي المجلس الأعلى الذي يقوم بالانتخاب فيما بينهم ،و كان للرئيسين الحاج عويس والشيخ ديربن عمر سمعة طيبة في نفوس الناس و اعمال مجيدة من أجل السكان و الأرض ..

وكان لأهل براوه تجارة واسعة مع بلاد العرب كما كانت السفن الأوروبية و الأمريكية تصل إلي براوه من أجل الحصول على العاج و الجلود و ريش النعام .

كارلو كلاو ديوفون ديرديكين : Carlo -Di Von Der Derdiken

من الرواد الذين قاموا بأرتياد بعض المناطق الصومالية ،وكان عالما باللغة العربية مما سهل له حركة الارتياد في الجزائر والجنوب العربي ودراسة المجتمع العربي هناك ..

و في عام 1276 هجرية (1860 م ) وصل ديرديكين إلي زنجبار وممسة وساحل تنجانيقا وكينيا و توغل في الأراضي الصومالية في منطقة عروسى وأشار ديرديكن إلي أن الغرض من رحلاته هو التعرف على الأحوال الأقتصادية و دراسة المراكز التجارية التي أنشأها العرب على ساحل الصومال .وقد منحته الجمعية الجغرافية في لندن وساما ذهبيا على كشوفه العلمية في شرق أفريقيا .

وفي عام 1281-1865 أصدرت الحكومة الألمانية أمراً إلى ديرديكين ليشترك مع السفن الألمانية في ارتياد واكتشاف سواحل وأنهار أفريقيا الشرقية التي لم يصل إليها أحد (من قبل) من الأجانب ، ودراسة أمكانياتها الإقتصادية ، ومدى أهمية تعامل ألمانيا مع سكان هذه الجهات ، وتقديم تقرير واف مقروناً بالملاحظات والاقتراحات العملية التي يمكن اتخاذها بسرعة قبل أن تدخل دول أخرى في مجال الكشف والارتياد لسكان أرض تلك المناطق..

قام ديرديكين مع السفن الألمانية المتجه إلى زنجبار ومنها إلى ساحل الصومال حيث نزل عند مصب نهر جوبا ، وقام بدارسة رأس كامبوني ، ثم عرج إلى خليج يودكا وكان يعتقد أنه مصب النهر ولكن اتضح له بعد دراسته أنه مجرى بحري (ذراع) يتجه نحو داخل اليابس وذكر أن سكان هذه المنطقة قد استقبلوه بالترحاب ، وكانت لهم زراعة من الأرز..

وبدأ ديرديكين رحلته الملاحية على نهر جوبا على باخرة صغيرة تحطمت بٌعد خمسة وعشرين ميلاً إلى الشمال من بلدة برديرا ولذلك اضطرديرديكين وأعضاء البعثة المرافقين له أن يسيروا على الأقدام متابعين الجانب الأيمن للنهر، لأن النهر في منطقة بارديرا يتصف بالاتساع وقلة العمق مما يحول دون سير السفن حتى الصغيرة منها لانخفاض منسوب المياه..

وقد تعرض أفراد البعثة لهجمات الوطنيين في أكتوبر عام 1865م مما أدى إلى قتل عدد كبيرمن أعضاء البعثة وهرب الباقون ومنهم ديرديكين الذي تمكن من الوصول إلى بارديرا غير أنه لقى حتفه في بارديرا لحدوث سوء تفاهم بينه وبين بعض الأفراد الوطنيين والرؤساء المحليين ، أما بقية أعضاء البعثة الذين قدرت لهم النجاة فقد وصلوا إلى كسمايو سيراً على الأقدام .

وصلت أخبار البعثة إلى ألمانيا وكانت والدة ديرديكن سيدة ذات ثراء واسع تحب ابنها كثيراً ولذا كلفت كينزلباخ وبرنز القيام على رأس بعثة كشفية للبحث عن ابنها في الصومال على نفقتها الخاصة .. كما كانت الحكومة الألمانية تهتم بأمر البعثة فأرسلت بعثة أخرى تأديبية لأهالي برديرا ، والعودة بالأعضاء الأحياء الذين تمكنوا من الوصول إلى كسمايو ، وقامت بعثة الانقاذ ومعها رسالة من حاكم جزيرةلامو لوضع حامية عسكرية تحت تصرفهم ، وعادت البعثة الثانية (بعثة الانقاذ) إلى ألمانيا في عام 1886.

وفي نفس عام (1886) كان الرحالة كينز لباخ قد وصل إلى مقدشوه في محاولة الوصول إلى بارديرا عن طريق مقدشوه ولكنه مات أثناء سيره ، أما الرحالة برنز فإنه اتخذ نقطة البداية لرحلته فيما بين مالندي ومقدشوه غير أنه لم يتمكن من الوصول بارديرا وإنما وصل إلى مدينة ويت Witu التي تقع على مسافة عشرة أميال على مصب نهر تانا في خليج فرموزا .

وفي ألمانيا صدر كتاب كتبه دير ديكن قبل وفاته ، وهو يحتوي على معلومات كثيرة عن رحلاته وأنباء هامة عن نهر تانا ونهر جوبا حتى مدينة بارديرا .. ويذكر دير ديكن عن مدينة بارديرا أنها تتألف من عدة مساكن جديدة فقد كانت الحروب الكثيرة بين براوه وقلديدى سبباً في تخريب مسكن كثيرة في بارديرا لذا ظهرت مسكن جديدة بفضل همة الشيخ حمادي بن شيري حاكم المدينة وفي الوقت نفسه هو زعيم ديني . وأحد رؤساء الطرق الدينية في بارديرا فهو المؤسس الحقيقي لبارديرا .

ويحكى عنه أنه قدم بعد أداء فريضة الحج عام 1819م - 1234هـ عبر الصحراء إلى نهر جوبا مع جماعة من أتباعه يعلمهم الدين وتعاليم الإسلام ، فأختر بارديرا لتكوين مركزاً للدعوة الإسلامية فتوافد إليها طلاب العلم والمريدين من القرى والبوادي ، وكثر المترددين عليها حتى أصبحت مدينة كبيرة فأنشأ لها مجلساً إدارياً مكوناً من شيوخ القبائل ، على أن يتولى الرياسة أحد أعضاء المجلس بالانتخاب .

وفي كتاب دير ديكن دعوة خاصة للحكومة الألمانية بضرورة العمل السريع نحو انشاء مستعمرة ألمانية في شرق أفريقيا لضخامة إمكانياتها الإقثصادية في الوقت الحالي والمستقبل ، على أن نجاح المستعمرة أولاً وأخيراً يتوقف على مدى ضمان الأمن في هذه الجهات حتى يمكن العمل والاستثمار والاستغلال وفق المصالح والاعتبارات الخاصة ..

التعليق

جيورجيو ريفويل: Georgio , Revoil

أحد الرحالة الفرنسيين الذين قاموا بزيارة صوماليا وقد بدأ رحلاته في عام 1296هـ - 1879م لمنطقة مجرتنيا ومنطقة الصومالند . وكتابه غني بالمعرفة عن منطقة مجرتنيا لما يمتاز به الكتاب من التفاصيل الأثرية عن القبور الحجرية القديمة في سهل ضرور ، كما أسهب الكتاب في ذكر اسلوب المعيشة لدى سكان مجرتنيا ونشاطهم والانتاجي للألبان ،وفيه دراسة ممتعة للتاريخ القديم لبلاد الصومال .و قد صدر الكتاب في باريس عام 1882 بعنوان (أفريقيا الشرقية ).

روبيكي بريكتي Robechi Brichette :

رحالة إيطالي قام بعدة جولات في القرن الماضي و بدأ رحلاته في مصر فالسودان فالحبشة عام 1888، ثم هرر التي غزاها الأحباش بقيادة الرأس مكونين قبل وصوله بعام واحد .

وفي عام 1303 هـ -1886 م قام بعدة رحلات لكشف بعض البلدان الصومالية بتكليف من الحكومة الأيطالية تمهيداًلإقامة علاقة تجارية مع سكانها ، والدخول في مرحلة الأستغلال إذا أمكن ذلك .و كانت رحلة روبيكي الأولي لمنطقة هوبيا وعلوله ودراسة المناطق الساحلية فيما بينهما وأصدر كتابه الأول عن هذه الرحلة .

وعادة الحكومة الأيطالية فطلبت من روبيكي القيام برحلة واسعة في صوماليا بين مقدشوه وهوبيا وتقديم تقرير واف عن هذه المنطقة الشاسعة ،فقام روبيكي برحلته (1307 هـ 1890 م) من مقدشوه ثم عبر أراضى مدق إلي هوبيا ثم إلي منطقة الأوجادين ومنها إتجها إلي بارديرا .

وفي كتابه الثاني .. (صوماليا وبنادر ).. وصف كامل لرحلته الثانية ،تناولي فيه أحوال البلاد التي قامت بزيارتها اقتصاديا ًوتاريخياً وإجتماعياً ودراسة كاملة عن الطرق والأسواق ..

وقدذكر روبيكي في كتابه أن كل صومالي في أي مكان يكون مسلحاً بخنجرين وسيف ،وإنهم رجال حرب ماهرون .وتحدث عن مقد شوه ودار الآثار التي تعتبر أهم المباني الحجرية في صوماليا ، كما تحدث عن السوق الكبيرة على ساحل مقدشوه ، ومكاتب الميناء التي يشغلها الأن مكاتب بريد مقدشوه .

ووصف مساكن حمروين بأنها متباعده عن بعضها ،وليس بها النظام المعروف في المباني ، وأن للمدينة سوقاً كبيرة وأبواباً تغلق في المساء خشية هجوم مسلح من الرعاة ليلاً وأهلها نيام .وكان سور المدينة يمتد من باب السوق إلي مسجد عمرو إلي شارع رسبولي ، وعلى طول البحر يوجد عدد من منازل الأشراف .

وذكر أن لمدينة مقدشوه نحو ألف خياط لصناعة الملابس وخاصة المنسوجات البيضاء و أنهم بدءوا حديثاً في صناعة الملابس من الخيوط الملونة .

وتحدث عن براوه بأن لها حائطاً كبيراً في طول نحو مترين ، و بها سور ذو أربعة أبواب يقوم بالحراسة عليها جنود من العرب ،وكان الشيخ براوة الفقيه ابن الحج عويس ، وفي مدينة براوة يسكن نائب لسلطان زنجبار يدعى سالم بن سيف على رأس قوة عربية من 170جندياً لحماية المدينة ..

ويقال أن روبيكي أول من إستعمل كلمة صوماليا لأن السابقين من الرواد كانوا يستعملون إسم أهل الصومال على هذه البلاد ،كما يقال أنه أوجد كلمة هيران التي صارت الأن محافظة وبلدوين عاصمة لها ..


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

فيتوريو بوتيجو :Vittorio Bottego

من الرواد الأيطاليين الذين قاموا بدراسات في بلاد الصومال بأمر من الحكومة الأيطالية وكانت رحلاته إلي الصومال فيما بين عام 1890 ،1897 وكانت خطة السير تبدأ من مجرى نهر جوبا حتي مدينة بارديرا ثم إلي مرتفعات إيمي في جنوب الحبشة ،على أن يقوم بدراسة إقتصادية وإجتماعية عن هذه المناطق تمهيداً لرابط المناطق الساحلية في صوماليا بإقليم كافا الغني بإنتاج المحاصيل ومنتجات الغابات .

قام فيتوريو بالرحلة الأولى من 21 سبتمبر 1892 حتي 8 سبتمبر 1893 ، زار خلالها مدينة براوه ومكث فترة في مدينة لوخ وبعد عودته إلى إيطاليا أصدر كتاباً سماه (كشف جوبا) .

وفي كتابه وصف السلطان لوخ في عام 1893 بأنه يدعى حسن نور وأنه رجل سمين قد بلغ الثمانين من عمره وهو ذو عقل راجح وفطنة ، يعمل لصالح السكان ويؤاخي بين المواطنين ، وجميع السكان خاضعين له لما يمتاز به من سلامة الخلق والشجاعة والكرم . ويذكر أن حسن نور قد تزوج أكثر من عشرين مرة ، وله ثلاثون ابناً ، ,وأن سكرتيره المدعو محمد داركي على معرفة واسعة بالسياسة ، وأن سلطنة لوخ وراثية لجميع العائلة ، ومن عادة السلطان أن يرسل نواباً عنه من أبنائه أو رؤساء القبائل على القرى والبوادي البعيدة .

وأن للوخ مجلس من رؤساء النواحي يجتمع مع السلطان في كل يوم للنظر في أمور البلاد وأن مقابلة السلطان لا تخضع لقوانين أومواعيد ، وإنما يستطيع أي فرد من الرعية أن يقابل السلطان في أي وقت وأي مكان.. في صورة ديموقراطية مثالية لا وجود لها في العالم ..

ويذكر فيتوريو أن للوخ مركزاً تجارياً هاماً بالنسبة للصوماليين وحلقة تجارية لها اعتبارها بين الصومال والحبشة .

وقام فيتوريو برحلته الثانية في 12 أكتوبر 1895 بتكليف من الجمعية الجغرافية الايطالية لكشف نهر أومو الذي كان مجراه مجهولاً ومعرفة ما إذا كان نهر أومو (يصب في بحيرة رودلف) يتصل بالنيل أم بالمحيط الهندي أم تنتهي مياهه في بحيرة داخلية ..

وقد بدأت الرحلة من مدينة براوه ، وكان يرافق فيتوريو صديقه الكابتن فيراندي والضابط جيزتي وغيرهم من الايطاليين .. وخلال هذه الرحلة تم كشف بحيرة مرجريتا ، وعرف أن نهر أومو يصب في بحيرة رودلف وليس له اتصال بالنيل أو المحيط الهندي .. وفي أحد الأحراش الجنوبية للحبشة مات فيتوريو عن سبعة وثلاثين عاماً ، وكان له الفضل في معرفة الأجزاء الغامضة من نهر جوبا الذي وصفه من منابعه عند أقدام جبال الحبشة ، واتجاهه السريع إلى المحيط الهندي قائلاً ..(حوض نهرجوبا يبشر بمستقبل عظيم لو اهتم بأمره ، وهذب مجراه ، ونظم استغلاله تنظيماً علمياً دقيقاً ) ..

وكان لهذه الرحلات آثار بعيدة المدى ظهرت حينما قام صراع أوروبي وخاصة بين بريطانيا وإيطاليا نحو السيطرة على الجزء الأدنى لنهر جوبا ، أي مانسميه الآن باسم جوبالند ،تلك المنطقة الغنية بالتربة الصالحة للتقدم الزراعي والتي تشير إلى أنها منطقة الغد في التقدم الزراعي والصناعي للوطن الصومالي .

أوغوفراندي : UGO. Ferrandi

من رجال البحرية الإيطالية الذين زاروا سواحل الصومال وكانت له أعمال تجارية في عدن والحبشة مما سهل له القيام لعمل رحلات امنطقة خليج تاجورة .

وفي عام 1885 أصبح مستشاراً للأعمال الدفاعية الحربية لإيطاليا في شرق أفريقيا ، ثم في أرتريا ، وأصبح وكيلاً للصحافة الأريترية في عام 1887 .

وفي عام 1889 قام بدراسات جغرافية اقتصادية لمنطقة هرر ، ثم انتقل إلى دراسة مناطق مركه وبراوه وبارديرا ، غير أنه لم يقدم تقريباً رسمياً حول تحديد مجرى نهر جوبا..

وكان أوغو فيراندي مرافقاً لفيتوريو أثناء رحلته إلبى نهر جوبا بتكليف من الجمعية الجغرافية الإيطالية ، وبعد أن وصلت البعثة إلى منطقة لوخ انقسمت إلى قسمين فسار فيتوريو إلى الداخل نحو نهر أومو تاركا أوغو فيراندي في لوخ فانتهز الفرصة وقام بجولات دراسية في منطقة لوخ وعلى نهر جوبا خلال سبعة عشر شهراً ..

وفي كتاب أوغو فيراندي عن منطقة لوخ وصف صادق لمقومات البيئة الطبيعية والبشرية مما استفادت منه الحكومة الإيطالية في معرفة حقائق سليمة عن المنطقة . ويذكر الكتاب أن أوغو فراندي هو منشئ مدينة لوخ وأنه أقام بها حامية صومالية كبيرة ، ونظم أمر الدفاع عنها ضد الاعتداءات الحبشية القادمة من الطريق التجاري الطويل من جنوب الحبشة إلى لوخ فقد كان الأحباش يطمعون في السيطرة على لوخ لأهميتها الاستراتيجية والتجارية على مفترق الطرق التجارية وفي وسط إقليم غني بالانتاج الزراعي ويمكن الوصول إلى المحيط الهندي عبر لوخ في سهولة وأمان وفي أقصر زمن بالنسبة لأي طريق آخر .

ويقول فيراندي في كتابه ( قد قمت بالدفاع عن الوطن أمام عدو شديد ، مستعملاً أسلوباً سياسياً للاحتفاظ بالوطن وحكمت بينهما (الصوماليين والأحباش ) وهم عن حكمي راضون ) ...

وكان لأوغو فيراندي بعض الرحلات في براوه وضواحيها ، وحينما سيطرت إيطاليا على البلاد بحكم المعاهدات المبرمة بين السلاطين والايطاليين قامت الحكومة الإيطالية بتعيين أوغو فيراندي وكيلاً لها في سلطنة علوله ، وبذلك انتقل الرائد من مجال الارتياد والكشف إلى مجال الأعمال السياسية والإدارية كغبره من الرواد كما سنرى في دراسة التقسيم الاستعماري لشبه جزيرة الصومال .

رتشارد برتون Richard Burton

ضابط بحري (بريطاني) في الجيش الهندي ، مولع بالسفر والترحال ، مغامر ممتاز ، قام برحلات عديدة في شرق أفريقيا منها الرحلة الأولى مع زميله سبيك في عام 1854 إلى الشاطئ الشمالي للصومال ولم يتمكن من السير في داخل الإقليم الشمالي (صومالند) بعد مدينة بربره لتعرض أفراد الرحلة في أحد المحطات لهجمات الوطنيين .. وبعد فترة قام برتون متخفياً في زي حاج هندي وسار في طريق القوافل بين زيلع وهرر حتى وصل إلى مدينة هرر وكان أول أوروبي شاهد مدينة هرر وقدم وصفاً رائعاً لعادات وتقاليد الشعب الصومالي بجانب دراسة وافية عن اقتصاديات هرر وعادات وتقاليد أهلها .. وأصدر كتابه في جزئين عام 1894 متضمناً مغامراته فيب الصومال وكشف منطقة هرر ورحلاته في شرق أفريقيا بصفة عامة للبحث عن منابع نهر النيل ..


التقسيم الاستعماري للصومال

لم يبدأ الاستعمار في أي منطقة من الاعلم إلا بعد دراسة وتخطيط ، فلم تكن الرحلات الكشفية ، وحركات الرواد في الارتياد والكشف ، إلا بمثابة الطلائع الأولى لعمليات الاستعمار ، وفي أكثر الرحلات ان لم يكن فيها كلها كانت الدول الكبرى هى التي تقوم بتمويل الرحالة والمرافقين لهم وتزودهم بالمعلومات اللازمة والمال والعتاد والسفن وغيرها من المستلزمات للقيام بأي رحلة كشفية ، وفي مقابل هذا كانت الدول ، أو الجمعيات الجغرافية ، تطالب بتفاصيل جغرافية واقتصادية وسياسية واجتماعية وغيرها عن أحوال تلك المناطق التي يقوم الرواد باكتشافها أو اختراقها أو دراستها .. على نحو مارأينا في دارسة طبيعة الكشوف الجغرافية ورواد الكشف والارتياد من الأوروبيين في الصومال وقد ضربنا الأمثلة دون حصر للرواد الذين جابوا بلاد الصومال .

ومما ساعد على قيام الاستعمار في الصومال طبيعة الشعب الصومالي المسلم ، الذي يحيا في يسر وفي هدوء وسلام ن يتقبل الوافدين إليه بصدر رحب كريم ، ويتعاقد معه على الخير ، وما يدري ماقد حملت قلوبهم من حقد على تجارتهم الرائجة ومافي نفوسهم من ألوان الشر والاستعمار والاستخراب . فكان الشعب الصومالي المسلم يثور في نفسه لهذا التحول من الصداقة والأخوية إلى الارستقراطية والعنجهية ، وكان له أن يثور على القادمين ، وأن يرد التابعيين للاستعمار والقادمين في ركابه من رجال التبشير ، وكان كفاحاً مجيداً عظيماً بدليل أن الاستعمار في كل مكان من شبه جزيرة الصومال لم يؤثر في عقائد الشعب بل خرجت الصومال من كربتها في عام 1960 وهي دولة إسلامية ليس بينها مسيحي واحد ..

والاستعمار لم يدخل البلاد في يسر وسهولة بل قد وجد مقاومة وعنفاً في أول وماكان يدري الشعب الصومالي المسلم ما حاكه خبراء الاستعمار من عهود معسولة ودسائس وهدايا مقابل اتفاقيات الصداقة والانسانية أو ماكان يدريه أنها ستتحول إلى وثائق استعمار وحماية للأوروبيين أنفسهم من ثورة الشعب الذي اتخذ من الحكام ستاراً يحميهم من غضب الشعب وثورته ؟..

والشعب الصومالي المسالم لم يكن في تاريخه القديم في حاجة إلى جيش منظم ، وسلاح حديث لأنه كان يعيش في هدوء وتعاون أخوي اقتدهما ظروف البيئة الرعوية التي جعلته قوماً قدرين .

لكن الشعب الصومالي اليوم تعلم من التاريخ فأصبح له من القوة ما للأمم المتقدمة ، وعرف كيف يكيد لهم كيداً ، وكيف ينتصر على القوم الكافرين ..

والاستعمار في مفهومه الحديث هو استيلاء دولة على قطر من الأقطار أو جزء من قطر ، وإدارة شئونه أو استثمار مرافقه المختلفة إما بيد مهاجرين يرحلون إليه ويستوطنوه كمنا فعهلت إيطاليا في صوماليا وإما استغلاله بيد سكانه الأصليين كما عملت بريطانيا في الصومالند ، وفرنسا في الصومال الفرنسي . وأثيوبيا في غرب الصومال .

وفي كل صور الاستعمار يعمل المستعمر على امتصاص أكبر فائدة ممكنة لصالح الدولة المستعمرة ، وهو في هذا يدعي لنفسه عدة حقوق كحق القوة الذي لا يعترف بالضعيف من حوله كما تفعل الحبشة في غرب الصومال ، وحق الاحتلال الأول أي لم يسبقهم احد في الاحتلال كما فعلت زنجبار في بنادر ، ومن بعدها إيطاليا في صوماليا ، وحق الاحتلال بالتعاقد بإغراء السلاطين البسطاء باسم حماية الاستقلال كما فعلت بريطانيا في صومالند ، والفرنسيون في الصومال الفرنسي . و مهما تعدت الحقوق والنظريات فإن الاستعمار معناه الاستخراب في كل جوانبه ..

وفي الدراسة القادمة تاريخ عام لكل منشأة استعمارية في الوطن الصومالي ، وتلك أنجع وسيلة لدراسة كل جزء من الوطن الصومالي من بداية الاستعمار حتى قيام الحرب العالمية الثانية . خلال فترة الصراع الأوروبي الأثيوبي ( المفاوضات والمعاهدات) بشأن تقسيم بلاد الصومال إلى مناطق نفوذ-وأيضاً - خلال فترة كفاح الشعب الصومالي من أجل استقلاله ووحدته تحت زعامة السيد محمد عبد الله حسين ..

التعليق


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

الفصل الثاني: الصومال الفرنسي

دوافع الإرتياد

بدأ اهتمام فرنسا بشرق أفريقيا منذ عام 1835 حينما إتخذت خطوات عملية في ارتياد واكتشاف تلك المنطقة والبحث عن مكان لأيجاد منشأة فرنسية ، وتتابعت تلك البعثات الكشفية التي بعثت بها فرنسا لدراسة سواحل البحر الأحمر وشرق أفريقيا ومنها : بعثة كومب، وبعثة تاميزبيه، وبعثة فريه ، وبعثة جاليفيه وروجيه على التوالي وأن كانت هذه البعثات لم تحقق مكاسب علمية لفرنسا من إيجاد رابطة بأي لون كانت ، فأنها قد سلطت أضواء على هذه المناطق ، فبعثة كومب فشلت في محاولتها إيجاد نفوذ لفرنسا في زيلع ، وكذلك في مصوع التي كانت خاضعة للإدارة المصرية ، وبعثة فريه أشارت إلي المستعمرات خطوات الناشئة حول خليج عدن وناشدت دولة (فرنسا) إتخاذ خطوات علمية في هذه المنطقة الهامة على طرق التجارة العالمية بين الشرق والغرب (جنوب البحر الأحمر).

ولنجاح بريطانيا في إحتلال عدن بقوة السلاح عام 1839 ، وفصلها عن أمارة لحج ، واحتلال بعض الجزر في خليج عدن ، أن بدأت فرنسا تتطلع إلي هذهالمنطقة كقاعدة استراتيجية ومركز تموينلسفن الفرنسية بين الشرق والغرب وأسندت أمر بعثة علمية إلي العالم الفرنسي روشيه ديريكور ليقوم برحلة إلي خليج تاجورة ،ومنها إلي إقليم شوا ودراسة تلك المناطق وتقديم تقرير شامل عن مدي استفادة فرنسا من إيجاد علاقات أي كانت مع سكان تلك الجهات .

تقرير علمي عن شوا والصومال :

وبعد أن قام روشيه برحلته عبر خليج تاجورة وأرض شوا كتب مذكراته التي سماها : ( التأملات السياسية والتجارية في مملكة شوا وجنوب الحبشة ) وفيما يلي الأعتبارات الهامة بالنسبة لفرنسا كما يراها روشيه في مذكراته ..

1- نشرالحضارة الفرنسية في شرق أفريقيا على غرار ما تفعل بريطانيا في غرب أفريقيا ، ومما يسهل رسالة فرنسا أن الحبشة على دين فرنسا ورغبة ملك شوا في السيطرة على كافة السلطات و إقامة علاقات تجارية مع فرنسا مما يجعل التبشير والحضارة والأقتصاد تسير في خطوط متوازية لا تعارض بينها .

2- كثرة الأسواق الأستهلاكية في الصومال وشوا ، وغناها بالموارد الطبيعية النادرة و الغالية الثمن في أوروبا ، بالأضافة إلي فرص واسعة تحتاج لحركة استغلال جديدة لصالح فرنسا .

3- يقول روشيه (يكفينا أن نعرف فوق ذلك أن الحبشة تتحكم في منابع النيل وفي جزء هام من مجرى ذلك النهر لكى نجزم بالأعتقاد مصيريهما يؤثران في يوم من الأيام على مستقبل مصر ، ولما كانت هذه الدولة الأخيرة تحتل مكانا كبيراً في الشئون السياسية الأوربية فمن الواضح أن استعداد إحدي الدول العظمي لأقامة نفوذها وبسطه على الحبشة يعتبر مسألة كبيرة الأهمية ..)

4- يملك حاكم شوا قوة حربية هائلة ويمكنه توحيد الحبشة تحت إشراف فرنسا .

ولتحقيق هذه المشروعات إقترح روشيه إيجاد علاقات مع شوا والصومال.. كالتالي ..


(أ) تحقيق مطامع ملك شوا الشخصية بإرسال بعض الأسلحة و البنادق والمدافع لأستعمالها في حروبه مع الجالا الوثنيين، وتحويلهم إلي المسيحية. مع إضافة بعض الهدايا الشخصية حتي يدرك أن علاقته بفرنسا شىءله إعتباره بالأضافة إلي تدعيم مركزه وسلطته في البلاد .

(ب) ومن حيث أن تجارة شوا تمر عبر طرق و مواني صومالية وخاصة ميناء بربره وميناء زيلع وهما على أكبر طرق القوافل بين هرر وخليج عدن فإن احتلال الميناءين و ضمان نفوذ فرنسا فيهما أمرله الأعتبار الأول في نجاح المشروعات السالفة.


ويذكر روشيه عن مدينة زيلع أن لها ميناء داخليا وآخر خارجيا على مسافة عشر دقائق من الميناء الداخلي ، ولهذه اليناء إمكانية إستقبال عشر سفن في حمولة 400 طن بالأضافة إلي أنه ميناء محمي عن الزوابع طبيعيا والمدنية في حماية خمسين بدوياً ولها أربعة مدافع منها إثنان ناحية البحر وإثنان ناحية الداخل ، وفي المدينة سوق رائجة في البن والصمغ العربي و الجلود وغيرها من منتجات هرر .

ويذكر عن ميناء بربرة أن له إمكانية استقبال من عشرة إلي إثنيتي عشرة سفينة و أن حركة الميناء فصيلة تتعطل خلال أشهر الصيف الشديدة الحرارة من أكتوبر إلي فبراير من كل عام حيث يهجرها السكان إلي الهضاب الداخلية.


بدء المناورات العملية لفرنسا في الصومال

لم تظهر فرنسا أي نشاط عملي تجاة الصومال إلا حينما رفضت السلطات البريطانية في عدن تموين السفن الفرنسية بالفحم بحجة أنها على الحياد أثناء الحرب الفرنسية في الهند فكان على فر نسا أن تبدأ مناوراتها العملية تجاه الصومال للبحث عن قاعدة لتموين سفنها بالفحم أثناء مرورها في خليج عدن، وخاصة بعد أن أنشأت فرنسا وزارة المستعمرات والجزائر في عام 1858.

وحدث أن كان الكابتن ليجيني الذي بقوم بجولة استطلاعية عبر مواني بربره وزيلع وجزر موسي وخليج تاجورة تقابل مع الشيخ إبراهيم أبو بكر حاكم زيلع أثناء زيارته لتاجورة ، وطلب منه بسط الحماية الفرنسية علية مقابل تنازله عن قطعة أرض كبيرة قرب تاجورة.

ويرجع طلب الشيخ إبراهيم للحماية الفرنسية إلي أن السلطات البريطانية في عدن قامت بمصادرة سفينة تجارية يملكها الشيخ إبراهيم بحجة أنه يتعامل في تجارة الرقيق ، وأنه عميل فرنسي على ساحل الصومال ، وبطبيعة الحال صادف طلبه كل استجابة عند ليجيني وفرنسا لأن خليجتاجورة له ميزتان : أولا -أنهميناء على الطريق البحري ، وثانيا-مخرج طبيعي لتجارة الحبشة والصومال.

قام ليجني بناءاً على تعليمات الحكومة الفرنسية ، بتوزيع الأسلحة و الهدايا والمال على المشايخ المحليين ، و في نفس الوقت كتب احتجاجا لدى السلطات التركية لأخذهاأربعة آلاف ريال كغرامة من الشيخ إبراهيم أبوبكر لبيعه حطام سفينةقديمة ، وذكر ليجيني أن هذه السفينة فرنسية وهى من اختصاصات فرنسا .. واسترد المبلغ وأعاده للشيخ ابراهيم أبوبكرمماكان له وقع طيب في نفس الشيخ أبو بكر والرؤساء المحليين ، وأيقنوا عن طيب خاطر أن الفرنسيين محبون للصومالين وناصرون لهم على الأتراك الذي يضغطون عليهم تبعاً لسياسة بريطانيا .

اتفاقية لم تخرج إلي حيز الوجود :

وفي 13 أكتوبر عام 1859 وصلت خليج تاجورة بعثة فرنسية بقيادة راسل لأجراء دراسات و عقد معاهدات سرية مع رؤساء الدناقل ما بين مصوع وقبة الخراب، واستطاع راسل أن يوقع اتفاقية مع ملك تجرة بمقتضاها تنازل ملك تجرة عن المنطقة التي تمتد من حافة جبل جودام حتي جزر أوده و ديسبك عبر سهل زيلع والأاضى المحيطة بـخليج عادولي. وذلك مقابل حماية فرنسا له و لممتلكاته على شاطىء البحر الأحمر حتي مدينة زيلع، على أن يتعهد ملك تجرة و خلفاؤه ورعاياه بعدم التنازل أو التعهد أو ترك أى جزء من بلاده لدول أخرى بدون موافقة فرنسا.

ومع هذه المكاسب الفرنسية الظاهرة فإن الإتفاقية حكم عليها بالبقاء سرا أى أصبحت اتفاقية ميتة ، ذلك أن ثيودور، ملك الحبشة استطاع أن يقتل ملك تجرة، واحتفظت فرنسا بالإتفاقية في وزارة الخارجية كسردون مطالبة ثيودور أو غيره بتنفيذها.


معاهدة أبوك

وفي نفس العام (1859) قتل هنري لامبرت القنصل الفرنسي في عدن على ظهر باخرة قرب جزيرة موسى و أشيع أن قتله تم بمعرفة حاكم زيلع ، فأرسلت فرنسا لجنة للتحقيق في مقتل القنصل الفرنسي و المطالبة بالتعويض من الجناة ، غير أن قائد البعثة الفرنسية المدعو فليروى لانجل لم يبد اهتماما بتتبع الجناة بقدر ما ركز اهتمامه في ابرام اتفاقيات مع شيوخ قبيلة ههبر تلجعلا الذين طلبوا الحماية الفرنسية على ممتلكاتهم كما تقول الدوائر الفرنسية .

وعادت لجنة التحقيق في مقتل القنصل الفرنسي في عدن الي فرنسا ومعها الشيخ ديني أحمد أبو بكر ابن عم شيخ تاجورة الذي وقع نيابة عن سلطان (تاجورة ) وعن سلطان لهيطة و شيوخ صوماليين على معاهدة أبوك وهذا نصها:

أتم الأتفاق على معاهدة وزير الدولة للشئون الخارجية لجلالة امبراطور فرنسا وديني أحمد أبو بكر بالنيابة عن محمد بن محمد سلطان ديني وأمير على إبراهيم أبوبكر وشاهيم و سلطان لهيطة زعيم قبائل الدناقل و غيرها و المخول له جميع سلطات هذه القبائل.

أجرى الاتفاق على الآتي:

مادة 1 : صداقة و سلام مع قبائل الدنافل. التنازل عن أبوك لفرنسا من رأس على الي رأس دوميرة .

مادة 2 : سلطان ديني ورؤساء القبائل يتخلون لجلالة الأمبراطور عن ميناء مرسي أبوك الواقعة بالقرب من رأس بيريا في السهول الممتدة من رأس على الي الجنوب حتي رأس دوميرة الي الشمال .

مادة 3 : بهذا التنازل تمت الموافقة و دفع الثمن و قدره 50 ألف فرنك .

مادة 4 : يدفع المبلغ على قسطين .

مادة 5: يضمن هذا التنازل رؤساء الدنافل بالتضامن وهم سلطان محمدابن محمد وسلطان ديني كرلون عثمان ، وعلى إبراهيم أبوبكر ،و شاهيم ،وسلطان لهيطة ورؤساء القبائل وممثلهم ديني أحمد أبوبكر.

مادة 6 : يتعهد الرؤساء المذكورين عاليه منفردين و متضامنين بتقديم كافة التسهيلات الممكنة للجاليات الفرنسية المستوطنة في أبوك سواء في البحر أو البر ، و التقدم في مجرى أنهار أنازو و هواش، وأن يتنازلوا لهم عن الحق في قطع الأخشاب اللآزمة لهم من الغابات ، و في حصولهم على الماء العذب من العيون و الجداول التي توجد على الساحل بالقرب من أبوك و أماكن تشيد مخازن مياه بالأتفاق العام في الأماكن الضرورية دون الحاجة الي تأمين لإقامةتها .

مادة 7 ،8 : خاصة بالرعي والملاحات .

مادة 9 : يتعهد رؤساء الدناقل و القبائل الأخرى المتنقلة التي تعيش على الساحل بتعهد رسمي بإبلاغ السلطات الفرنسية المقيمة في أبوك عن كل إقتراح تقدمه أي دولة أجنبية بشأن انفصال أى منطقة من المناطق ، و أن تعاهدهم متضامن و متصل بأن يرفضوا أي عرض يقدم لهم من دولة أخرى بدون موافقة حكومة جلالة امبراطور فرنسا.

تم اجراء المعاهدة في 11 مارس 1862 في باريس

ب . س . توفيفيل
امضاءات وأختام
ديني بن سلطان محمد حامد
ابن المرحوم السلطان حامد
الأمير الهادي أبوبكر
إبراهيم شاهيم

وبعد هذه الشروط المقيدة للسلطان و خلفائه من بعده أضافت فرنسا مادة جديدة في المعاهدة و تنص في حالة عدم صلاحية ميناء أبوك لإيواء السفن الكبيرة فعلى ديني أحمد باسم شيخ على إبراهيم و زعماء القبائل الموقعين على المعاهدة بالتخلي عن ميناء آخر مناسب بنفس الشروط السابقة و نفس الثمن .

رفع العلم الفرنسي على أبوك

في 30 أبريل 1862 ،وصلت الي ميناء أبوك سفينة فرنسية و عليها بعثة برياسة شيفر بشأن استلام أراضي أبوك ، و تحديد نطاقها حسب معاهدة أبوك ، و بعد أن وجد شفير أن المكان مناسب قام بإعطاء ابن السلطان مبلغ 25 ألف فرنك نصف قيمة منطقة أبوك و ملحقاتها حسب الأتفاق المبرم في 11 مارس من نفس العام ، و أعتبرت المعاهدة نافذة المفعول.

وقام شيفر بزيارة لميناء زيلع ، و تقابل مع الشيخ أبو بكر في زيارة مجاملة و قام الشيخ برد الزيارة على ظهر السفينة حيث استقبله شيفر استقبالاً رسمياً ، كما استقبل شيفر السلطان ديني استقبالاً رسمياً أيضاً ، و قام في 19 مايو بالإحتفال الرسمي لإستلام أراضى أبوك و رفع العلم ، و أطلقت المدافع طلقات نارية ابتهاجاً برفع العلم الفرنسي على أبوك لإثبات ملكية فرنسا ، أو بمعني أدق لإعلان بداية الإستعمار على ساحل الصومال ..

وعادت البعثة الفرنسية بعد أن أشعرت زعماءالصومال بعظمة فرنسا و الصداقة معها بعد تلك الحفلات و المسامرات الرسمية لإكساب العلاقة الصومالية الفرنسية طابع المدينة و الحضارة .

موقف بريطانيا وفرنسا من أبوك

وجدت بريطانيا أن وصول الفرنسيين الي سواحل الصومال قد يكون فيه حرمان عدن من الأمدادات التموينية الغذائية القادمة من الصومال ، كما أنها تشكل خطراً كبيراً أمام رغبة بريطانيا في خلق مستعمرات بريطانية على سواحل الصومال .لذا قامت سلسلة من المناورات البريطانية بهدف إبعاد الفرنسيين عن السواحل الصومالية ،وأشاعت أن المعاهدة الفرنسية لا قيمة لها لأنها أجريت بعيداً عن الحاكم الحقيقي لأبوك و هو حاكم تركي.

و كان رد الفعل لهذه المناورات البريطانية أن قامت فرنسا بإسناد مسألة أبوك و استغلالها الي وزارة البحرية و المستعمرات الفرنسية ويقول وزير خارجية فرنسا بهذا الصدد :(إنني أعتقد فعلا بأنه من اللازم لنفوذنا السياسي أن نتخذ قراراً نهائياً بخصوص المناطق القريبة من عدن و من بريم و سيكون من المؤسف أن نقوم عبثاً بهذه المعاهدة دون أن تتلوها أية نتيجة ، و من ناحية أخرى فإن شق قناة السويس في المستقبل و وجود سفن حربية في البحر الأحمر و بحر الهند علاوة على إمكانية تحويل جزء من القوافل التي تصل الأن الي تاجورة أو زيلع أو بربرة الي محطة فرنسية .. كل هذه الإمكانيات تجعل الأمل كبيراً في أن تجد علاقاتنا التجارية ارتكازاً هاما في احتلال لهذه الأراضى ).

وفي عام 1874 قامت فرنسا عن طريق ممثلها في مصر بتقديم أقتراح الي الحكومة المصرية بشأن تنازلها عن مستعمرة أبوك لمصر في مقابل تنازل الحكومة المصرية عن قطعة أرض لتشغلها القنصلية القرنسية في القاهرة .و رغم إجراء محادثات طويلة في هذا الشأن فإنه لم تتخذ خطوة علمية في تحقيق الإقتراح نظراً للظروف السياسية التي كانت تمر بها مصر في هذا الوقت.


نحو استغلال أبوك

بدأ الإستغلال الفعلى لأبوك بعد مضي نحو عشر سنوات من تاريخ إبرام المعاهدة مع السلطان ،وكان أحد التجار الفرنسيين المامرين قد تمكن في عام 1872 من أن يحصل على تصريح بالإقامة في أبوك لأعمال تجارية تحت مسئوليته، على أنه في حالة نحاح أعماله تتعهد وزارة البحرية و المستعمرات بأن توجه بعض السفن الي أبوك لتموينها بالمواد الغذائية الطازجة و المياه .

و بعد مرور نحو ست سنوات (1878-1884)،وصلت مئات الطلبات الي وزارة البحرية و المستعمرات بشأن السماح لبعض الفرنسيين بالهجرة الي أبوك ، و لكثرة هذه الطلبات أصدرت الوزارة في 25 ديسمبر 1880 اعلاناً عن الممتلكات الفرنسية في أبوك بالنسبة للطلبات المقدمة بشأن الإستيطان بها .. جاء فيه أنه ( منذ أن تحصلت الحكومة الفرنسية على هذه المستعمرة ، وهى لم تقم بتحديد نطاق ملكيتها في هذهالأراضى ، ولم تمارس الحكومة سيادتها الفعلية عليها ، و لذا كان من الصعب تحديدها و إعطاء امتيازات لأحد ، ومن أمكنه أن يصل الي أبوك فله حق اختيار المكان الملائم له ، و نوع العمل و يكون احتلاله مؤقتاً وتحت مسئوليته الخاصة .و لوزارة البحرية حق انتزاع الملكية للصالح العام أو لأغراض حربيةكيفما الوزارة).


موقف مصر من أبوك

في عام 1881 أشيع أن الحكومة الفرنسية سترسل سفينة عليها بعض الخبراء لمسح أراضى أبوك وتحديدها في الوقت الذي كانت إيطاليا تبدى نشاطاً ملحوظاً في التوسع الايطالي حول عصب، غير أن البحرية المصرية حالت دون امتداد نشاط الايطاليين حتي في عصب نفسها وقامت يرفع العلم المصري على أبوك بإعتباره منطقة تحت الإدارة المصرية. وكان رد الفعل أن بعثت فرنسا سفينة حربية فرنسية إلي أبوك، وأنزلوا العلم المصري، ورفعوا العلم الفرنسي، وأدعي قائد السفينة أنه لم ير العلم المصري على أبوك وأنه سأل ثلاثة من الصوماليين تقابل معهم في أبوك عن صاحب الأرض فلم يعرف منهم جواباً، وكان ذلك حديثاً لقائد السفينة مع حاكم عام هرر الذي كان مقيماً في زيلع في ذلك الوقت مع أبي بكر باشا حاكم زيلع، وقال القائد أيضاً: أما عن أبوك فهي ملك وفق معاهدة رسمية مما أدهش نادي باشا لأنهم لا يعرفون شيئاً عن ذلك.

وقدمت الحكومة الفرنسية احتجاجاً إلي خديو مصر لرفع العلم المصري على أرض أبوك التي تملكها فرنسا وفق معاهدة رسمية ولم تتخذ مصر أي خطوة حاسمة سريعة في الموضوع، ذلك أنها كانت في صراع مع الإيطاليين حول عصب وتخشى أن يقوم اتحاد فرنسي إيطالي يضر بالمصالح العامة لمصر والصومال.

خطوات عملية نحو تعمير أبوك

كان من أثر التنافس الدولى على سواحل الصومال واحتلال بريطانيا مصر عام 1882 وقتل أرنو المستعمر الأول الفرنسي في أبوك أن قامت فرنسا باتخاذ الخطوات اللازمة نحو الاحتلال الفعلي لأبوك والمحافظة على النظام بها ، فبعثت بفرقة بوليسية إلى أبوك كما أصدرت تعليمات إلى لاجارد ممثل فرنسا السياسي في أبوك بأن يقوم بإقامة مخزن للفحم بها، وأن يحددها عملياً.

وقام السفير الفرنسي في لندن بوضع حد للمناورات البريطانية وغيرها بان أعلن رسمياً للحكومة البريطانية بأن أبوك احدي الممتلكات الفرنسية على ساحل الصومال . و بدأ لاجارد في وضع مخطط من أجل توسيع المستعمرة الفرنسية حول أيوك فوجد من الضرورى ضم دونجاريتا (بين زيلع و بربرة ) لمستعمرة أبوك لأهميتها في تموين أبوك باللحوم و المواد الغذائية كأهمية بربرة بالنسبة لعدن .

وفي الوقت نفسه اتخذت الحكومة الفرنسية خطوات تقدمية نحو تشجيع حركه الهجرة و الإستيطان و الإنماء الإقتصادي في أبوك، كما أصدرت تعليمات لكافة السفن الفرنسية المارة عبر مضيق باب المندب أن تتجه الي أبوك للتموين بالمواد الغذائية والفحم.

وخلال الفترة التي ازداد فيها نشاط الفرنسيين في تعمير و استغلال أبوك أشيع خبر قرب جلاء الإدارة المصرية من ساحل الصومال، وكان الباب العالى سبق أن رفض الأراضى التي كانت تابعة لمصر تحت الشروط التي حددتها بريطانيا ، و التي من شأنها تحديدسيادة الباب العالي بألا يتنازل أو يتخلي أو يبيع أى جزء من الأراضى التابعة للباب العالي على ساحل الصومال بعد جلاء الإدارة المصرية إلابالإتفاق مع بريطانيا ، و معني هذا فقدان السيادة التركية على البلاد.

وانتهز مونج القائم بأعمال السفارة الفرنسية بالقاهرة ،هذه الفرصة القلقة في السياسة لتوسيع مستعمرة أبوك، والحد من التوسع الإيطالي حول عصب ، والتوسع البريطاني على الساحل الجنوبي لخليج عدن، فبعث برسالة في 26 أغسطس 1884 الي جول فيري يشير عليه بانتهازه الفرصة لتوسيع حدود أراضى أبوك بضم تاجورة والجزء الشمالي من خليج تاجورة لأراضى المستعمرة، والتوسع على ساحل الصومال ،لما فيها من فوائد جليلة لفرنسا، وتحقيق النجاح الكامل يكون بالإعتماد على صداقة أبي بكر باشا حاكم زيلع.

المعاهدات و الإتفاقيات

أصدرت الحكومة الفرنسية عن طريق وزارة المستعمرات الفرنسية تعليمات و توصيات الي قائد محمية أبوك بالتوسع في المستعمرة، والعمل على إغراء الشيوخ الصوماليين و كسب ودهم لوضع أنفسهم و ممتلكاتهم تحت الحماية الفرنسية ،و أن الحكومة الفرنسية رصدت مبلغ خمسين ألف فرنك باسم قائد المحمية لتسهيل عمليةالمفاوضات و إبرام الإتفاقيات و المعاهدات مع الشيوخ الصوماليين ، دون الدخول في صدام مسلح مع قوات بريطانيا المرابطةفي عدن و سوقطرة و ساحل الصومال الشمالي.

معاهدة مع سلطان تاجورة

أشيع أن البريطانييين يعملون في استمالة صاحب تاجورة نحو وضع بلاده تحت الحامية البريطانية ، فأسرع لاجارد الممثل السياسي الفرنسي في أبوك إلى عقد اتفاقيات مع شيوخ الصومال وتمكن لاجارد الداهية من ذلك عن طريق الهدايا الثمينة ، ووليمة كبيرة أقامها للشيوخ الصوماليين والأعيان على ظهر السفينة تكريماً لاستقبال سلطان تاجورة الذي وقع عقب الاحتفال في 21 سبتمبر 1884، على معاهدة مع لاجارد نائب الحكومة الفرنسية في أبوك .

وكانت المعاهدة بشأن الحماية الفرنسية على ممتلكات السلطان وتنظيم مرتب شهري للسلطان ووزيره بعد انقطاع المرتبات المخصصة لهما من قبل الحكومة المصرية ، واعتمدت الحكومة الفرنسية المعاهدة التي أبرمت (في 22أغسطس 1885) بين مستر م.لاجارد حاكم ابوك نيابة عن الحكومة الفرنسية ، وحامد بن سلطان تاجورة ، حاكم المنطقة التي بين رأس على علي إلى قبة الخراب .

نص المعاهدة :

مادة 1: صداقة

مادة 2: يضع السلطان حامد ممتلكاته تحت الحماية الفرنسية .

مادة3: ليس من حق الحكومة الفرنسية تغيير القوانين واللوائح العمول بها في إقليم السلطان .

مادة 4: يتعهد السلطان حامد وخلفاؤه بتقديم التسهيلات اللازمة للفرنسيين بشأن المساكن وشراء الأراضي اللازمة .

مادة 5 : يتعهد السلطان حامد بعدم إبرام أي معاهدة مع أي دولة أجنبية دون موافقة حاكم أبوك .

مادة 6: يمنح الاسلطان حامد مرتباً شهرياً قدره خمسمائة فرنك و80 فرنكاً لوزيره .

مادة 7 : في حالة اختلاف الطرفين في تفسير المعاهدة يلجأ إلى النص الفرنسي للمعاهدة .

إمضاء لاجارد ختم سلطان تاجورة حامد بن محمد حاكم أبوك سلطان تاجورة

وبعد إبرام هذه المعاهدة التي قيدت سلطان تاجورة وخلفاؤه ، وأعلنت الحماية الفرنسية على تاجورة ، يقول لاجارد في التعليق عليها " أن المبلغ المرتب شهرياً للسلطان وزيره لايمكن اعتباره ذا قيمة نظراً لأهمية البلاد التي أعطيت لنا ، وسيكون من الضروري علينا أن نزيد عليه فش شكل منح وهدايا لتمكين الاحتلال الفعلي لهذا الإقليم " .

والحقيقة أن هذه المعاهدة قد أعطت فرنسا تسهيلات عظيمة للاتصال بمملكة شوا في الداخل ، فمنطقة تاجورة ذات مركز استرتيجي وحيوي على رأس طريق القوافل إلى شوا باتباع الطريق المنبسط الذي يتقوس قليلاً ما بين تاجورة وسالجو وبحيرة عسل ، ثم متابعة مجرى كالو في سهل جوباد حتى نهر هواش فأراضي شوا . وهذا الطريق بين البحر وشوا وبخاصة جزؤه الأدنى (أراضي صومالية) الذي كان خاضعاً لسلطان تاجوره (الصومالي) الذي يتحكم في التجارة المارة خلال أراضيه حتى البحر وكانت كلمته مسموعة على القبائل التي بداخل البلاد..

ضم تاجورة رسمياً إلى ممتلكات فرنسا في الصومال:

لم تتخذ الحكومة الفرنسية حركة استغلال فعلي لتاجورة رغم أن المعاهدة تعطيها هذا الحق ، مما جعل سلطان تاجورة يتقدم بشكاوى إلى لاجارد من أن بعض الصوماليين قاموا برفع العلم المصري مرة أخرى على رأس علي ، وأنه في حاجة إلى قوة بوليسية لحماية المنطقة .. قاتصل لاجارد بالقنصل الفرنسي في القاهرة يناشده العمل للحصول على موافقة من خديوي مصر باحتلال فرنسا لمنطقة تاجورة ، لأنه يرى أن رفع العلم المصري على تاجورة إنما كان بتوجيه انجليزي ، ولذا يخشى أن يحدث تصادم مسلح مع القوات البريطانية المرابطة على ساحل الصومال الاشمالي وعدن .

وفي عام 27 سبتمبر 1884 بعثت الحومة الفرنسية بتعليمات إلى لاجارد بأن سيستعد لاحتلال عملي لتاجورة عقب انسحاب الإدارة المصرية مباشرة من الأراضي الصومالية ، وإذا حدث ظهور قوات إنجليزية ، فعليه أن يقدم احتجاجاً لدى الحكومة الانجليزية وأن يبتعد عن أي صدام مسلح . وخلال فترة انسحاب الإدارة المصرية عن ساحل الصومال ، وانشغال البريطانيين في احتلال بربره وزيلع كان الإيطاليون يتوسعون حول عصب وكان الفرنسيون قد رفعوا أعلامهم على رأس علي وانجازه .

ولم تتقدم بريطانيا بأي احتجاج ضد فرنسا أو إيطاليا وإنما أعلنت اعترافها بالوضع القائم فعلاً حتى تضمن اعتراف الدولتين باحتلال بريطانيا لبربره وزيلع ، وفي الوقت نفسه تظهر بريطانيا أمام الرأي العام والشعب الصومالي بأنها لم تنفرد بالاحتلال الاستعماري لأراضي في شبه جزيرة الصومال . في 25 نوفمبر1884 ، أقام قائد الحامية الفرنسية في أبوك احتفالاً رسمياً دعا إليه شيوخ وزعماء القبائل وذلك بمناسبة ضم تاجورة رسمياً إلى ممتلكات فرنسا وأطلقت المدافع تحية وذكرى لإنشاء القاعدة الأساسية لمستعمرة الصومال الفرنسي ..

وهذه المكاسب الفرنسية على ساحل الصومال قد دعمها تنفيذ القانون الفرنسي في 12 أغسطس 1885 من أجل تأسيس مستعمرة أبوك والحماية على تاجورة وملحقاتها الإقليمية ، ولم تحتج بريطانيا على هذه الحركة التوسعية للفرنسيين حول خليج تاجورة رغم أن بريطانيا سبق لها أن أبرمت معاهدة مع سلطان تاجورة في 1880 ، أي قبل معاهدة فرنسا مع سلطان تاجورة بنحو أربع سنوات ، وكانت المعاهدة الانجليزية تلزم السلطان بعدم التنازل أو التعامل مع أي دولة أخرى ، وكانت بريطانيا ترمي من وراء ترك منطقة تاجورة لفرنسا أن تضمن عدم تدخل الفرنسيين في شئون الساحل الشمالي للصومال خلال فترة انشغالها بجمع التوقيعات على المعاهدات التي كانت أعدت في عدن ليتم امضاؤها والتصديق عليها في الصومال عبر الأراضي الممتدة من زيلع إلى رأس حافون.

معاهدة مع سلطان جوباد

بعد أن دعمت فرنسا سلطانها على أبوك و تاجورة عمل مثلها السياسي في أبوك على اغراء السلطان أحمد لهيطة سلطان جوباد ليكون صديقاً لفرنسا،و يترك صداقته لإيطاليا مقابل أن تساعده فرنسا على عودة خورانجار لنفوذه،و بذلك أمكن للداهية الفرنسي لاجارد إبرام معاهدة مع سلطان جوباد في يناير 1885 بالنص التالي :

مادة 1: لتعزيزروابط الصداقة التي تربط فرنسا بالسلطان أحمد لهيطة شخصياً وبالنيابة عن ورثته ، يمنح إقليمية لحكومة الجمهورية الفرنسية.

مادة 2: يتعهد السلطان لهيطة بألايبرم أي معاهدة أو اتفاق مع أي شخص دون استشارة ممثل فرنسا و الحصول على موافقة تحريرية منه.<ref> هذا الشرط لا ينطبق على شئون قبائل الدنافل التي هى من اختصاصات السلطان فقط.</ref>

مادة 3: تتعهد الحكومة الفرنسية بحماية السلطان من الأجانب.

مادة 4: إذا ماوجدت الحكومة الفرنسية أن من المناسب إقامة قافلة تنتهي عند قبة الخراب يتعهد سلطان لهيطة بتحمل مسئولية حماية هذه القافلة، وأن يتعاون مع ممثل الحكومة في تنظيمها و رحيلها النظم.

مادة 5 : في حالة الإختلاف في تفسير المعاهدة يلجأ الي النص الفرنسي.

امضاء-لاجارد حاكم أبوك ختم السلطان أحمد لهيطة

معاهدة مع رؤساء قبائل العيسي الصومالية :

أبرمت معاهدة صداقة و حماية فرنسية مع قبائل العيسي الصوماليين في 26 مارس 1885 هذا نصها:

مادة 1: صداقة.

مادة 2: موافقة زعماء القبائل على وضع بلادهم تحت الحماية الفرنسية.

مادة 3: تتعهد الحكومة الفرنسية من جانبها بتسهيل حركة التجارة على الساحل و خاصة في أمبادو.

مادة 4: تتعهد قبائل العيسي من جانبها بتقديم المساعدات باستمرار لفرنسا ، و عدم التوقيع على أى معاهدة أو أى اتفاق بأى صورة كانت دون موافقة حاكم أبوك ، وإلاتعتبرالمعاهدة ملغاة. امضاء. لاجارد. حاكم المستعمرة (بصمات حكام القبائل وعددهم ثلاثة عشر حاكماً )

مشاكل حدود المستعمرة الفرنسية في الصومال

منذ أن أبرمت فرنسا معاهدة تاجورة في عام 1862 و هي تعمل على جمع التوقيعات على اتفاقيات و معاهدات من شأنها زيارة مساحة المستعمرة الفرنسية في الصومال مما كان له أثره في النزاع بين فرنسا و إيطاليا ، و بين فرنسا و بريطانيا بشأن تحديد حدود المستعمرة الفرنسية الواقعية بين مستعمرات إيطاليا و بريطانيا. وتفسيرذلك.

أولاً : نزاع الحدود مع إيطاليا

وهي تتركز في مشكلة خور أنجارالذي يقع الي الشمال من أبوك و جنوب مستعمرة عصب الإيطالية..وقد اعترض القنصل الإيطالي في عصب على معاهدة أبوك بأنها لاتحتوي على خور انجاز كما أخبره مشايخ لهيطة الذين طالبوا بتحقيق في المعاهدة (أبوك )لمعرفة ما إذا كان خور انجار تابعاً لمحمية أبوك الفرنسية أم لا..وفي الوقت نفسه طالب مشايخ لهيطة أن تحميهم الحكومة الإيطالية وفق معاهدة الحماية الإيطالية على سلطنة لهيطة..و يذكر القنصل الإيطالي في مذكرته المقدمة لحكومة ايطاليا بشأن مشكلة خور انجار ، أنه قام بتهدئة حالة الثورة الشعبية التي قام بها شعب لهيطة ضد الإحتلال الفرنسي لخور انجار ، و بناء عليه قدمت الحكومة الإيطالية طعناً في اتفاقية أبوك باسم المشايخ المحليين لتحول دون توسيع الفرنسيين حول أبوك و جاءت إجابة حكومة فرنسا بأن احتلال خور انجار شيء طبيعي مؤيد بالوثائق التي تشير الي امتدادها جنوباً الي رأس دميره التي هى الحد الشمالي على الساحل للأراضى التي منحها العقد المبرم مع شيوخ الدنافل لفرنسا في 11مارس سنة 1862.

وأسندت المفاوضات بشأن مشكلة خور انجار الي القنصل الفرنسي في أبوك و القنصل الإيطالي في عصب، و صمم لاجارد القنصل الفرنسي على عدم أعطاء أى ميزة للإيطاليين الي الجنوب من رأس دميرة و عدم مناقشة اتفاقية 1862.

وفي الواقع لم يكن لسلطان لهيطة أى حقوق شرعية فقد كان شيخاً على البلاد، ثم موظفاً لدى حكومة مصر التي فصلته من عمله في عام 1881 ، ثم قامت إيطاليا بتعيينه حاكماً على البلاد حتي يتمكنوا من أبرام معاهدة باسم السلطان.

وقام لاجارد بخطوة علمية بأن احتل رأس دميرة لتكون ايطاليا أمام الأمر الواقع ، و في الوقت نفسه استنجد بقوات فرنسية لتقوية المحمية و اعادة حالة الشعب الي شيء من الإستقرار.

وتمكن لاجارد من كسب صداقة أبي بكر باشا حاكم زيلع و وزير تاجورة وأن يعقد اتفاقا ًمع سلطان لهيطة ، و بذلك قطع الأمل أمام الإيطاليين في المطالبة بخور انجاز.

ولكي يدعم من نفوذه في أبوك و ملحقاتها قام بإنشاء معمل تكرير المياه و بناء سقالة بحرية في ميناء أبوك و عمل على تشجيع الهجرة الفرنسية الي أبوك ، كما عمل لاجارد على إنشاء منطقة خاصة بالصوماليين و بذلك وضع أسس العمل في أبوك و ملحقاتها.

ثانياً: نزاع الحدود مع بريطانيا

أتجهت المناورات البريطانية الي ناحية امبادو التي تمثل منقطة استراتيجية هامة على طريق التجارة مع هرر ، فأوعز القنصل البريطاني في زيلع الي رؤساء القبائل أن يقوموا بثورة ضد الفرنسيين بشأن أمبادو و أنها خارجة عن نفوذ فرنسا ، و قام بعض أعوان بريطانيا برفع العلم البريطاني و إنزال العلم الفرنسي ، فأسرع لاجارد بسياسته الممثلة في الهدايا و النقود و الأماني الي كسب ود الشيوخ في منطقة أمبادو حتي طلبوا منه الحماية الفرنسية على أراضيهم : فوافق لاجارد في الحال ، و منحهم أياها دون الرجوع الي فرنسا لإنقاذ الموقف و بذلك قتل المناورات البريطانية في مهدها دون استفحالها و حصل لاجارد على حقوق لفرنسا في أمبادو على أساس اتفاقية 1862 ، و تنازل سلطان لهيطة عن كل حقوقه في هذه الناحية لفرنسا و شهد مشايخ العيسي على هذا التنازل ، واعترفوا بالحماية الفرنسية على أراضيهم و أنفسهم ، و أرتفع العلم الفرنسي على أمبادو مرة ثانية ، فاضطرت بريطانيا الي الإعتراف بنفوذ فرنسا في أمبادو و يرجع هذا العمل الفرنسي الناجح الي مهارة ممثلها السياسي و قائد حامية أوبوك.


تودد فرنسا الي الحبشة

وجدت فرنسا أن بريطانيا و إيطاليا تعملان على إيجاد مناطق نفوذ لهما في ساحل الصومال و على الموانى بصفة خاصة و أن كلا منهما يتنافس في كسب ود المشايخ الصوماليين من ناحية وو كسب ود المنافسين من ملوك الحبشة من ناحية أخري لضمان مراكزهما في الصومال أو لتتحقيق مطامع شخصية ، فدخلت فرنسا هذا المجال السياسي ، و كانت أسرع الدول في تدعيم سلطتها و توسيع نفوذها على طول خليج تاجورة من ناحية ،و كسب ود منليك ملك شوا من ناحية أخرى.

فمن مراجعة كشوف الشحن في عدن الي ميناء أبوك وجد أن التاجر الفرنسي سافورا قد صدر الي منليك ملك شوا في رحلة واحدة عبر أبوك في 27 يونية 1885 نحو 30 ألف بندقية و 600 ألف خوذة حديدة و ثلاثة ألف غدارة نارية لمشاة، و يذكر الشاعر الفرنسي آرثر الذي كان تاجراً للأسلحة في عام 1888 ومقيماً بمدينة هرر أنمنليك ملك شوا تسلم في غضون خمس سنوات أكثر من 44 ألف بندقية من أنواع مختلفة.

وبذلك تكون فرنسا قد حققت مقترحات الرحالة روشيه من تقوية العلاقات مع ملك شوا ليتمكن من السيطرة على منافسيه من ملوك الحبشة من ناحية و ضمان بقاء الفرنسيين في الصوماليين في الصومال من ناحية أخرى.

وفي عام 1886 اتفقت فرنسا و بريطانيا على تحريم تصدير الأسلحة الي ملك شوا فربما تقع في يد قبائل هجمية مما بكون له آثار سيئة في محمية فرنسا و محمية بريطانيا في الصومال على حد نص تعبير الإتفاقية ، و لكن فرنسا لم تأخذ بالإتفاقية فقد كانت وجهة نظرها أن ذلك مكن مع الرؤساء المجاورين للساحل من الصغار و البربر كما قال وزير خارجيتها ، و لكن ملك شوا و الإمبراطور يملكان قوات عسكرية كبيرة من المستحيل منع تزويدهما بالأسلحة ، كما أن وجهة نظر بريطانيا فيما بعد هى منع التسليح بصفة عامة حتى يمكن السيطرة و الهيمنة على البلاد وفق المصالح البريطانية ودون اراقة الدماء.


تأزم العلاقات الفرنسية الإنجليزية

بعد أن وطدت فرنسا علاقتها مع ملك شوا من ناحية ومع الإيطاليين في شمال المستعمرة الفرنسية فإنها بدأ تتتجه نحو توسيع المحمية ناحية الجنوب حتي زيلع ، فادعي القنصل الفرنسي في هرر و زيلع بأن القبودان سالمون قبل مقتله على ظهر السفينه في عام 1859 كان قد إبرم معاهدة تنص على الحماية الفرنسية على المنطقة الممتدة من بلهار الي تاجورة بما في ذلك منطقة زيلع.

وكان هنرى القنصل الفرنسي في هرر و زيلع قد تودد الي أبي بكرباشا حاكم زيلع ووقع معه معاهدة اعلان الحماية الفرنسية على زيلع نظير مبلغ معين من المال من المصروفات السرية ، غير أن خبر هذه المعاهدة وصل الي السلطات البريطانية على ساحل الصومال فأصدر القنصل الإنجليزي أمر بألقاء القبض على أبي بكر باشا ، و لكنه لجأ الي القنصلية الفرنسية التي أعلنت الحماية الفرنسية عليه ، و تأزمت العلاقات بين القنصل الإنجليزي و القنصل الفرنسي حتي كادت تنشب حرب بين الدولتيين بشأن زيلع.


تبادل المذكرات بين فرنسا و بريطانيا لتحديد مناطق النفوذ

اجريت مفاوضات بين فرنسا و بريطانيا بشأن خليج تاجورة و الساحل الصومالي في فبراير 1888 على صورة تبادل المذكرات التالية. التي حددت مناطق النفوذ لكل من بريطانيا و فرنسا علي ساحل الصومال.


سيادة الماركيز سالسبري

كان لي الشرف في الحديث مع سيادتكم بشأن حقوق كل من فرنسا و بريطانيا في خليج تاجورة و سواحل الصومال بناء على رغبة حكومة الإمبراطورية الفرنسية و حكومة جلالة الإمبراطورة البريطانية ، و بعد أن تبادلنا وجهات النظر في جو من المودة و الصداقة تمكنا من الوصول الي الأتفاق على الأمور التالية.

1 - اعتبار الخط المستقيم الذي يبدأ من الساحل من نقطة مقابلة لأبار هارد حتي أياسوين، و منها يتابع الخط سيره حتي طريق القوافل عند بيوكابويا ، ومنها يساير طريق القوافل -زيلع- هرر- مارابجلدبسيا ، على أن يكون هذا الخط فاصلاً بين الأراضى التي تحت الحماية الفرنسية ، و تلك التي تحت الحماية البريطانية ، و اعتبار منطقة أبارهارد مشاعاً بين كلتا الدولتيين.

2 - تعترف الحكومة البريطانية بمحميات فرنسا على سواحل تاجورة الواقعة الي الغرب من الخط المذكور بما في ذلك جزر موشا، و جزيرة باب الواقعة في الخليج وعلى القبائل و الفروع في المنطقة المحدودة سابقاً كما تعترف الحكومة الفرنسية بمحميات بريطانيا على الساحل الواقع شرق هذا الخط حتي بندر زياد و على القبائل و الفروع في المنقطة المحددة سابقاً.

3 - تتعهد حكومة فرنسا بمنع أى تدخل في شرق الخط المذكور كما تتعهد بريطانيا بنفس العمل في الخط المذكور.

4 - تتعهد الحكومتان بألا تحاول أحدهما ضم هرر أو وضعها تحت الحماية و عند تبادل التعهد لاتتخلي الحكومتيان عن مقاومة أى محاولات أجنبية أو ادعاءات من دولة أخرى للحصول على حقوق في هرر.

5 - حرية التجارة على طريق القوافل من زيلع الي هرر لتجارة الدولتيين و تجارة الأهالى.

6 - تتعهد الدولتان بعمل اللازم لمنع تجارة الرقيق و استيراد الأسلحة الخاضعة لسلطانهم.

7 - تتعهد حكومة بريطانيا بإحترام معاملة الأشخاص الذين تحت حمايتها سواء كانوا رؤساء أو أفراد قبائل ممن سبق أن كانوا تحت الحماية الفرنسية كما تتعهد حكومة فرنسا من جانبها بحماية الرعايا و القبائل الذين تحت حمايتها.


و في حالة الموافقة على ما جاء في هذه المذكرة أكون شاكراً لو تفضلتم سياتكم بتسجيل هذه الإتفاقية التي وقعناها بالنيابة عن حكومتنا الموقرة.

9 فبراير 1888 - وزارة الخارجية
وادينجتون


السيد السفير وادينجتون.

تشرفت باستلام مذكرة سعادتكم بشأن التنظيمات التي اتفقنا عليها بخصوص حقوق كل من بريطانيا العظمى و فرنسا في خليج تاجورة و الساحل الصومالي.

ونص الإتفاقية كما يلي: (نفس البنود السابقة بالنص الحرفي ) و يسرنى أن اجراءات التنظيمات التي جاءت في مذكرة سعادتكم قد وافقت عليها حكومة جلالة الملكة ، و ستعتبر ارتباطاً بين الدولتين من وقتنا هذا.

وبناء عليه استطيع أن أسجل أنني أدركت أن المادة الثالثة من الإتفاقية تخول حماية أى من الفريقين للمواطنين الذين في حماية الفريق الآخر ، و أن سيادتكم موافقون معي على هذه النقطة كما بدا في الحديث الودى. سالسبري

اعلان الحماية الفرنسية

وبالإتفاقية السابقة تم اعتراف كل من بريطانيا و فرنسا بحق الطرف الأخر ، بالحماية على الجانب الغربي و الجانب الشرقي كل بما يخصه على طول خط التقسيم في اعطاء حرية التجارة للدولتين و المواطنين على طول طريق التجارة بين زيلع وهرر ، و تنازلت فرنسا عن تعيين وكيل خاص لها بزيلع، كما أن الطرفين وافقا على أبعاد القنصلين الإنجليزي و الفرنسي عن ساحل الصومال.


التعليق
التعليق

وقامت فرنسا بعد ذلك بتحويل قاعدتها من أبوك الي جيبوتي، ذلك الميناء الضخم ذو الموقع الحساس عند مدخل خليج تاجورة -على خليج عدن - وفي مواجهة عدن مما دعا الفرنسيين الي إعلان الحماية الفرنسية التفكير في تحويل تجارة هرر الي ميناء جيبوتي الجديد ، غير أن هررتعتبر مركزا حيويا لجارة شوا و معني تحويل تجارة شوا و هرر الي جيبوتي القضاء على نفوذ و مكاسب إيطاليا في الحبشة ، و كانت فرنسا تخشى التصادم مع ايطاليا التي فسرت معاهدة أوتشيالي مع الحبشة بأنها معاهدة حماية على الحبشة، و في رأي الإيطاليين أن هرر جزء من المستعمرة الحبشية فكان صراعاً سياسياً بين ايطاليا و فرنسا وبريطانيا خرجت منه فرنسا بحدودها الحالية في الصومال الفرنسي.

الفصل الثالث: محمية الصومال البريطاني

ظهور البريطانين على سواحل خليج عدن

بسب ظهور القوى الإسلامية في البحر الأحمر و خليج عدن بزعامة مصر في القرن التاسع عشر أصبح الطريق البحري بين الشرق و الغرب مهددا ًبإزدياد القوى الإتحادية الأسلامية لدول شمال شرق أفريقيا و ذلك مما يهدد المصالح البريطانية في هذه المنطقة الهامة من العالم، لذا وجهت حكومة الهند أنظارها نحو خليج عدن فقامت قوات بريطانية هندية بفصل عدن عن إمارة لحج بقوة السلاح في 16 يناير سنة 1839.

وبعد فترة وجيزة تحولت عدن من كونها رأساً صغيرة قاحلة على مياه خليج عدن الي مدينة هامة ذات تجارة حرة واسعة ، و مركزاً للتخطيط و التوسع الإستعماري البريطاني في الجنوب العربي من ناحية والصومال من ناحية أخرى ، غير أن أكثر الاتجاهات البريطانية كانت نحو الساحل الجنوبي لخليج عدن حيث يعيش الشعب الصومالي المسلم في هدوء و تعاون أخوي ، و ذلك بهدف الحصول على مواد غذائية و تموينية لقاعدة عدن القاحلة ، و إيجاد مراكز استراتيجية و تجارية على ساحل الصومال تكون كمحاور للأمتداد نحو داخل الوطن الصومالي <ref> قامت بريطانيا باحتلال جزئين من أرض الصومال هما (( الإقليم الشمالي للجمهورية الصومالية)) محمية الصومال البريطاني وإقليم أنفدي ( منطقة الحدود الشمالية) ولمتابعة المراحل التاريخية للاستعمار ونضال الشعب الصومالي من أجل حريته واستقلاله ووحدته سنقوم بدراسة كل منطقة على حدة </ref>، و السيطرة على موارده الإقتصادية و البشرية ، و تحريكها وفق المصالح البريطانية في شرق أفريقيا.

وعقب استيلاء بريطانيا على عدن قامت بمناورات أخري في خليج عدن أسفرت عن احتلال جزر باب التي تتحكم في مدخل قبة الخراب، و جزيرة ايفات التي تتحكم في ميناء زيلع، و ذلك في عام 1840. و في نفس العام أيضا قامت بشراء جزر موسى من سلطان تاجورة بعشرة حقائب من الأرز.

أول معاهدة بريطانية مع سلطان تاجورة

وفي 19 أغسطس عام 1810 ، قام الكابتن روبرت مورسبي من البحرية الهندية بالنيابة عن شركة الهند الشرقية بعقد معاهدة مع سلطان تاجورة ، وتنص المادة الرابعة من المعاهدة على تعهد السلطان محمود ابن سلطان تاجورة أن يراعي دائماً النصائح الودية التي يقدمها الرسميون البريطانيون ، و أن يتعهد بألا يدخل في أي معاهدة أو ميثاق أو اتفاق مع أي دولة أوروبية أخرى أو أي شخص دون علم السلطات البريطانية في عدن ، حتي لا يكون هذا سبباً في خسارة تجارية و أصدقائه البريطانيين . وفي مقابل هذه التعهدات ستراعي الحكومة البريطانية المصالح الودية بين البلدين ، و أن تعمل لما فيه صالح تاجورة و تطوير حالتها التجارية.

و تنص المادة السابعة على أنه في حالة دخول السلطان مع أي دولة أخرى في - معاهدة أو اتفاق أو تجارة ، فإن السلطان يتعهد بألا يوافق على أي معاهدة أو اتفاقية من شأنها أن تضر بالصالح البريطاني سياسياً أو تجارياً ، و في مقابل هذا يتعهد البريطانيون بتحسين العلاقات مع ولاية تاجورة.

ومن الجدير بالاعتبار أن هذه المعاهدة لم تدخل مرحلة التنفيذ حتي عام 1884، حينما قام الفرنسيون بعقد معاهدة مشابهة مع نفس السلطان ، و لصالحهم فقط ، و مع هذا لم تبد بريطانيا اهتماماً بأمر المعاهدة لأنها كانت مشغولة بجمع معاهدات و اتفاقيات أكثر أهمية و حيوية في المنطقة الواقعة الي الشرق من زيلع ، فتركت مسألة تاجورة للفرنسيين مقابل أن يعترف الفرنسيون بالنفوذ البريطاني الي الشرق من زيلع.

ومع أن بريطانيا أصبح لها عدن و جزر موسى و باب و ايفات ،وسيطرت على أرخبيل موسى الذي يتكون من ثلاثة جزر كبيرة نسبياً و خمسة جزر صغيرة في داخل خليج تاجورة . و رغم أن هذه المناطق تشغل نطاقاً حساساً و استراتيجياً هاماً على بداية طريق القوافل الذي يسير مع وادي هواش من الساحل الصومالي عبر الأراضى الصومالية الي داخل الحبشة ، فإن بريطانيا لم تزاول نشاطها بدرجة معقولة ، و إنما تركت اسمها و شخصيتها دون عمل إبجابي في هذه المناطق.


النشاط الإستعماري البريطاني :

بدأ النشاط الإستعماري لبريطانيا عقب توقيع سلطان تاجورة على معاهدة الحماية الفرنسية على أبوك في عام 1862 حينما أظهر بلايفير المقيم السياسي البريطاني في عدن غضبه و تضايقه من إعلان الحماية الفرنسية على أبوك و صرح بأن (احتلال أبوك غير شرعي لأنها تابعة لسلطان تركيا ، و إن لم تكن تركيا قد رفعت أعلامها أو أرسلت موظفيها الي تلك المنطقة فإنه من الثابت أنها من متلكات تركيا ، و أي احتلال لأبوك يكون بالإتفاق مع الباب العالي مباشرة).

وكان رد شيفير المقيم الفرنسي على تصريح بلايفير بأن (الإنجليز تصرفوا بمثل ما علمت فرنسا عند شرائهم لجزائر موسى و إيفات).


اتفاق مع حاكم زيلع

وخشية أن يتوسع الفرنسيون على ساحل الصومال توسعاً يجعل مسألة تموين عدن بالمواد الغذائية أمراً تحت رحمة الفرنسيين فإن بريطانيا أسرعت في عقد اتفاقية مع حاكم زيلع باسم الشركة الهندية الشرقية لضمان تموين عدن بالمواد الغذائية.


اتفاق مع سلطان ماجرتنيا

و في عام 1866 أبرم الوكيل السياسي البريطاني في عدن اتفاقية مع السلطان محمود يوسف مجرتنيا بشأن الصداقة و التبادل التجاري و منع تجارة الرقيق بالإضافة الي الشروط المعتادة مع الإتفاقيات و المعاهدات و التي من شأنها أن تقيد قوة السلطان و تربطة بعجلة المصالح البريطانية.

اهتمام بريطانيا بالصومال:

و في عام 1869 افتتحت قناة السويس كأقصرطريق ملاحى من الشرق الي الغرب ،و ظهرت أهمية الصومال كحارس للمدخل الجنوبي للقناة و قاعدة استراتيجية في أية حرب قادمة سواء في أفريقيا أو آسيا، و كمنطقة للتوسع التجاري في شرق أفريقيا ، و من ثم بدأ الصراع الدولي يتجه من حوض البحر المتوسط الي خليج عدن و كانت الصومال مركز الإهتمام و التنافس الدولي من أجل كسب مراكزنفوذ و قواعد عسكرية و محميات.


إبعاد مصر عن الصومال

كانت مصر كما ذكرنا في دراستنا لموضوع مصر و الصومال في القرن التاسع عشر من أول الدول التي لها علاقات بالوطن الصومالي ، و كانت الإدارة المصرية تمتد من شمال خليج تاجورة حتي رأس حافون ، و في قلب الصومال الي هرر ، و ما أن وصلت السفن المصرية الي كسمايو حتي ظهرت المطامع و الدسائس البريطانية و الإدعاءات الزنجبارية بحق السيادة على السواحل الجنوبية للصومال ، حتي أمكن جلاء ما سماه القنصل الإنجليزي في زنجبار بالخطر المصري من السواحل الجنوبية للصومال.

وكان اتفاق سبتمبرعام 1877 بين بريطانيا ومصر فيه اعتراف بريطانيا بامتداد الإدارة المصرية على سواحل الصومال حتى رأس حافون تحت سيادة الباب العالي ووضعت بريطانيا شروطاً تقلل من السيادة التركية على هذه المناطق مما دعى الباب العالي إلى رفض الاتفاقية ، ولهذا أعتبرت بريطانيا أن المعاهدة ملغاة من طرف الباب العالي ، وقائمة بالنسبة لوجود الإدارة المصرية كحقيقة واقعة من باب المندب إلى رأس حافون .

ومن أجل إحباط المناورات الأوربية على سواحل الصومال أعلن المقيم السياسي البريطاني في عدن عام 1879 قائلاً : " سوف أعارض بشدة أي دولة أجنبية تحاول أن تستحوز على نفوذ على الشاطئ الجنوبي لخليج عدن ".

وكان لاضطراب ميزانية مصر بسبب ديون اسماعيل باشا الناجمة عن حفر قناة السويس وقيام الثورات الشعبية بقيادة العرابيين ضد الحكم الرجعي في مصر وقيام ثورة المهدي في السودان وغير ذلك. كل ذلك كان فرصة للتدخل في شئون مصر المالية باسم المحافظة على حقوق البريطانيين، ثم تحولت إلى استعمار سافر حيث أعلنت الحماية على مصر في عام 1882م. وفي 18 يونية عام 1884 أصدرت بريطانيا تعليمات إلى الميجر هنتر على ساحل الصومال بأن يعمل على انسحاب الإدارة المصرية من ساحل الصومال، وأن يعمل على مواجهة كل إمكانية للإخلال بالنظام المحلي أو الاحتلال الأجنبي وذلك بعقد الاتفاقيات مع شيوخ القبائل المحلية وخاصة هؤلاء القاتنين في مواني بلهار وبربره وميت وبندر قاسم وبندرخور وبندر حافون، كما خول له حق استخدام قوة مسلحة تكون على استعداد دائم في عدن لمواجهة الحوادث حينما تدعو الحاجة لذلك، كما سمحت له بحرس خاص مكون من 40 جندياً لحمايته من المواطنين. وبعد أن تمكنت بريطانيا من الضغط على مصر، وإجلاء الإدارة المصرية عن الصومال، قامت بتقسيم ساحل الصومال إلى قسمين: قسم أول من بوغاز باب المندب إلى زيلع. وقد دعى الباب العالي ليمارس سلطته عليه. قسم ثاني من زيلع إلى رأس حافون وأعلنت بريطانيا أنها ستعمل الترتيبات اللازمة للمحافظة على النظام وحماية المصالح البريطانية في هذا الجزء وخاصة في منطقة بربره التي تمون قاعدتها في عدن بالمواد الغذائية.

بريطانيا ومنطقة بربره: قام الميجر هنتر تحت حراسة السفن الحربية الإنجليزية و الهندية إلى مياة خليج عدن لمساعدة السلطات البريطانية في عدن في احتلال بعض المراكز الهامة على ساحل الصومال الشرقي من زيلع. وتحت بريق الهدايا والبقشيشات والجنيهات الاسترلينية والوعود المعسولة تمكن هنتر من جمع التوقيعات من الشيوخ الصوماليين المقيمين في بربره، وذلك قبل انسحاب الإدارة المصرية مما يتنافى مع القانون الدولي. وقد أضاف هنتر شرطاً إلى المعاهدات وهو أن تكون سارية المفعول عقب جلاء الإدارة المصرية مباشرة.

وكانت الإتفاقية الأولي مع شيوخ قبيلة هبراول، و كانت صورة الإتفاقية قد أعدت من قبل في عدن ليصدق عليها فقط في الصومال، و هذه الإتفاقيات قيدت شيوخ القبائل وورثتهم بعدم البيع أو التنازل عن أى بقعة من أراصيهم لأى دولة أو فرد أو جماعة من الناس.

وبعد أن قام هنتر باحتلال بربره كتب الي وزارة الهند في لندن عن رغبته في عقد معاهدات مماثلة مع سائر رؤساء بلاد الصومال، و ادعي في رسالته أن ذلك لتحقيق رغبة الأهالي في التفاوض مع بريطانيا.

و في أول أغسطس عام 1884، أبرق اللورد جرانفيل الي اللورد دافرين في القسطنظينية يقول: ( ما لم تكن الحكومة التركية مستعدة لإتخاذ الإجراءات السريعة لإحتلال زيلع طبقاً لإتفاق 29 مايو سيكون من الضرورى لحكومة صاحبة الجلالة (بريطانيا) أن ترسل قوة للمحافظة على النظام هناك) و يريد البريطانيون من ذلك أن تعترف تركيا بإحتلال بريطانيا لبربره.

و كان رد الباب العالي على برقية اللورد جرانفيل بأن الباب العالي على استعداد لإرسال قوات عثمانية الي زيلع و تاجورة و سواكن، وقد طلب الباب العالي استفسارات عن الإجراءات التي قامت بها بريطانيا لإحتلالها بربره التي هي جزء من بلاد الصومال التي اعترفت بها بريطانيا في سبتمبر عام 1877 في الإتفاق البريطاني المصري.

و لكن السلطات البريطانية أعلنت أن ( الباب العالي قد مارس سلطانه فترة من الزمن على المنطقة الممتدة حتي زيلع و بالرغم من عدم اعتراف الحكومة البريطانية بذلك لم يحدث نزاع بالفعل بسببها، و لكن ادعاء السلطان لسيادته على القبائل الصومالية مابين زيلع ورأس حافون قد أنكرته الحكومة البريطانية مراراً، و لم يقبل الباب العالي الظروف التي أعربت فيها بريطانيا عن استعدادها للإعتراف بسيادة هذه القبائل بمقتضي الإتفاق المبرم في 7 سبتمبر 1877 بين بريطانيا و الخديو. وعليه لا يصبح للباب العالي أن يستند في أحقيته لبربره على اتفاقية بقيت بدون تنفيذ ).


صيغة المعاهدات البريطانية الصومالية

قام الميجر هنتر بعقد عدد من المعاهدات مع القبائل الصومالية الي الشرق من زيلع خلال الفترة مابين 1884 -1885، و كلها تحمل صيغة معينة بالصورة التالية:

نحن الموقعين أدناه( أسماء شيوخ القبائل المدونة هنا ) راغبون في الدخول في معاهدة مع الحكومة البريطانية لصيانة استقلالنا و حفظ النظام و غيرها من الأسباب التي تملأ نفوسنا رضى و اطمئناناً، و عليه تعاهدنا على الأتي:

مادة 1: تعلن القبيلة (المذكورة هنا ) أنها تتعهد بألاتتنازل، أو تبيع، أوترهن، أو تسمح بإحتلال أى جزء من أراضيها التي تقطنها أو التي تحت أدارتها لأى دولة أخرى إلاللحكومة البريطانية فقط.

مادة 2: كل السفن التي تحمل الأعلام البريطانية لها حرية التجارة مع كل المواني التابعة لأراض القبيلة المذكورة.

مادة 3: كل الرعايا البريطانيين القاطنين و المترددين و الزائرين بمنطقة القبيلة المذكورة يتمتعون بالسلام التام و ضمان حرية تنقلاتهم داخل أرض القبيلة في رعاية شيوخهم.

مادة 4: منع تجارة الرقيق مطلقاً في أراضى القبيلة المذكورة، ولبريطانيا حق استخدام القوة البحرية أو البرية من الضباط و الموظفين و غيرهم من العاملين في خدمة صاحبة جلالة الملكة البريطانية في مصادرة السفن التي تتعامل في تجارة الرقيق.

مادة 5: لبريطانيا حق تعيين المندوبين عنها لاإقامة في أراضى القبيلة المذكورة و يكون لهم حق تعيين الحارس أو الحراس حسبما تري الحكومة البريطانية على أن يكون للمندوبين حق احترام الأهالي و الشيوخ. يعمل بالمعاهدة المدونة عاليه، و تكون سارية المفعول من تاريخ أمضائها و هذه التوقيعات للتأكد من الصفة القانونية للمعاهدة. توقيع المشايخ المذكوريناسم المقيم السياسي. والمساعد والشهود ( نواب عن الحكومة البريطانية) التاريخ


تاريخ لأشهر المعاهدات البريطانية الصومالية

في 30 نوفمبر سنة 1884 قام الملازم كنجيل نائب القنصل البريطاني في زيلع حسب الأوامرالصادرة إليه من المقيم السياسي في عدن بإختلال جزر موسى و أباض المتحكمين في مدخل قبة الخراب، و رفع العلم البريطاني عليهما و ذلك لشل حركة الميناء التابع لفرنسا. و قام الميجر هنتر بعقد معاهدات مع شيوخ صوماليين من قبيلة جدابورسي في خور كالنجلات و هى نموذج من المعاهدات السابقة التي أبرمها رؤساء القبائل الواقعة الي الشرق من زيلع.

و في 30 دبسمبر 1884 عقد معاهدة مع قبيلة هبر تلجعلة تختص بالساحل الصومالي مابين بربره و هايس.

و في 31 ديسمبر1884 عقد هنتر معاهدة مع قبيلة العيسي صومال في الأراضى التي تمتد من زيلع حتي هرر، و هي مجاورة للأراضى التي ضمها الفرنسيون أخيراً.

و في 31 يناير1885 عقد هنتر معاهدة مع قبيلة هبر جيرها حيس و أراضيهم قريبة من أراضى قبيلة هبر تلجعلة في الغرب، وأراضى قبيلة و ارسنجالى في الشرق على الساحل الصومالي.


نصوص الإتفاقيات مع العشائر الصومالية:

و بعد عام 1886 أخذت المعاهدات البريطانية طابعاً جديداً اذ أبرمت اتفاقية اضافية مع كل عشيرة بغية ضمان تنفيذ المعاهدة دون وجودمعارضين من الأهالي، و هذا نص الإتفاقيات مع العشائر.

الحكومة البريطانية و شيوخ العشيرة المذكورة هنا قد أبرموا هذه الإتفاقية في سبيل إيجاد روابط السلام و الصداقة بينهم.

فوض الصاغ فردريك ميرسير هنتر و شيوخ هبر جيرحاج على البنود التالية:

بند أول:

تتعهد الحكومة البريطانية تبعاً لإستجابة رغبات مشايخ العشيرة المذكورة بأن تبسط سلطاتهم التشريعية على الجهات التي في حوذتهم، و تمنحهم حق حماية صاحبة الجلالة الملكة الإمبراطورة.

بند ثاني:

يوافق مشايخ العشيرة المذكورة و يتعهدون بعدم الدخول في أى علاقة أو معاهدة مع أى دولة أو سلطة أجنبية إلابمعرفة حكومة جلالة الملكة.

بند ثالث:

بعمل بهذه المعاهدة في اليوم الأول من شهر فبراير 1886. أمضاء صاغ ف. م .هنتر النائب السياسي على ساحل إمضاء الصومال أسماء المشايخ

التعليق



إعلان الحماية البريطانية : في فبراير 1885 قرر كل من اللورد كمبرلي وزير الهند واللورد جرانفيل وزير خارجية بريطانيا بأن يعهد بإدارة ساحل بلاد الصومال الممتد من رأس حافون حتى زيلع إلى سلطات حكومة بمباي، ويكون من حقها الإشراف المباشر على هذه الأراضي حتى زيلع. وفي أوائل عام 1887، انتهت الأزمة السياسية بين فرنسا وبريطانيا التي كانت قد أوشكت أن تشعل نار الحرب بخصوص مسألة دونجاريتا وامبادو وزيلع، وقامت مفاوضات بين البلدين وبمقتضاها وضعت الحدود الفاصلة بين مناطق نفوذ كل منهما بخط يبدأ من زيلع إلى هرر. غير أن السلطات البريطانية في بمباي رفضت الخط، وعدلته ليكون من رأس جيبوتي إلى هرر. وفي 20يونيو 1887، أرسل سالبري منشوراً دورياً إلى سائر دول العالم يعلن فيه إقامة محمية الصومال البريطاني في الصومال من رأس جيبوتي حتى بندر زياده عند خط 49شرقاً وقد أسند إدارتها إلى حكومة الهند عبرعدن وبمباى.

موقف بريطانيا من التوسع الحبشي في الصومال كان للتنافس الدولي في تسليح منليك و كسب وده ذا خطر كبير على الصوماليين بل على الأوربيين أنفسهم، و كانت بريطانيا تري أن ازدياد قوة منليك معناها أضاعة مصالحهم في الصومال، بل في شرق أفريقيا، لذلك إتجهت في عام 1886 الي عقد معاهدة مع فرنسا بشأن عدم تصدير الأسلحة الي الحبشة، ( فربما تقع في يد الصغار و البربره) على حد تعبير المعاهدة مما يكون له أثر سيىء على الأوروبيين، و لكن هذه الإتفاقية لم تنفذها بريطانيا أو فرنسا.

و أقامت فرنسا اتفاقاً سرياً مع الحبشة بشأن احتلال فرنسا لهرر عقب جلاء الإدارة المصرية مقابل أن تحصل الحبشة على ميناء ( على ساحل البحر الأحمر ) لتصريف تجارتها و ذلك بمساعدة فرنسا و في الوقت نفسه كانت المناورات الإيطالية تتجه نحو هرر، و كانت بريطانيا تعمل على تجميد الوضع في هرر لمصالحها الخاصة ريثما تتهيأ الظروف لضمها لمحمية الصومال البريطاني ( صومالند ).

و أصدرت الحكومة البريطانية تعليمات للميجر هنتر بأن يعقد اجماعاً في هرر أثناء جلاء الإدارة المصرية لتوليه ابن أميرها السابق حاكماً على هرر المستقلة، و أرسل الميجر هنتر رسالة الي الأمير عبدالله حاكم هرر يقول فيها ( كن مطيعاً في كل شيء لممثلها في هرر).

و في العام التالي قام الأحباش بغزو سريع لهرر فوقعت المدينة في يدهم بعد ربع ساعة تقريباً لعدم تكافؤ القوتين لأن القوى الصومالية قد جردها البريطانيون من السلاح ،فلم تستمر في الدفاع أكثر من ذلك.

و لهنتر رسالة الي السير أيفيلين بارنج يقول فيها: ( أنه لا يستبعد و جود بعض الإيطاليين مع الأحباش في غزو هرر، و لعل سبب دخول منليك الي هرر يرجع الي الأمير عبد الله الذي رفض زعامة منليك إلا إذا صار مسلماً).

و على أية حال لم تتحرك بريطانيا نحو إتخاذ أى خطوة أمام الزحف الحبشى الي هرر رغم أنبريطانيا و فرنسا قد أبرمتا معاهدة 1887 بشأن الحدود بين المحميتين في الصومال، مع إلزام كل من الطرفين بالعمل على استقلال هرر.

و في نفس العام الذي قام فيه الأحباش بغزو هرر تتابعت حملاتهم العدائية الي مسافة ستين ميلاً الي الشرق من هرر حتي مدينة جججة، و أقاموا فيها حامية حبشية. و يعلل المؤرخون انتصارات الأحباش على الصوماليين بهذا الشكل الذي لامثيل له في التاريخ العام للصومال بأن بريطانيا التي تدعي خماية الحراكات و الإستقلال لم تتورط في الدفاع عن المحميات مما هي عليه في الصومال المسلم الفقير في موارده الطبيعية و البشرية.


مد الحبشة بالأسلحة عبر ميناء زيلع:

و رغم أن ميناء زيلع خاضعاً لنفوذ البريطاني، و رغم معارضة الصوماليين، فإن الحبشة أمكنها أن تستورد 20 ألف بندقية في عام1890 عبر ميناء زيلع، لأن بريطانيا تريد أن تحقق رغبة منليك في التسلح، و قد سبقها الإيطاليون في العام السابق (1889 ) فقاموه بتزويد منليك بنحو خمسة آلف بندقية، و مليون خرطوشة هدية من هامبورت ملك ايطاليا، و الذي حمل هذه الهدية هو الإيطالي الماكر انتونللي الذي عقد معاهدة أوتشيالي المعروفة مع الحبشة، فكانت الأسلحة ترد من كل مكان بمعرفة الأوربيين المسيطرين على المواني الصومالية.


موقف بريطانيا من الصوماليين و الأحباش:

يمكن أن نوضح موقف بريطانيا الذي يتسم بالجمود، و عدم الإنسانية على لسان مؤرخها الحربي الرسمي و هو كابتن سواين الذي قال في مذكراته في مايو 1891. أن جماعة من قبيلة هبر يونس و قبيلة هبراول في جججة أخبروه أن رسولا ًمن الحبشة جاء يطلب منهم قربتين كجزية لحمايتهم من غارات الأحباش، و لم يوافق الشيوخ الصوماليين على دفع الجزية مصممين على الجهاد من أجل حريتهم و كرامتهم.

ويذكر سواين أن الصوماليين اقتنعوا تماماً بأن الحكومة البريطانية لن تقف موقف المتفرج و هي تري الأحباش يدفعوهم بشدة و قسوة بدون أن تعطيهم ولو بعض المساعدات الأدبية، فقد ( اتجهوا إلينا نحن البريطانيون على أننا حماتهم الطبيعيون، كما كان لهم أن يتجهوا الي المصريين لو أنهم استمروا على الساحل ).

أما عن التأثيرالأدبي الذي تحدث عند سواين فهو شيء يدعو الي السخرية، ففي الوقت الذي كانت فيه القوى الحبشية تتجه نحو صومال الأوجادين لم يكن هناك عمل إيجابي لصدها من جانب بريطانيا و كل ماقامت به بريطانيا هو أنها أصدرت أوامر للسفينة كنج فشر البريطانية أن تتجه الي ميناء بربره لإعطاء الأهالي الأمن والإستقرار و هي على بعد 200 ميل من الأوجادين.

وحينما طلب مادار شيخ هرجيسة من ستاك قائد الحامية أن يمنحهم بعض الأسلحة. بقوله "كافئ الرجال الذين أقاموك عليهم حافظاً وحامياً" رفض ستاك قائلاً "أن هذا سيكون مقياساً لإيجاد قوة مسلحة وليس لي حق في ذلك بدون تعلميات لندن". وتعترف الحكومة البريطانية في تقرير لها بعد أن قام الأحباش باحتلال مدينة بيوكابوبا وطردت قبائل عيسى الصومالية بأنه " كان من الممكن لأحد عشر جندياً بريطانياً أن يحموا بيوكابوبا و يحولوا دون وقوعها في يد الأحباش". ونعود مرة أخرى إلى كابتن سواين الذي قال في مذكراته بتاريخ أكتوبر سنة 1891 أن رئيس من عائلة مودان جولاب جرى من قبائل العيسى الصومالية قال له. "نحن نسألك أن تنقذنا من هؤلاء الدخلاء فهم يريدون معاملتنا كما عاملوا جرى (عشيرة صغيرة تعيش في جججة) فينهبون ماشيتنا، ويقتلون أتبعانا، ويحرقون حظائرنا أنهم يرغبون في الاستيلاء على بلادنا وطردنا منها، ولكن لن يتمكنوا من ذلك". ويشير المستر ليج المستشار الخاص للملك الحبشي في رسالة له إلى هارنجتون عن موقف بريطانيا تجاه الصوماليين قائلاً " أن عدم المبالاة الذي تظهره الحكومة البريطانية في زيلع أقنع الحبشة أن بريطانيا لا تعتبر أن هذا المكان له أي قيمة، حيث أن بريطانيا لم تقم حاجزاً للماء، ولا منزلاً في المنطقة منذ أن وجدت هناك. وفي الحقيقة أن المصريين كانوا أكثر فائدة للتجارة من الدول الأوروبية، واستطيع أن استنتج رأس مكونين حاكم هرر شعر بأنه يتصرف بحرية مع البريطانيين ولم تقم أي حركة عداء حتى الآن من جانب بريطانيا لتحول دون استمرار غارته داخل الأراضي الصومالية". ولم يكن للصوماليين مقدرة على الدفاع أمام المغيرين بأسلحة حديثة أوروبية، بل كان حمل السلاح في المحمية البريطانية حتى البيض منه شئ محرم وقد ظهراستياء عام ضد البريطانيين في كافة أنحاء المحمية البريطانية مما دفع القسم الشرقي من مكتب وزارة الخارجية البريطانية على القبائل الصومالية، وطالب القسم المختص بالصومال بحق الحماية للصوماليين في حالة حدوث أي هجوم استفزازي على ممتلكاتهم، ولم تجد هذه الشكوى أي أثر لدى البريطانيين إذ يرى البريطانيون وجود علاقات ودية ودينية وتجارية واسعة مع الحبشة لها نتائج أكثر من علاقتها بالصومال، ومن ثم عملت بريطانيا على تفكيك الوطن الصومالي والمساومة بأجزائه وفق مصالحها الخاصة دون نظر إلى المعاهدات التي أبرمتها مع السكان باسم الحرية والصداقة وحماية الاستقلال.

سياسة المصالح البريطانية تجاه الحبشة: بعد هزيمة الإيطاليين في عدوة حدثت تغيرات كبيرة في السياسة البريطانية وآثار بعيدة المدى تاريخ القرن الإفريقي، فقد كان لانتصار جيوش منليك على القوات الإيطالية في معركة عدوه أن أجبرت الحكومة الإيطالية على توقيع معاهدة سلام في خريف عام 1896 وفيها تجاهلت إيطاليا معاهدة أوتشيالي واعترفت بالاستقلال والسيادة الكاملة للحبشة مع أنه كان من الممكن بقاء السيادة الإيطالية على إريتريا. واعتراف الأوروبيون باستقلال الحبشة وسيادتها وبدءوا يتنافسون بشكل ليس له مثيل في كسب ود منليك ومهادنته، وكانت بريطانيا ترمي إلى صداقة ملك الحبشة أكثر من مطالبته بإعادة الأراضي التي اغتصبها من الصوماليين التابعين للمحمية البريطانية، ولا الحد من مطامعه التوسعية، وإنما تبغي بريطانيا صداقة وتبادل منافع تجارية مع الحبشة، مع احتفاظها بقاعدة تموينية على خليج عدن. وتتضح سياسة بريطانيا في النقط التالية:

أولاً: كان مكونين قبل معركة عدوة قد ظهرت منه بوادر تدخله في شئون الصوماليين الذين كانوا تحت الحماية البريطانية إذ أن اللورد دلامير كان قد شيد في هرجيسة مكانا للصيد، وقد كره مكونين ذلك واعتبره على ما يبدو له رمز السيادة البريطانية، فأمر بهدمه، ووصف (فريس) هذه الحادثة بأنها ألقت ضوءاً ساطعاً على الأطماع الحبشية، ثم مضى فريس قائلاً "أنه في أغسطس من العام الماضي سنة 1895، كتب رأس مكونين إلى قبائل هبراول القاطنة حول هرجيسة مدعياً أنهم من رعايا الأحباش، وطالبهم بهدم الحظيرة الصغيرة التي كان قد بناها هناك اللورد دلامير؛ وقال أن هذه الحظيرة الصغيرة التي كان قد بناها هناك اللورد دلامير؛ وقال أن هذه الحظيرة تقع ضمن الأراضي الحبشية". ولم تتخذ بريطانيا خطوة عملية بصدد التوغل الحبشي في الأراضي الصومالية.

ثانياً: وبعد عام واحد حاول الأحباش الإستيلاء على أرض صومالية و ذلك ببناء بعض الأكواخ عند آلول و بإقامة عين مائية جنوب شرق بيوكابوبا، فاشتكى فريس في أول أغسطس عام 1856 لرأس مكونين قائلاً: ( إن بعض رعايا سيادتك قد بنوا أكواخاً بالقرب من العيون المائية في آلول في الأراضي التابعة لقبائل جد أبورسي، و أننا على استعداد دائماً لتقديم التسهيلات لرعاياك ليتمتعوا بالإستفادة من تلك الينابيع و لكن يجب ألا تقام المباني و المدائن داخل أراضى جلالة ملكة بريطانيا ). و لم يكن لهذا الإحتجاج أثر، و إنما تمادي الأحباش في شن غاراتهم على القرى الصومالية.

وقد كتب فريس في خطابه الي مستر رود القنصل العام البريطاني في القاهرة يقول: ( إنه في سبتمبر كان العلم الحبشي يرفرف على آلول بقصد ادعاء امتلاك ذلك الجزء من البلاد، و يبدو أن رأس مكونين يتجاهل الحدود المبنية في ميثاق 1894 المعقود بين بريطانيا و إيطاليا، و لا يطالب بإمتلاك جدابورسي فحسب، بل يطالب أيضاً بإمتلاك جزء غير قليل من المحمية البريطانية ).

التعليق

و كل ما استطاعت بريطانيا أن تفعله أمام رفع العلم الأثيوبي في آلول أن أبرق سالسبري الي ساحل الصومال بأن ( انزال العلم في آلول لايستلزم وجود قوة كبيرة) و في رد فريس على مستر رود في القاهرة ذكره بالأسرار التي ينطوي عليها و من ورائها استيلاء الحبشة على الأراضى، كما ذكره بالإدعاءات السابقة التي ادعاها مكونين بالنسبة للسيادة الحبشة( و أن الحادثة الحالية هي النتيجة الحتمية لحوادث سبتمبر 1891 عندما شيد رأس مكونين قلعة داخل أراضينا عند بيوكابوبا. و حماها بالجنود ).

و في خطاب مؤرخ في 24 نوفمبر 1891 ذكر مكونين أن بلاد عيسى وجدابورسى تمتلكها الحبشة، و أن بيوكابوبا دخلت ضمن الحدود البريطانية بعقد مبين فيه الحدود مع الفرنسيين في 2 فبراير 1888، و وفقاً للرأى السائد في ذلك الوقت فإن الحماية الإيطالية على الحبشة لم تعد ذات مظهر قوى، فكان طلب البريطانيين من الإيطاليين الإجتماع مع الملك منليك، و إزالة القلعة أو على الأقل سحب الحامية العسكرية، و كلاهما دليل ساطع على الإعتداء الحبشي. غير أنه وجد بعد ذلك (في أكتوبر ) أن المنطقة أصبحت مهجورة و لاأثر للعلم الحبشي فيها، فأمر المقيم السياسي البريطاني بحرق الأكواخ التي شيدها الأحباش، ولكن هذا الإجراء لم توافق عليه بريطانيا مما اضطره الي أن يعتذر عنه لأنه لم يكن على دراية بالسياسة البريطانية تجاه الحبشة، و على أية حال فإن تلك الحادثة أظهرت أن رأس مكونين قد تجاهل أصلاً التماس بريطانيا في إزالة الأكواخ.

معاهدة بريطانية مع رئيس قبيلة الأوجادين

و في أول سبتمبر عام 1896 أبرمت بريطانيا معاهدة مع رؤساء الأوجادين للحد من التوسع الحبشي نحو الأراضي الصومالية و كانت بالنص التالي: أنا. أحمد مورجان رئيس قبيلة أوجادين أضع نفسي و شعبي و بلادي تحت حماية جلالة الملكة الإمبراطورية البريطانية. و أعلن نيابة عن نفسي و خلفائي من بعدي أنني سوف لاأعمل على فصل أو اقتطاع أي جزء من الأراضي التابعة لي في الماضي، أو أن أقوم بأبرام أى معاهدات مع أى دولة أخرى أو شخص أجنبي بدون تخويل من حكومةجلالة الملكة. و أتعهد بأن المعاملات التجارية بيني وبين الأجانب سوف تكون خاضعة لموافقة ممثل جلالة الملكة الذي عهد اليه بحل المشكلات، و أن أستشيره و آخذ بنصائحه في كل علاقاتي مع الأجانب. أمضاء (العربية ) شهود( أمضاءات بالعربية ) أ-ت.وجير وقعت أمامي وكيل المقيم العام ج. ف. ترتيون 1 سبتمبر 1896


بريطانيا تراودها فكرة ترك الصومال للحبشة:

من الواضح أن الحكومة البريطانية تهدف الي أن توازن بين مصالحها الإستعمارية الواسعة المدي في الحبشة، وبين مصالحها الإستعمارية الأقل شاناً ًفي محمية صومالند. و على أثر هزيمة الإيطاليين في عدوة كان كل ما تخشاه بريطانيا في ذلك الوقت هو أن دراويش السودان ستدعمهم القوات الحبشية ضد بريطانيا في أعالي النيل و أن العلاقات الودية بين منليك و فرنسا سوف تزداد، ولإحتمال قيام تهديد فرنسي حبشي لوادي النيل، فقدكان توسيع السردار في مد السكك الحديدية في السودان لأن السياسة الفرنسية قد زادت من نشاطها في الحبشة، و قد غزا نشاطها الأجزاء القريبة من شرق النيل، كما مهدت طريقاً نهريا الي فاشودة و في نهاية عام 1896 أرسل لاجارد على عجل ليصلً الي اتفاق كهذا، و في هذا تهديد لمصالح بريطانيا في السودان و أعالي النيل.


و اتجهت سياسة بريطانيا نحو المحافظة على السودان أولاً و نحو صداقتها مع الحبشة ثانياً بأية صورة ممكنة، و لكي تضمن السودان و الحبشة و تحول دون امتداد نفوذ الفرنسيين أو غيرهم في الحبشة و لتحبط كل محاولة تضر بالمصالح البريطانية في السودان و أهالي النيل، من أجل هذا أرادت بريطانيا أن تتخلي عن مسئولياتها تجاه الصومال بحكم المعاهدات، و أن تتركها لا في مهب الريح و إنما لتقدمها للأيدي الحبشية، بهدف تقوية العلاقات البريطانية الحبشية لمنع أى هجوم ضد السودان، و المحافظة عليه كمستعمرة بريطانية خالصة. و لذلك أبرقت الحكومة البريطانية في 17 نوفمبر الي المقيم السياسي البريطاني في عدن مستفسرة عما إذاكان من الممكن جعل عدن مستقلة في مواردها عن الساحل الصومالي، و عما إذا كانت المحمية ضرورية بالنسبة لمصالح بريطانيا.

و رداً على استفسار الحكومة البريطانية كتب كننجهام المقيم السياسي البريطاني في عدن في رسالة له. أنه ليس لديه أدني تردد في أهمية الساحل الصومالي،و وضح ذلك بقوله. ( إننا في السنوات الماضية كنا نحصل على ما نحتاج اليه من بربره أن نستولي على الساحل لكنه لم تكن توجد معارضة لنا في ذلك الوقت و كنا نسيطر على السوق، أما الآن فإذا أجاز لنا أن نقلل من طول محميتنا و عرضها فإن ذلك لابد وأن يفوتنا إذ اأننا لن نكون في مركز يمكن فيه أن يقاوم الضغط الذي سيلقي عليه ).

و مما يدعو للأسف الشديد أن بريطانيا التي وافقت و وقعت معاهدة الحماية مع جدابورسي سنة 1884، و صدق عليها الحاكم العام في فبراير 1885 و كانت تلزم الصوماليين عدم البيع أوالتخلي أو الرهن أوالسماح بإحتلال أى جزء من أراضيها مع أى دولة إلا مع الحكومة البريطانية، و كان الصوماليون ينفذون بنود الإتفاقيات و المعاهدات بوحي أنفسهم الصافية التي لا تعرف المكر و الخبث، و هذا على عكس ما أظهره البريطانيون من رغبة في التخلي عن المعاهدات أو جزء منها وفق مصالحهم الخاصة دون نظر الي أصحاب الشأن أو التفاوض معهم في أى أمر كان.

و يقترح كننجهام على بريطانيا فيقول: ( يبدو لي الآن أن المسألة تتعلق بإتخاذ قرارات مع الملك منليك، و ليست بالدخول في نزاع مع رأس مكونين الذي لم يكن إلا تابعاً، وأري أهمية القيام بعمل سريع لأنني أدرك أن الأخير (مكونين ) سيتبع منشوره الدوري المعروف بعمل من أعمال السيادة المكشوفة و لا قبل لي بالقيام بإحتجاج عملي ضده، كما أنه في الوقت نفسه سيؤدي الي عواقب وخيمة في المحمية ).

و كانت بريطانيا تخشي أن تتطور الأطماع الحبشية في الأراضى الواقعة تحت نفوذها فتؤدي الي صدام مسلح، فقد كانت مطامع الحبشة كما جاء في المنشور الدوري لمنليك عام 1891( و الذي أصبح منسياً الآن ) وكان ينادي به حفنة من الجنود و الشاة غير النظاميين في بيوكابوبا، كما كانت تبغي أن تدفع بعض العشائر جزية لمن يسيطر عليهم من الأحباش، و أن تحطم حظيرة اللورد دلامير في هرجيسة و غيرها من المطالب التي إدعي الأحباش أنها من حقوقهم.

و أمام المطالب التوسعية الحبشية قام اللورد هاملتون فأبرق في يناير 1897 قائلاً: ( أن حكومة حلالة الملكة تعتبر مصالح الإمبراطورية في محمية الصوكالند غير كافية لتبرر مساهمتها في الدفاع عنها أو اصلاحها أو احتلالها بصفة مستمرة إلامن وجهة الإنتفاع البحري فقط ، و إذا قام احتلال عسكري حبشي يجب التقهقر الي المواني ).

و هكذا ظهرت السياسة الإستعمارية البريطانية سافرة دون حجب، فإن مصالحها في الصومال لا تستحق منها أن تتولي مسألة الدفاع عنها، وأن المعاهدات شيء لم يحب له حسلب، و بريطانيا لاتعطي أهمية الدفاع أو الإحتلال بصفة مستمرة، و إذا كان لابد فالدفاع عن المواني التي تمد عدن بالمواد الغذائية فقط. و أما في حالة هجوم الأحباش على الصومال فإن القوات البريطانية عليها أن تتقهقر الي المواني تاركة الأراضي و الشعب الصومالي أمام الأحباش دون أن يتصادم انجليزي مع حبشي.


المفاوضات البريطانية الأثيوبية بشأن الصومال

تكوين بعثة برئاسة رينل رود: كانت الحاجة ماسة لإقامة مفاوضات عاجلة بين الحبشة و بريطانيا من أجل تحقيق مطامع كل منها، و المسألة- كما كتب كنتجهام من عدن - (قد إتخذت مرحلة حرجة و تتطلب تسوية سريعة و مسألة ارسال بعثة الي ذلك الملك (منليك ) تلك البعثة التي صرف النظر عنها مؤقتا في العام الماضي يجب أعادة البحث فيها مرة أخرى).

و قد وقع الإختيار على رينل رود القنصل العام البريطانية في القاهرة لقيادة بعثة المفاوضات البريطانية مع الحبشة، و كان أول تفكير للساسة البريطانيين هو إختيار الهدايا لمنليك. و في شأن ذلك أعلن رئيس المكتب البريطاني لشئون الهند ( أنه يمكنني أن أسوس فيلا من الهند أذا كان الملك يشتهي واحد ليركبه، أما فيما يتعلق بمسألة المدافع فإنه على الإنسان أن يتصور أن الفرنسيين قد أمدوا الحبشة بحاجتهم ). و قد علق رود الهدايا الروسية التي كانت في طريقها الي هناك. ( أنه يقال أنها جميلة جدا، وأننا سنقاسي أن أخذنا هدايا عادية بالمقارنة مع الأخرى ).ويقول أيضا.( أن الأمور توداد تعقدا هناك. أنني لا أخاف من الفرنسيين و لكن من الرسيين، أنهم دائما هم العنصر الذي لا يقهر ). و على أية حال جمعت الهدايا المتنوعة و على قمتها الصليب الأكبر لكل من القديسين ميخائيل وجورج، هدية لمنليك، و بالنسبة للصوماليين بعض خرز و مطاوى و مناديل ملونة براقة و جوارب من قطن، و كان رأي رود مصيبا حين اختار الصليب، فقد تقرب من عقلية حكام الحبشة بهذا الإختيار.


تعيمات بريطانيا الي رينل رود:

كانت التعليمات الصادرة من الحكومة البريطانية ( وزارة الخارجية ) الي رينل رود ـن يقوم بمفاوضات مباشرة مع النجاشي منليك و يوضح له أن العمليات العسكرية التي تقوم بها الحكومة المصرية في السودان إنما الغرض منها هو استرجاع المديريات التي كانت سابقاً تحت الحكم المصري، و أن بريطانيا لاتعارض في امتداد الحبشة بين خطي 10 ، 15 شمالاً على أن لايتجاوز منطقة النفوذ التي أعطيت لإيطاليا في بروتوكول 15 أبريل عام 1891. وكانت التعليمات الخاصة الموجهة لرينل رود بشأن المسألة الصومالية على الوجه التالي: 1 - الوصول مع منليك الي الترتيبات اللازمة التي تؤدي الي تفاهم محدد حول خط الحدود بين الحبشة و المحمية البريطانية. 2 - إذا كان من المحتم أن تتنازل بعض الشيء فيما يتعلق بمسألة الحدود للمحمية كما هي محددة في البروتوكول المبرم مع إيطاليا في 5 مايو 1894 فلينفذ ذلك على شرط أن هذه الإمتيازات يجب ألا تتعارض مع الهدف الرئيسي الذي اتخذت المحمية من أجله أعني ضمان الموارد الكافية لتموين عدن و إيجاد مكان للإكتفاء الذاتي للمحمية. 3 - في حالة تفويضك في الموافقة على نقل بعض القبائل التابعة للمحمية البريطانية الي الحبشة يجب أن تكون حريصاً على أنهم يجب أن يعاملوا بالعدل و التقدير. 4 - أى نصوص توقع عليها يجب ألا تشمل شيئاً يتعارض مع حقوق إيطاليا الموضحة في البنود المنعقدة بينها و بين بريطانيا العظمي في بروتوكول 24 مارس 1894. 5 - مسألة الحدود الحبشة و هي الجنوبية الغربية و الجنوبية فتلك مسألة من الأفضل تركها للمناقشة التي قد تدور بين الملك منليك و الحكومة الإيطالية إذ أنها تدخل ضمن نفوذها، كما هو معترف به من قبل بريطانيا العظمي في البروتوكول المنعقد في 24 مارس 1891 و تلك الحدود من الواضح أنها ستبقي. 6 - من المحتم أثناء مناقشتك التي سأصدق عليها في نهاية الأمر يجب أن تضع في ذهنك شروطاً للبروتوكول الموقع عليه من قبل إيطاليا في 5 مايو سنة 1894، كما يجب أن تفهم أن أى أعتراف منك يتعلق بالمطالب الإقليمية للحبشة يجب أن يكون خارج مجال النفوذ البريطاني، كما هو موضح في البروتوكول و يجب أن يكون في صالح بريطانيا العظمي نفسها دون المساس بأى من المطالب أوالحقوق المتعلقة بالدول الأخرى. 7 - الحصول على تأكيدات من منليك بعدم تقديم أى مساعدات للفرنسيين أو الدراويش في السودان و ألا تكون الحبشة معبراً بين الصومال الفرنسي في الشرق و السودان الفرنسي في الغرب. 8 - الإشارة الي جهود بريطانيا العظمي في خدماتها الجليلة لمنليك، و ذلك بإغلاق مواني الساحل الصومالي و خاصة زيلع في وجه القبائل المعادية له، و التي كانت معه في حرب، و لم تتمكن من الحصول على أية امدادات حربية من زيلع. 9 -الإشارة بفضل بريطانيا العظمي في إخراج الإدارة المصرية من الأراضى الصومالية. 10 - الإشارة الي أن بريطانيا قامت بعقد معاهدات مع القبائل الصومالية قبل احتلال الأحباش لهرو و بيوكابوبا و جججة بفترة طويلة و لم تصد له أو تعارض جدياً ضد احتلال الحبشة لهذهالمناطق.

نتائج المفاوضات البريطانية الأثيوبية: وبعد استكمال البعثة حاجياتها و معرفة تعليمات الحكومة البريطانية قام رود على رأس وفد برحلة بحرية الي زيلع و من هناك تابعوا سيرهم عن طريق القوافل و هو طريق زيلع هرر متجهين الي أديس أبابا مارين بقرية بيوكابوبا و بها قلعة مكونين الزعومة، و في هذا المكان كتب الكونت جليتشين الذي كان يصاحب رود قائلاً: ( أن الأحباش قد أقاموا لأنفسهم أقصي حد نحو الشرق و هذا الحد يشمل قلعة صخرية مسقفة بالقش من السهل إزالتها، و قد أحاطوها بسور شائك، و أقاموهاعلى تل صغير هرمي الشكل، ويشف على الأبار و كانوا من الصوماليين و السودانيين الممزقي الثياب، و لم يكن يوجد من بينهم أحباش، هؤلاء المساكين الصوماليون لا يتقاضون أجراً، و يعتمدون في معيشتهم على القوافل المارة ). و بدأرينل رود مباحثاته مع الملك منليك في 28 أبريل سنة 1897 و قد أقترح رينل رود لتسوية مشاكل الحدود الحبشية و الصومالية بأن تتنازل بريطانيا عن المنطقة الصومالية الثلثة الشكل بحدود بيوكابوبا و جلديسيا و مكانيس و بذلك تصبح قبيلة عيسي الصومالية تحت نفوذ الحبشة، أى يبتعد خط الحدود عن هرر على أن تحسن الحبشية معاملة الصوماليين الخاضعين لها، غير أن منليك كانت له أماني أوسع، لذلك أرجىء التفاويض بشأن الحدود مع الصومال على أن تكون الرسائل المتبادلة بين رأس مكونين و رينل رود تمثل جزءاً لايتجزأ من المعاهدة. و في 4 مايو سنة 1897، ثم التوقيع على معاهدة أديس أبابا، ( و في 31 مايو من نفس العام قامت بعثة إيطاليا بزيارة هرر و أجراء مباحثات مع رأس مكونين ) و سافرت البعثة يوم 14 يونية الي زيلع فلندن على أن تستكمل مسألة الحدود في صورة خطابات بين رأس مكونين ورينل رود و أعتبارها جزء من معاهدة 4 مايو سنة 1897 و إعتمدت المعاهدة في 25 يولية سنة 1897 و تنص على الآتي: مادة 1: لكل من الطرفين المتعاقدين حق مطلق الحرية في المجيء الي أرض الطرف الآخر، و الذهاب منها و التجارة فيها.


التعليق

مادة 2: أرجيء تخطيط الحدود بين المستعمرة الصومالية البريطانية و الحبشة الي إتفاق ينتهي إليه رينل رود مع رأس مكونين بتبادل المذرات التي تلحق بالمعاهدة وتكون جزءاً منها. مادة 3 : يعاد طريق القوافل بين هرر و زيلع ويظل مفتوحاً على إمتداده للتجارة بين البلدين. مادة 4 : ترد كل السلع و المواد المخصصة للحبشة عن طريق ميناء زيلع من غير أن تدفع أى ضرائب بمجرد أن يقدم النجاشي طلباً بذلك. مادة 5، 6: بشأن رعاية منليك للمصالح البريطانية التجارية و مكافحة الرقيق في بلاده و منع مرور أسلحة للسودان.

أما عن مسألة الحدود فقد حددها رينل رود تبعاً لرسالة رأس مكونين بأن تبدأ من شاطيء البحر المقابل لآبارجارو، ثم تسير مع طريق القوافل الي أران أرهي عند خط 44 شرقي جرينتش و 59 شمالاً، ثم يسير على خط مستقيم الي 47 شرقاً و 8 شمالاً - و بعد ذلك يتبع الحدود الخط الموافق عليه من بريطانيا و إيطاليا في 5 مايو 1894 الي أن يصل البحر. و كان الهدف الأول من بعثة رينل رود هو ضمان حياد منليك في الحرب الإستعمارية بين بريطانيا و دراويش السودان و إلاتكون الحبشة معبر للفرنسيين نحو أعالي النيل، و تحصل رودعلى الضمانات الكافية من حياد منليك مقابل تنازل بريطانيا - دون علم الصوماليين أو موافقتهم - عن أراضي قبيلة عيسي الصومالية للحبشة مكتفين بضمان حسن معاملة الأحباش للصوماليين.

و التنازل البريطاني عن أراضي صومالية للحبشة بمقضي اتفاقية سنة 1897 قد أثر في المفاوضاتالحبشية الإيطالية التي جعلت الأوجادين داخل الحبشة و حددت الحدود على مسافة 180 ميلاً منالبحر ليتقابل في شمال بارديرا.

كما أن الفرنسيين في اتفاقية 1897 مع الحبشة فعلوا كالبريطانيين تماما فتنازلوا عن أراضي قبيلة عيسى الصومالية و السهول الداخلية للحبشة و أصبحت الحدود على مسافة 100 ميل من البحر.

و هكذا قامت بريطانيا بدور قائد التقسيم للأراضي الصومالية و قامت بالمساومة فيها مع الحبشة لأهداف معينة في صالح بريطانيا دون نظر الي هؤلاء الذين أعلنت الحماية عليهم في عام 1887 أي بدأت المساومات بالأراضي الصومالية بعد عشر سنوات من إعلان الحماية، و تبعتها في ذلك أيضا إيطاليا و فرنسا من أجل مصالحهما في الحبشة.


التعليق
التعليق


الفصل الرابع: أنفدي (مقاطعة الحدود الشمالية)

تاريخ الإسكان للأنفدي

كانت الحركات الرعوية للعناصر الحامية الصومالية مستمرة منذ القرن الثالث عشر في منطقة القرن الأفريقي في محورين شمالي غربي، و شمالي جنوبي، حتي خلصت شبه جزيرة الصومال للصوماليين و اعتبر نهر تانا حداً جنسياً و جغرافياً للإمتداد الصومالي صوب الجنوب. و كانت منطقة الحدود الشمالية ( أنفدي ) جزءاً من حياة الصوماليين الرعاة في هجراتهم الفصلية، و مركزاً من مراكز الإستقرار، و لم يحدث في التاريخ القديم أو الوسيط أن غزيت هذه المنطقة من الجماعات الزنجية في الجنوب، حتي أعتبر نهر تانل حداً جنسياً للصوماليين. و ما يشاهد اليوم من وجود مجموعة صغيرة من زنوج كينيا ( من قبيلة بوكومو) على نهر تانا يرجع عهدهم الي فترة حديثة بوجود الإستعمار الإنجليزي في شرق أفريقيا. و يعتقد البروفسور لويس أن الصوماليين استوطنوا مقاطعة الحدود الشمالية ( أنفدي ) تماماً منذ ثلاثة قرون، و أن (الدارود) الذي كتب عنهم سير ريتشارد تيرتيل كتابة باحث عالم، كانوا أول من وصلوا هناك بعد ذلك في سلسلة من الكفاح من أجل الحياة، و كان هذا الكفاح بشأن تلك المنطقة البدائية كفاحاً من نوع كريم بمعني أن الفئات المتكافئة لم تكن تسعي من أجل النساء أو العبيد أو المجد و شهوة القتل، كما يفعل الكثير من القبائل، و لكن لأنه إذا لم تحصل القبائل على المياه يقضي عليها بالموت، فهكذا كان الموقف الذي يتميز بالصراع عدة قرون في هذا الجزء من أفريقية. فالعناصرالصومالية الحامية تختلف اختلافاً بيناً عن العناصر الزنجية (البانتو أو النيلوتي من سكان كينيا) في المعايير الجنسية والثقافية و الدينية و العادات و التقاليد حتي أجمع علماء الأجناس أن إقليم الحدود الشمالية يعتبر الخط الفاصل في شرق أفريقية بين اللازنوج والزنوج. و تبلغ مساحة مقاطعة الحدود الشمالية نحو نصف مساحة كينيا أي ضعف مساحة بريطانيا، و هي في جملتها أرض صحراوية يقوم بالرعي فيها جماعة من الصوماليين يمثلون أكثر من 96 % من جملة السكان. ولا يكاد يختلف أفراد الشعب الصومالي في أنفدي عن إخوانهم في الجمهورية الصومالية أو في أثيوبيا فهم يتكلمون بنفس اللغة و حتي الاختلافات في اللهجة لاتتفق مع الحدود المصطنعة المفروضة عليهم و ينتمي شعب أوجادين في أنفدي لنفس العشيرة التي ينتمي إليها شعب أوجادين في جمهورية الصومال ومنطقة الأوجادين الواقعة في أثيوبيا، زد على ذلك أن الصوماليين تربطهم جميعاً رابطة الإسلام، و هم في الجملة صوفيون في مذهبهم، و الصوفية تولي أهمية خاصة للوحدة مع الله عن طريق الممارسة الدينية و التأمل و الحياة الصالحة و التبرك بالصالحين، و الصفة العامة في أي مكان من شبه جزيرة الصومال للسكان، رغم إختلاف العشائر، هي أنهم لايحملون غير اسم صوماليين.

بريطانيا و احتلال أنفدي: و يظهر بريطانيا في شرق أفريقيا و إمتداد مستعمراتها في داخل كينيا، أن قامت مناورات و محاولات ترمي الي الحد من الحركة الطبيعية للصوماليين في أرض أنفدي تمهيداً للإستيلاء عليها، و كانت سلطنة زنجبار تبسط نفوذها على ساحل الصومال بحجة حماية الصوماليين من غارات الأفرنج و الأحباش، فكانت منطقة كسمايو و ما يليها جنوباً حتي نهر تانا ضمن الأراض التي يسيطر عليها سلطان زنجبار. و ما أن أعلنت بريطانيا الحماية على زنجبار في عام 1890 حتي أصبح الساحل الصومالي بطريق غير مباشر خاضعاً لنفوذ بريطانيا و تمكنت بريطانيا في عام 1895 من أن تبسط نفوذها مباشرة على منطقة أنفدي بعد عقد اتفاقيات مع الشيوخ الصوماليين خشية أن يزداد النفوذ الألماني في تنجانيقا و يمتد الي منطقة أنفدي.

الكفاح الوطني:

و خلال الحرب العالمية الأولي تزعم البطل الصومالي عبد الله مرسل الحركة الصومالية في قتال الإنجليز و دارت معارك انتهت بانتصار المستعمر و آلاته الحديثة ضد الشعب الصومالي المسالم الذي يطالب بحريته في الحياة. و في عام 1924 قامت بريطانيا بإقتطاع جزء من أنفدي و منحته لإيطاليا مكافأة لها على اشتراكها في الحرب العالمية الأولي بجانب بريطانيا، و أصبح الخط الواحد و الأربعين من خطوط الطول الجغرافية حداً فاصلاً بين منطقة جوبالند التي ضمت لصوماليا، ومنطقة أنفدي ( مقاطعة الحدود الشمالية ). أو الصومال الكيني الذي وضع له نظام إداري خاص يختلف عن النظام الإدارى المتبع في كينيا، مما جعل لأنفدي شخصية قائمة بذاتها إذ حرم على الكينين دخول أنفدي، كذلك الحال بالنسبة للصوماليين سكان أنفدي.

و في عام 1947 ظهر في صوماليا لأول مرة حزب سياسي هو حزب وحدة الشباب الصومالي الذي نادي بالوحدة و الإستقلال، و انتشرت فروع الحزب في مختلف بقاع الصومال، و بطبيعة الحال وجدت عدة مراكز للحزب في منطقة أنفدي، و نادي شعب أنفدي بالتضامن الأخوي و الحرية والإستقلال.

و أسرعت بريطانيا بحصار أنفدي لمنع تسرب مباديء الحرية فأمرت لأول مرة السلطات البريطانية في نيروبي أن تدخل القوات الكينية الي أرض أنفدي لإخماد الحركة الثورية الشعبية، وأن تتولي حل الأحزاب، و وضع قيود شديدة على الحركة الصومالية، و إيجاد قوات كينية مركزية في أنفدي لقمع أى ثورة صومالية.

الحكومة الصومالية تطالب بأنفدي

استمرت صوماليا في تزعم الحركة السياسية و المطالبة بوحدة الأراضي الصومالية، و ظهرت الدعوة في أمل و رجاء بعد استقلال صوماليا في يوليو 1960، فنادي الشعب و الأحزاب السياسية و الحكومة بوحدة الأراضي الصومالية و عودة أنفدي الي الوطن الأم. حتي إذا ما قرب موعد استقلال كينيا بعثت حكومة الجمهورية الصومالية بوفد رسمي الي بريطانيا لينضم مع إخوانهم الصوماليين الممثلين لأنفدي في المجلس التشريعي بكينيا، و ممثلي الأحزاب و الزعماء في أنفدي و ذلك لتوحيد المطالب القومية في الوحدة و الإستقلال دون قيد أو شرط.

و في 11 نوفمبر عام 1961 وافقت الجمعية الوطنية الصومالية بالإجماع على إقتراح بتأييد مطالب شعب أنفدي للأنضمام الي الجمهورية الصومالية بالوسائل السلمية و القانونية.

و في 27 فبرايرسنة 1962 أدلي وفد أنفدي بتصريحات هامة في لندن ( أبان فترة بحث دستور كينيا في لانكستر هاوس في أول مارس سنة 1962 ) جاء فيه (إننا جئنا الي لندن لنحصل على الإنفصال عن كينيا نظراًلرغبة شعب أنفدي في الإنضمام الي الجمهورية الصومالية، ونحن نطالب بالإنفصال منذ عام 1957 للإنضمام الي إخواننا في الصومال، في الوقت الذي لم يكن في كينيا حزب كانو ولا حزب كادو. نحن اخترنا هذه اللحظة لعرض مشكلتنا على الحكومة البريطانية لأن مشاكل كينيا يجب أن يتم حلها الآن، و مشكلة الإقليم الشمالي هي إحدي هذه المشكلات ).

و قام الوفد بتوزيع كتاب ( شعب معزول) أثناء انعقاد المؤتمر الصحفي الذي عقده الوفد في لندن قبل اجتماع لجنة الدستور، وهو كتاب موجه من الأحزاب السياسية في أنفدي من أجل الإنضمام الي الجمهورية الصومالية.

و جاء في تصريح المترم محمد حاج إبراهيم عقال رئيس الوفد الصومالي ( عن الجمهورية الصومالية ) في 16 فبراير سنة 1962:(أن الحكومة الصومالية لا تعارض فكرة إجراء استفتاء شعبي في الإقليم الشمالي تحت رعاية منظمة الأمم المتحدة بالرغم من أنه لا حاجة الي إجراء الإستفتاء المذكور لأن أهالي الإقليم قد عبروا مراراً عن رغبتهم في الإنضمام للجمهورية الصومالية ). وأشار الي ضرورة الحل السريع قبل استقلال كينيا الذي تباركه الصومال. و قال ( لايجب أن نترك كالورثة الي الحكومة المستقلة لكينيا ).

و في صباح2 مارس سنة 1962 شهد العالم مظاهرات حية في لندن و باريس و روما و القاهرة و مقدشوه وأنفدي و جيبوتي تنادي بتأييد المطالب القومية لشعب أنفدي في حق تقرير المصير.


و في 5 يوليو سنة 1962 أعلن مسئول بريطاني للوفد الصومالي برئاسة المترم جامع عبد الله غالب رئيس الجمعية الوطنية أن بريطانيا ستؤلف لجنة تحقيق في مسألة أنفدي، و قال السير بيتر توماس، ( أن التوصيات التي تقترحها اللجنة بعد زيارتها للإقليم الشمالي ستفيد الحكومة البريطانية و أن أى قرار طبقاً للإدارة الحرة لشعب الأقليم الشمالي سيتم تدعيمه دولياً).

و في سبتمبر سنة 1962 تقرر في مؤتمر لانكستر هاوس الدستورى تأليف لجنة التحقيق للأنفدي من عضو أحدهما نيجيري والآخر كندي.

التعليق


التعليق

لجنة الإستفتاء و لجنة تخطيط الحدود

بدأت لجنة الإستفتاء عملها في ناحية جارسيا 22/ 24 أكتوبر سنة 1962 ) و ناحية وأجيرا (25 /29 ) و ناحية مانديرا (30 / 31 أكتوبر و أول نوفمبر ) و ناحية موبالي ( من 2/ 6 نوفمبر ) و ناحية مرسابيت ( من 7 / 12 نوفمبر ) و ناحية اسيالو (من 3/ 15 نوفمبر ) ثم 16 نوفمبر في نيروبي، و بعدها سافرت اللجنة الي لندن مباشرة.

وبعثت الحكومة البريطانية بلجنة لتخطيط الحدود الإقليمية، غير أن زعماء أنفدي و شعب أنفدي أعلنوا مقاطعة اللجنة، و قد صرح المحترم عبد الرشيد خلف عضو المجلس التشريعي للمقاطعة الشمالية أن الصوماليين ثائرون على لجنة تخطيط الحدود. و أنهم قد أعربوا عن رغبتهم في الإنفصال عن كينيا و الإتحاد مع الجمهورية الصومالية أمام لجنة الإستفتاء. و أن الجبهة التقدمية الشعبية و الجبهة الديمقراطية قد قررنا مقاطعة اجتماعات اللجنة الخاصة بتخطيط الحدود الإقليمية، و ذلك لإن الصوماليين لا تربطهم أية مصالح بكينيا حتي يكونوا جزءاً أو إقليماً منها، و حمل بريطانيا مسئولية مايحدث في المنطقة من وراء وجود هذه اللجنة.

تقرير لجنة الإستفتاء و لجنة الحدود جاء في التقرير الرسمي للجنة الإستفتاء الذي صدر في لندن في يوم الجمعة 21 ديسمبر 1962 ما موجزه عن كل ناحية بالصورة التالية.

ناحية جاريسيا: و تتألف من ثلاث جماعات، و هي الصوماليون، و قبائل السواحل، و جماعة أرما و الرأي العام في المنطقة الخصبة الواقعة على طول نهر تانا تؤيد وجهة نظر كينيا على حين أن الرأي العام في الأراضي شبه الصحراوية الواقعة في شمال و شرق المنطقة الساحلية يؤيد وجهة النظر الصومالية و الآراء متضاربة في المساحة الواقعة في جنوب و غرب المنطقة الساحلية.

ناحية واجيرا: تتأييد إجماعي لوجهة نظر الصوماليين.

ناحية مانديرا: تتأييد إجماعي لوجة نظر الصوماليين.

ناحية مويالي: جماعة الإجوران الذين يرعون بمواشيهم في الجزء الشمالي من الناحية، و الذين يمثلون أخماس شعبها يؤيدون بالإجماع وجهة نظر الصومال، أما جماعة الساكوبي فينقسمون الي مجموعتين غير أن الأغلبية تشترك مع جماعة الأجوان في تتأييد وجهة نظر الصومال. و جماعة البوران الساكنون في الجزء الباقي من الناحية يؤيدون بالإجماع وجهة نظر كينيا، عدا البورانيين المسلمين المقيمين في الجزء الشرقي من أراضي البوران فهم يؤيدون إخوانهم المسلمين في الجزء الشرقي بالإنضمام الي صوماليا.

ناحية مرسابيت: جماعة تابرا، بوران، بورجي، كونسو تؤيدوجهة نظر كينيا، أماجماعات الرنديلي الذين يكونون نصف ناحية مارسابيت و الذين يسكنون الجزء الواقع من مرسابيت الي لوبا تلاقي حتي بحيرة رودلف يؤيدون بشدة وجهة نظر الصومال، فرئيس جماعة المولو أصر بحزم على تأييد الإتحاد مع الجمهورية الصومالية إذا كانت جماعته غير ملزمة بترك أراضيها الخاصة و الإنتقال نحو الجمهورية الصومالية و في عيل أريت كانت جماعة جيلوبا مترددة في تأييد وجهة نظر الصومال. هذا و تعتقد اللجنة أن جماعة جيلوبا ليس لها فكرة راسخة عن مستقيل حكومة أنفدي و تخشي أن تكون هنا أو هناك.

ناحية أسيالو: في أسيالو يؤيد أغلبية الشعب المكون من الصوماليين و الأجانب وجهة نظر الصومال و توجد أقلية تؤيد وجهة نظر كينيا حول أسيالو، فأن سكانهابصفتهم من مسلمي بوران فهم يؤيدون الإنفصال. في نيروبي: نادي مستر كينياتا رئيس حزب كانو بشدة بضم أنفدي الي كينيا كجزء لا يتجزء منها، و قال ( أن كينيا تفضل أن يصبح الأقليم تحت نظام كينيا ) أما السيد أمبويا رئيس حزب كادو فإنه يري رأي الصوماليين، يتوقف على الحكومة القوية في المستقبل، و أن الشعب الصومالي منقسم على نفسه. و يقول التقرير: ( و لكننا لم نلاحظ هذا في أنفدي فتأييدهم إجماعي للصومال).

من تقرير اللجنتين: و جاء في تقرير اللجنة أن مؤيدوا الإنفصال و الإنضمام الي الصومال لا يرغبون في الإشتراك في أي مشروع من مشاريع الإتحاد الدستوري لكينيا، أما مؤيدوا كينيا، فيطالبون بالإندماج و الإشتراك مع كينيا نحو الإستقلال. غير أن المساحة التي تسود فيها الفكرة الصومالية تعتبر أوسع المساحات إذ أنها تمتد في الحدود الصومالية الي الخط الفاصل بين الصومال و الجالا بل يتجاوز هذا الخط ليضم مراعي أجوران. و هؤلاء جميعاً يؤيدون فكرة الصومال.

و يتحدث التقرير عن أربعة أحزاب كبري تؤيد الفكرة الصومالية، و هي الجبهة التقدمية للمقاطعة الشمالية، و الجبهة الديموقراطية للمقاطعة الشمالية، و الإتحاد الوطني الشعبي، و الحركة السياسية الوطنية، و كل هذه الأحزاب متحدة الرأي بقوة في الإنفصال عن كينيا قبل الإستقلال. و أن تكون تحت حكم خاص لأنفدي تحت رعاية بريطانيا تمهيداً لإعداد منشأته السياسية على خير وجه للإنضمام الي الصومال بعد ذلك.

أما لجنة تخطيط الحدود فأنها توصي بالمساحات التي يسكنها صوماليون و ما يشابههم، و ذلك بانشاء مقاطعة خاصة تتضمن ناحية منديرا، و الجزء الخاص بناحية موبالي الواقعة في شرق الحدود القريبة للدوائر الإنتخابية رقم 44، و ناحية واجيرا، و ذلك الجزء من ناحية جاريسيا الواقعة في شرق الخط المخطط على بعد ثلاثة أميال من شمال و شرق نهر تانا الذي يمر عبر الناحية.

و بناء على ما أوصت به اللجنة يجب إنشاء ست مقاطعات، و أن تصل الي حل لإرضاء رغبات الأغلبية في كينيا، و قد وجدت اللجنة أن تضم المساحة المذكورة الي ساحل الإقليم و أن إحدي الإعتبارات التي حملت اللجنة على هذا القرار هو أنه إذا حدث في المستقبل أن عارضت هذه المساحة في أن تصبح جزءاً من كينيا فإن انفصالها عن ساحل الإقليم لن يؤثر على الخطط التي وضعت لكينيا.

النتائج العامة للإستفتاء بعد أن أستقبلت اللجنة40 ألف شخص، و قابلت 124 وفداً، و استلمت 106 طلبت مكتوبة، توصلت الي النتيجة الرئيسية التالية: ( تعتبر المناطق التي وجدنا فيها الناس يؤيدون الرأي الصومالي من أكبرالمناطق من حيث مجموع السكان، و حجم المنطقة، و هم متجانسون في الواقع، و تمتد هذه المنطقة من الحدود الصومالية الي الخط الفاصل بين الجالا و الصوماليين، و فيما وراء هذا، بما في ذلك مراعي أجوران، و قد وجدنا أن الناس هناك يكادون يجمعون على الإنفصال عن كينيا ، حينما تحصل كينيا على استقلالها، بغرض الإنضمام في النهاية الي الجمهورية الصومالية، و لكنهم يريدون أن تبقي أنفدي فترة من الوقت تحت الحكم البريطاني لإقامة أجهزة الحكم حتي يمكن أن تنضم الي الجمهورية الصومالية كوحدة تتمتع بالحكم الذاتي ).

و قد اتضح من تقرير اللجنة: أن رغبة الإنضمام الي الصومال نسبتها 87.76% من جملة السكان و أن خمس مناطق من الست مناطق التي تكون أنفدي ترغب في الإنضمام الي الصومال:

التعليق


أنفدي كإقليم سابع لكينيانص عريض

ألقى مستر سانديز وزير المستعمرات في نيروبي بتصريحات خطيرة حول أنفدي بنأها ستدار كإقليم سابع تابع لكينيا مما جعل مستر كينياتا يصرح في نيروبي تعقيباً على تصريح مستر ساند قائلاً : ((هو ما لا أحيد عنه قيد أنمله)) وفي الصومال ثار الشعب، واعلنت الحكومة قطع العلاقات الدبلوماسية مع بريطانيا على نحو ما سينرى فيما بعد. وهذا نص تصريح مستر دنكان سانديزوزير المستعمرات البريطاني في 8 مارس 1963: أولأً : ((أوصى التقرير الخاص بالمؤتمر الدستوري لكينيا الذي انعقد عام 1962 بتعيين لجنة تتحقق من الرأي العام في أنفدي فيما يتعلق بمستقبل المنطقة على ضوء التطورات الدستورية المحتملة في كينيا. وحكومة جلالة الملكة سوف تتخذ قرارها بشأن النتائج التي تتوصل إليها اللجنة قبل تطبيق الدستور الجديد لكينيا)). ثانياً : ((قدمت اللجنة تقريرها في ديسمبر الماضي، ودرست حكومة جلالة الملكة النتائج التي توصلت إليها. كما لاحظت أنه ورد في تقرير لجنة الحدود الإقليمية لكينيا أن الأمر لا يستلزم الاقتصارعلى ست مقاطاعات فقط، ولذا رأت حكومة جلالة الملكة أن من الصواب انشاء مقاطعة إضافية تضم الجزء الشرقي من أنفدي عامة وهو الذي يقتصر سكانه على الصوماليين وأشباههم)). ثالثاً : ((وقد قام وزير المستعمرات ببحث الأمر تفصيلاً مع حاكم كينيا وع بعض الوزراء في نيروبي، كما استقبل وفدين، يمثل أحدهما تلك العناصر الوافدة من مقاطعة الحدود الشمالية لكينيا الذين يرون الانضمام إلى الجمهورية الصومالية، والآخر جزءاً من كينيا)). رابعاً : ((لقد قررت الأن حكومة جلالة الملكة أنه ينبغي، كجزء من التنظيمات الدستورية الخاصة بالحكم الذاتي في كينيا، أن تكون المناطق الصومالية المشار إليها في تقرير لجنة الحدود الإقليمية (وهى تشمل الدوائر الانتخابية من رقم 20 إلى رقم 24 بما فيها الدوائر الأخيرة) (( ينبغي أن تكون)) إقليماً سابعاً منفصلاً يتمتع بمرتبة مساوية لمرتبة الأقاليم الأخرى في كينيا)).

التعليق

خامساً : ((إن انشاء الإقليم الجديد سوف يعطي سكانه حرية واسعة في إدارة شئونهم الخاصة،ويوفر لهم مزيداً من الوسائل الفعالة الكفيلة بتأمين مصالحهم وصيانة طريقتهم في الحياة.)) ونشرت صحيفة إيست أفريكان ستاندارد الصادرة في مارس عام 1963 بعضاً مما صرح به مستر سانديز في مؤتمر صحفي، وهذه العبارات مقتطفة من الصحيفة المذكورة: (( صرح مستر سانديز بأن مشكلة أنفدي تعتبر من أصعب المشاكل وقد أوضح التقرير الخاص بأنفدي أن هناك جانباً هاماً من السكان يريد الانفصال عن كينيا والانضمام إلى الجمهورية الصومالية. كما يوضح بنفس الدرجة أن ثمة جانباً هاماً آخر يرغب في البقاء كجزء من كينيا. وقد أدركت الحكومتان البريطانية والكينية رغبة الشعب الصومالي في التعبير عن ذاتيته الخاصة به.)) ثم أضاف وزير المستعمرات قائلاً : ((ولكن كينيا قطر يعتمد في مستقبله على مقدرته في إظهار كفاءته في تكوين وطن يستطيع أن يعيش فيه أناس من أجناس مختلفة في كرامة وود مع بعضهم البعض)). واستطردت الصيحفة تحت عنوان ((ذاتيتهم الخاصة بهم)) تورد كلمات وزير المستعمرات : (( وام نكنا قد اعترفنا برغبة هؤلاء الناس في التعبير عن ذاتيتهم الاخصة بهم فقد قررنا أنه من الصواب أن ننشئ إقليماًً يضم تلك العناصر في القرى التي اكتمات في نفسها مشاعر قوية بشأن هذه المسائل - وهى تلك المناطق التي يسكنها شعب صومالي .)) ((ولسنا من الغفلة بحيث يدخل في روعنا أن انشاء الإقليم السابع سوف يقابل بالترحاب والتهليل من جانب هؤلاء الناس كحل يحقق الأشباع الكامل لكل آمالهم ورغباتهم.)) ((ولكني واثق كل الثقة بأنهم سوف يستقبلون هذا القرار، ويعترفون به كدليل على النية الطيبة الحقيقية المخلصة، ليس من جانب الحكومة البريطانية فحسب، بل من جانب حكومة كينيا كذلك.))

رد الفعل : ولقد كان رد الفعل قوياً في كافة أنحاء البلاد الصومالية، إذ قام الشعب عن بكرة أبيه بمظهرات وطنية احتجاجاً على المؤامرات البريطانية وتصريح وزير المستعمرات بفصل أنفدي عن الصومال وضمها لكينيا ولقد كان الشعب في ثورته على الحق، فإن مسألة أنفدي مسألة وطنية فوق كل اعتبار، وفوق المساعادت البريطانية للصومال ، واضطرت الحكومة الصومالية أما الثورات الشعبية أن تلعن حالة الطوارئ في البلاد ثلاثة أيام.

قطع العلاقات الدبلوماسية بين الصومال وبريطانيا:

وخلال هذه الفترة قامت الحكومة بدراسة مستفيضة وازنت فيها بين الخسائر والمكاسب، وانتهت إلى ضرورة قطع العلاقات مع بريطانيا التي باعت الشعب الصومالي سبع مرات وأوجدت مشاكل عسيرة على الحدود بين الصومال وجيرانها أي أوجدت أعداء للصومال بدلاً من أن تترك الصومال في صداقته مع جيرانه. وناقشت الجمعية الوطنية البيان المقدم من الحكومة حول مسائلة أنفدي وتفويض الحكومة بقطع العلاقات الدبلوماسية مع بريطانيا. وبعد نقاش طويل وافقت الجمعية بالإجماع على الاقتراح التالي: ((أن الجمعية الوطنية تخول حكومة جمهورية الصومال بقطع العلاقات الدبلوماسية مع بريطانيا بعد القارا الذي اتخذته حكومة بريطانيا في إنشاء إقليم سابع لكينيا يضم جزاءاً من المقاطعة الشمالية متناسية بذلك الاعتراف برغبة سكان أنفدي في الانفصال عن كينيا والاتحاد مع الجمهورية الصومالية)). وأصدر مكتب رياسة الوزراء البيان التالي: لقد بحث مجلس الوزراء الحالة التي نشأت عن الخبر القائل بأن جنود القوات البريطانية في أنفدي أمرت بأن تكون في حالة استعداد وبما أن هذه التدابير يمكن أن تشكل تهديداً خطيراً على حدود الجمهورية الصومالية فإن السيد رئيس الوزراء طلب من السيد وزير الدفاع أن يصدر أوامره بوضع جنود القوات المسلحة في حالة استعداد حتى صدور أمر آخر هذا والمطلوب من سكان الحدود أن يحافظوا على الحدود. وفي 13 مارس سنة 1963 وقع رئيس الجمهورية مرسوماً بقانون يقضي بإنشاء كتيبة الشباب تحت إشراف قيادة الجيش الوطني كقوة احتياطية لحماية اليلاد. وفي 15 مارس سنة 1963 وافقت الجمعية الوطنية بأغلبية على مشروع القرار الخاص بقطع العلاقات مع بريطانيا وهو:


التعليق
التعليق

(( الجمعية الوطنية للجمهورية الصومالية بعد أن اطلعت، ببالغ الأسف على السياسة التي انتهجتها حكومة بريطانيا، تؤيد قرار الحكومة الصومالية الرامي إلى قطع العلاقات الدبلوماسية مع المملكة المتحدة البريطانية وأرلندا الشمالية. وبناء على ذلك توصي الحكومة باتخاذ الإجراءات اللازمة لحماية المصالح الصومالية في الخارج)). وفي 18 مارس أبلغت الحكومة الصومالية السيد سفير بريطانيا رسمياً في مقدشوه بقطع العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وتشير المذكرة إلى تأكيدات بشأن حماية الحكومة للمتلكات والرعايا البريطانيين في الجمهورية الصومالية. وقامت الحكومة الصومالية بإلغاء الاتفاقية التي أبرمت مع بريطانيا، والتي على أساسها كانت تسمح للطائرات العسكرية البريطانية أن تحلق فوق الأراضي الصومالية بالهبوط في حالات ضرورية، وكذلك الاتفاق الخاص بوجود محطة تقوية للإذاعة البريطانية في بربره. وفي 22مارس سنة 1963 اجتمع زعماء أنفدي في مدينة واجير وقرروا مقاطعة الانتخابات العامة، وعدم الاعتراف بحكومة كينيا والإدارة البريطانية، وقطع كل علاقة تربطهم بهم. وتقرر تقديم الاستقالات من الأعمال الحكومية في المناطق والأقاليم والمئسسات وجميع الوظائف وكان أول من استقال المحترم عبد الرشيد خليف من عضوية المجلس التشريعي في كينيا. مسئولية بريطانيا تجاه أنفدي : لقد حرصت الحكومة البريطانية بأنها تستشير زعماء كينيا في مسألة أنفدي كما جاء في الفقرة الرابعة من تقرير مؤتمركينيا سنة 1962((أن توصيات سير جيمس روبرتسون متروك أمرها بالطبع لسلطات زنجبار(المالك) والحكومة البريطانية (المستأجر)، ومع ذلك فإن مصير هذا الأمر ينبغي أن يأخذ في الاعتبار إرادة سكان المنطقة الساحلية)). أي (السكان+أصحاب الشان). فقد أخطأت بريطانيا في استشارة زعماء كينيا فإن الاستشارة تكون حينما ينتزع منهم شئ لا حينما يسلم إليهم شئ. فكان على بريطانيا أن تأخذ بمطالب شعب أنفدي كما جاء في تقرير اللجنة الخاصة بالاستفتاء. وقد أعرب أحد البرلمانيين البريطانيين عن خطأ الحكومة وهو اللورد ليتون في خطابه الذي ألقاه في 3 أبريل في البرلمان البريطاني قائلا: ((أنه تصريح يقوض كل أمل وكل رغبة، أنها ليست حماقة بل هى جنون مطبق، فهو يبدو وكأن انشاء إقليم سابع إنما هو بمثابة آية وردت في سفر التكوين (من التوراة) وهى ليست شيئاً من هذا النوع بل هي مجرد رسم خط حول أناس كانوا موجودين هناك منذ أمد بعيد، وهم يتابعون طريقتهم في الحياة، وليس في هذا التصريح ما يدل على ان المسئولين سوف يحققون أي رغبة من الرغبات التي عبروا عنها. أن هذه اللجنة الخاصة بأنفدي لم تذهب إلى هناك للتحقيق فيما إذا كانوا يرغبون الانفصال أم لا . واستطرد قائلاً لقد صرح مستر كينياتا في وضوح أن بيان مستر سانديز في نيروبي((هو ملا أحيد عنه قيد أنملة)) وتحدث اللورد ليستول عقب حديث اللورد ليتون قائلاً ((ما من أحد يستطيع أن ينكر أن اللورد ليتون محق للغاية في قوله بأن الصوماليين شعب واحد يجمعهم دين واحد مشترك ولغة مشتركة وطريقة حياة مشتركة ويميزون من الناحية العنصرية- إذ أنهم من الجنس الحامي- عن جيرانهم من البانتو والنيلوتي، وهذه المميزات التقليدية للصوماليين تجعهلم أحق بالمطالبة بتقرير المصير من عديد من القبائل الإفريقية التي تقسمها الحدود بين دول أفريقية مختلفة، ولست أعتقد أن مطلبهم هذا يمكن رفضه على أساس أنهم ينادون بنفس المطالب التي تنادي بها القبائل المنقسمة في اجزاء أخرى من أفريقيا)). ثم أخذ اللورد ليستول يلقي المسئولية على عاتق الحكومة البريطانية ويطالبها بتغيير موقفها من تصريح مستر سانديز، ومنح شعب أنفدي حقه بشأن مستقبل كينيا ومن أجل السلام في شرق أفريقيا. ثم قال ((إنني على يقين من ان البرلمان لن يصفح عن أي حكومة بريطانية تتجنب اتخاذ قرار له مثل هذه الأهمية الخطيرة بشأن مستقبل كينيا، ومن أجل السلام في إفريقيا وذلك باتباع أي وسيلة من وسائل التأجيل. إننا نطالب الحكومة بأن تحسم الأمر قبل أن تصبح كينيا مستقلة، إذ أن هذه هى اللحظة الوحيدة الممكنة لاتخاذ قرار، وأن اتباع سياسة التردد سوف تكون أكبر سياسة جالبة للكوارث، وما من شك في أنها سوف تؤدي بكينيا إلى إراقة الدماء والعنف)). وقال اللورد هنتجون بعد ذلك : (( أننا ما لم نجر تغييراً في السياسة، واتخاذ بضع خطوات جديدة، فإن النتائج قد تكون بالغة الخطورة لا بالنسبة لهذا الجزء من أفريقيا فحسب بل بالنسبة لأنفسنا والأجزاء الأخرى من العالم)). وبريطانيا التي خلقت المشكلة لم تفكر في حل لها إلى الآن رغم اعتراضات البرلمانيين البريطانيين والرأي العام العالمي والإفريقي بصفة خاصة، وإنما لجأت إلى حيل أخرى لكي تتخلى عن مسئوليتها في أنفدي فدعت إلى تكوين لجنة للمفاوضات في 15 أغسطس 1963 بمدينة روما، غير أن الحكومة البريطانية لم تتقدم بمقترحات واضحة تتعلق بحق، تقرير المصير لشعب أنفدي، ورفضت حكومة الصومال إجراء المباحثات أساساً مع الوفد الكيني، وطلبت من بريطانيا تقديم اقتراحات عملية تكون أساساً للمناقشة غير أن بريطانيا تركت المسألة كأن الموضوع لا يعنيها، وإنما هى مسألة تخص كينيا وحدها مما ادى إلى توقف المحادثات، وأصدر الوفد الصومالي بياناً في روما حمل فيه بريطانيا مسئولية فشل المحادثات، وصرحت الحكومة الصومالية في بيان لها أن بريطانيا ترغب بألا ينقادوا لألاعيب البريطانيين كما وضعت مسئولية توقف المباحثات على عاتق الحكومة البريطانية. واستمرت المفاوضات بين الصومال وكينيا عن طريق منظمة الوحدة الإفريقية في دار السلام وفي نيروبي والقاهرة حتى 16 يوليو 1964 ولم تنته إلى قرارات عملية. رأي دكتور ى.م.لويس عن أزمة أنفدي : (( عقب التقرير الذي قدمته لجنة إقليم الحدود الشمالية، ذلك التقرير الذي أبرز الاجماع والقوة اللتين تتميز بهما رغبة الصوماليين للانفصال عن كينيا. عقب هذا التقرير فإن القرار البريطاني الأخير لانشاتء منطقة صومالية شابعة في كينيا، رغم أنه أدخل السرور في نفس كانو وكادو و أثيوبيا يعتبر حلاً غير موفق على الإطلاق، والواقع أنه في نظر الصوماليين يكاد يعتبر عملاً عدائياً، إذ تفوح منه رائحة التقليد القديم لعدم الاكتراث الذي كان يبديه البريطانيون للمصالح الصومالية ممثلاً في ترك (الأوجادين) لأثيوبيا عام 1954 بمقتضى المعاهدة الانجليزية الأثيوبية المبرمة عام 1897 ، وهى معاهدة غامضة التعبير وتشكل تحدياً لمعاهدات الحماية الانجليزية الصومالية السابقة. وقد تعلق السياسة البريطانية في أفريقيا أهمية ضئيلة للقوات الطبيعية الصومالية ولكن الحقيقة مهما كانت مرة المذاق في لندن ونيروبي وأديس بابا، وهى ان استمرار تقسيم الصومال لا يعمل شيئاً سوى تعزيز الاضطراب وعدم الاستقرار في الشرق الإفريقي، وقد يكون له دلالات واسعة خطيرة ذلك أنه حتى الأن تتبع الجمهورية الصومالية سياسة عدم الانحياز وتتمتع بعلاقات ممتازة مع الغرب ولايمكن افتراض استمرار هذه الحالة، ومن المحتمل جداً أن جمهورية الصين الشعبية والتي لها مصالبح في الجمهورية الصومالية سوف تستفيد من الموقف الناجم عن يأس الصومال)) أصدرت الحكومة الصومالية الكتاب الأبيض حول أنفدي. في 12 ديسمبر 1964 أي نفس اليوم الذي أعلنت فيه الجمهورية في كينيا وقد جاء فيه: أن التعديلات التي أدخلت على دستور كينيا، والتي سيسري مفعولها في وقت قصير قد أصبحت مثار قلق للجمهورية الصومالية فإلى حد ما هذه التعديلات سوف تتجه إلى حرمان سكان(أنفدي) الصوماليين من حقهم في تقرير المصير. ويمكن اعتبار هذه المسألة على أنها جزء من المحاولات المستمرة لعرقلة التمتع بحق تقرير المصير لشعب الصومال في هذه المقاطعة، وقد بدأها الانجليز في كينيا، وتلاها تقديم الاقتراحات لمنح الاستقلال إلى أنفدي، والتي لا زالت للأسف الشديد قائمة لدى حكومة كينيا المستقلة.

حقيقة الوضع في أنفدي

أن منطقة الحدود الشمالية ( أنفدي ) كانت أقدم وحدة إدارية و أفضلها إنسجاماً منكينيا البريطانية، فلقد كانت لها إدارة منفصلة قائمة بذاتها منذ عام 1924، و كانت تعتبر ( منطقة مغلقة ) فلا يسمح بالدخول إليها من كينيا إلا بترخيص خاص.

و في خلال الفترة الإنتقالية من الحكم الإستعماري البريطاني الي الإستقلال كان سكان ( أنفدي ) الصوماليين يأملون أن يشملهم هذا الإستقلال أيضا، وفقا لحق تقرير المصير الذي تمتع به السكان الآخرون في كينيا، غير استقلال الشعب الصومالي في ( أنفدي ) يعني إنضمامهم الي إخوانهم الصوماليين و ليس مع كينيا الستقلة. و لقد كانت مطالبهم السياسية تدور حول تحقيق أمانيهم في تقريرالمصير و كان ذلك يمثل خطراً في عهد الإنجليزي. إذ كان حزب وحدة الشباب الصومالي منذ عام 1948 حتي عام 1960 يعتبر خارجاً عن القانون في نظرهم.

و على أي حال، أن الحكومة البريطانية لم تكن، عندما عقد الؤتمر الدستوري لكينيا ابتداء من شهر فبراير حتي شهر إبريل من سنة 1962، قد استقبلت وفداً يمثل (أنفدي ) للتعبير بوضوح عن رغبة أهالي ( أنفدي ) نفسها فيما يتعلق بمعارضتهم للإنضمام الي كينيا المستقلة فحسب، بل أنها كانت تري أنه: من الضروري اجراء استفتاء للتأكد من رغبة سكان المنطقة فيما يتعلق بمستقبلها. وأن حكومة صاحبة الجلالة ستتخذ قراراً قبل سريان مفعول دستور كينيا الجديد (الفقرة 26 من الأمر رقم 1700).

و قد كانت نتائج هذا التحقيق بينة، فقد تقدمت اللجنة الخاصة بقضية (أنفدي ) التي شكلتها الحكومة البريطانية بتقريرها يوم 7 ديسمبر عام 1962، و أثبت بأن 86% من سكان (أنفدي) يرغبون في الإنفصال عن كينيا و الإنضمام الي الجمهورية الصومالية. و نتيجة لذلك فقد حدث أمران غير منتظرين: ( أ ) تجاهلت الحكومة البريطانية طلب الجمهورية الصومالية ذلك الطلب الذي يستند على حق الشعوب في تقرير مصيره، بخصوص عقد مؤتمر لنقل منطقة (أنفدي ) الي الصومال. و في الواقع فإن الحكومة البريطانية كانت قد رفضت أن تنفذ القرار الذي تعهدت به، و تجاهلت النتائج التي توصلت اليها اللجنة الخاصة ب(أنفدي ) و عمدت الي تسليمها الي كينيا.

(ب) و قررت الحكومة البريطانية وضع حدود إقليمية جديدة على أساس تقرير لجنة الحدود الإقليمية في شهر نوفمبر سنة 1962، و قامت بتفكيك وحدة (أنفدي ) بتقسيمها الي مقاطعتين شرقية و ساحلية.

إن هاتين المفاجأتين التين قامت بهما بريطانيا، كانتا موضوع معارضة من جانب الجمهورية الصومالية، مما أدي الي قطع العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، لأن الجمهورية الصومالية كانت تري أن هذه الأعمال كانت مدبرة من أجل حرمان أهالي (أنفدي ) الصوماليين من حقهم في تقرير المصير، وقد أكدت الحكومة الصومالية آنذال و استمرت في إعلانها لذلك فيما بعد، أن أي تقسيم آخر للحدود الإقليمية سوف لا يغير من رأي السكان فيما يختص بمطالبتهم بحقهم في تقرير المصير.

و في الحقيقة أن التقسيم الإقليمي المدبر من جانب الحكومة البريطانية عام 1962 لم ينفذ قط، و انما أنشئت بدلاً منه مقاطعة الشمالي الشرقي.

و نظراً إلي أنها لا تنطبق على ( أنفدي ) السابقة، فإن الجمهورية الصومالية كانت قد أعلنت بوضوح بأن الذي يهمها هو الإقليم السابق الخالي من أي تسمية جديدة أو تخطيط جديد للحدود.

و على كل فإنه بناء على النظام الإقليمي المنصوص عليه بالدستور الجديد لكينيا، فإن سكان المنطقة المذكورة، ( الصوماليين) كانت لهم بعض الإمكانيات ليحصلوا على تمثيل جزئي و ينالوا شيئاًمن الحماية، إن إنشاء مجالس إقليمية لها الحق في إصدار قوانين و القيام بإشراف ما على المالية و على الخدمات الإقليمية العامة، اتاح للمناطق المتنازع حولها أن تحتفظ الي حد ما بكيان مستقل.

ومن الواضح أن الحكومة البريطانية كانت لا زالت لديها نية في أن تصر على أن تستمر المنطقة في تمتعها بنوع من الإستقلال الذاتي.

و قد صرح وزير الدولة لشئون المستعمرات في شهر أكتوبر من عام 1963 خلال الدورة العامة لمؤتمر الإستقلال،قائلاً: أنني أري أيضا بأنه من الصواب أن تنهي مسألة الكيان الإقليمي بحيث لا تكون عرضة للتعديل ( الفقرة 25 من الأمر رقم 2156)، ( انظر التدابير الخاصة بالحدود الإقليمية و تشكيل المجالس الإقليمية).

و بالتالي، فإنه لم تدرج بالدستور الجديد أحكام تكفل أن الإجراءات الخاصة بالأقليم لايمكن تغيرها بسهولة، بل لقد طلب من السيد كينياتا ضمانات خاصة عبر عنها بما يلي:

( أننا لا ننوي تحبيذ إدخال تعديلات أخري على الدستور في المستقبل ما لم تثبت التجارب ضرورة ذلك) ( خطاب بعث به السيد كينياتا الي السيد ساندير بتاريخ 19 أكتوبر سنة 1963 – الملحق 3 من الأمر رقم 2151).

( أننا نعتزم نقل جميع المصالح و الدوائر المعنية ( بإستسناء مصلحة التربية و التعليم ) الي السلطات الإقليمية. إن جميع الموظفين المسئولين عن الخدمات الإقليمية سينقلون الي السلطات الإقليمية بمجرد أن تنقل الدوائر التابعة لهم ( خطاب من السيد سانديز بتاريخ 19 أكتوبر عام 1963 – الملحق ج من الأمر 2156).


كانت هذه هي الوعود التي كررت في شهر أكتوبر 1964، و بعد مضي سنة، أو في أكتوبر من سنة 1964، تقدم السيد كينياتا بمشروع قانون لتعديل الدستور يجعل من الإستقلال الذاتي الإقليمي أثرأً بعد عين بما في ذلك الإقليم الخاص بالصوماليين في (أنفدي ) و ذلك بإستعاب المقاطعات التي يقطنونها.

التعديلات الدستورية المتوقعة في كينيا

(أ‌)إلغاء السلطات المخولة للأقليم: أن الغرض من التعديلات الدستورية هو الإحتفاظ ب ( القشور ) فقط من النظام الإقليمي مع القضاء على جوهرة. أن الفقرة من الدستور التي تنص على أسناد السلطات الي الإقليم قد الغيت، كما ألغيت أيضا مراقبة البوليس للإقليم، و حذفت القائمة المتضمنة للنواحي الموضوعة تحت السلطة المطلقة للإقليم، و قد تقرر أن أي قانون سلر أصدره أحد المجالس الإقليمية يجوز للرئيس إلغاؤه، اذا كان يتعارض مع السلطات الجديدة الخاصة بالشئون الإقليمية المخولة لبرلمان كينيا ، و أخيراً فقد تقرر أن توضع جميع الممتلكات الحكومية تحت نفوذ الحكومة المركزية لا المجالس الإقليمية. و بهذه الطريقة تنزع من المجالس الإقليمية و الهيئات التابعة لها أي حرية للعمل. فهي تصبح عبارة عن شيء صوري مآله الي الزوال بدون شك.

(ب‌)القضاء على المعارضة السياسية: أن المظهر الثاني للتعديلات الدستورية الذي يستحق الذكر، هو إلغاء أحزاب المعارضة، و تأليف حكومة من حزب واحد. فقد أنحل حزب (كادو )المعارض الذي قام في عام 1964 بالدفاع عن المصالح الإقليمية ضد الحكومة المركزية، و ليس هناك من الآن فصاعدا حزب يعارض حزب الحكومة (كانو ) و كون أن التعديلات سيكون لها أثر على الأماني السياسية لأهالي (أنفدي ) الصوماليين أمر واضح، و ليس القضاء على امكانية تمتعه بنوع من الإستقلال الذاتي تجاه الحكومة المركزية فحسب، بل أن أمانيهم السياسية ستعتبر من الآن فصاعداً جريمة، و أن أي محاولة تبدل لتأسيس حزب سياسي يمكهم من طريق التعبير عن هذه الأراء يعتبر جريمة أيضا.

ففي المقاطعة الشمالية – الشرقية التي تشمل (أنفدي ) سابقا، بدأ العمل بالتدابير القانونية التي تسمح باعتقال أي شخص أن كان يعتقد أن هذه الإجراءات ضرورية لصيانة النظام العام. و قد وصف هذا الإجراء بأنه (للطواريء) بمقتضي الأحكام الدستورية الجديدة. كما أن أي محاولة يقوم بها أهالي (أنفدي ) الصوماليون للتعبير عن أمانيهم في تقرير المصير، تعد جريمة، و أن الأجراء لا يعتبر مؤقتا أو (للطواريء).

أثر التعديلات الدستورية في النزاع القائم بين الصومال و كينيا أن النزاع المتعلق بمستقل (أنفدي) كان قد سبق استقلال كينيا بكثير. فقد اعترفت الحكومة البريطانية بأهمية تلك المنطقة الحيوية بالنسبة للجمهورية الصومالية في المستقبل، و قد تعهدت باستشارة الجمهورية الصومالية نفسها قبل إتخاذ قرارات نهائية في هذا الشأن. و لم يقتصر هذا الأعتراف على الحكومة البريطانية وحدها، ففي سنة 1963 عندما عقد مؤتمر روما الذي كان يجب أن يضم إنجلترا و الجمهورية الصومالية، كان أعضاء الوفد الكيني من بين أعضاء الوفد البريطاني – وليس ممثلو لندن – هم الذين تقدموا بالإقتراحات التالية: 1 – يجب أولاً و قبل كل شيء النظر بعين الأعتبار الي رفاهية سكان المقاطعة الشمالية الشرقية. (أ) إن حكومة كينيا تعترف بمصلحة الصومال في مستقبل السكان الذين هم من أصل صومالي و يقيمون في كينيا. (ب) ستجتمع حكومة الصومال و حكومة كينيا في موعد سيحدد بمجرد أن يكون ذلك في الإمكان مع إعتبار الإتصالات التي سبق لها أن تمت. (ج) في حالة ما إذا لم تسمح هذه الإجتماعات بالتوصل الي اتفاق، ستوافق حكومة كينيا على أن يكون للحكومة الصومالية الحرية في عرض القضية على الدول الأفريقية، وفقا لما ينص عليه مشروع قرار و لذلك فإنه من غير الممكن أن تؤكد كينيا أن التعديلات التي أدخلت على دستورها مسألة داخلية محضة لا تخص الجمهورية الصومالية على الأطلاق.

بينما يتضح من أن أي تعديل في الدستور يكون له أثره على سكان (أنفدي ) الصوماليين، ليس مجرد مسألة داخلية، بل إنها مسألة تتصل اتصالاً مباشراً بمصالح الجمهورية الصومالية، و لها صبغة دولية كلفية تبيح لها أن تطلب عرضها على على منظمة دولية كمنظمة الوحدة الإفريقية، الأمر الذي قبل دون مناقشة. و يلاحظ بهذه المناسبة أن التعديلات تهدف الي حرمان الأهالي الصوماليين المعنيين بالأمر من حقهم في تقرير المصير، على أي حال، فحتي بدون اعتبار الأعتراف المذكور بمصالح الجمهورية الصومالية، فإنه من الواضح وفقاً للقانون الدولي، أنه لا يجوز أن تقوم بأصدار قوانين، أو أن تعدل دستورها بحيث تمنع عن شعب حقه في تقرير مصيره. إن هذا الحق المعترف به للشعب يفرض على جميع الدول –بما في ذلك كينيا – واجبات معينة لا يمكنها أن تتجاهلها فتنكر على الشعوب حقها في تقرير مصيرها، و تعلن أن هذه القضايا داخلية محضة. هذه هي الموضوعات التي تتشبث بها جنوب أفريقيا و روديسيا الجنوبية و المستعمرون حيثما وجدوا، و التي لا مفعول لها لإن دولة أفريقية تناهضها. سواء كانت هيئة الأمم المتحدة أم منظمة الوحدة الأفريقية، فإنهما تستطيعان حل هذه القضايا نهائيا.

و هناك نقطة أخري يجب أخذها بعين الأعتبار أيضا، و هو أن النزاع القائم بشأن (أنفدي) بالرغم من أنه اعترفت به منظمة الوحدة الأفريقية رسميا، فقد حملها على أن تتشاور مع الطرفين لمحاولة التوصيل الي إتفاق، إن مشروعات القرارات التي إتخذها مجلس الوزارء لمنظمة الوحدة الأفريقية بدار السلام و لاغوس في شهر فبراير من عام 1964، كانت تعترف بوضوح بالصيغة الدولية للنزاع القائم بين البلدين اللذين عليهما أن يلتزما بتطبيق مدلول الفقرة الرابعة من المادة (111) من ميثاق منظمة الوحد الأفريقية، و هو التوصل الي حل سلمي، و في الواقع أن الطرفين قد استجابا لنداء مجلس الوزراء و وفقا على استئناف المفاوضات. إن إحد المباديء الأساسية للقانون الدولي ينص على أنه في حالة ما إذا كان هناك نزاع قائم بين بعض الدول و قبل السعي الي إيجاد حل سلمي فإنهما مطالبان بعدم القيام بأي عمل يمكن أن يلحق الضرر بموقف أحد الطرفين المتنازعين في الوقت الذي تجري فيه المفاوضات، و في الحقيقة أن هذا المبدأ تدعمه الفقرة الأخيرة من مشروع قرار لاغوس الذي يدعو فيه مجلس الوزراء: ( الطرفين الي عدم القيام بأي عمل يمكن أن يؤدي الي تدهور الموقف، أو أن يعرض إمكانية التوصل الي إتفاق سلمي أخوي الي الخطر ).

موقف الجمهورية الصومالية إزاء تعديلات كينيا الدستورية: (1)أن هذه التعديلات ستؤدي حتما – بسبب ما تتضمنه بخصوص الأقليم المعروف سابقاً ب( أنفدي)- و الي التعدي على حق أهالي تلك المنطقة (الصوماليين) في تقرير مصيرهم. (2)و عليه فإن هذه التعديلات وأي إجراءات أخري مماثلة، تكون متعارضة مع أحكام القانون الدولي، و هي تتعارض بنوع خاص مع ميثاق هيئة الأمم المتحدة و ميثاق منظمة الوحدة الأفريقية، و تتعارض أيضا مع رفاهية سكان المنطقة التي كان الوفد الكيني في روما قد ميزها عن أي إعتبار آخر، و تتناقض كذلك مع الأتفاق الإلزامي وفقا لمدلول القانون الدولي، و بصورة خاصة فيما يتعلق بمشروع القرار الذي أتخذه مجلس وزراء منظمة الوحدة الأفريقية، بخصوص الإمتناع عن: ( أي عمل يمكن أن يؤدي الي تدهور الموقف و أن يعرض إمكانية التوصل الي إتفاق سلمي و أخوي الي الخطر ). بل و أكثر من ذلك حقوق الطرفين المتنازعين. (3)إن الجمهورية الصومالية تشعر بأنه من مصلحتها و واجبها أن تعارض أي إجراء يمكن أن يضر بحق أهالي (أنفدي ) سابقا، (الصوماليون) في تقرير مصيرهم و قد إعترفت كينيا نفسها بهذه المصلحة. (4)أن الجمهورية الصومالية تسعي بكل وسيلة سلمية للتوصل الي حل للنزاع القائم مع كينيا، غير أنها ستقوم بذلك في حالة ما إذا إعترفت هذه الأخيرة بحق تقرير المصير و تمتنع عن أي تغيرات قانونية و سياسية و دستورية من أي نوع كانت في كينيا، و التي يمكن أن تضر بهذا الحق بطريقة مباشرة أو غير مباشرة.


الفصل الخامس: صوماليا الحبشية

الحبشة قبل القرن التاسع عشر

يروي التاريخ الصادق أن دولة أثيوبيا هي دولة أكسوم التي بناها العرب و أقاموا عليها أول حكم عربي من قبيلة الحبشات العربية، ثم أصبحت دولة مسيحية في عام 530 بتأثير الثقافة المسيحية الواردة من الشام، و ظلت المسيحية دين مملكة أكسوم لا تتعدي الهضاب الشمالية للتيجري حتي القرن التاسع عشر. و لقد كانت هناك محاولات لإتساع مملكة أكسوم و لكنها كانت تتعرض للفشل بسبب ظهور دول أكثر منها قوة و ترابطاً تحيط بها، فحالت دون أي حركة غزو أو اتساع من جانب مملكة أكسوم. فقد كانت و ما زالت الحبشة الي يومنا هذا يحيطها سور ضخم البنيان متماسك الوحدة و الهدف و الأماني من الشعوب الإسلامية و حينما حاول ملوك أثيوبيا في القرن السادس عشر تحطيم السور الإسلامي و الخروج الي البحر، على أساس الدعوة الي حرب صليبية في شرق أفريقيا و الاستنجاد بالأمم المسيحية في أوروبا، لم تجد هذه المحاولة التي قامت باسم الصليب أي تأييد من جانب نصاري الحبشة أنفسهم، بسبب الإختلافات المذهبية التي كانت تعيش فيها الحبشة، والتطاحن بين الرؤساء من أجل الوصول الي العرش الأثيوبي، و ظهور مجتمع أرستقراطي على نطاق ضيق، و مجتمع كبير على نطاق واسع يتصف بالعبودية فلم تجد الدعوة للحروب الصليبية التي نادي بها رؤساء الحبشة أي تأييد من الشعب الحبشي، في الوقت الذي وجدت فيه مملكة الفتح الإسلامية في تجاه سنار غرباً و مصر الإسلامية شمالاً و دول الطراز الإسلامي ( ملوك عدل و زيلع) شرقاً كل تأييد و قوة. و قد رأينا في دراستنا للصومال الإسلامية<ref> انظر الجزء الأول : الصومال قديماً وحديثاً للمؤلف </ref> مدي الانتصارات العظيمة التي حققها المسلمون الصوماليون في قلب أثيوبيا و الحالات العظمي للتحول الي الإسلام في عهد الأمام البطل أحمد جري الصومالي الذي حطم مدينة أكسوم نفسها، و أحرق كنائسها و هدم كنيسة أمحرا قاعدة الملك و نشر الإسلام في ثلثي بلاد الحبشة، و قامت وقائع و حروب عديدة بين حكام الحبشة من ناحية وبين الأحباش و الصوماليين من ناحية أخري. واستمرت الحبشة مفككة الأجزاء حتي ظهرت عام 1858 على صورة أربعة أجزاء هي مملكة التيجري، مملكة جوجام، مملكة جوندار (غندرة) مملكة شوا، و هذه الممالك الأربع كانت في تنافس شديد من أجل الوصول الي العرش الأثيوبي و الحصول على لقب ملك الملوك أو منجاشا أو أمبراطور ليكون له السلطة على الممالك التابعة له.

أول إمبراطور للحبشة في القرن التاسع عشر! حوالي عام 1858 استطاع أحد ملوك جوجام أن يسيطر على جوندار، و أن يغير اسمه من كاسا الي ثيودور أي المحبوب من آلاله، مدعياً أنه سيحقق النبوءة التي ابتدعها الكهان في الحبشة في العصور القديمة، و التي تقول أن ملكاً حبشياً يدعي ثيودور سيحطم المسلمين ويعيد مجد المسيحين في الحبشة الي ما كانت عليه في عهد أكسوم في بداية التاريخ. و خرج الملك ثيودور على رأس جيشه الي مملكة شوا فأسر مليكها المدعو منليك و وضعه في سجن منعزل بمجدلا، كماقام ثيودور بطرد الأوربيين، و رفض طلب القنصل الفرنسي بالسماح لبعثة تبشيرية كاثوليكية بالدخول الي بلاده قائلاً له.( أنني أعرف أساليب الدول الغربية إذا أرادت الإستيلاء على دولة شرقية، ترسل أولاً المبشرين، ثم القناصل لمساعدة المبشرين، ثم الفرق العسكرية لمساعدة القناصل و حمايتهم، و لست أميراً هندياً من الهندستان حتي أكون سخرية بهذه الطريقة، و أفضل محاربة الفرق العسكرية مباشرة). و لم يستمر ثيودور أو المحبوب من الآله فترة طويلة في حكمه إذ بعثت له بريطانيا بفرقة عسكرية مسلحة بقيادة الجنرال نابير الذي دخل الحبشة و هزم ثيودور في معركة أورجا ولكن ثيودور ( المحبوب من الآلة ) فضل أن يموت بيده لا بيد الإنجليز فأنتحر في 10 أبريل 1868.

هروب الملك منليك: تمكن الملك منليك أثناء القتال بين البريطانيين و قوات ثيودور من أن يهرب من مجدلا الي شوا، و أن يعمل على تدعيم قواته العسكرية بعد انتحار ثيودور، واستمرت الحبشة بدون أمبراطور و في تنافس و قتال و تطاحن من أجل العرش الأثيوبي حتي تولي حكم البلاد يوحنا الرابع.

الأمبراطور يوحنا الرابع: و في عام 1872 تمكن البريطانيون من مساندة الملك يوحنا الرابع في اعتلاء العرش الأثيوبي باسم ملك ملوك الحبشة. وأراد يوحنا أن يتخلص ممن في بلاده من المسلمين، و أن يكسر الحصار الإسلامي الذي أقامته الدولة المصرية تحت شعار الكتلة الاتحادية الإسلامية لشمال شرقي أفريقيا، و لذلك قام يوحنا بإضطهاد مسلمي الصومال بهدف كسر الحلقة الإسلامية من ناحية الشرق، ولكن مصر الإسلامية بعثت اليه أربع حملات عكسرية، استطاعت الحملة الثالثة بقيادة راتب باشا أن تحقق الانتصار الساحق على قوات يوحنا في معركة قرع في 9 مارس 1876، و تراجعت القوات الحبشية الي الهضاب الشمالية و طلب يوحنا الصلح و السلام، و عقدت اتفاقية السلام في 18 مارس 1876. و لم يكن يوحنا الرابع امبرطور الحبشة يميل الي مصادقة الدول الأوربية لما لاحظه منهم من ميلهم الي رغبتهم في التدخل في الشئون الداخلية للحبشة، و لذا عمل على ألا يمنح أحدا من الأوربيين أي ميزات داخل الحبشة، فكان على الأوربيين أن يتجهوا الي منليك ملك شوا لمناصرته على الأمبراطور يوحنا من ناحية و كسب وده والحصول على امتيازات في داخل الحبشة من ناحية أخري. و قد حدث أن أرسلت الحكومة الإيطانية بعثة علمية من قاعدتها في مصوع الي إقليم التيجري، غير أن الوطنيين تمكنوا من القبض على البعثة في المرتفعات الداخلية، فأرسلت إيطاليا بعثة أخري ومعها خمسمائة جندي في عام 1877 للبحث عن أعضاء البعثة العلمية و أعادتهم الي إيطاليا، غير أنهم وجدوا مناهضة كبيرة من جانب الأحباش الذين اعترضوا طريقهم في أكثر من عشرين ألف جندي فكانت الخسائر فادحة بالنسبة للإيطاليين.

مناصرة الأوربيين للملك منليك: اتجهت إيطاليا الي منليك ملك شوا و الناهض للأمبراطور يوحنا، فعرضت عليه خمسة آلاف بندقية و مساعدته للوصول الي عرش الحبشة في مقابل مساعدتهم في الثأر للبعثة العلمية و البعثة العسكرية التي أبادها جنود الأمبراطور يوحنا.و قبل منليك العرض المقدم إليه من إيطاليا و استلم الهدية. و لكن حدثت تغيرات في العلاقات بين الأمبراطور يوحنا و الملك منليك بعد عقد معاهدة السلام و الصداقة ومناصفة التوسعات القادمة حول أثيوبيا و اتفق الطرفان على أن يكون منليك وريثا ليوحنا في تولي عرش الحبشة، و على خطبة ابنة منليك (7 سنوات ) الي ابن يوحنا ( 12 سنة ) و كان هذا الإتفاق سبباً قوياً في انهيار الاتفاق الإيطالي السابق مع الملك منليك. و كانت فرنسا تسعي الي كسب ود منليك عن طريق تسليحه بمعدات حربية حديثة مقابل تحويل تجارته من زيلع الي جيبوتي، فاستلم منليك في دفعة واحدة عام 1885 من فرنسا نحو 30 ألف بندقية و 100 ألف خوذة حديدية و 13 ألفغدارة نارية للمشاة. و أرادت بريطانيا أن تحد من تسليح منليك خشية أن تزداد قوته و معارضته لمطامع الأوروبيين في الحبشة في الوقت الذي قد تكون فيه الصداقة الفرنسية مع منليك سبباً في خروج البريطانيين من الصومال، و من أجل هذا عقدت معاهدة مع فرنسا في عام 1886 للحد من تسليح منليك، غير أن الحكومة الفرنسية لم تأخذ بالمعاهدة واستمرت في تسليح منليك رغبة في تحقيق المطامع الفرنسية بشأن انشاء خط حديدي بين جيبوتي و أديس أبابا تمهيداً لوصل جيبوتي على الساحل الصومالي الفرنسي شرقاً بالسودان الفرنسي غرباً غبر أراضي الحبشة.

التوسعات الحبشية

منليك واحتلال هرر

ظهرت اشاعة على سواحل الصومال تقول عقب جلاء الإدارة المصرية عن هرر (1885) بأن هناك إتفاقاً سرياً بين فرنسا و الحبشة بشأن هرر الصومالية المسلمة و تحويلها الي مستعمرة فرنسية في قلب الصومال الغربي مقابل أن تحصل الحبشة على ميناء على البحر بمساعدة الفرنسيين. و كانت إيطاليا ترغب في ضم هرر لملتلكاتها في شرق أفريقيا، و من ثم أرسلت بعثة كشفية الي هرر تمهيداً لإرسال بعثة حربية للإستيلاء عليها قبل أن يصل الفرنسيون، غير أن أخبار هذه البعثة وصلت الي الأمير عبد الله صاحب هرر فأمر بطرد الدخلاء الأجانب من البلاد، و لكن جنود الأمير لم يطردوا البعثة بل قاموا بإبادة أفرادها جميعاً و لم يتمكن أحدهم من العودة. و قيل أن منليك ملك شوا أسرع في احتلال هرر مناصرة منه لإخوانه المسيحيين الإيطاليين الذين قتلوا على أبواب هرر. و قيل أيضا. أنه أي منليك أسرع في احتلال هرر قبل أن ترسل إيطاليا حملة تأديبية إنتقامية ثم تستولي على هرر. و يذكر الميجر هنتر المقيم السياسي البريطاني على ساحل الصومال أن دخول منليك الي هرر يرجع الي الأمير عبد الله نفسه الذي لم يعترف بزعامة منليك إلا إذا صار مسلماً. وعلى أية حال فإن الحملة الأولي التي أرسلها منليك لغزو هرر بقيادة ( والدو جبريل ) قد هزمت أمام جنود الأمير عبد الله، فأضطر منليك أن يقوم بنفسه على رأس جيش من ثلاثة آلاف مقاتل مزودين بأسلحة فرنسية و إيطالية و إنجليزية، و دخلوا مدينة هرر الخالدة بعد هزيمة الأمير عبد الله في معركة شالايكو بعد ربع ساعة من نشوب المعركة بين الطرفين، و كان ذلك في فبراير عام 1887. و يذكر أكثر المؤرخين أن نجاح الحبشة في غزو هرر يرجع الي الكونت أنتونللي الإيطالي صديق منليك و زوجته، فهو الذي وضع تخطيط عملية الغزو السريع، و الاعتماد على أسلوب المفاجأة في الغزو، و مما يدل على المؤامرة الحبشية الإيطالية في الغزو و احتلال هرر أن فترة الاشتباك لم تستمر أكثر من ربع ساعة، و هذا دليل على الكثرة العددية، و السلاح الفتاك الأوروبي، والمفاجأة في الغزو، بالإضافة الي أن قوة الأمير كانت مجردة من السلاح حسب تعليمات الحكومة البريطانية عقب جلاء الإدارة المصرية من هرر. و يؤيد ذلك قول الميجر هنتر الذي أشرف على جلاء الإدارة المصرية من هرر بقوله. ( أنني لا أستبعد وجود بعض الإيطاليين مع الأحباش في غزو هرر).

و تزعم السلطات الحبشية أن الأمير عبد الله هو الذي بدأ الهجوم على القوات الحبشية أثناء احتفالهم بعيد رأس السنة، ولكن غيرمعقول أن يحتفل منليك على رأس ثلاثة ألف جندي مسلح بعيد رأس السنة على نقطة الحدود بين الحبشة و هرر بل إن ذلك يدل على كذب هذا الإدعاء، و الأمير عبد الله الذي جرده البريطانيون من السلاح لم يكن لديه أثناء دخول الأحباش الي هرر إلا مدفعان فقط يعمل عليهما بعض الجنود المصريين الذين تزوجوا بصوماليات، و رفضوا مغادرة البلاد بعد جلاء الإدارة المصرية. و بعد أن سقطت المدينة الخالدة في يد الأحباش خرج الأمير عبد الله على ظهر جواده الي الأوجادين ملجأ الأحرار الصوماليين، و قام الأحباش بسلب ونهب المدينة، و استولوا على دار للصناعة و على خمسمائة بندقية و غيرها، مما كان داخل أسوار المدينة التي كانت عاصمة الصومال الإسلامية في العصر الإسلامي و التي خرجت منها الجيوش الإسلامية الصومالية في القرن السادس عشر فسيطرت على ثلثي الحبشة.

قام الأحباش بحصار المدينة و منع الدخول اليها أو الخارج منها بدون تصريح من السلطات الحبشية، و مصادرة كافة ما في المساجد و المساكن من سجاجيد و أثاث و مؤلفات و مخطوطات نادرة، و فرض خمسين ألف ريال غرامة على أهالي المدينة. و وضع منليك تخطيطاً عسكرياً لمنطقة هرر لتكون محور الإمتداد و التوسع في الأراضي الصومالية، و عين ابن عمه رأس مكونين حاكماً على مدينة هرر و ملحقاتها مع أربعة آلاف جندي مسلح، و ألفين من التابعين له للبقاء في هرر بصفة حامية للقاعدة و أن يتحول رأس مكونين نحو التوسع و احتلال أرض صومالية جديدة وضمها الي ملك الحبشة. و قام الأحباش في هرر فنشروا فيها الفساد و المنكرات، و حولوها الي بؤرة للمؤامرات، و مركزاً لتجمع العصابات و قطاع الطرق من الأحباش، و ملجأ للعاطلين و المنبوذين من سكان الحبشة، و أغلقت المدارس، و تهدمت المساجد، و تحولت البلاد الي حال موجبة للأسي و الألم.

أراء حول سياسة التوسع الحبشي و يحدثنا ترننجهام في كتابه (الإسلام في أفريقيا). ( إن أهم خاصية امتازبها حكم منليك هي توسيع امبراطوريته على حساب جيرانه في الجنوب و الجنوب الغربي و الشرقي من مملكة أثيوبيا، و تعتبر هذه الفتحات التوسعية مهمة إذ نتج عنها انضمام المقاطعات الإسلامية (الصومال الغربي ) و الوثنية ( جنوب الحبشة) الي الأمبراطورية الأثيوبية).

التعليق

و يقول المؤرخ الدانمركي جونجولزر في كتابه ( أرض الوجوه الحرقة) ( مثل أسراب جائعة من جراد التهم منليك و جنوده في طريقهم خيرات البلاد، وكان معظم جنوده يصطحبون نساؤهم معهم، فكن يؤلفن مؤخرة هائلة للجيش، كما كن يحضرن نهب التموين مع الجنود، و كانوا جميعا يحملون كل ما يستطيعون حمله من منازلهن ولكنه ما كان يدوم طويلاً، و لذلك كانوا يلجئون الي النهب، و بالطبع ماكان منليك يدفع أجرالجنوده، إذ كانت معاشاتهم هي ما ينالونه من الغنائم، و لذلك لم يكن للجيش مؤخرة أثناء المعركة لأنه مالم يكن الجندي في المقدمة فقد خسر أحسن الغنائم). فالدولة الأثيوبية قامت على أساس التوسع الحربي و السلب و النهب و إغتصاب أرض لم تكن لهما قبل القرن التاسع عشر و ادماجها في دولة أثيوبيا دون أعتبار لعوامل الجنس و اللغة و العادات و التقاليد و غيرها من عوامل الربط الاجتماعي أو الاقتصادي أو الجنسي أو الحضري. و ما كان لأثيوبيا أن تحقق هذه التوسعات الحربية لولا أن بدأت المناورات الأوربية على سواحل الصومال، و لولا التنافس الأوربي في مساعدة منليك بالأسلحة الحربية الحديثة و الخبراء العسكريين لتحقيق أهداف استعمارية مما مكن لمنليك أن يقيم احتلالاً عسكرياً للمناطق التالية من أراضي الصومال. منطقة هرر في عام 1887 و الأوجادين بين عام94/1897 سدامو في عام 1893 و عروس في عام 1895 و بوران في عام 1895 و أساتير و أبيرو في عام 8/1909 و المنطقة المحجوزة فيما بين 48- 1949 بالأضافة الي أراضي أخري ضمت للحبشة هي مقاطعات ليمو 1886، فيرا 1886 جوما 1886، جوراجي 1887، كيباتا 1889 جللاولتا 1890، جبانجرو 1890، جالاتلام (أديا أبابا الحالية) 1893، دلامو 1893 أمي 1894، يورجي 1897، كونسو 1897 جمبيزا 1897، جامبو 1897 كافا 1897 هونرا 1899، بن شنقول 1899، الشعوب النيلية 1900، سلطنة جمبا 135، أرتريا 1952 (أتحاد فيدرالي ). في عام 1962 ضمت أرتريا كجزء من الحبشة دون أعتبار لقرار هيئة الأمم المتحدة باعتبار دولة مستقلة ذات حكم ذاتي و دون اعتبار للتاريخ العام و عوامل الجنس و اللغة و نظام المجتمع. نعود مرة أخري الي الحديث عن حالة هرر فنذكر قول بوريللي الإيطالي الذي كان يعيش في هرر مدة عشر سنوات فعاصر عهد الإدارة المصرية وعهد الحبشة في هرر: ( أن اللحم قد إختفي من السوق، وأن هذه الفوضي الحبشية ستنتهي الأزمة سأترك هذه المدينة البائسة التي حولها الأمهريون الي حفر للقاذورات). و يقول الدكتور محمد صبري. (بصراحة) –( ليس في مقدورالحبشة ولا مقدور أية دولة أوربية أن تفعل ما فعلته مصر في هذه الأقطار (هرر)، ذلك لأن المدنية المصرية العربية لا تبقي على السطح بل تذهب الي الأعماق، و تعني بالبناء الصحيح لا بالطلاء أنها تجد في البيئة و اللغة والدين و القلوب أساساً ترتكز عليه، وهذه الحقيقة يعترف بها كل كاتب منزه عن الهوي).

رسالة منليك الي بريطانيا بشأن احتلال هرر: بعث منليك برسالة الي المقيم السياسي البريطاني في عدن عقب إستلائه على هرر، يعرب فيها عن زهوه بالانتصار و الانتقام من أمير هرر و ضم هرر للحبشة- فيقول بأسلوب ركيك. من منليك ملك شوا. و كل قبائل الجالا الأخيار منهم و الأشرار. كيف حالكم. بفضل الله نحن في صحة جيدة. الأمير عبد الله كان جران آخر<ref> جران أي جرى والمقصود به الإمام أحمد بن إبراهيم الصومالي الملقب بأحمد جرى الذي كاد يسحق النصرانية الحبشية في القرن السادس عشر. </ref>، لايتحمل مسيحي في بلده و بفضل الله حاربته وحطمته. وقد هرب على ظهر جواده. ورفعت علمي على عاصمته و جيوشي احتلت مدينته- مات جران، و عبد الله في أيامنا هذه خلفه فهذه ليست مدينة إسلامية كما يعرف الجميع. و في هذه الرسالة أعتراف من منليك بأن غزوته لهرر إنما هي انتقام لثأر قديم، وأن جران قد مات وأن الأمير عبد الله يريد أن يكون محله، إنه لا يجب أن بكون المسحيون في بلاده أي أن دولته إسلامية خالصة كما كانت منذ القرون الأولي للإسلام. وفي الرسالة إشارة الي أنه احتل المدينة و رفع العلم الحبشي عليها، يقصد بذلك أن تعترف بريطانيا بأن هررملك للحبشة كأمر واقع و يدعي كذباً أنها مدينة هرر لم تكن دولة إسلامية كما يعرف الجميع. و بذلك قلب الحقائق التي يعرفها الجميع عن هرر كعبة الإسلام في شرق أفريقيا قبل أن تخرج المسيحية من مدينة أكسوم نفسها.

منليك يتولي عرش الحبشة: في الوقت الذي كانت فيه القوات الحبشية في هرر قد توغلت الي نحو 60 ميلاً الي الشرق من هرر حتي مدينة جججة الباسلة التي تقع علي طريق القوافل بين بربره و هرر و الأوجادين، كان الأمبراطور يوحنا يقوم بحروب مع دراويش السودان في الشمال، و كان منليك قد استلم عشرة ألف بندقية من صديقه الكونت انتونللي الإيطالي لاستخدامها في محاربة الجالا في مملكة ولاو في الجنوب. فكانت هناك ثلاثة مجالات حربية يعمل فيها الأحباش للتوسع الأستعماري، غير أن الدراويش تمكنوا من هزيمة يوحنا في معركة منجشا و استطاعوا قتله بعد أن تراجع جنوده الي داخل الأحراش و أصبح منليك على عرش الحبشة، يتقرب اليه ملوك أوروبا لتحقيق أهداف استعمارية خاصة في الحبشة أو في الصومال.

معاهدة اوتشيالي 1889

بعد أن أصبح منليك على رأس الحبشة جاء اليه صديقه أنتونللي الأيطالي في يناير عام 1889 و معه هدية من همبورت ملك إيطاليا و هي عبارة عن خمسة آلاف بندقية و مليون خرطوشة، و تباحث معه في شأن إقامة معاهدة بين إيطاليا و الحبشة و تم الاتفاق، و أبرمت المعاهدة في 2 مايو 1889 باسم معاهدة أوتشيالي، و بمقتضاها منحت إيطاليا اعترافاً من الحبشة بسيادة الإيطاليين على أرتريا، و منح إيطاليا حق التحدث مع كافة الدول باسم الحبشة، و ذلك في المجالات الخارجية و معني ذلك بسط الحماية على الحبشة كما قال الإيطاليون، و هذا نص المعاهدة: حفظاً للسلم و الأمن بين المملكة الإيطالية و المملكة الحبشية قرر جلالة الملك همبورت الأول ملك إيطاليا و جلالة منليك الثاني ملك الحبشة أن يبرما معاً معاهدة صداقة و تجارة. و قد بعث جلالة ملك إيطاليا الكونت أنتونللي نائبا عنه و مندوبا فوق العادة الي جلالة منليك ملك الحبشة الذي تفاوض معه باسمه كملك ملوك الحبشة وقد اتفقا على المواد التالية: مادة 1 سلام و صداقة دائمة. مادة 2 تعيين موظفي السلك الدبلوماسي و القنصلي. مادة 3 تكوين لجنة خاصة من مندوبين إيطاليين و أحباش لتعيين الحدود بين مناطق نفوذهما يكون عملها في مجالات اعتبارية هي: 1 – أعتبار النجاد العالية فقط الحدود بين إيطاليا و الحبشة في شرق أفريقيا. 2 – يدخل في نفوذ الإيطاليين قرى هالاي، و سوخيتا و أسمره أعتباراً من اقليم أفرانالي. 3 – يدخل في نفوذ الإيطاليين أدي فناس و أوي جوهان في اتجاه قبيلة جدابورسي. 4 – خط الحدود بين إيطاليا و البشة يسير في خط مستقيم شرقاً و غرباً من أدي جوهان. مادة 4 تبقي منطقة ديروبلانيرن و ملحقاتها ضمن ممتلكات الحبشة على ألا تكون قاعدة حربية في أي صورة. مادة 5 الرسوم الجمركية التي تؤخذ على القوافل تكون مقدار 8% من القيمة المبينة. مادة 6 حرية التجارة في الأسلحة و الذخائر عن طريق ميناء مصوع للملك منليك فقط على أن يقدم طلباً بذلك، وعليه الختم الملكي، للسلطات الإيطالية. و أن تكون حركة القوافل المحملة بالأسلحة و الذخائر تحت الحماية الإيطالية حتي دخولها الأراضي الحبشية. مادة 7 منع رجال القوات المسلحة من عبور الحدود بقصد ازعاج المواطنين مع كفالة حرية الانتقال. مادة 8 حرية التجارة بين المواطنين في إيطاليا و الحبشة. مادة 9 الحرية الدينية للجميع. مادة 10 حل النازعات و القضايا التي بين إيطاليين مقيمين في الحبشة يكون من اختصاص السلطات الإيطالية في مصوع أو يرحلون الي إيطاليا، كما تحل النازعات و القضايا التي بين إيطاليين و أحباش عن طريق السلطات الإيطالية في مصوع، أو عن طريق مندوبين إيطاليين و أحباش. مادة 11 حمل الأشياء الخاصة بالإيطاليين الذين يموتون في الحبشة وكذلك الأحباش الذين يموتون في إيطاليا. مادة 12 الإيطاليون المتهمون بجريمة ما يحاكمون أمام السلطات الإيطالية في مصوع و الأحباش المتهمون بجريمة ما أرتكب في جهة إيطالية يحاكمون أمام السلطات الحبشية. ( ملاحظة – تغيرت هذه المادة بمادة 11 و ذلك في المعاهدة الإضافية في أكتوبر 1889 ). مادة 13 تسليم الخارجين على القانون. مادة 14 لا يسمح بمرور قوافل العبيد في أراضي منليك ( منع تجارة الرقيق ). مادة 15 المعاهدة لها صفة قانونية في كافة أنحاء الأمبراطورية. مادة 16 لا يجوز تعديل المعاهدة قبل مضي خمس سنوات، على أن يخطر بذلك الجانب الآخر في خلال عام، و لا يجوز تغيير أو تعديل الأمتيازات الخاصة بالأراضي. مادة 17 يوافق جلالة ملك ملوك الحبشة على أن يستعين بالحكومة الإيطالية في المفاوضات التي يدخل فيها مع الحكومات أو الدول الأخري. مادة 18 في حالة إذا ما رغب منليك منح أمتيازات خاصة لرعايا دولة ثالثة كإقامة غرف تجارية أو صناعية في الحبشة يكون من الأفضل استخدام الإيطاليين في حالة ما تمت كافة الشروط الأخري .

معاهدة إضافية بين الحبشة و إيطاليا

ولم يكتف منليك بهذه المعاهدة التي ربطت الحبشة بمصالح إيطاليا الاستعمارية في شرق أفريقيا بل و في الحبشة نفسها، و أنما أرسل الرأس مكونين الي إيطاليا للمفاوضة في معاهدة أضافية حصل بمقتضاها على قرض 40 ألف جنيه بضمان جمارك هرر، و قد أضاف الملك همبورت هدية من عنده لمنليك و هي عبارة عن 38 ألف غدارة و 28 مدفع و لم يدر ملك إيطاليا أن هذه الأسلحة ستصوب ضد الأيطاليين أنفسهم في يوم من الأيام. وكانت إيطاليا تسعي أن تكون جمارك هرر ضامنة لسد القروض التي يتحصل عليها منليك من إيطاليا حتي إذا ما عجز منليك عن سداد الديون تكون هرر من حق الإيطاليين و بذلك يتحقق حلم إيطاليا في إيجاد مستعمرة إيطالية في هرر.

اشتراك الحبشة في مؤتمر بروكسل سنة 1890: نجحت الحكومة الإيطالية في الدعاية للحبشة وفي ضمها لمؤتمر بروكسل عام 1890 و بذلك صار للحبشة حق الحصول على الأسلحة النارية بالأضافة الي الوارد إليها من الهدايا التي يتنافس في تقديمها الدول الاستعمارية على سواحل الصومال. فسمحت بريطانيا للملك منليك أن يستورد أسلحة عبر ميناء زيلع الصومالي، كما بعثت الملكة فكتوريا برسالة الي منليك تشاركه العطف في الصعوبات التي يلاقيها في محاربة أعدائه و أن الاتفاقية الإنجليزية الفرنسية بشأن منع تسليح الحبشة أصبحت لاغية، وبذلك إزدادت الواردات من الأسلحة والمعدات الحربية على الحبشة بشكل مخيف، و الهدف الأساسي منها هو تدعيم الحركة التوسعية المسيحية التي يقودها منليك في شرق أفريقيا و الصومال و هذه الحركة التوسعية الصليبية فيها مكاسب لمسيحي أوروبا فوق كل اعتبار كما يقول أكثر المؤرخين الغربيين.

الخطاب الدوري الاستعماري لمنليك وجدت إيطاليا أن منافسيها من فرنسيين وبريطانيين على الصومال قد أصبحوا أعداء صريحين لها، إذ بدأت المناورات الإنجليزية بصفة خاصة تثير الرأي العام الحبشي ضد الإيطاليين بل امتدت المناورات الي الصوماليين لتوجية موجة عدائهم من الحبشة الي إيطاليا، و قد ظهر هذا واضحاً حينما قامت بريطانيا بإرسال قوة تأديبية من خمسمائة جندي إنجليزي إلي قبائل العيسى الصوماليين الخاضعين للحماية الإيطالية مما أثار الصوماليين ضد الطليان لأنهم لا يقومون بواجبات الحماية ضد الغزو البريطاني و قدمت إيطاليا احتجاجاً ضد بريطانيا و كادت تنقطع العلاقات بين الدولتين مما دعا السفير البريطاني في روما الي أن يكتب لدولته في تهدئة السنيور كرايسبي وزير خارجية إيطاليا، و كرد فعل للمناورات البريطانية بعثت الحكومة الإيطالية بالسنيور أنتونيللي صديق منليك الي الحبشة لإغراءه على إصدار خطاب دوري إلي كافة الدول الأوربية موضحاً فيه حدود الأمبراطورية الأثيوبية و ذلك للحد من مطامع الفرنسييين و البريطانيين في شرق أفريقيا. نص الخطاب الدوري لمنليك (عن النص الأمهري في أديس أبابا). تحقيقاً للتعريف بحدود أثيوبيا فأننا نرسل هذا الخطاب الدوري الي أصدقائنا من ملوك أوروبا للعلم بحدود بلادنا. نحيطكم علماً يا صاحب الجلالة. فتلك هي حدود أثيوبيا. اعتباراً من آرافال الواقعة على البحر عند الحدود الإيطالية يسير الخط غرباً نحو سهل جيجر في أتجاه ماهيو و هالاي و ديجزا و هورا الي أويبارد و منها الي ملتقي نهري مارين و أراند. و من هذه النقطة يمتد الخط جنوبا حتي يلتقي بنهري عطبرة و ستيت حيث تقع مدينة تومات و حيث تشغل الحدود مديرية غضارف إلى كاركوج على النيل الأزرق و من كاركوج يمتد الخط إلى ملتقي نهر السوباط بالنيل الأبيض و من هناك يسير خط الحدود على نهر السوباط متضمنة بذلك أقاليم أريورا و جالاس حتي بحيرة سميوري. وفي اتجاه الشرق يدخل ضمن الحدود أقاليم بوران و جالاس و عروسي إلى حدود الصومال بما في ذلك أقليم الأوجادين. و في اتجاه الشمال تتضمن الحدود هابراواز و الجد أبورسي و عيسى صومال حتي أميوس ثم يمر الخط بأميوس ويشمل بحيرة عسقل فمديرية الإقطاعي القديم محمد أنفاري حتي مناجم ساحل البحر ليتصل مرة أخرى بأرافال.


التعليق

سأحاول أن أعيد إقامة الحدود القديمة لأثيوبيا إذا و هبني الله حياة و قوة حتي تصل الي الخرطوم و حتي بحيرة نيانزا متضمنة بذلك كل قبائل الجالا. لقد ظلت أثيوبيا خلال أربعة عشر قرنا كجزيرة مسيحية في بحر من الوثنية. و إنني على ثقة بأن عناية الله سوف تحفظ أثيوبيا من التقسيم بين الدول الأخرى. لقد كان البحر هو نهاية حدود أثيوبيا فلما أعوزتها القوة و لم تلق أي عون من الدول المسيحية سقطت حدودنا على ساحل البحر في قبضة المسلمين. و في الوقت الحاضر لا ننوي أن نستعيد حدودنا البحرية بالقوة و لكننا واثقون بأن القوى المسيحية تحرسها عناية الله فتنقذنا، و ستعيد إلينا الخط الساحلي على البحر، أو على أي حال بعض نقط فيه. حرر في أديس أبابا في 14 مارز 1883 ( 10 أبريل 1891 )

ملاحظات على الخطاب الدوري لمنليك: 1 – رغبة منليك في ضم ممتلكات صومالية منها أراضي قبائل هبر يونس و الجدابورسي و عيسى صومال و هي قبائل صومالية تعيش في الصومال الفرنسي و الصومال البريطاني و أراضي قبائل بوران و جالاس و عروسي و الأوجادين و هود و هرر و كلها شعوب و أراضي صومالية في غرب و جنوب غرب الصومال. و بغض النظر عن رغبة (منليك ) في مد ممتلكات أثيوبيا حتي الخرطوم شمالاً فإنه يعترف بأن أثيوبيا خلال 14 قرن كانت كجزيرة مسيحية بل إنها ( أثيوبيا ) ظلت كذلك حتي القرن التاسع عشر. 2 – ادعي منليك أن البحر كان نهاية حدود أثيوبيا. ويقصد بذلك البحر الأحمر و البحار الصومالية على المحيط الهندي فليس هناك حدود أخري بحرية تحد الحبشة عن قرب إلا الحدود الصومالية و الأرترية، ونحن قد عرفنا مما سبق ذكره أن أثيوبيا طوال التاريخ كانت حول الهضاب الشمالية و لم تصل الي البحر اطلاقاً إلا في القرن الحالي بمساعدة الغربيين. 3 – يدعي منليك أن الحدود البحرية سقطت من يد الحبشة حينما وقعت في يد المسلمين في الوقت الذي لم تجد فيه الحبشة أي عون من الدول المسيحية. و قد سبق أن أوضحنا أن الصوماليين من الشعوب الأصلية في منطقة الصومال و أنها عناصر حامية خالصة، على حين الحبشة من عناصر مختلفة من حامية و زنجية، و أن الصوماليين أخذوا بالإسلام في عهد الرسول عليه السلام أو على الأقل في العشرين سنة الأولي التي تلت وفاة الرسول، بعكس ما ذهب إليه منليك من أن المسلمين استولوا على النطاق البحري أثناء طلب الأحباش بمساعدات من البرتغاليين و نصاري أوروبا ضد مسلمي الصومال. فالصوماليين مسلمون قبل أن تمتد الحبشة إلى الخارج في طلب مساعدات في حروبها الصليبية، كما أن هذه المساعدات كانت خلال القرن السادس عشر حينما ظهر الداعي الصومالي الكبير الأمام أحمد جري الذي انتصر على الأحباش، وقد حدث في عهده حالات كثيرة في التحول الي الإسلام حتي أصبح عدد المسلمين أكثر من الأحباش منذ القرن السادس عشر حتي اليوم رغم محاولات السلطات الحبشية إنكار هذه الحقيقة. 4 – في خطاب منليك استعطاف للدول الأوروبية المسيحية لتدعيم المسيحية في الحبشة و مساعدتها في الوصول الي منافذ بحرية.(إننا واثقون أن القوى المسيحية تحرسها عناية الله التي ستنقذنا و ستعيد إلينا الخط الساحلي على البحر أو على أي حال بعض نقط فيه).

موقف إيطاليا و بريطانيا من الخطاب الدوري: الخطاب السابق من وضع الإيطاليين، و هدفهم تقديم منليك كبش فداء لمطامعهم الاستعمارية، و من خلفه يمكن لهم أن يحققوا أطماع إيطاليا لا في أثيوبيا بل في الصومال عن طريق إخلاء الصومال من الأوربيين لتحل إيطاليا محلهم تبعاً لمعاهدة أوتشيللي. و لكن خاب ظن الإيطاليين، إذ تطاول منليك على الإيطاليين أنفسهم و طردهم من البلاد بعد هزيمتهم في معركة عدوه. كان موقف بريطانيا من الخطاب الدوري الانتظار لمعرفة تطورات الأحداث، و في الوقت نفسه بعثت ملكة بريطانيا برسالة إلزام للملك منليك بتنفيذ البروتوكول الذي حدد مناطق النفوذ بخط يبدأ من البحر في منتصف مجري نهر جوبا حتي عرض 6 شمالاً مع بقاء كسمايو و الأراضي الملحقة به في الجهة اليمني للنهر في حوزة بريطانيا، و يسير الخط موازياً من خط عرض 6 شمالاً وخط طول 35 شرقاً حتي النيل الأزرق.

المناورات البريطانية و إلغاء معاهدة أوتشيالي

رأي الإيطاليون أنهم بمعاهدة أوتشيالي قد فرضوا الحماية على كل الحبشة، و اعتبروا هرر كبقية الحبشة في الوقت الذي كانت فيه فرنسا تطمع في تحويل تجارة هرر الي ميناء جيبوتي و أعلنت عدم اعترافها بمعاهدة أوتشيالي بين إيطاليا و الحبشة، أما بريطانيا فقد وقفت ظاهرياً بجانب إيطاليا في دعواها الحماية على الحبشة، و في الوقت نفسه كانت تعمل على ضم هرر الي ممتلكاتها هي ، و بدأت تقوم بمناورات في الحبشة كان الغرض منها أظهار حقيقة الموقف الإيطالي من الحبشة، و ظهرت هذه السياسة البريطانية واضحة في رسالة بعثت بها ملكة بريطانيا الي المبراطور منليك. تقول فيها. أنها آسفة لعدم مكاتبته أو تلقي رسائله مباشرة إلا عن طريق جلالة ملك إيطاليا. و كان لهذه الرسالة أثر كبير في نفس منليك. إذ قال لمن حوله من المستشارين السياسيين بعد الانتهاء من قراءة رسالة الملكة.( ماهذا) ؟. ( هل أنا خادم حتي ترد على الملكة هكذا.؟ ) و هنا أشار له مستشاره السياسي. الي محتويات معاهدة أوتشيالي. التي منحت إيطاليا حق الحماية على الحبشة. و طلب منليك النسخة الأصلية للمعاهدة باللغة الأمهرية و قارنها بالنسخة الإيطالية فكان هناك اختلاف في عبارة.( حق استخدام إيطاليا في الحديث في العلاقات الخارجية ) عن عبارة ( يجب على إيطاليا الحديث باسم الحبشة في العلاقات الخارجية )<ref> انظر المادة 17 في معاهدة أوتشيالي 1889 </ref>. فقدم منليك احتجاجاً على المعاهدة و أنه لا يعترف بها و بعث رسالة الي الملكة يلغي عهده السابق في المراسلات عن طريق إيطاليا، وذكر أن النسخة الأمهرية للمعاهدة جعلت حق أستخدام العلاقات الخارجية بيد إيطاليا أختيارياً و ليس ألزامياً، و بذلك نجحت السياسة البريطانية في قلب منليك على إيطاليا مدعية صداقة الحبشة و في الوقت نفسه تقوم بريطانيا بالتودد الي إيطاليا و أستمرار المكاتبات عن طريق ملك إيطاليا الي منليك أمبراطور الحبشة.

الغزو الحبشي للأوجادين

خلال فترة المناورات الأوروبية تجاه الحبشة، و إمداد منليك بالسلاح الحديث كان رأس مكونين قد بعث بجماعة من الأحباش و قطاع الطرق في 30 يونية 1891 للقيام بغارات على أراضي الأوجادين، و قام الغواة بسلب متاع السكان و حيواناتهم وعللوا ذلك بأن هجرتهم الي الأوجادين سببها شدة القحط الذي أصاب مدينة هرر. و يذكر الكابتن سواين البريطاني أن أفراد قبيلة هبرأول و يونس جبريل جاءهم رسول في جججة يطلب منهم قريتين كجزية لحمايتهم من الأحباش. و قام الغزاة الأحباش بإحتلال بيوكابوبا التي تدخل ضمن نطاق الصومالند الخاضع للحماية البريطانية و جلديسيا الواقعة بين المحمية البريطانية و المحمية الفرنسية. و يتزايد الضغط الحبشي على الأوجادين و تكثر عمليات السلب و النهب التي يقوم بها أفراد غير نظاميين من الأحباش و اتجه السكان إلى عاصمة محمية الصومال البريطاني، يطلبون من البريطانيين حمايتهم و إرسال النجدة الي أراضيهم، و وقف غارات الأحباش عليهم. و لكن بدون جدوى!!. و رغم الاتفاقات البريطانية الإيطالية فإن الغزوات الحبشية استمرت في أعمال التخريب و الاحتلال في داخل الأوجادين و أخذت الحبشة توسع الممتلكات على حساب الصومال حتي وصلت فرقة حبشية إلى هرجيسة و قامت بتحطيم قلعة قد بناها اللورد لأمير للصيدالي الغرب من هرجيسة كما نادي الأحباش بأن أراضي قبيلة هبرأول من الممتلكات الحبشية و يذكر كابتن برسي البريطاني في عام 1896 أثناء تجوله في الأوجادين مع بعض الصوماليين قائلاً.( أن الأحباش كانوا يأخذون إتاوة على الحيوانات التي تتجه الي الآبار للشرب، و يسخرون العمال من رجال القبائل إذا لم يدفعوا الضرائب مقابل حيواناتهم). و تسأل.( ماذا يعمل الصومالي الشجاع بدون سلاح)؟. ( أن الأحباش أنفسهم عندهم أكثر من أدعاء اللهم إلا القوة للسيطرة على الآبار). ومما لا شك فيه أن الصوماليين كانوا مضطهدين من قبل الأحباش في الوقت الذي حرمهم فيه المستعمر سواء كان فرنسياً أو إيطالياً أو إنجليزياً من حق حمل السلاح حتي الأبيض منه. و لما وجد المستعمرون أن مصالحهم تتعارض مع بقائهم في الصومال وخاصة بريطانيا التي تجد مقاومة شديدة من جانب دراويش السودان في الوقت الذي إزداد فيه كراهية منليك أمبراطور الحبشة لإيطاليا بينما إزدادت علاقته توثقاً مع فرنسا بميثاق 1894 و 1896.

الاتفاق الإنجليزي الإيطالي ( بروتوكول 1894)

أن بريطانيا الحريصة على مصالحها الواسعة في الحبشة لم تتخذ أي خطوة عملية ضد الغزاة الأحباش و يذكر بعض الناصرين للقضية الصومالية و هو الحاكم العام في الهند في نداء له لبريطانيا. ( لابد من مراعاة المصالح البريطانية في الأوجادين و تدعيمهاخشية أن يؤدي فقدها الي ضعف مركز بريطانيا في الصومال ). و ناشد دولته العمل السريع لصالح قضية الأوجادين الصومالي.و تحركت بريطانيا بالتنبية على إيطاليا بأن ( شمال الأوجادين يعتبر نقطة هامة في طريق تجارة بربره وبلهار، وأن سلطة الحبشة عليها مؤقتة و أن تجارة الأوجادين وهرر تنتهي طبيعياً الي مواني الساحل الصومالي). و تفاوضت بريطانيا و إيطاليا بشأن مناطق النفوذ و تحديدها و انتهت المفاوضات بتوقيع بروتوكول 5 مايو 1894 و فيه حددت مناطق النفوذ بخط يبدأ من جلديسيا الي خط عرض 8 درجة شمالاً بجوار حدود إقليم جيرهي، برتري، و دير على والي اليمين يترك قرية جلديسيا و الي ججة وميل وبعد خط 8 درجة شمالاً يسيربموازاة خط تقاطع مع طول 48 درجة شرق جرينتش، ثم بعد ذلك يتجه الي تقاطع خط عرض 9 درجة شمالاً مع خط طول 49 درجة شرق جرينتش حتي البحر، كما نص البروتوكول على حرية التجارة في منطقة الأوجادين والمساواة بين بريطانيا و إيطاليا في تجارة ميناء زيلع ورعايا الدولتين ومن تحت حمايتهما.

بريطانيا تتنازل عن أراضي صومالية للحبشة

وجدت بريطانيا أن تتقرب الي منليك بأية وسيلة قبل أن يمتد نفوذ الفرنسيين بالتعاون مع منليك الي أعالي النيل، فأرسلت الحكومة البريطانية برسالة عن طريق اللورد هاملتون في يناير 1897 الي المقيم السياسي على ساحل الصومال مستفسرة عما إذا كان ساحل الصومال ضرورياً بالنسبة لبريطانيا. و جاء في الرسالة ( أن حكومة جلالة الملكة تعتبر مصالح الإمبراطورية في محمية الصومالند غير كافية في مساهمتها في الدفاع عنها أو احتلالها بصفة مستمرة إلا من جهة الانتفاع البحري فقط ، و إذا قام احتلال عسكري يجب الابتعاد عن الاصطدام بل التقهقر إلى المواني). وبذلك صرحت بريطانيا أنه في حالة تقدم الأحباش الي محمية الصومال البريطاني فإن قواتها لا تدافع عن المحمية بل تتراجع الي المواني حتي لا تتصادم مصالح بريطانيا مع إمبراطور الحبشة (أنظر الصومال البريطاني بعثة رنيل رود) و في الوقت نفسه أرسلت بعثة بريطانية برياسة رنيل رود لأجراء مفاوضات، و تنازلت عن أراضي صومالية للحبشة مقابل أمتناع منليك عن مساعدة الفرنسيين في أعالي النيل و تحقيق بعض المطامع البريطانية في الحبشة.

هزيمة إيطاليا في عدوة واستقلال الحبشة

عرفنا فيما سبق أن منليك ألغي عهده السابق بشأن معاهدة أوتشيالي مع إيطاليا في فبراير عام 1893 على أثر الخطاب الذي أرسلته ملكة بريطانيا بأنها لا تتراسل معه إلا عن طريق إيطاليا، و كانت أول المعارك الحربية في 14 فبراير 1895 حينما هزم بارتيري الإيطالي جيش الرأس منغشيا في واقعة تواتيب، و توغل الإيطاليون الي أديجيرات و ماكاللي في الأراضي الحبشية. و كان الانتصار الأول للأحباش على الإيطاليين في معركةأمباآلاجي في 7 ديسمبر 1895 إذ تقدم منليك الي الشمال لمؤازرة الرأس منغاشياً ضد الطليان و سلمت ما كاللي لمنغاشيا. و في أواخر عام 1895 كان الأيطاليون قد قوي من مراكزهم على الحدود التيجرية فبعث منليك بأوامره لحشد قواته لتتركز في ثلاثة مواقع من الطرق المتجهة شمالاً، و كانت الجيوش الحبشية متأهبة للحرب غير أنه لم يحدث أي شيء حتي أوائل عام 1896. و في فبراير كان القائد العام الإيطالي يري عدم الاشتباك مع منليك، غير أنه تقدم الي المعركة بأمر من رئيس وزرائه الذي وضح ذلك الأجراء بقوله.

( هذا ما هو إلا أجراء عسكري و لا يعتبر حرباً و يجب أن تكون على أستعداد للتضحية للمحافظة على شرف الجيش وهيبة الملكية). و تقدم الإيطاليون الي عدوه ولكنهم قهروا في أول مارس 1896 و خابت مناورتهم، و كانت خسارة حربية تعرضت لها إيطاليا في الحبشة، أو بمعني آخر كانت نكبة لم ير لها مثيل في تاريخ إيطاليا، إذ قتل بالنار أو بالسلاح الأبيض أربعة آلاف إيطالي، و أسر ألفان، فكانت كارثة لا في الحبشة بل في داخل إيطاليا نفسها مما سبب تغيير الوزارة الإيطالية بعد ذلك. و كانت نتيجة الانتصار الكبير لمنليك أن ارتفع اسمه بين الدول، و خاصة تلك التي تتطاحن على الساحل الصومالي و طلب الإيطاليون الصلح، و قدم الي الحبشة الماجور نرازيني على رأس بعثة إيطالية فأبرم معاهدة صداقة و صلح وسلام في 26 أكتوبر عام 1896، و بذلك ألغيت معاهدة أوتشيالي، وأعترفت الحكومة الإيطالية باستقلال الحبشة و سيادتها، ورسمت الحدود الحبشية و أرتريا عند الخط النهري مأرببيليامونا.

التعليق
التعليق


الفصل السادس: الصومال الإيطالي

بواعث اتجاه إيطاليا نحو صوماليا

حينما شعرت الحكومة الإيطالية أن الصراع الدولي على الساحل الجنوبي لخليج عدن والساحل الغربي للبحر الأحمر قد بلغت درجة الخطورة، وأوشكت أن تنبثق عن حرب دولية بسبب التناحر، في إيجاد مناطق نفوذ على ساحل الصومال، وحين وجدت أن فرصة التوسع حول عصب تجد منافسة وضغطاً شديداً من قبل فرنسا وبريطانيا، وفي الوقت نفسه فشلت المحاولة الإيطالية الأولى في عام 1877 حينما أرسلت بعثة الإنقاذ والبحث عن بعثة علمية إيطالية سبق أنها خرجت من مصوع بالإضافة إلى البعثة العلمية المفقودة، لهذا كله غيرت من سياسة التدخل الشحصي إلى سياسة التدخل عن طريق غير مباشر هو إرسال الهدايا و الأسلحة إلى منليك المناهض لرأس منجأشا حتى تنتهي الظروف بعقد معاهداتأو ما شبه ذلك مما يتيح لها فرصة توسيع قاعدتها حول عصب. وفي الوقت الذي كانت تسير فيه إيطاليا نحو إيجاد شخصية مناضلة لرأس منجأشا عن طريق التسلح، وإحباط كل محاولة إنجليزية وفرنسية ترمي إلى إبعاد إيطاليا عن عصب اتجهت السياسة الإيطالية الاستعمارية إلى منطقة ليس فيها تنافس دولي أو امتيازات أجنبية، تلك المنطقة البكر البعيدة عن التصارع الدولي حتى عام 1885 هى صوماليا المستقلة، عدا ذلك الشريط الساحلي الضيق الممتد على الساحل الجنوبي لصوماليا والذي كان خاضعاً بصفة اسمية لسلطان زنجبار. وفي عام 1885 دخلت إيطاليا في مجال الستعمار لشرق إفريقيا وأردت الاشتراك في تقسيم شرق إفريقية مع بريطانيا و ألمانيا حتى تجد لها مناطق نفوذ عسى أن يكون حظها في هذه المغامرة أكثر توفيقاً من محاولتها البطيئة حول عصب.

بعثة تشكى وهدفها

بدأت إيطاليا حملاتها الاستطلاعية والكشفية في صوماليا بإرسال سفينة حربية بقيادة الكابتن تشكى لكشف المناطق الجنوبية من صوماليا وخاصة منطقة نهر جوبا، وذلك بغية البحث عن طريق يصل ما بين نهر جوبا ومنطقة كافا الغنية بالانتاج الحيواني والنباتي والمعدني. وكانت التعليمات الصادرة إلى كابتن تشكى أن يبحر في نهر جوبا،حتى أبعد نقطة ملاحية على النهر، وتفقد أحوال البلاد، وكتابة تقارير عن أحوالها سياسياً واقتصادياً، ومدى إمكان استفادة إيطاليا من إقامة علاقات تجارية مع سكان تلك البلاد. وكانت إيطاليا تطمع في السيطرة على أراضي جوبا بعد أن تمكنت من رفع العلم الإيطالي على مصب نهر جوبا، غير أن بعثة تشكى لم تحقق أي انتصارعلمي في ارتياد تلك المنطقة أو في الملاحة في نهر جوبا، ولذلك اتجه تشكى بسفينته الحربية المزودة بأحدث الآلات الحربية إلى زنجبار. وفي مقابلة لتشكى مع سلطا ن زنجبار أعرب عن رغبة الحكومة الإيطالية في إيجاد علاقات تجارية مع الدولة الزنجبارية وذلك بإنشاء مؤسسة إيطالية تجارية في زنجبار، ولما سأله السلطان عن البعثة وأهدافها أجاب تشكى أن حضور البعثة من أجل دراسة الأحوال التجارية والاقتصادية لزنجبار تمهيداً لإيجاد علاقة تجارية بينها وبين وإيطاليا. وكان الكابتن تشكى في حديثه مع السلطان حريصاً على ضرورة إيجاد ميناء قرب مصب نهر الجوبا مما كان له أثر في نفس السلطان، وأوجد عنده الشك في مسألة إيجاد علاقة تجاريى محضة بين زنجبار وإيطاليا. المناورات الإيطالية والحقيقة أن رغبة إيطاليا كانت هى أن تشترك مع بريطانيا وألمانيا في تقسيم شرق إفريقيا إلى مناطق نفوذ، وإيجاد مستعمرة لها في شرق إفريقيا بعد أن أوشكت على أن ترفع يديها عن المستعمرة الإيطالية التي حول عصب بسبب ضغط الدول الأروربية من ناحية والحبشة من ناحية اخري. ولما رفض السلطان برغش منح الحكومة الإيطالية أي ثغر على ساحل صوماليا أظهر الكابتن تشكى عدم ارتياحه من السلطان، وأراد أن يستخدم القوة للوصول إلى أغراضه فتدخل كريك القنصل الإنجليزي في زنجبار في حل النزاع بين السلطان برغش وتشكى، ونصح الإيطاليين بأن يبدأوا عملهم بالتجارة على صورة عقود واتفاقيات مع السلطان لتحقيق آمالهم بالسياسة لا بالقوة فأخذ تشكى بنصيحة القنصل البريطاني، وبدأ نشاطه بإبرام اتفاقية تجارية مع السلطان في 28 مايو عام 1885، وكانت هذه الإتفاقية لا تختلف في نصوصها عن الاتفاقيات التجارية الفرنسية والإنجليزية القديمة.

جس النبض

وبدأ تشكى بترويج الإشاعات والمناورات لحس نبض السلطان والدول الأوربية التي تتطاحن من أجل كسب مناطق نفوذ في الأراضي التابعة لنفوذ السلطان برغش، وظهرت الإشاعة الأولى في سبتمبر عام 1885 تقول بأن السلطان قد تنازل لإيطاليا عن مصب نهر الجوبا، وسرعان ما احتج القنصل الإنجليزي على تصرف السلطان، غير أن السلطان استنكر بشدة هذه الإشاعة البطلة وأعلن تكذيبه لها. وبعد شهرين تقريباً أعلن تشكي إشاعة أخرى بأن السلطان تنازل عن ميناء كسمايو للحكومة الإيطالية، واحتجت الحكومة البريطانية عن طريق ممثليها في وزنجبار، وأعلن السلطان تكذيبه للإشاعة. وكان من أثر هذه الإشاعات والمناورات الإيطالية التي تهدف إلى جس نبض الدول الاستعمارية الأخرى في شرق أفريقيا أن أسرعت بريطانيا وألمانيا إلى تحديد مناطق نفوذهما في شرق أفريقيا قبل أن تصل إيطاليا إلى اتفاق مع السلطان مما قد يحد من اتساع نفوذهما في شرق أفريقيا.

أزمة مفتعلة في العلاقات الإيطالية الزنجبارية

في عام 1888 طلبت الحكومة الإيطالية من قنصلها المدعو فيلوناردي في زنجبار أن يدخل في مفاوضات رسمية مع سلطان زنجبار بشأن التنازل عن نهر جوبا أو منطقة كسمايو أو ما يمكن التنازل عنه من الستين ميلاً الباقية من ساحل صوماليا التي تقع إلى الجنوب من خط الأستواء مباشرة بالشروط المعروفة التي حصلت عليها شركة ماكينون البريطانية. غير ان السلطان الذي تسلم رسالة خاصة من ملك إيطاليا رفض مطالب الحكومة الإيطالية بتحريض من بريطانيا التي لا تريد أن ترى إيطاليا منافسة لها في جنوب صوماليا في الوقت الذي اتسع فيه نفوذ الإيطاليين في الحبشة وأصبحوا من أكبر المنافسين لبريطانيا فيها. وبسؤال من فيلوناردي للسلطان بشأن الرد على الرسالة الخاصة بجلالة ملك إيطاليا قال السلطان أنه سيرد عليها حينما تسمح له الظروف واستاء فيلو ناردي من إجابة السلطان، وأبرق إلى روما يعرب عن أسفه في تأخر رد السلطان على رسالة جلالة الملك، وأدعى أن هذا التأخر في الرد مقصود به إهانة جلالة الملك، ولذا فعلى الدولة الإيطالية أن تسترجع كرامتها وتطالب بكسمايو كتعويض عن هذه الإهانة. وفي أوائل شهر يونية عام 1888 أعلن وزير خارجية إيطاليا أن السلطان برغش قد أهان القنصل الإيطالي في زنجبار وأصر الوزير على أن ينفذ السلطان الوعد الذي كان قد صدر من السلطان السابق في 23من أكتوبر من عام 1886 بالتنازل عن كسمايو لإيطاليا، وقد أشار المسئولون الإيطاليون في عقب تصريح وزير الخارجية بأن إيطاليا سوف تستخدم القوة في الحصول على ميناء كسمايو إذا لزم الأمر. وأمام هذه المناورات والتهديدات الصريحة من جانب الإيطاليين لجأ السلطلن إلى البريطانيين يطلب منهم الحماية، فأعلنت بريطانيا تصريحاً مناسباً جاء فيه،((أننا لا نقبل استخدام العنف مع السلطان، فالسلطان تحت حماية الدولتين الألمانية والإنجليزية)) وصرح كريسبي رئيس الوزارة الإيطالية من أجل تهدئة حدة الموقف لصالح إيطاليا بشئ كبير من الدبلومسية قائلاً ((من الممكن حل المسائلة في صالح إيطاليا إذا كانت بريطانيا وألمانيا تكفان عن تعضيدهما للسلطان)). وفي هذا الوقت كانت إيطاليا تعتبر المسيطرة على شئون الحبشة وفي أمكنها أن تحد من النفوذ البريطاني على السواحل الشمالية للصومال. وفي 6 يونية من نفس العام انقطعت العلاقات بين فيلوناردي القنصل الإيطالي والسلطان برغش وتحركت سفينة حربية إيطالية نحو زنجبار، وأعلن في 11يونية في مجلس النواب الإيطالي أن وجود الدول الصديقة في زنجبار سيجمي إيطاليا ويمنع من وجود مشاكل دولية في هذه المنطقة. وللمناورات الإيطالية، وتصريحات المسئولين الإيطاليين، وتحرك السفن الحربية الإيطالية نحو زنجبار، وانقطاع العلاقة بين السلطان والقنصل الإيطالي في زنجبار وغيرها من الأسباب التي دعت إلى اضطراب الموقف وأنه أوشك على الانفجار في هذه المنطقة المتأزمة فتراخت بريطانيا وألمانيا في حمايتهما للسلطان خشية إندلاع حرب عالمية بسبب هذه المنطقة المتنازع عليها. و إنتهت الأزمة بين إيطاليا و زنجبار حينما قام السلطان بكتابة رسالة إعتذار الي ملك إيطاليا في 20 نوفمبر 1888، و قام القنصل الإيطالي بحملها الي ملك إيطاليا، و كان حتما على إيطاليا أن تؤجل تنفيذ مطامعها على ساحل صوماليا بعض الوقت لحين تتهيأ الظروف مرة أخرى، و في الوقت نفسه أتيحت للإيطاليين فرصة وضع مخطط استعماري محكم للسيطرة و بسط النفوذ، لا على منطقة كسمايو أو نهر جوبا فقط بل على صوماليا كلها على نحو ما سترى في الدراسة التالية.

ثورة الصوماليين ضد التدخل الأجنبي

قامت المناورات الإيطالية و الأوروبية بصفة عامة من أجل التدخل في شئون الصوماليين على ساحل صوماليا الجنوبي، واشتد الصراع السياسي بين إيطاليا و السلطان برغش، وحدث تدخل من الدول الأجنبية ( بريطانيا و ألمانيا) لمناصرة إيطاليا ووافق السلطان لشيئة الأوروبيين و هو قابع في زنجبار دون أن يعمل من أجل الصوماليين. و ثار الشعب الصومالي على هذا الوضع الذي يهدد بلادهم، و كانت ثورة عارمة شديدة في كل مدينة و قرية و في الخواضر و البوادي و قد دعا إليها نفر من عقلاء البلاد و نادوا بالجهاد و النضال ضد التدخل الأجنبي في بلادهم، و أرسلوا الوفود من خير الشيوخ الصوماليين الي أرض زنجبار. و أعلن الشيوخ الصوماليين في مواجهة السلطان نفسه بأن بلادهم لن تكون خاضعة لحكم أجنبي ليس على دينهم و لا تخضع إلا لحكم وطني نابع من أرض الصومال، و أن قراراتهم التي إتخذوها تقضي بألا يدخل بلادهم أجنبي مهما كان، أو يسيطر على جزء من أراضيهم مهما كانت الدوافع، و أنهم لن يعترفوا بأمامته لهم و لا بالأمتيازات التي يمنحها للأوروبيون.

تعهد السلطان بحماية الصومال:

و كان لهذه الثورة الصومالية التي نشأت في المدن و المراكز التجارية الإسلامية و خاصة في مواني و أرشيخ و عظلة و مقدشوه و براوة وكسمايو و غيرها، قد عمت كل بقعة على الساحل و في الداخل مما قدم للسلطان صورة حية واضحة لا غموض فيها عن تلك الأوضاع في الصومال المسلم، فبارك السلطان هذا الشعور الصومالي السليم، و أعلن صراحة عن تأييده لمطالبالصوماليين، و عزمه الثابت في عدم منح أي بقعة صومالية لأي أجنبي مهما كان وضعه فلا أمتيازات تجارية، و لا تنازل و لا تعاهد مع أي دولة أجنبية بشأن إيجاد مناطق نفوذ أجنبي على الساحل الصومالي بل حماية الصومال من الأجانب.

موقف بريطانيا من ثورة الصوماليين:

أدركت القوى الإستعمارية و على رأسها دولة بريطانيا العظمي أن الموقف أصبح خطيراً على ساحل الصومال الجنوبي، و أدركت إيطاليا أن أملها في إنشاء مستعمرة لها على ساحل صوماليا أمر غير محقق بسبب ثورة الشعب الصومالي من ناحية و لخضوع السلطان للثوار من ناحية أخرى، و خاف الألمان من أن الثورة الصومالية قد يمتد أثرها الي مستعمراتها في تنجانيقا فيطالب شعبها بالحرية و الإستقلال. و أمام هذا الأضطراب السياسي أعلن سالسبري للحكومة الإيطالية في رسالة سرية بشأن تمكين إيطاليا من تنفيذ مشروعاتها الأستعمارية في صوماليا بعد ثلاث سنوات تقريبا، و خلال هذه الفترة تكون ثورة الشعب الصومالي قد هدأت،و زالت بواعث الغضب عن السلطان برغش و يذكر سالسبري أن هذا الوعد الذي إتخذته بريطانيا بشأن إيجاد مناطق نفوذ لإيطاليا على ساحل الصومال يكون سراً دون علم السلطان أو الصوماليين حتي لا تجابه المناورات الثنائية البريطانية و الإيطالية على ساحل الصومال بموجة إستياء أو عداء من السلطان و الشعب الصومالي.

حصار الصومال و إبرام المعاهدات:

الثورة الشعبية التي قام بها الصوماليون على الساحل الجنوبي لصوماليا و مطالبتها بالحرية و إبعاد الأجانب عن البلاد إمتدت حرارتها الى المناطق الجنوبية الصومالية، و صادفت قبولاً من شعوب المستعمرات الأنجليزية و الألمانية التي كانت تقاسي من السياسة الأستبدادية التي تفرضها الدول الأستماري عليها لتحقيق مصالحها على أساس من الإذلال للسكان، و معاملتهم معاملة الرقيق، في الوقت الذي يدعي فيه الأوروبيون أنهم قدموا لمحاربة تجارة الرقيق، و إذا كان هذا هو منطقهم فلماذا بقي الأستعمار في هذه المناطق حتي عام 1960؟ و على أية حال فإن الشعب الصومالي الذي قاد الثورة في أوائل القرن الماضي هو أول شعب في شرق أفريقيا حصل على إستقلاله و هذا ما سنوضحه في مجال آخر، غير أن الذي يهمنا هو أن نعرف أنه بعد قيام ثورة الصوماليين و إمتداد أثرها في المستعمرات الأنجليزية و الألمانية اضطرت الحكومة الألمانية للمحافظة على مستعمراتها أن تعلن عن سياستها. و هي سياسة الحصار البحري لساحل أفريقيا الشرقي لمنع إمتداد الثورة الصومالية أو تسرب الأسلحة الى شعب تنجانيقا و دعت بريطانيا الى الدخول معها في سياسة الحصار البحري لضمان وضعها في مستعمراتها بكينيا من ناحية و لإعادة نفوذ السلطان في صوماليا من ناحية أخري. و أدركت بريطانيا أن نجاح الثورة الصومالية معناه القضاء على نفوذ السلطان و قيام اضطرابات و ثورات في المستعمرات القريبة منها و سقوط الأمتيازات و الأتفاقيات التي أبرمها السلطان باسم الصوماليين لصالح البريطانيين، و أن سياسة الحصار ستحد من إمتداد الثورة الصومالية، و تمنع تسرب الأسلحة الى المستعمرات، و قامت الدولتان بريطانيا و ألمانيا بدعوة إيطاليا للأشتراك معافي سباسة الحصار على السواحل الصومالية، و يذكر سالسبري بهذا الشأن ( أن هذا المشروع الأنساني ( سياسة الحصار للسواحل الصومالية !) وجدت فيه الحكومة الإيطالية فرصة سانحة للأنضمام الى جانب بريطانيا و ألمانيا). و أراد قائد الأسطول البحري الإيطالي أن يقف تجاه ميناء كسمايو للمحافظة على الأمن و حصار المنطقة، ولكن بريطانيا وضعت تقسيماً للحصار بحيث تكون إيطاليا في النطاق الشمالي من كسمايو، و بريطانيا في النطاق الأوسط و الى الجنوب من كسمايو، و ألمانيا في النطاق الجنوبي والى الجنوب من ممبسة. و بذلك إبتعدت إيطاليا عن منطقة كسمايو التي كانت تريد السيطرة عليها منذ فترة طويلة. و في الواقع كانت كل دولة تعمل في النطاق الذي تنوي حصاره على أن تستميل سكانه للتوقيع على معاهدات و إتفاقيات من شأنها تصفية نفوذ السلطان على السواحل الصومالية من ناحية، و إيجاد مستعمرات أوروبية على السواحل الشرقية للصومال من ناحية أخري. و لم تتدخل السلطات البريطانية أو ألألمانية في أعمال الإيطاليين في المناطق الممتدة الى الشمال من أملاك سلطان زنجبار حتي الصومال البريطاني في الشمال، على أن تراعي إيطاليا في أعمالها أن تكون هذه المناطق خالية من حقوق أي دولة أخري. ورغم أن بريطانيا كانت لها معاهدة مع سلطان مجرتنيا بشأن الحماية البريطانية على ممتلكاته و تقيد السلطان و ورثته بعدم البيع أو التنازل أو التخلي عن أي مساحة لأي دولة أخري دون موافقة البريطانيين، و رغم أن شركة ألمانية قد أخذت عقد إمتياز إستغلال الموارد الطبيعية و البحث عن المعادن في المنطقة التي حول رأس حافون قبل مجيء إيطاليا الى سواحل صوماليا. و رغم أن بريطانيا و ألمانيا كانتا قد سبقتا في عقد معاهدات و إتفاقيات مع نفس الحكام الذين حصلت منهم إيطاليا علي معاهدات جديدة فإن الدولتين لم تتقدما بأي احتجاج أو استنكار عن هذه الأعمال، رغم ان القانون الذي وضعته الدول الأوروبية في مؤتمر برلين عام 1885 ينص على أن الأستعمار في أي منطقة تثبته معاهدات أو إتفاقيات تعلن على الدول في منشور دوري حتي لا تقوم دولة أخري بعمل مشابة في نفس المنطقة، و رغم الإعلان الدولي الذي قامت به بريطانيا و ألمانيا فإنهما لم يتخذا أي موقف عدائي ضد إيطاليا لأنها صارت قوة يعمل لها حساب في شرق أفريقيا، و في الوقت نفسه لضمان إعتراف إيطاليا بمناطق نفوذهما في شرق أفريقيا.

المعاهدات الإيطالية الصومالية

خلال فترة حصار السواحل الصومالية قام الإيطاليون، تحت ضغط الحصار الأقتصادي و بريق الهدايا و الوعود العسولة، بعقد عدة معاهدات و إتفاقيات مع السلاطين و الشيوخ المحليين باسم الحماية و المحافظة على الأستقلال و المدنية. و مما ساعد الإيطاليين على أبرام المعاهدات هو وجود المجتمع القبلي القديم فهو المسئول عما تطورت اليه الحالة في الصومال إذ كان وجود النظام القبلي، و قيام التشاحن بين القبائل و بعضها، أو بين بعضها و الأحباش، أو التشاحن داخل القبيلة الواحدة بسبب الرياسة أو من أجل المراعي أو السيطرة أو بسط النفوذ و غير ذلك من مساويء النظام القبلي الذي نتج عنه وجود مجتمع صومالي مفكك على صورة سلطنات مستقلة في تشاحن مستمر كل ذلك أتاح للإيطاليين أن يتوغلوا في البلاد باسم الحماية و المحافظة على النظام و الأستقلال. و لم يكن سلاطين وحكام الصومال – فقط – هم الذين وقعوا على معاهدات وإتفاقيات بهذا الشكل المزيف و إنما حدث مثل هذا –و اكثر – في الجنوب العربي و أكثر بلدان أفريقيا وآسيا المدارية و مثال ذلك ما قام به كارل بيترز الألماني من جمع اثنتا عشر معاهدات كما فعل الإيطالييون في صوماليا خلال إقامته في زنجبار لفترة أربعين يوماً مما أعطي ألمانيا مستعمرة واسعة في شرق أفريقيا (تنجانيقا سابقا). و بذلكوضع فليوناردي يد الحكومة الإيطالية علىالنصف الشمالي من صوماليا تقريبا أثناء فترة الحصار الأوروبي على السواحل الصومالية، و لم يعرف سلاطين البىد و حكامها الصوماليون أن هذه المعاهدات التي ابرمها عن طيب خاطر في سبيل تدعيم دولتهم إنما ستكون فيما بعد سلاحاً ضد الحركات الوطنية و فرصة للمساومة بها الحبشة وفق مصالح المستعمرين. و إذا ما ألقينا نظرة عابرة على ما عملته إيطاليا و بريطانيا و فرنسا باسم المعاهدات و الأتفاقيات المعقودة بينها و بين رؤساء و شيوخ الصومال وجدنا أنها غير قانونية و غير منطقية لأنها أبرمت تحت الضغط و التهديد في عبارات لا يدرك مدلولها من وقع عليها.

و مما يدعوا الى السخرية من واضعي تلك المعاهدات النص فيها على أن الشيخ أو السلطان أو رئيس العشيرة قبل الحماية على نفسه و أملاكه و عشيرته التابعة له مقابل مبلغ من المال (نحو 600 ريال سنوياً) للشيخ أو لرئيس القبيلة أو للسلطان و 600 ريال أخري في العام لحاشيته و أفراد أسرته و شيوخ و علماء و عقلاء البلاد. و بطبية الحال ليس من المعقول أن يكون ذلك عن رضي و إختيار وعن رغبة على حد ما تبين نصوص تلك المعاهدات. و ليس بعيداً أن يكون السلطان أو غيره قد وضع توقيعه على المعاهدة دون أن يفهم محتوياتها، إما لأنه لا يعرف القراءة و الكتابة، أو لأنه شاهد حماقة الأفرنج و إندفاعهم لتحقيق مطالبهم بالقوة أو بالرضي. و أكثر الأتفاقيات أو المعاهدات تجري عن طريق الشركات الأستغلالية أو التجارية و خاصة في القسم الجنوبي للصومال حيث أكثر المعاهدات و الأتفاقيات يقوم بأبرامها رجال إقتصاديون أو شركات، حتي إذا ما أكتمل للشركة قوة السيطرة على البلاد تخلت أو أجبري على التخلي عن سلطانها للحكومة التي تنتمي إليها هذه الشركات. و في نهاية هذا الكتاب سنورد أهم الوثائق التاريخية للعلاقات الإيطالية الصومالية من معاهدات و إتفاقيات و مكاتبات. و ذلك من السجلات الرسمية القديمة المحفوظة بدار الآثار الصومالية( الجزيرا) بهدف تسجيل هذا التراث التاريخي للعبرة و العظة. و ليتعرف هذا الجيل الناهض في عهد الجمهورية الصومالية. ماذا فعل الأستعمار بأوطانهم. و ألأعيب الأستعمار و حيلة حتي تمكن من أعلان الحماية على البلاد. باسم المحافظة على الأستقلال و النظام و نشر المدينة والحضارة في البلاد. و من أهم هذه المعاهدات و الأتفاقيات.

  • معاهدة مع سلطان هوبيا - 8 فبراير 1889.
  • معاهدة مع مشايخ قبيلة سباخرون – 19 مارس 1889.
  • إتفاقية مع سلطان مجرتينيا و سلطان هوبيا – 7 أبريل 1889.
  • إتفاقية مع السلطان أبيكر بن سلطان على 7 – يونية 1889.
  • تصريح بأعلان الحماية الإيطالية وقع عليه مشايخ مقدشوة – 24 مارس 1891.

إعلان الحماية الإيطالية على النصف الشمالي لصوماليا

و بناء على المعاهدات و الأتفاقيات السابق ذكرها قامت إيطاليا بأعلان الحماية الباشرة علىالمنطقة التي تمتد من شمال و أرشيخ عند خط عرض 30 5 درجة شمالاً حتي خط عرض 3 8 درجة شمالاً حيث تبدأ سلطنة مجرتينيا التي تمتد حتي خط الطول 49 درجة شرقاً.

الاتفاق الإيطالي الإنجليزي (1889 ) بشأن إدارة ساحل بنادر

بعد أن وقعت الأراضي الشمالية للصومال في يد الإيطاليين و أصبح للإيطاليين نفوذ كبير على السواحل الشمالية لصوماليا بينما ضعف نفوذ السلطان على السواحل الجنوبية لصوماليا بسبب الثورة العارمة التي قامبها الشعب الصومالي في مقدشوه و براوة و مركة وكسمايو ضد السلطان نفسه وإعلانهم العصيان لطاعته و مناهضة كل مستعمر أجنبي يدخل الى بلادهم. و تحركت السياسة البريطانية وراء السلطان تدفع به الى مصاحبة الإيطاليين و كسب ودهم حتي يمكن السيطرة على الشعب الصومالي في المراكز الساحلية لجنوب صوماليا قبل أن يثوروا عليه و يعزلوه من حكمه، أو على الأقل ليمنعوا إمتداد نفوذه نحو ساحل الصومال فأضطر السلطان تحت ضغط بريطانيا أن يكتب رسالة في 15 يناير 1889 الى جلالة ملك إيطاليا يعلن فيها عن رغبته في الصداقة مع الدولة الإيطالية، و أنه يبارك أي إتفاق إيطالي يمكن الحصول عليه مع شركة شرق أفريقيا البريطانية ( و كانت خاضعة للسياسة البريطانية في أعمالها و أهدافها ) بخصوص الأستغلال الأقتصادي و الأحتلال المشترك لإيطاليا و بريطانيا لمنطقة كسمايو. و دارتمفاوضات بين السنيور كاتاليني نائباً عن جلالة ملك إيطاليا و شركة شرق أفريقيا الأمبراطورية ( سميت بعد ذلك باسم الشركة البريطانية ) و كانت هذه المفاوضات تدور حول أسس ثلاثةهي: 1 – بناء علىطلب سيد خليفة سلطان زنجبار في خطابه المؤرخ في 15 يناير سنة 1889 الى ملك إيطاليا بشأن التفاهم مع الشركة البريطانية للأحتلال المشترك لمنطقة كسمايو. 2 – تقوم الشركة البريطانية بأجراء مفاوضات مع السلطان سيد خليفة بشأن التنازل عن بعض الأراضي التي تقع الى الشمال من نهر جوبا بما في ذلك كسمايو متضمنة مواني براوه و مركة و مقدشوه في نصف دائرة قطرها عشرة أميال و ميناء و أرشيخ في نصف دائرة قطرها خمسة أميال. 3 – تقوم الشركة البريطانية بالتنازل عن الأراضي السابقة التي ترغبها إيطاليا بمجرد أن يقوم السلطان بمنحها للشركة البريطانية. و على هذه الأسس الثلاثة السابقة تم الأتفاق الإيطالي الأنجليزي في أغسطس سنة 1889 على النص التالي: مادة أولي أتفق الجانبان في حالة أعلان سمو سيد خليفة سلطان زنجبار بوعد منه لتسليم البلاد المذكورة للشركة البريطانية و هي الأراضي التي تمتد من نهر جوبا بما في ذلك كسمايو و تتضمن مواني براوة و مركة و مقدشوة و ملحقاتها في نصف دائرة قطرها خمسة أميال من البحر الى الداخل. فأن الشركة البريطانية ستعمل على نقل ملكية هذه الجهات يرضاء من السلطان و على نفقة الحكومة الإيطالية الى الوكلاء المعتمدين للحكومة الإيطالية بنفس الشروط المتضمنة في الأمتياز الممنوحللشركةالبريطانية أو بأحسن الشروط التي يمكن الحصول عليها من السلطان على أن يكون الأحتلال المشترك لمنطقة كسمايو من الجانبين بالطريقة التي يريانها. مادة ثانية: تتعهد الحكومة الإيطالية بدفع التعويضات الملائمة للشركة البريطانية التي ظهرت نتيجة لعقد هذه الأتفاقية أو تنفيذها على حد سواه. مادة ثالثة: احتلال كسمايو و ملحقاتها بالأشتراك بين الشركةو الحكومة الإيطالية بأن يتولي إدارتها المتعاقدان بطريقة متكافئة و أمتيازات متساوية، و دفع النفقات بالتساوي، و كذلك تقسم صافي فوائد كسمايو و ملحقاتها بالتساوي. و يكون تنفيذ هذا البند بالطريقة الودية بواسطة مندوبي الحكومة الأيطالية و مندوبي الشركة البريطانية و منها الحكومة الإيطالية. مادة رابعة: تتعهد الحكومة الإيطالية بتحديد نفوذها في شرق أفريقيا و ألا تحدث أي تأثير سياسي أو تقبل فرض حماية أاحتلال أو تتدخل في منطقة النفوذ البريطاني على الأراضي أو القبائل الى الغرب أو الجنوب من الخط الممتد من شمال ضفة مصب نهر جوبا حتي يتلاشي الخط المذكور مع تقاطع خط عرض 8 درجة شمالاً و خط طول 40 درجة شرقاً بخط يرسم من هذه النقطة المذكورة و يمتد فوق خط متواز لخط طول 35 شرقاً لدوائر جرينتش. كما تتعهد الشركة البريطانية بتحديد منطقة نفوذها في شرق أفريقيا بألا تمارس أي تأثير سياسي أو تقبل فرض حماية أو احتلال أرض ما أو تدخل في منطقة النفوذ الإيطالي على الأراضي أو القبائل التي تقع الى الشرق أو الشمال الشرقي من الخطوط المذكورة. و في حالة ما يثبت بالمقياس أن مجري نهر جوبا يفيض في نقطة ما الى الشمال أو الى الشرق من الخطوط المذكورة أعلاه فأن هذه النقطة ستقبل على أنها الحد لنفوذ الطرفين المذكورين. و على أية حال بالنسبة للشرط الأضافي بأن الخط يمتد مع أنحراف النهر المذكور الى النقطة التي يتقاطع فيها عرض 8 درجة شمالاً وخط 40 درجة شرقاً كما يثبت ذلك على الخريطة الملحقة بالأتفاقية. مادة خامسة: حرية الملاحة في نهر جوبا و روافده للجانبين الى أبعد نقطة ملاحية. مادة سادسة: اتفق الفريقان على حل المنازعات التي تنشأ عن تفسير أو تنفيذ الأتفاقية بالطرق الودية و نهاية الأمر الى هيئة تحكيم يكون الطرفان ملزمين بنتيجة الحكم. و أعضاء لجنة التحكيم يختارون بأتفاق الطرفين المتعاقدين، ومن حق الطرفين تعيين عدد من أعضاء اللجنة بالتساوي على أن ينتخب من الحكام واحد ليكون حكماً فاصلاً. مادة سابعة: للحكومة الإيطالية حق التخلي عن أمتيازاتها التي أكتسبتها بمقتضي الأتفاق الحالي الى الشركة الإيطالية المزمع أنتشارها باسم شركة شرق أفريقيا الإيطالية الملكية أو ما شبه ذلك على أن تقوم الشركة المذكورة بتنفيذ الألتزامات و التعهدات التي تعهدت بها الحكومة الإيطالية كما جاء في هذه الأتفاقية. و قد نسخت الأتفاقية من صورتين باللغتيين الأنجايزية و الإيطالية على أن يكون النص الأنجليزي ملزماً. أمضاء. و. ماكينون ت. كاتاليني بحضور جورج س. ماكينيزي

3 أغسطس 1889 ملاحظة: - احتفظت الشركة بحقها في تعديل الحدود بأن ترسم خطاً في أتجاهشمالي شرقي يبدأ تقريبا من خط طول 37 شرقا الىخط عرض 8 درجة شمالاً الى نقطة على النيل الأزرق أو نهر أباي غرب خط طول 37 درجة شرقا ومن ثم تكون الحدود الى الغرب و الشمال.

حركة التمرد الصومالي

ما أن طار خبر الأتفاقية الإيطالية الأنجليزية بشأن ترك السواحل الصومالية ( بنادر ) للإدارة الإيطالية و كسمايو للأحتلال الأنجليزي الإيطالي حتي تمرد الصوماليون و أعلنوا العصيان بسبب ما آلت اليه البلاد من تحكيم الأجانب في وطنهم و مواردهم و تجارتهم و أدركوا الخطر الداهم الذي تتعرض له الصومال من السياسة البريطانية التي أطاحت بالإدارة المصرية المسلمة من ساحل الصومال لكي تضع أقدام النصاري الإيطاليين على مفاتيح البلاد ( المواني ) لربط الأمة الصومالية بركب الطليان و تضايق الشعب من السلطان الذي تعهد بحمايتهم من الأجانب، و لما دعا البريطانيين و الإيطاليين للأحتلال المشترك لمنطقة كسمايو أعلن الكفاح المشترك من الشباب و الشبيبة من أجل طرد كل أجنبي دخيل عن كل بلاد بنادر مهما كانت جنسيتهم و تحدث أهل براوة عن أعمال الطليان في عصب و ما فعله البريطانيون و الفرنسيون حول خليج تاجورة و في أراضي الصومالند. و نتيجة لحركة التمرد الصومالي وجه ماكينز المدير المسئول عن الشركة البريطانية نصائح للإيطاليين بأتخاذ سياسة الحذر والتيقظ في أعمالهم حتي لا يكون إندفاعهمنحو السيطرة على المراكز الصومالية سبباً في قيام ثورة حادة قد تطح بهم و بالأتفاقية، و كانت نصيحة ماكينز أن يبدأ الإيطاليون بأحتلال ميناء كسمايو و مقدشوه و ذلك بالأستعانة بالشيوخ و الرجال الصوماليين في المناصب الإدارية، و لوصوريا، كي يتمكنوا بعد ذلك من موجهة أي حركة تمرد يقوم الشعب بها، و من ثم يمكن تثبيت أقدامهم في البلاد دون خوف أو خسائر تذكر.

غير أن الإيطاليين سلكوا طريق القوة و الحديد و النار للوصول الى أهدافهم، و كانت البادرة الأولي أن أرسل القنصل الإيطالي سفينة حربية الى وارشيخ ( في أقصي حدود المنطقة التي تحت حكم السلطان ناحية الشمال) و ذلك لمعرفة موقف أهالي تلك الناحية الصغيرة، و على أن يبدأ نشاطهم من الشمال الى الجنوب بواسطة فرقة الأستطلاع، و هي من ضابط إيطالي و أربعة جنود مسلحين نزلوا في قارب صغير قرب الشاطيء و معهم أحد المترجمين، و أرادو الأقتراب من الساحل فخرج إليهم نفر من أهل البلاد وطلبوا منهم الأبتعاد عن مدينتهم وإلا اضطروا الى اطلاق النيران عليهم، وأطلق الضابط عدة طلقات نارية يريد أن يرهب بها المدينة الهادئة غير أنه لقي حتفه على أيدي الصوماليين، فكان رد الفعل قوياً من جانب الإيطاليين الذين أطلقوا مدافعهم الثقيلة فترة طويلة من بارحة حربية استقدموها فدمروا المدينة بأكملها و اشتعلت فيها النيران. و بطبيعة الحال وصلت أخبار وار شيخ الى كافة المدن الصومالية على طول ساحل بنادر، و أعلن سكانها الجهاد المقدس ضد الغزاة الأفرنج، و أعلنت بريطانيا متضامنة مع ألمانيا حمايتهما لأراضي سلطنة زنجبار مع مراعاة حقوق إيطاليا على ساحل صوماليا، حتي لا تكون ثورة الصوماليين و تمردهم سبباً في إيجاد مشاكل أخري متعددة متشابهة أو مختلفة في مستعمراتهما في شرق أفريقيا، ولم تستمر ألمانيا في سياستها الدفاعية مع بريطانيا إذ تخلت ( لصالح بريطانيا ) عن حمايتها و دفاعها عن المنطقة المجاورة لكسمايو و هي التي تقع الى الشمال من نهر تانا على جزر باتا و ماندا.

توقف النشاط الإيطالي في صوماليا

و أرادت إيطاليا عند تكوين شركة شرق أفريقيا الإيطالية أن تترك العمل للشركة أعتباراً من رأس بدوين الى مدينة كسمايو في نوفمبر عام 1890 حتي لا يكون تدخل الحكومة الإيطالية سافراً في الصومال، و نظراً لما عليه الحالة الراهنة على ساحل الصومال من تمرد و عصيان، أعلن السلطان و قوته ضد تنفيذ المشروع، فأضطرت الحكومة الإيطالية أن تؤجل البدء في نشاط الشركة حتي عام 1892 لتتمكن من إستمالة الشعب الصومالي بأية صورة لتحقيق مطامعها الأستعمارية في صوماليا.

بروتوكول 1891 بين إيطاليا و بريطانيا:

خلال فترة الأضطربات على ساحل الصومال توصلت إيطاليا و بريطانيا الى توقيع بروتوكول 24 مارس 1891 بشأن تحديد مناطق النفوذ لكلا الدولتين على ساحل أفريقيا الشرقي. و قد أعتبر بداية الخط الفاصل بين منطقة النفوذ الإيطالي شمالاً و منطقة النفوذ البريطاني جنوبا هو البحر عند منتصف مجري نهر جوبا الى خط 6 درجة شمالاً، لتبقي كسمايو و ملحقاتها على الضفة اليمني في منطقة النفوذ البريطاني و من 35 درجة شرق جرينتش يمتد الخط حتي النيل الأزرق. و قد نص الأتفاق على امكانية تعديل خط الحدود بالأتفاق المتبادل كما نص على المساواة في المعاملة بين الرعايا الإيطاليين و البريطانيين، ومن يخضع لحماية كل من الدولتين في كسمايو، كما تم تحديد مناطق النفوذ لكل منها حسب بروتوكول 15 أبريل 1891. وعليه اعترفت الحكومة البريطانية بنفوذ إيطاليا على المناطق التي تقع الى الشرق من ذلك التحديد في مقابل اعتراف إيطاليا بنفوذ بريطانيا على المناطق التي تقع جنوب و غرب و شمال هذا التحديد و هي كينيا و أوغنده و أعالي النيل و السودان.

الاتفاقية الإيطالية البريطانية 1892:

و قد قامت الحكومة الإيطالية بمفاوضة السلطان بالتنازل عن المواني الشمالية و لكن السلطان و إن كان قد وافق بصفة مبدئية إلا أنه ترك لإيطاليا حق التشاور و التفاهم مع الشركة البريطانية و أنه يوافق على الحكم الذي تحكم به بريطانيا في هذه المسألة و هذا مما يؤكد لنا مدي تأثير النفوذ البريطاني على سلطان زنجبار. وما أن أعلنت الحماية البريطانية على زنجبار حتي قامت إيطاليا بمفاوضات مع البريطانيين بشأن تحديد مناطق النفوذ لكليهما على ساحل صوماليا و أسفرت المفاوضات عن النتائج التالية في 12 أغسطس 1892. مادة 1: تنص على حق السلطة الكاملة لإيطاليا على مواني براوه و مركه و مقدشوه مع نصف دائرة قطرها عشرة ميل لكل منها عدا مدينة وأرشيخ فأنها تكون مع نصف دائرة قطرها خمسة ميل. و من حق إيطاليا إدارة الجزر الساحلية باسم سلطان زنجبار و تحت علمه على أن تتحمل إيطاليا كافة النفقات، و خول للحكومة الإيطالية حق شراء الأراضي و امتلاكها و غير ذلك، و لكن ليس لها حقوق على رعايا السلطان أو الأجانب. مادة 2: تتعهد الحكومة الإيطالية بإدارة المواني و المدن عن طريق الشركة الإيطالية مع مسئولية حكومة إيطاليا أمام حكومة زنجبار. مادة 3: منح إيطاليا حق تنظيم الضرائب و جمعها و الصرف على الإدارة المحلية و المحافظة على النظام وإدارة القضاء وبناء الطرق والمواني و غيرها من الأشغال العامة مع حق الحكومة الإيطالية في تعيين الحكام و الموظفين و القضاة و ما الى ذلك. مادة 4 : تختص بتنظيم المرافق العامة للبلاد و فرض الضرائب. مادة 5: تختص بإستلام الرسوم على التجارة و منع التهريب و الجمارك. مادة 6: بشأن إنشاء مصرف و إصدار العملة. و هذه الأمتيازات التي وردت في الأتفاقية تكون سارية المفعول خمسة وعشرين عاماً أعتباراً من التصديق عليها في روما و لندن، و يمكن تجديدها مرة أخري بنفس الشروط و بعد هذا تصير كافة المنشآت من حق حكومة السلطان بعد تقدير قيمتها. و كان على الحكومة الإيطالية أن تدفع أربعين ألف روبية عند استلام الجمارك في المواني، ثم تدفع مثلها بعد مرور ثلاثة أشهر من احتلال الجمارك، وأن تقوم الحكومة الإيطالية بعملها تحت علمه، ولا تغير من نظام الدفع المتفق عليه إلا بعد موافقة السلطان أو بريطانيا.

تعديل أتفاق 12 أغسطس سنة 1892:

و بعد أن توصلت حكومة إيطاليا على الأتفاقية السابقة بدأت تراودها فكرة التخلي عنها خشية أن تتورط في صوماليا، بالأضافة الى ما تلاقيه من مثاق و مخاسر حول عصب. و في الوقت نفسه كانت المالية الإيطالية تعاني عجزاً شديداً مما كان يهدد لا بمصالحها الخارجية بل يهدد أيضا بأزمة حادة في داخل إيطاليا نفسها، لذلك قامت إيطاليا بتقصير فترة عقد أتفاق 12 أغسطس سنة 1892 من خمسة و عشرين عام الى ثلاث سنوات، و ذلك في 15 مايو عام 1893، وعهد الى شركة فيلوناردي الإيطالية بإدارة أعمال الحكومة في صوماليا لمدة ثلاث سنوات مع منحها أعانة سنوية قدرها 300 ألف ليرة إيطالية، على أن تكون إيطاليا مسئولة عن تنفيذ الأتفاقية، و ما أشتملت عليه لوائح برلين 1885 و لوائح بروكسيل 1890 بشأن منع تجارة الرقيق.

قيام شركة ف. فيلوناردي و شركاه

في 13 أكتوبر وصل فيلوناردي على ظهر السفينة ستافيتا الى بنادر و معه الشيوخ والرؤساء أصحاب المواني و المدن الصومالية الذين تعاقدوا مع فياوناردي ونائب سلطان زنجبار الذي أعلن تنازل السلطان عن إدارة هذه المواني الشمالية للإيطاليين، و طلبوا من الأهالي طاعة ممثل حكومة إيطاليا في بلادهم. و أعلن فيلوناردي أن المحمية الإيطالية ستدبرها شركة فيلوناردي و شركاه. و ستقوم بإذاعة اللوائح و التنظيمات و ممارسة السلطة في المواني لأن عقده بدأ من 16 يوليو 1893 <ref> وفي 15 يوليو 1896 حلت شركة بنادر التجارية محل شركة فيلوناردي </ref>. وقام فيلوناردي بعقد عدة إتفاقيات و معاهدت:

  • معاهدة مع سلطان قلدي و وعطاف – 3 فبراير 1894.
  • معاهدة مع رؤساء التن – 3 فبراير 1894.
  • معاهدة مع سلطان الأقبال – 3 سبتمبر 1894.
  • معاهدة مع شيوخ لقوله – 23 سبتمبر 1894.
  • معاهدة مع قبيلة قلوين بر – 29 رجب 1312هـ.
  • معاهدة مع شيوخ طيطلة و مبارك و مرير و جوهر – 9 جماد الثاني 1312هـ.
  • معاهدة مع الشيخ حاج على بن عيسى – 11 ديسمبر 1894.
  • معاهدة مع شيوخ ورؤساء قبائل لمدن مختلفة – 28 جماد الثاني 1312 هـ.

( راجع باب الوثائق التاريخية )

إعلان الحماية الإيطالية على صوماليا

بعد أن أستطاع الداهية فيلوناردي من تدعيم السلطة الإيطالية في البلاد عن طريق الحصول على معاهدات و اتفاقيات من مجرتنيا شمالاً الى جنوب صوماليا قامت الحكومة الإيطالية بعزل شركته و إنهاء عهد إدارة فيلوناردي وقد قام فيلوناردي قبل رحيله عن البلاد بأعلان فرض الضرائب و إعلان الحماية الإيطالية في 16 يوليةعام 1896، وهذا نص الأعلان الأول والثاني: إعلان ليعلم الوقف على هذه السطور أنه في تاريخ 4 شهر صفر عام 1314 الموافق 16 جولاي عام 1896. إني أنا فيلوناردي كبير الكمبنية الإيطالية في الصومالية قد أمرت كبير الفرضة ( الجمرك ) أن يؤخذ العشور من جميع الأموال التي تورد من البر بموجب قانون العشور السالك و كل من سلم عشور ماله يؤخذ شتي (إيصال) من كبير الفرضة لها حين طلوع ذلك المال. هذا و حرر في بندر مقدشوة بتاريخ 4 شهر ذي الحجة 1313 الموافق 15 مارس 1896. امضاء. فيلوناردي الصومال الإيطالي

إعلان الى كافة من يراه إنه في تاريخ 16 شهر يوليو 1896 الموافق 4 صفر 1314هـ قد صارت حكومة البنادر ( مقدشوة و ما حولها ) تحت الدولة جلالة الملك الإيطاليا بعد انقطاع مكاتبة الكمبانية فيلوناردي في الثلاث سنين الماضية وبيانها الى تاريخ 15 يوليو 1896 3 صفر 1314. و أن القنصل فيلوناردي وكيل الدولة جلالة ملك إيطاليا في البنادر و أيضا أن دولة جلالة ملك إيطاليا تستحب أن كل ينظر أشغال نفسه و أن كل يمصل أوامر الحكومة بلا مخافة و كل أمر فيه الصلاح إذ في الثلاث سنين الماضية الأهالي زاد معاشهم و إزدادوا خير وسعادة. و لأتباع ماذكرناه من الأوامر أعلاه تكونوا آمنين تحت حماية الدولة جلالة ملك الإيطاليا و يكون لكم حالا أب رحيم. هذا و حرر في بندر مقدشوة تاريخه 16 يوليو 1896 موافقاً 4 شهر صفر 1314 أمضاء. فيلوناردي

التعليق



كيف حكم الإيطاليون صوماليا

ولننظر الآن في كيفية حكم إيطاليا للمستعمرة الواسعة التي تمتلكها الصومال فغالباً ما كان البرلمان الإيطالي يناقش الموضوع ، ويمكننا أن نتعرف على نظام حكم المستعمرة من خطاب توماس تيتوني وزير خارجية إيطاليا والذي كان مسئولاً كذلك عن إدارة المستعمرة، ومن خطاباته يتبين بوضوح أن الشركة الرسمية المسئولة عن بنادر و التي أعيد إليها الإدارة، قد مارست عملها في فوضى مريعة لعدد من السنين، وكانت للشركة أن تختار الحاكم بالإضافة إلى ممارسة كل الحقوق والامتيازات التي للحكومة. فتجارة الرقيق كانت تؤيد جهاراً، ولها أسواقها في المواني، وللحاكم أن يفرض ضريبة أميرية على السلع الآدمية التعسة، ولم يخضع القضاء لنظام معين، فكثيراً ما كان القضاء والوسطاء يرتشةن وحفظ النظام العام كان محصوراً في عدد من العساكر المجندين من الجزيرة العربية وكانت تدفع لهم مرتبات زهيدة وأسلحة رديئة. وما سنذكره بعد من تصريحات قوية، وتقارير مفصلة قد أخذناه من الترجمة المعتمدة لخطب تيتوني، والتي قام بترجمتها البارون كارانتا، والتي نشرت في لندن عام 1914. وفي هذا الكتاب نبذ من خطب هذا الوزير هدفنا من نشرها تسليط الضوء على تصرفات الحكومة الإيطالية وأعمالها في بنادر،وفي بيانات الوزير ما يكشف الستار عن الفوضى الشاملة التي تثير السخط على الحكم الغاشم في مستعمرة بنادر. ويقطع تيتوني بأن إيطاليا لم تكن احتلت بنادر بعد، وليس لديها النية في احتلالها ويؤكد تيتوني بوضوح أن الحكومة ينقصها الدخل المادي اللازم لإدارة المستعمرة فصلاً عن التوسع فيها. وعن النظام العام في المستعمرة ومسألة منع تجارة الرقيق فقد قال تيتوني ((ليس لدينا حامية في تلك الأراضي وشركة بنادر مضطرة للاحتفاظ بستمائة عسكري مسلح لا غير وهى قوة ضعيفة جداً بالنسبة للأراضي الشاسعة التي عليهم أن يحافظوا على الأمن فيها )). وقد اتهم السيناتور فيلتشي الحكومة عند مناقشة ميزانية عام 3/1904قائلاً(( أن الحكومة ليس لديها الشجاعة لترك مستعمرة الصومال كما أنها ليست راغبة في انفاق ما يكفي لاستثمارها)). فأجاب تيتوني بأن إيطاليا ((قد ساهمت بنصيب متواضع في الحركة الاستعمارية ولكن ليس لديها فائض من المال يجعل مستعمرة الصومال مستعمرة غنية، فقد أعلنت الحكومة عن تمويل الدين العام ومن ثم فالمشاريع الاستعمارية يجب ارجاؤها)). ((وفي تلك الأوقات كان لدينا عقد مع شركة بنادر التي ندفع لها إعانة مالية، وإن كانت غير ظاهرة على أي حال،لأن أكثر من نصفها كان يدفع لسلطان زنجبار والباقي مخصص لشركة بنادر لكي تفي بالالتزمات تجاه الدولة وينحصر هذا في إعالة ستمائة عسكري والقيام بخدمات البريد وفي تنفيذ لوائح مؤتمر بروكسيل والقيام بخدمة الملاحة)). وحينام قامت الشركة منذ وقت قريب بتغيرات في هيئتها واختصاصاتها دعت الحاجة إلى إرسال الكونت مركاتيللي القنصل العام الإيطالي في زنجبار إلى بنادر لفحص أعمال الشركة. وقال الوزير((إن سكان الساحل إلى مدى ما تصل مدافع السفن الإيطالية قد قبلوا واحترموا الحماية الإيطالية، ولكن لكي يكون لمحميتنا اعتبارها بين القبائل التي تسكن الصحراء في داخل البلاد، يلزم علينا إرسال حملة وإن كانت تكلفنا مبالغ طائلة، وفي الحقيقة قد يؤدي هذا إلي مصاريف غير محدودة لأننا نعرف كيف نبدأ هذه الحروب لاستعمارية، ولكن لانعرف كيف تنتهي وإذا كان لنا في الوقت الحاضر أن نرمي بأنفسنا في مخاطرة فأننا نقوم بذلك في حمق وتهور، لأنني على ثقة بأن البلد لا تتبعنا في هذا الطريق)). هذا بيان واضح على أن رغبة الشعب المزعومة التي كانت الحكومة الإيطالية تهتم بإبرازها لم تكن موجودة فعلاً. وضع المسألة على الرف في 20 فبراير1904 قدم أودسكالتش استجواباً لتيتوني في مجلس الشيوخ الإيطالي وذكر اعترافات خطيرة عن فوضى الحكم في مستعمرة بنادر واعترف الوزير قائلاً((إنني أعتقد بأن هناك الكثير من الحق في بيانه )) ثم استطرد في حديثه. ((أن الصك الممنوح لشركة بنادر مجرد طريقة لوضع المسألة على الرف، وفي الحقيقة لا يظن أحد أن الرجال الذين وقعوا على هذا العقد يعتقدون أنهم بذلك قد حلواالمسألة: فلا يستطيع أحد أن يعتقد أن إعانة مالية يسيرة تيلغ مئات من آلاف الفرنكات كافية لإعادة النظام إلى مثل هذه الأراضي الشاسعة وأن يرفع من قيمتها بازدهار الزراعة والتجارة فيها: ان الحكومة لاترغب في انفاق مال كثير على تلك المستعمرة، وللخروج من هذا المأزق اتبعنا هذه الطريقة لتكون كوسيلة للاحتفاظ بالمستعمرة، وفي الوقت نفسه تأجيل الحلول العلمية للمشكلة للمستقبل البعيد)). وبذلك اعترف الوزير بأن حكم الشركة التي لها حقوق رسمية لا يمكن تحسينه مادياً لأن المعونة التي تدفعها الحكومة الإيطالية للشركة أقل من أن تغطي نفقات الحكومة المحلية وعلى الرغم من ذلك فقد صممت الحكومة على مواصلة هذه الطريقة لأنها أنجع الوسائل الممكنة في تقليل النفقات.

دخل من تجارة الرقيق

وقد أشار تيتوني إلى مسألة الرقيق فقد أظهر أن إدارة المستعمرة كانت تدعمها جزئياً عن طريق فرض الضريبة على تجارة الرقيق وقد أحدث هذا دوياً في داخل إيطاليا وخارجها، ويقول الوزير تيتوني: (( أن قنصلنا العام في زنجبار ذهب غلى بنادر وأقام في مقدشوه وقد أخذ على عاتقه مكافحة مسألة الرقيق، تلك المسألة التي تهدد المستعمرة نفسها)). (لقد أثارت هذه المسألة شعور البرلمان ، وعليه قدم القنصل العام والحكمدار ديمونيل استفساراً طرح أمام البرلمان). ((وبعد هذا الاستفسار استدعى حاكم المستعمرة، ومن نافلة القول أن نذكر أن الاستفسار كشف عن حقيقة أخرى تتسم بالفضيحة، ذلك أن بيع العبيد في السوق دون علم الشركة تحصل عليه ضريبة أميرية)). ونتيجة لذلك قرر تيتوني أن الشركة دفعت أرباحاً لحاملي الأسهم إيثاراً لإيجاد حكومة محبوبة وهذا شر أكبر من أن يحتمل. فقد تحمل الحاكم خطايا غيره، وكان كبش الفداء للمساوئ التي نتجت. واستمرت تيتوني قائلاً ((لقد تكلم سيناتور أود سكالتش عن العساكر الموجودين في بنادر وهو محق في قوله أنهم يتقاضون رواتباً ضئيلة وأنهم مجهزون بأسلحة رديئة. لقد دعوت الشركة في شدة وصرامة إلى أن تفي بالتزاماتها في هذه المنطقة وقد أرسلت أسلحة وذخيرة وملابس لهؤلاء الرجال. والشركة مضطرة بحكم التعاقد أن تعول ستمائة عسكري وفي الحقيقة هى تعول ألفاً، ولكن هذا أقل بكثير مما تفي به الحاجة. أنهم يأتون من الساحل العربي، وتدفع لهم مرتبات تافهة، ويجب أن يزودوا بوسائل المعيشة بأن يعملوا في تجارة ما ولذلك فهم غير نظاميين وغير اكفاء على الإطلاق)). وصرح تيتوني بأنه من الضروري الاستمرار في جلب العساكر من بلاد العرب ولكن يجب أن ينتقوا بعناية أكثر وينظموا بكفاءة أكثر وأضاف قائلاً(( إذا فشلت الشركة في اداء واجبها ولم تف بالالتزامات التي ينص عليها ميثاق 25 مايو 1898 فان الحكومة لا تتردد في أن تعلن نقض الصك، ومن الخير أن يكون ذلك معروفاً فإذا كان أي إنسان، يعتقد أن الشركة تظن أنه لا غنى عنها فربما تعمل كما يتراءى لها، وأن الحكومة سوف تتردد في مطالبتها بالوفاء بالتزامتها فإن مثل هذا الإنسان يكون مخطئاً للغاية، لأننا إذا اضطررنا إلى التساهل في عدم الوفاء بالصك فسرعان ما نواجه العقبات المالية التي تستلزمها الإدارة المنباشرة للمستعمرة)). (( لقد استطردت كثيراً ولكي يكون كلامي واضحاً للجميع أقول أنه إذا نفذت الشركة التزاماتها وأنني واثق أنها ستفعل ذلك، فمن المرغوب فيه ومن الفائدة لنا أن تظل باقية وأن الصط يستمر نافذ المفعول )). ولقد كان من الواضح أن حكم الشركة المرخص لها به سيئ للغاية، وأنه كذلك منذ ست سنوات منذ وجد هذا الصك، وقد قرر تيتوني نفسه قبل الآن أن الإعانة المالية التي تدفع للشركة أقل من أن تضمن قيام حكومة حسنة، وكانت احتجاجاته احتجاجات وزير ضعيف لححكومة مهملة غير راغبة في تحمل تكاليف الإصلاح، وتسعى في أن تضع اللوم على عاتق الآخرين. وفي 14 مارس سنة 1904 كان تحدي سيناتور سانيتي لتيتوني بشأن فوضى الشركة المرخص لها ولتعاملها في تجارة العبيد وبعض المساوي الأخرى وقد دعاه ذلك أن يقول تيتوني : ((أنني لم أحضر هنا للدفاع عن الشركة المرخص لها، ولا لكي أبرر بأي وسيلة الغلطات التي وقعت فيها والتي سأبينها بنفسي)). (( أما عن المسألة الخطيرة الخاصة بتجارة العبيد فإنها قد نوقشت بإسهاب في المجلس، وعلى ذلك فمن غير المفيد أن أعود إلى الموضوع الآن لأن كل الأعضاء المحترمين على علم بتقارير القنصل بستالوتزا والحكمدار ديمونيل الذي نشر في الكتاب الأخضر)). (( ولاداعي لأن نصر على مسئولية الشركة المرخص لها ومسئولية دوليو الحاكم في كل ما حدث في الماضي ومن المهم أن أتكلم عن الشئون العملية للدولة)). (( أول إجراء يفرض نفسه هو إعادة تنظيم الكتيبة العسكرية، وبهذه المناسبة يجب أن أقول كلمة قاسية من الاتهام، أن تنظيم هذه الكتيبة أمر يرثى له من كل الوجوه فهؤلاء العساكر رجال بؤساء ينقصهم الغذاء والكساء والأجر الحسن. أنهم يقوموا بكل أنواع التجارة، ويستدعون بين وقت وآخر من أجل الخدمة العسكرية، وحينما يكلفون بحراسة قافلة إلى الأراضي الداخلية لا ترجى فائدة منهم لأنهم لم يتعودوا حمل البنادق لذلك يطلقون البنادق بتهور وطيش واندفاع ولا مبالاة فتضيع الذخيرة بلا جدوى)). (( ولقد أعدت الحكومة المحلية والقنصل العام مركاتيللي مشروعاً متقناً إعادة تنظيم العساكر وسيتطلب ذلك نفقات سنوية تبلغ قيمتها 230ألف ليرة، وسأرسل هذا المشروع إلى الشركة، وأطالبها بالعمل وفقاً له في الحال، لأن هذا جزء من الالتزامات المتاعقد عليها في الصك)). (( ومن الضروري أن الشركة ستجد ما ينقص المستعمرة لا في الوقت الحاضر فحسب ولكن ستعوض ما كانت تحتاج إليه في الماضي لا بسبب خطأ الشركة وحدها وإنما بسبب خطأ كل واحد بما في ذلك الموظفون الذين أرسلوا إلى هناك والذين برهنوا في حالات على أنهم ليسوا أكفاء على الإطلاق للعمل الذي عهد إليهم)). (( ان الأمر يحتاج إلى إصلاح عاجل، ونبدأ أولاً بضرورة الشروع في تعيين الحاكم، وأن نباشر اختياره بكل دقة وحرص)). (( وبعد أن وافقت الشركة بالاتفاق مع الحكومة على اسم الهيئة التنفيذية الرئيسية للمستعمرة فإن عليها بعد ذلك أن تفي بكل الشروط التي جاءت في الصك . وبهذه المناسبة أود أن أجيب عن السؤال الذي سأله المحترم دي أندريس. ماذا سنفعل إذا لم تف الشركة بالتزاماتها ؟ )). ومن الواضح الجلي بعد المجادلات البرلمانية مدة ست سنوات أن هذه الشركة لم تستطيع أن تباشر سلطتها كاملة، وإذا ما زادت حركة المعارضة فإن الشركة ستلغي الصك وتلغي مسوليتها تجاه المستعمرة على كاهل الحكومة. وقد أدرك تيتوني كل هذا فرد على دي أندريس بكلمات تتسم بالحذر والحيطة اذ قال (( ينتخذ كل الوسائل التي يخولها لنا القانون، ولكن يجب أيضاً أن نبحث مسألة إمكان تفضيل الشركة لعدم مزاولتها الأعمال المنوطة بها. وفي هذه الحالة لا نستطيع حتى ولا بالقانون أن نجد الوسائل الكافية لالزمها بالستمرار في مزاولة أعمالها)). (( الحل الوحيد الذي نستطيع ممارسته هو أن نقوم بإنذارها للأضرار التي نجمت عن عدم وفائها بالالتزمات التي عليها، وأن نحاول تأكيد وتثبيت المسئولية، ولذلك يجب علينا أن نعد أنفسنا أيضاً للقيام بالساطة المباشرة للمستعمرة)).

انسحاب الشركة

كانت الحكومة الإيطالية أثناء ضغطها المستمر حول توسيع مستعمرة صوماليا غير راغبة في مد الإدارة بالإيراد الكافي لإدارتها بنجاح وتوفيق، فلم تمهد الطرق ولم تعمم الري من الأنهار أو تفعل أي نوع من الإصلاحات العديدة اللازمة لزيادة الرخاء لهذه المنطقة الوسعة التي في حوزتها. وكانت أسهل الطرق للحكومة لكي تتجنب مشكلة الإدارة، وفي الوقت نفسه لكي تشبع المصالح الجشعة الخاصة ببعضهم أنها قامت بتسليم المستعمرة لشركة مرخص لها، ومنحتها اعانة مالية غير كافية لإدارتها بالإضافة إلى منحها كل سلطات الحكومة. وقد استمرت تيتوني في تعداد أخطاء شركة بنادر وقال أنها إذا لم تقم بتحسين الإدارة فإن الحكومة ستضطر إلى الاستيلاء على إدارة المستعمرة، ولكنه في الوقت نفسه يأمل أن الحكومة سوف لا تنظر إلى مثل ذلك. ((ومن المؤكد أن هذا ليس هو الحل الذي أفضله، أنني أفضل دائماً استمرار إدارة الشركة، وسأفعل ما في وسعي للإبقاء عليها، ولكن يجب أن أعلن أنه إذا ما توقفت الشركة عن العمل فلا ننزعج كثيراً فإن الأمر لا يكلفنا إلا حملة نقوم بها أو حرياً أو فتوحات ولكن لمجرد القيام بحكم بنادر حكماً فيه كفاءة وسداد)). (( وأكرر الآن أني سأطلب من الشركة الوفاء بالتزاماتها حتى أستفيد من كل الوسائل التي وضعها القانون تحت تصرفي لأجعلها تقوم بعمل مرض، وأني آمل بإخلاص أن الشركة ستنفذ البرنامج الخطير، وأني لمستعد أيضاً أن أنكر برصانة واتزان في إمكان قيام الحكومة بالسلطة المباشرة للمستعمرة)). وفي 14 مايو1904 صرح تيتوني أن الشركة سوف لا تستمر في إدارة المستعمرة دون معونة مالية أكبر مما يقدم لها فعلاً، وقد رفضت الحكومة ان تدفع شيئاً زيادة عن المعونة المقدرة آنفاً ومن ثم اضطرت الحكومة أن تأخذ المسئولية المباشرة للمستعمرة. ولكي يقوم تيتوني بتمويه الحقائق واخفائها عن عيون النقاد للمركز الشائن للحكومة استهل هذا التصريح بتوجيه الأنظار لحكم الشركة التي يتوق لصيانتها، فقال: ((كان بودي أن أقوم بكل شئ ممكن لكي أبقي على الشركة كما هى، ولكن ظهر لي بعد آخر التقارير التي بعثها قنصلنا مركاتيللي بعد إعلان النتائج لتقرير شيزي وترافيللي أنه إذا كانت الشركة ستقوم بخدمتها بأن تغير من اختصاصها إلى أغراض تجارية فيجب أن تنبذ وأن تقلع عن ممارسة أمور الدولة التي أظهرت التجارب على أنها غير جديرة بها على الإطلاق)). (( إن الذين تحدثوا واشتركوا في هذه المناقشة لاحظوا من قبل عندما عهدنا بأمور بنادر إلى شركة خاصة أن حكومة هذا الوقت كان لها هدف واحد هو أن تخلي الأمر من يدها بأي ثمن، أنها تسلم بأخس فكرة وأخدعها حين تظن أن إدارة بنادر تقوم بها شركة خاصة ستخليها من كل مسئولية وفي اعتقادي أن المحترم سكاليني قد أشار إلى أن الاتفاق الذي أبرمناه مع شركة بنادر كان يحتوي على جراثيم كل المساوئ والشرور منذ البداية المحزنة)). (( لقد طلبت الدولة باستخفاف من الشركة أن تأخذ على نفسها تعهدات خطيرة دون أن تتأكد أن للشركة الوسائل والمقدرة والامكانيات للوفاء بها وقد أخذت الشركة على نفسها هذه التعهدات بنفس الاستخفاف)). (( والنتائج معروفة للجميع، وأنها لاتتطلب احتياطات خطيرة وليست مجرد ذرائع وحيل تجنب الحكومة من المتاعب. وفي تركنا للشركة لكي تمارس أمور الدولة وهي ليس لديها أهلية أو استعداد وقدرة للقيام بالتزاماتها فإننا بذلك نرتكب خطأ خطيراً للغاية)).

جشع الشركة الإيطالية

قال الوزير تيتوني (( يجب أن تربح إيطاليا لا بقيامها بالأعمال فقط ولكن بعمل الدول الأخرى)) وقال (( يمكننا أن نتعلم كثيراً من المثل الذي ضربته لنا شركة أفريقيا البريطانية الاستعمارية والتي كان يترأسها طبقة لامعة من أسماء وأعيان وأشراف بريطانيا)). (( خلافاً للطريقة التي تبعتها شركة بنادر والتي أهملت امور الدولة التي عهد بها إليها فإن الشركة البريطانية التي حصلت على إدارة ممتلكات واسعة متاخمة لبنادر قد كرست نفسها لعمل سياسي، وضمنت لبريطانيا أراضي واسعة، غير أن عملها التجاري كان ناقصاً جداً)). وبعبارة أخرى أظهرت الشركة البريطانية بعض الوطنية والروح الشعبية على حين شركة بنادر قد أعانت على الفساد والجشع والنهب والرغبة في الربح الصافي. وأنه من الواضح الجلي أن شكاوى العامة عن الأحوال السيئة في المستعمرة قد أزعجت الحكومة حتى طلبت رسمياً من شركة بنادر تكوين إدارة أفضل، ومن خطابات تيتوني تظهر رغبته في أن تبقى الشركة وإذا أرادت الشركة أن تستمر بالشروط السابقة فإن مجرد وعد منها بالإصلاح ستقبله الحكومة بكل بشر وترحاب، أما إذا رفعت الثمن فعليها أن ترحل. وقال الوزير تيتوني: ( ومن أجل الاستمرار في ممارسة وظائف الدولة فإن شركة بنادر من الضروري أن تسال في الوقت الحاضر عن مزيد من حجم المساهمة التي تقدمها الحكومة. والأن لا أعتقد أن أحداً، بعد الذي حدث يحلم بأن يقترح بأن يمنح مساهمة أكثر ولا أعتقد أن للبرلمان رغبة في ذلك). ونتيجة لهذا فإن الحكومة ستتعهد بالأمور التي كانت تمارسها الشركة، وكان تيتوني حذراً حينما أضاف بأن (( هذا سوف لا يزيد من أعباء الدولة المالية، مع إدراكنا أنه من الضروري أن ننفق شيئاً على بنادر أكثر مما كانت تنفقه الشركة سابقاً، وهذا المبلغ الزائد الذي نحتاج إليه فإننا سنتحصل عليه من فائض ميزانية أرتريا)). والمدفوعات السنوية قدرها ستمائة ألف ليرة للخزينة الإيطالية من مبلغ سابق حينما ثبيي الحدود بين أرتريا وأثيوبيا، وهذا المبلغ يحول الآن لصالح ميزانية صوماليا بالإضافة إلى 150 ليرة كانت تدفع سنوياً لشركة بيريللي لإقامة طريق بحري من عصب إلى مصوع، وهذان القسطان السنويان البالغ مجموعهما 750 ألف ليرة سيضافان الآن إلى المبلغ الذي يدفع إلى شركة بنادر من اجل زيادة ميزانية مستعمرة صوماليا وقد يكون الحل تافهاً للغاية كمثل الكلب الذي يأكل ذيله. وقد أوجز تيتوني حكم الشركة المرخص لها في 14 مارس 1904 قائلاً : (( أن العدالة لم تنتظم بعد. وليس من المعروف تحت أي شريعة وضع البيض في المستعمرة، فهذه الامتيازات سارية المفعول في تلك المراكز منذ أن كانت تابعة لسلطان زنجبار ولا يمكن أن ترفع الآن بمعرفتنا في ظل إدارتنا)). (( وممثلنا السياسي ليس في مقدوره أن يكبح تعاظم وكبرياء القضاة، ونظراً لجهلهم باللغات المحلية فإنهم كانوا مضطرين غلى اللجوء إلى المترجمين والمتقاضون الذين يقدمون رشوة للقضاة صار الأحرى بهم أن يقدموا الرشوة للمترجمين أيضاً)). (( ونفس الشئ يقال عن كافة الأجهزة الإدارية والمالية التي سيعاد تنظيم كل شئ فيها )). (( ولكن بالإضافة إلى عدم النظام الإداري فإن هناك عدم كفاءة في الاتجاه السياسي الذي كان السبب في النتائج الخطيرة لأنه سوأ مركز ممثلينا، وجعل القبائل المجاورة تعاديه بسبب التصرفات المتعجرة والتعاظم تارة والضعف تارة أخرى )). (( ومن الحقائق المعروفة في المستعمرة أن القبائل لم تخضع لإعطائها إعانة مالية سنوية فإنه يتودد إليهم بمنحهم جزية سنوية وهذه الإعانات التي قدمت أيضاً في بنادر فإنها كانت بمقدار يدعو إلى السخرية والضحك حتى أنها تضر أكثر من أن تفيد)).

الأحوال الداخلية للمستعمرة

بعد أن كشف تيتوني الوزير المسئول عن إدارة المستعمرة في البرلمان الإيطالي عن سوء حكم شركة بنادر بعثت الحكومة جستافوشيزي والمحامي أيرنستو ترافيللي على نفقة الشركة لكتابة تقرير عن أعمال الشركة الخاصة بالحكومة وقد أعلنا في تقريرهما (( أنه بالرغم من المساوئ المتعددة للشركة فإن الحكومة الإيطالية مدينة ومخطئة)). وقد تضمن تقريرهما الكثير من المستندات والأدلة والحجج التي لا تدحض واللازمة لدراسة الأحوال الداخلية للمستعمرة، إذ أنه في الوقت الذي يجاهد فيه الوزراء المتتابعون في توسيع رقعة المستعمرة في الصومال، كانوا مسرفين في إهمالهم في شئون المستعمرة وسكانها وفي القيام بالالتزامات الخاصة بها. وتشمل هذه الالتزامات على تعهدات بمنع الاسترقاق وتجارة الرقيق وحماية السكان من عقود العمل المجحفة ورعاية المؤسسات الدينية والعلمية والخيرية من غير تمييز بالمذهب أو الوطن. وقد أظهر تقرير شيزي وترافيللي أن معاهدات الالتزامات الخاصة بالاسترقاق قد أهملت في غير حياء. وقبل أن نمضي في النظر إلى التقرير يحسن بنا أن نشرح بإيجاز ما هي تلك الالتزامات وكيف كان التعاقد عليها.

اللائحة العامة لبرلين

وقعت الحكومة الإيطالية على اللائحة العامة لبرلين في 26 فبراير 1885، و على لائحة بروكسيل في 2 يوليو 1890 ، و بمقتضى هذه اللوائح ارتبطت الحكومة الإيطالية بالتزامات بشأن المساعدة في قمع الاسترقاق و تجارة الرقيق0 والعبارات التالية من هذه اللوائح مأخوذة عن ( خريطة أفريقيا بمقتضى المعاهدة ) لسير ادوارد هيرتسلين، و التي نشرت بمعرفة المكتب الدائم لصاحبة الجلالة في عام 1894 0 و بقضي النص التالي من لائحة برلين تعهدت الحكومة بالموافقة على مساعدة حركة قمع الاسترقاق و تجارة الرقيق0 مادة 6 – ( كل الحكومات التي تمارس حقوق السيادة أو النفوذ في الأقاليم المذكورة آنفاً، تأخذ على عاتقها مسألة مراقبة حفظ القبائل الوطنية، و أن تهتم بتحسين أحوالهم المادية و الأدبية، و أن تساعد في الاسترقاق و خصوصاً تجارة الرقيق).

اللائحة العامة لبروكسيل

قدمت اللائحة العامة لمؤتمر بروكسيل في عام 1890 توصيات مفصلة بشأن تصفية الاسترقاق كما فرضت أيضا بعض الالتزامات التي تعهدت الحكومات بالموافقة عليها و الوفاء بها ( بما في ذلك الحكومة الإيطالية ) و بمقتضي المادة الثالثة تعهد الموقعون بأن يأخذوا على عاتقهم مسألة استئصال الاسترقاق، و قد رخص، بناء على اللائحة، بانتداب شركات قانونية للقيام بمسئولية الحكومات على أن تتعهد هذه الحكومات بأن تظل مسئولية مباشرة عن ارتباطها بلائحة بروكسيل، و تعرب عن ضمان تنفيذها و هذه نص المادة التي تضمنت هذه التعهدات: مادة 4 – (تستطيع الحكومات أن تمارس حقوق السيادة أو الحماية في أفريقيا، أيا كان الأمر، بأن تنيب عنها شركات قانونية في كل أو جزء من الالتزامات التي أخذتها على عاتقها بموجب المادة الثالثة و تظل مع ذلك مسئولة مسئولية مباشرة عن الالتزامات التي تعاقدت عليها بمقتضى اللائحة العامة الحالية و تضمن تنفيذها). و بمقتضى المادة الخامسة تتعهد الدول الموقعة بأن تضع القوانين بعاقبة الأشخاص المتلبسين باختطاف و بيع الرقيق، و المنظمين و المحرضين و الحمالين و الناقلين و المتعاملين في هذه التجارة و يجب إيقاف قوافل الرقيق و تحرير العبيد. و نصت المادة السادسة على أن العبد الذي يحرر يجب أن يلجأ إلى مسقط رأسه و إلا فيجب مساعدته للحصول على الوسائل المعيشية، و أن يبقوا في أماكنهم إذا رغبوا في ذلك مع بذل الجهد في مسألة تعليم الأطفال البائسين. و تشير المادة السابعة إلى أن ( أي عبد هارب في القارة يطلب حماية الحكومات الموقعة على هذا العقد فإنه يتحصل على هذه الحماية، و يقبل رسمياً في المعسكرات و المراكز التي يقيمونها أو أي مركب أو سفينة حكومية على البحيرات أو الأنهار). و بمقتضي المادة السادسة عشرة تأخذ الحكومات على نفسها مسئولية أقامة مراكز على الساحل و عند نقط التقاطع لطرق القوافل الرئيسية لالتقاط ركب العبيد أثناء مرورهم و تحريرهم. و بمقتضي المادة السابعة عشرة فإنه على الحكومات أن تتعهد بأن تمارس السلطات المحلية المراقبة الشديدة في المواني و في الأراضي المتاخمة للمواني و تمنع صيد الإنسان أو بيعه أو شحنه أو المرور في الأراضي الداخلية و ذلك بتفتيش القوافل المارة من و إلى الداخل. و بمقتضي المادة 36 تتعهد الحكومات الموقعة بإقامة المكاتب و المؤسسات الكافية لتحرير العبيد و حمايتهم. وتشترط المادة 37 على أن هذه المؤسسات أو السلطات القائمة بهذه الخدمة أن ( تستلم طلبات العتق و تحفظها في السجلات ) و عند الإبلاغ عن تجارة الرقيق أو الاعتقال غير الشرعي تجري الإجراءات اللازمة لضمان تحرير الرقيق و معاقبة المذنبين، و تتطلب المادة 38 ل من الحكومات الموقعة أن تشجع على تأسيس و أقامة ملاجئ للنساء و الأطفال المحرومين ونشر التعليم في ممتلكاتها كما تشير المادة 39 ل (أن كل من يتواطأ أو يستعمل القسوة ليحرم عبداً من حق العتق من العبودية أو يمنع طلبات العتق سيعتبر كبائع الرقيق).

تعهدات الحكومة الإيطالية بقمع تجارة الرقيق في بنادر

سبق أن عرفنا أن الحكومة الإيطالية حصلت على مواني بنادر بمساعدة الحكومة البريطانية، و أنها وافقت على تنفيذ الالتزامات المدرجة في المعاهدة الخاصة بالرق و تجارة الرقيق التي كانت بريطانيا قد حصلت على موافقة سلطان زنجبار عليها، و بالإضافة إلى ذلك فقد أخذ تعهد رسمي على الإيطاليين بالوفاء بالتزام لوائح برلين و بروكسيل التي سبق أن وقعت عليها الحكومة الإيطالية. وقد نصت المادة الرابعة من اتفاقية مواني بنادر بين سلطان زنجبار و ملك إيطاليا في 12 أغسطس 1892 و التي لم يوقع عليها ممثلو الحكومات البريطانية و الإيطالية (ج . هـ برنال و. ب. كوتوني) بشرط أن يجيز تصديق الحكومة الإيطالية على الاتفاق و تقول المادة الرابعة بعد أن وضعت قوات الحكومة الإيطالية في المواني. ( و ليكن مفهوماً تماماً أن ممارسة هذه الحقوق و الامتيازات سيكون وفقاً للمعاهدات القائمة بين القوات الأجنبية و قوات سلطنة زنجبار و بالالتزامات التي يفرض أو يمكن أن بالاستمساك بلائحة برلين العامة 1885 واللائحة العامة لمؤتمر بروكسيل 1890). وفي المادة الثالثة من الاتفاق تخول الحكومة الإيطالية بأن تمنح لشركة إيطالية بإدارة المدن والمواني التي يضمنها الاتفاق ( ولكن تكون دائماً تحت مسئولية حكومة جلالة ملك إيطاليا). هذه التعهدات كثيراً ما اعتمدتها الحكومة الإيطالية كالعبارات التي استعملت بين شركة شرق إفريقيا البريطانية والحكومة الإيطالية في 3 أغسطس 1889 والتي تؤيد على وجه الدقة العبارة التالية ( تستقبل الشركة الإيطالية كل الالتزامات تعهدت بها هنا الحكومة الإيطالية والتي ستظل مسئولة عن العمل بالالتزامات التي تحوي في هذا الاتفاق والذي سيفسر وفقاً للقانون البريطاني).

التزامات إيطاليا بمقتضى الاتفاقيات مع بريطانية وزنجبار:

تعهدت الحكومة الإيطالية بتنفيذ الالتزامات التي تعهد بها سلطان زنجبار في المعاهدات التي عقدها مع بريطانية بشأن إلغاء الرقيق وتجارة العبيد. وقد صدر ما لا يقل عن خمسة عشر مرسوماً ومعاهدة بين بريطانيا والسلاطين المتعاقدين في زنجبار في الفترة ما بين يونيه 1873 إلى 17 أكتوبر 1898 ( نحو خمسة والعشرين عاماً) ومن أهم هذه التعهدات المتعلقة ببنادر. معاهدة خمسة يونيه 1873بين بريطانيا وسلطان زنجبار بشأن إلغاء تجارة الرقيق. مرسوم 15 أبريل 1876 للسلطان بشأن إلغاء قوافل العبيد في الأراضي الداخلية. وفي 8 نوفمبر 1886 وقع السلطان على اللائحة العامة لمؤتمر بروكسيل الخاصة بالرق وتجارته وبذلك أعلن أن تجارة الرقيق تجارة غير مشروعة، وألغيت الحالات الشرعية الثانية للرق في مواني بنادر وكسمايو التي تحولت بعد ذلك إلى إيطاليا. وقد اتخذت سياسة أكثر تقدماً لباقي سلطنة زنجبار بالإجراءات التالية كخطوة أولى بمنع تقدم العبيد في البلاد الواقعة ضمن أملاك زنجبار وتحديد الرق الموجود فعلاً وقد صرح السلطان سيد خليفة بن سعيد للأسطول البحري الإنجليزي والألماني أن يقوم بتفتيش السفن الزنجبارية والعربية، وأعلن السلطان حرية كل العبيد اللذين يدخلون في أملاكهم اعتباراً من أول نوفمبر 1889 أو اللذين يولدون في مستعمراتهم بعد أول يناير 1890 . وفي أول أغسطس 1890 أكد السلطان تنفيذ كل المراسيم السابقة وإجراء تنظيمات لتحسين كل الرق الموجود ومنع كل مبادلة أو بيع أو شراء للعبيد بكل حزم وصرامة، وأصبح كل شخص في حيازته عبد جديد يكون عرضة للعقوبات القاسية، وأن يحرم من كل العبيد ويصبح أطفال السيد المتوفى الذين كانوا عبيداً له قبل وفاته أبناءه شرعيين وفى حالة الحكم غيابيا على مثل هؤلاء الورثة فلابد من تحريرهم. و من حق كل عبد أن يطالب بالحرية في ساحة القضاء و عند ( دفع ثمن معقول و عادل ) ثمن يقيد في نصوص المرسوم، و على كل عبد أن يدفع الثمن لسيده في حضور القاضي الذي يسلم له في الحال شهادة العتق غير أن هذه الطريقة قد ضيقها مرسوم 6 أبريل 1897 إذ أن كافة القضايا التي بين العبيد و ساداتهم يجب أن تنظر أمام محاكم القضاء التي تحول إلي الحاكم المحلي و هذا المرسوم غير ملزم لإيطاليا و إنما ملزم لكل من بريطانيا و سلطنة زنجبار و قد أخذ على الحكومة الإيطالية معاهدة بالتزام قاطع لتفي بكل المراسيم السابقة التي تنطبق على مواني بنادر. و من الواضح أن الحكومة الإيطالية مرتبطة بصفة خاصة بمرسوم 1876 الخاص بإلغاء تجارة الرقيق في مواني بنادر و أن توقف كل حركة نقل أو تسليم للعبيد من و إلي الأراضي الداخلية. و ما ذكرناه سابقاً من لوائح تخص أملاك السلطان و لا تخص بنادر و أن اللوائح التي هي أكثر اعتدالاً و لطفاً هي لوائح برلين و بروكسيل التي فشلت السلطات الإيطالية فشلاً كلياً في تنفيذها. و كانت الالتزامات التي على كاهل الحكومة الإيطالية نحو هذه الاتفاقيات واضحة وصارمة و بينما كان الرق و التهريب المسلح و المشروبات الروحية موضوع جدال دولي فإن مظاهر أخري للسلطة قد اعتبرتها الحكومة الإيطالية مسئولة عنها و لم تكن بأقل أهمية إذ كان من الضروري بصفة رئيسية التوفيق الإداري ( الإدارة و الحكومة ). و أمام كل هذه الالتزامات و كي لا يقال شيء عما يسمي بعثة التمدين الإيطالي فقد عهدت الحكومة الإيطالية إلي شركة إيطالية بإدارة المستعمرة وكان فيلو ناردى مؤسس الشركة مديراً عليها في عام 1893 وقد مهد فيلو ناردى للطموح الاستعماري للحكومة الإيطالية.

شركة فيلو ناردى القصيرة الأجل

كان نشاط فيلو ناردى الذي منح إيطاليا حق الحماية على ممتلكات سلطان هوبيا و علولة و المجرتين مما جعله يطلب من الحكومة الإيطالية أن تعترف بفضله لأنه لم يكلف خزانة الحكومة الإيطالية إلا اليسير للغاية في عمل اللازم نحو تمكين الحكومة من إعلان الحماية على هذه الممتلكات الشاسعة على الساحل الشمالي للصومال و حينما أضيفت مواني بنادر في الجنوب منها خول إليه امتياز و مسئولية كل هذا النطاق الكبير من أرض الصومال من سلطات و حكومة سعياً إلي تثبيت عظمة الإمبراطور دون أن تتكلف نفقات حفظها وإعانتها. و لم يكن فيلو ناردى طائشاً ومتهوراً لما قبل اتفاقا سخيفاً واهياً مثل هذا، و هو ممارسة الشركة لنشاطها مدة ثلاثة أعوام فقط. فمن الواضح أنه لم يكن يأمل في إغراء الممولين الإيطاليين أن يخاطروا برؤوس ضماناً لمثل هذا العقد البسيط حتى و لو لم تكن الأراضي نائية و لم يكتشف إلا القليل منها، و حتى إذا لم يكن هناك إحجام قوى، وكره شديد عند الإيطاليين للمخاطرة في الاستغلال الاستعماري في أفريقيا، لأن الحكومة قد تبينت هذا حينما أرادت أن تشرع في طرح قرض لإرتريا فمع إنه كان بضمان الحكومة لم يقبل عليه الراغبون في إدخال رأس المال إلي المستعمرة الحديثة إلا بقدر ضئيل بعد أن بذل فيلو ناردى جهداً كبيراً، كما أن نصيب الحكومة تجاه المسئولية الواسعة في المستعمرة كان طفيفاً للغاية فأعانتها بثلاثمائة ألف ليرة إيطالية في العام تدفع على أربعة أقساط شيء يسير، فقد كانت الشركة تدفع لسلطان زنجبار 160 ألف روبية في العام أي ما يوازي 220 ألف ليرة و يكون الباقي 80 ألف ليرة تدفعها الشركة فتغطي نفقات كل الإدارة، وكان عليها أيضا أن تدفع منها 310 دولار لسلطان هوبيا بجانب الرواتب التي تدفع للرؤساء الصغار و الشيوخ. وكان المفروض أن تقوم شركة فيلو ناردى بالإدارة الكاملة للمستعمرة فيما يتعلق بشأن البوليس و الجنود و السلطات في المواني، و الضباط و الموظفين من كافة الرواتب، و القضاة الذين يقيمون العدل وفق قوانين زنجبار في المحاكم الوطنية، و الإيطاليين الذين يحكمون وفق القانون الإيطالي للأقلية الأوروبية، و كان على الشركة أيضا تحمل المسئولية الكاملة لكافة الالتزامات الثقيلة الباهظة وفق المعاهدة الإيطالية. وفي خطاب بعثت بة الحكومة الإيطالية ( ورد في تقرير شيزي و ترافيللي ) إلي فيلو ناردى الذي وضع شروط عقد الحكومة مع شركاته التي تدعي. ف. فيلو ناردى و شركاه. وعدت الحكومة أن تسمح للشركة لشراء الأسلحة و الذخائر بالثمن الأصلي من مخازن الحكومة ( وفي الإمكان الحصول عليها من مصوع).و من المفهوم أيضا أن سفينة حربية إيطالية ستقيم بالقرب من ساحل بنادر لتقديم المساعدة عند الحاجة إليها ولكن لم يتحقق الوعد الخاص بالأسلحة و الذخيرة كما أن مساعدة السفينة ستا فينا كانت مضمونة فيما بين سبتمبر 1903 إلي يناير 1904 فقط ثم رحلت.

و قد قام فيلو ناردى بمهمته خلال جو عاصف سائر، ولم يكن أحد يعرف الحقيقة أكثر منه و هي أنه رغم إمضاء سلاطين هوبيا والمأجرتين لبعض المستندات الخاصة بالحماية الإيطالية، فإنهم لا يقصدون منها قبول الحكومة الإيطالية لأن شعب الصومال يكره ويعارض كل تدخل أجنبي.

و في سبتمبر 1893 وصل فيلو ناردى على ظهر السفينة ستا فيتا لأن عقده قد بدأ في 16 يوليو من نفس العام، و أعلن أن المحمية الإيطالية ستديرها شركته، وستقوم بإذاعة اللوائح و التنظيمات وممارسة السلطة في المواني، و قد قوبل النبأ باستياء و غيظ مكتوم من جانب الحكام الوطنيين و الشعب، فعند الاحتفال الرسمي للإدارة بمركة في شهر أكتوبر قتل ضباط بحري بينما كان ينزل من السفينة، و قد قتله صومالي كان قد اختلط مع البحارة و الحمالين و لكن سرعان ما ذبح القاتل بمعرفة عساكر فيلو ناردى الذين لم يكتفوا بهذا الانتقام و إنما اندفعوا في طيش بضرب المدينة بالقنابل. لقد كانت سياسة رياء و نفاق في بداية الأمر وأصبحت الآن سياسة غدر و اعتداء مما زاد من العقبات التي ستعرض مشروعاً كبيراً زود بشيء تافه مخجل. و يمكننا أن نتعرف على بعض الحقائق من مراسلات فيلو ناردى التي نشرت في تقرير شيزي و ترافيللي التي تبين أنه في أبريل 1894 بعد و صوله بنحو 6 شهور تقريباً كان يشكو في بؤس عميق لأنطونيو تشيكي الذي حل محله كقنصل عام لإيطاليا في زنجبار. و كانت شكواه من رفض الحكومة الإيطالية لإمداده حتى ببعض مئات البنادق، و انسحاب البارحة الحربية التي كان ينبغي أن تظل بعيداً عن الساحل لحين الحاجة إليها، ورفض التماس شركته طلب بشأن نصف المعونة لكي تواجه نفقات الصراع الدموي الذي جعل شركته تبني حائطاً حول مدينة مقدشوه لتحصين المدينة و حمايتها. و لهذه المطالب المرفوضة آثار سيئة إذ وضعت شركته تحت سلطة الصوماليين الذين كانوا قد عاقبوهم بقسوة باسم الحكومة الإيطالية في أكتوبر الماضي. و استمر في سرد شكواه قائلاً ( كان هناك وعود بمد عساكر الشركة ببنادق إيطالية قبل غلق الميناء خلال فترة الرياح الموسمية من مايو إلي أكتوبر، و في عدم الوفاء بهذه الوعود و عدم إمداد الجنود بالأسلحة فيه أضعاف الهيبة للإيطاليين، و ربما تتسبب في قيام الثورة). و أنه لم يكن يفكر إطلاقاً أن الحكومة ستتركه بدون أسلحة حتى للدفاع، فإيطاليا لا تجهل الموارد المالية المحدودة للشركة، و أنه من المستحيل عليها الحصول على المبالغ الضرورية لبلاد واسعة لعقد مدته ثلاث سنوات فقط و قد قبلت الشركة تحمل المسئولية، وهي معتقدة أن الحكومة سوف تبر بوعدها فكان الرفض لمجرد التقدم ملزماً للشركة أن تعمل على تدبير 150ألف ليرة في ظرف بضعة أيام، و هي عملية سببت تضحية كبيرة و خسارة جسيمة لسطوة الشركة و مكانتها. و قال فيلو ناردى مستطرداً( أن الشركة التي كان عليها أن تحكم أرضاً واسعة لمصلحة الوطن لا تستطيع أن تعيش من غير تعضيد الحكومة. أن بساطة العقد و مجاله الواسع المعقد يبرهن بوضوح تام أن الشركة قد أخذت على عاتقها التزام التعاون مع الحكومة و لا شيء غير ذلك. فإذا كان العقد بين الحكومة و الشركة لم يفهم على هذا الضوء فإننا لابد أن ندرك في النهاية أن السلطات قد استغلت رجلاً مسكيناً ضعيف العقل، و هذه الشركة التي شرفتها الحكومة بهذه الثقة الواسعة و تركت للقائمين عليها اختصاصات وافرة من الإدارة و الحكم لهذه الأراضي الواسعة فإنها قد قامت بكل تضحية لتحمل هذا العبء ) و أخيراً أشار فيلو ناردى بأنه من الواجب إعلان أسفه إلي الحكومة التي تقع عليها مسئولية خسائر الشركة. أن الحكومة الإيطالية ليس لديها أي نية لقبول تلك المسئولية، فقد عهدوا بإدارة المستعمرة لفيلو ناردى لمجرد أن تتجنب الحكومة مسألة الاتفاق عليها. و في رأي الحكومة أن عدم قدرة الشركة على الحصول على الوسائل الكافية لتمويل إرادتها لا يدعو لمساعدة الحكومة للشركة، و كانت الحكومة في نفس الوقت تجري مفاوضات بشأن تكوين شركة جديدة يمكنها أن تتحمل الأعباء المالية بدرجة شركة فيلو ناردى من الطريق، و كان على تشيكي الذي عين للقيام بالمهمة الجديدة أن يحمل تعليماته الجديدة ليبلغها بدوره إلي فيلو ناردى بأن الحكومة ترغب في إنهاء عقدها مع الشركة إنهاء ودياً، ذلك العقد الذي بقي ساري المفعول نحو سنتين من السنوات الثلاث المتفق عليها. و إذا ما وافق على أن يترك المساهمين في شركته بهذه الوسيلة فإن الحكومة مستعدة لأن تسند إليه منصب مدير الشركة الجديدة بمرتب قدره 30 ألف ليرة سنوياً، و لكن يبدو أنه لا ضمانة لهذا التعهد لأن تشيكي ( القنصل العام ) أوضح مغتبطاً ( أن استمرار أعمالك الجديدة يعتمد على الحماس الذي تنفذ به تعليمات الحكومة الملكية، و سيسهل عليك مهمتك الجديدة ما تملكه من خبرة محلية و نفوذ شخصي مع الموظفين العرب و الرؤساء الوطنيين) و أضاف تشيكي بأن المرتب قد قدر اعتماداً على الخدمة السابقة لفيلو ناردى و أنه سيمكنه من الوصول إلي الحل المناسب له لأن الحكومة ليس لها نية في تجديد العقد مع الشركة. و أجاب فيلو ناردى بأنه لا يستطيع أن يقبل مرتبا لنفسه حتى تقرر الحكومة تسديد المبالغ التي أنفقتها شركته على المستعمرة، و أنه رهن اسمه الطيب ثمناً للمدفوعات الزائدة عن إعانة الحكومة و التي تبلغ 300 ألف ليرة و كتب يقول ( من واجبي أن أفكر في تصفية الديون التي تعاقدت عليها أولاً قبل أن أفكر في وضعي الخاص مستقبلاً. أن الحائط و القلاع الأربعة التي تحيط مقدشوة و التي أنشأتها الشركة تفوق قيمتها عند الحكومة عن 300 ألف ليرة التي تدفع للشركة ). و أنه لم يكن يعتقد أن الحكومة ستقوم بإنشاء شركة دون أن تسدد ما انفق على المستعمرة بمعرفة مجموعة مع المواطنين الصالحين، الذين خاطروا برءوس أموالهم لما عندهم من ثقة فيه و في عدل الحكومة و من أجل عظمة إيطاليا و جلالها. و كان للارتباك المالي داخل إيطاليا نفسها بجانب مطامعها الاستعمارية مما جعلها تمهل قليلاً أمر الشركة وانتظرت انتهاء عقدها، و في نفس الوقت كانت تتفاوض مع غيرها لتخلفها في إدارة المستعمرة. الحاكم دوليو في عام 1895 تألفت شركة بنادر التجارية الجديدة بعد أن ضمن لها تشيكي مزاولة نشاطها التجاري في ميلانو، و انتظرت الشركة الجديدة ما سترثه من مخاطرة شركة فيلو ناردى السيئة الحظ و قد رفع عقد الشركة الجديدة مع الحكومة إلي مجلس النواب الإيطالي للموافقة عليه غير أن كوارث الحرب الإيطالية الحبشية حالت دون التصديق عليه. و كان فيلو ناردى في 11 مايو 1896 قد تلقي مذكرة من القنصل العام يخبره فيها أن عقد شركته سينتهي في 15 يوليو و أن مستعمرة الصومال ستدار مباشرة من قبل الحكومة و نظراً لتوقف حركة المواني في هذا الوقت فقد طلب تشيكي من فيلو ناردى باسم إيطاليا أن لا يترك الساحل مع قبول وظيفة مبعوث ملكي من يوليو إلي سبتمبر حتى يصل الحاكم الجديد. و في 15 يوليو تولي دكتور أميليو دوليو إدارة المستعمرة، و عين فيليبو كوبريفاني ضابط جمرك ، و ظل فيلو ناردى في مركز مؤلم للنفس حتى وصلته رسالة من تشيكي في سبتمبر تفيده بأن وصول القنصل العام إلي مقدشوة معناه انتهاء وظيفته كمبعوث ملكي. و بعد وفاة تشيكي القنصل العام أسند فسكونت فينستنا وزير خارجية إيطالية مركز الإدارة إلي سورينتينو قبطان السفينة الحربية ( ألبا ) ليكون مندوباً سامياً ( ملكياً ) و الدكتور دوليو كمندوب سام ( مدني ).

حال الصومال تحت الإدارة الحكومية الإيطالية

جاء في تقرير شيزي وترافيللي <ref>العبارات التي بين الأقواس في الفحات التالية من تقرير شيزي وترافيللي عن حالة مستعمرة بنادر والحديث عن مسز سلفانا بانكهرست .. راجع كتاب .. الصومال الإيطالي سابقاً</ref> أن سجلات الإدارة خلال فترة تولي الحكومة للإدارة المباشرة للصومال كانت ناقصة ولا تفي بالغرض المطلوب، كما أنها مختلفة النظام. و أصبحت مهمة القائد سورينتينو ( اسمية و زخرفيه يوما بعد يوم ) و جاء في التقرير اقتراح للوزارة في ديسمبر 1896 ( بأن أحسن سياسة للمستعمرة هي مسايرة الظروف و السير مع الزمن و أن تنتظر و ترى ). و فوق كل ذلك يجب ألا يتم أي شيء بشأن الإقلال من متحصلات الجمارك، و قد أصبح هذا هو الشيء الرئيسي التي تحرص عليه المستعمرة تحت الإدارة الجديدة المباشرة للدولة. و الصورة الحقيقية للمستعمرة في عهد الحكومة تختلف كثيراً عما كانت عليه في الماضي وقد صرح شيزي و ترافيللي أن الإدارة في عهد الدولة قد أحدثت تدميرات محزنة، و كان في تقريرهما الاتهامات التالية: لم تجر أي تحسينات في المواني، ولم يجر أنشاء أي طرق داخلية في البلاد أو حتى إزالة الغابات والأحراش التي تعوق طرق القوافل إلي الساحل، تلك القوافل التي تجلب منتجات الدخيل القاري بمحاصيله الزراعية على ضفاف الأنهار، و لم تجر أي تحسينات في هيئة العساكر المحاربين أو تنظيمات جديدة عما كانت عليه في عهد شركة فيلو ناردى.إنما كان الإهمال وعدم مراعاة الالتزامات الحكومية وفقاً للوائح برلين و بروكسيل و المعاهدات التي أبرمت مع سلطان زنجبار و بريطانيا و قد صارت الحياة العملية في الصومال إلي أسوء ما كانت عليه في عهد إدارة شركة فيلو ناردى. و كان فيلو ناردى قبل أن يكون حاكماً قد وعد ألا يتدخل في ملكية العبيد في داخل المستعمرة و هذا الوعد يتناقض مع المعاهدات السابقة، و بعد أن تولي فيلو ناردى الحكم أصدر تعليمات بأن تجارة الرقيق ممنوعة، و انه بسبيل إصدار تعليمات وتنظيمات منع تجارة الرقيق بصفة تدرجية،و لكنه من الناحية العملية لا يتدخل في شأن الرقيق في داخل المستعمرة حي أنه كان يعيد العبيد الهاربين من ساداتهم.

( لقد كانت الإدارة تحت حكم دوليو سورينتينو بتسليم الرقيق الهاربين من الأراضي الداخلية إلي من يدعي ملكيته، و أحيانا يكون ذلك بالقسوة عليهم و تعذيبهم و سجنهم قبل تسليمهم إلي هؤلاء الذين يحضرون في طلبهم ). و بعد هذا خرقاً صريحاً للاتجاهات الواضحة في لوائح بروكسيل، و كان في تسمية الرقيق بالرقيق المنزلي تسمية موفقة و مريحة. ( كان تسجيل شراء أو بيع العبيد أو توريثهم للملاك الجدد أو تحويلهم أو رهنهم أو إبدالهم كرهان يدون في سجلات محاكم القاضي). (كل هذا دون علم الحكومة في روما و سورينتينو المندوب (المالكي )الذي كان يبحر بين بنادر و زنجبار و دوليو المندوب(المدني) ويبدو أنهما كانا لا يعرفان شيئاً عن الأوامر الرسمية لسلطان زنجبار والتي كانت تجد التطبيق الحازم في زنجبار وبمبا ممبسة). إن الإهمال في الواجبات و المسئوليات التي كانت واضحة تماما لدرجة مؤلمة في عهد إدارة الحكومة للمستعمرة من 20 سبتمبر 1896 إلي 31 ديسمبر1898 قد استمرت على ما هي عليه في عهد المدير الدكتور أميليو دوليو حينما تعاهدت شركة بنادر أن تأخذ على عاتقها مسألة إدارة المستعمرة.

شركة بنادر تتولي الإدارة

أخذت شركة بنادر التجارية الإدارية الجديدة على نفسها تحمل إدارة الشركة برأس مال قدره مليون ليرة إيطالية، دفع منها 300 ألف ليرة فكان هذا المبلغ الصغير لا يفي بالمهمة الكبرى، و المسئوليات الجسام التي تعاهدت بتنفيذها. وكان المعونة التي تتلقاها الشركة من الحكومة هي نحو 400 ألف ليرة إيطالية و كان على الشركة أن تدفع منها 120 ألف روبية لسلطان زنجبار (210 ألف ليرة )و ثلاثة ألاف ليرة لسلطان هوبيا و علولة فيكون المبلغ المتبقي للشركة هو ما بين 180 إلي 190 ألف ليرة في العام. و قد إضافة الحكومة إلي عقد الشركة بعض الأمور بأن عهدت إليها بإدارة المدن القرى لبنادر والأراضي التابعة لها، و كان هذا شرطاً يكتنفه الغموض فهل يعني الأراضي المجاورة للساحل أم كل المستعمرة حتى الحدود مع أثيوبيا؟. على أية حال كان على الشركة صيانة الممتلكات الحكومية الإنشائية و غيرها، و عليها أن تحتفظ بقوة عددها 600 جندي لحفظ الأمن و هو عدد غير ملائم بالنسبة لاتساع المستعمرة بالإضافة إلي العمل من أجل تقدم التجارة و رفاهية شعب المستعمرة و ممارسة القضاء. تجارة علانية في الرقيق كان واضحاً تماماً أن الحكومة و شركة بنادر لا ينويان تطبيق المعاهدات الإيطالية الخاصة بالرقيق، رغم مالها من أهمية كبري لأن مسألة الرقيق كانت تستغل في الدعاية لوفاء الديون. و قد ذكر الدكتور دوليو الذي عاد إلي إيطاليا في يوليو 1901 حتي مارس 1902 أن الفترة الأولي لإدارته للشركة في الصومال تعتبر فترة تمهيدية، و قدم لإدارة الشركة في ميلانو و لوزارة الخارجية برنامجاً جديداً للحكومة الجديدة للمشتعمرة، و ذكر في هذا البرنامج ( ليس من الممكن أن نفكر في منع تجارة القيق المنزلي، و في تحرير عشرة آلاف عبد لا يزالون يعيشون في بنادر دون أن نكون قد علمنا المواطنين كيف يستعيضون عن عمل العبيد بعمل الثيران، إن منع الرقيق في الوقت الحاضر ستكون نتيجته ترك الأرض المزروعة تركاً كاملاً، و بدلاً من أن نسير في طريق الأخذ بيد مستعمرتنا إلي طريق التمدن سيقال هذا الإجراء من أعمالنا و سيعيد البلاد إلي حالة بربرية هجمية أسوأ كثيراً من الوقت الحاضر. و نظراً إلي أحوال الزراعة في بنادر فإن منع الرقيق المنزلي سيؤدي إلي ثورة تقوم بها أغلب القبائل القاطنة في مستعمراتنا، و سوف لا يكون هناك أثر لتنظيماتنا إذ لن يكون هناك قبيلة تقبل هذه التنظيمات بدون أن نضطر إلي إخضاعها بالقوة ). و قد قبلت الحكومة الإيطالية و شركة بنادر وجهة نظر الحاكم دوليو التي عرضناها آنفا. و قد ترددت إشاعات مشينة فاضحة عن أحوال مستعمرو صوماليا، و تكرير هذه الإشاعات قد زادها رسوخاً في العقول، فبترو جورجي عن الأحوال الرجعية في المستعمرة و ذكر – و أكد ذلك فيما بعد شيزي و ترافيللي – أن القضاة الذين يحكمون في المحاكم الوطنية مرتباتهم لا تزيد عن خمسة أو سبعة تالير في الشهر و هو أقل مما يتقاضاه الخادم في المنزل مما إضطرهم إلي طلب النقود من الأشخاص الذين يحكمون في قضاياهم، وهو أمر خطير يعرقل نزاهة القضاء، و أن مرتبات العساكر مابين ثلاثة و أربعة تالير في الشهر أي نحو تسع ليرات إيطالية بسعر ذلك الوقت، و لذلك فهم مضطرون إلي الأشتغال بالتجارة و الأعمال الشريرة اللعينة( كالسرقة). و اكتشف جورجي أن تجارة الرقيق تمارس جهاراً، و رأي عدداً من عقود البيع للرقيق فأرسل أحدها إلي الأخصائي الإجتماعي فيليبو توراني الذي أثار المسألة أن تصدر تعليمات للقنصل بستالوتزا و القائد دي مونيل بكتابة تقرير عن إدارة المستعمرة، و كان في تقريرهما ما ألقي الضوء و كشف القناع عن التجارة التي تمارس جهاراً في العبيد داخل المستعمرة و عبر البحار، و يصدق عليها بالختم الرسمي للشركة. و قد صرح القائد دي مونيل أن ( حالة العبيد في بنادر ليست كحالة الخدمة المنزلية، و إنما هي العبودية الحقيقية حتي أنه من العسير التحرر في أكثر الأحوال فالشركة الرسمية بدلاً من أن تعمل على إزالة الرقيق تدرجياً نراها تؤيده و تدعمه و تزيد الأمر حراجا وخطورة ).

موقف شركة بنادر من أشاعات تجارة الرقيق

لتردد الإشاعات حول قيام كبار موظفي الشركة و حكام المواني بالتصديق على بيع الرقيق و أخذ ضرائب عنها، بعث كافالير كارميناني مأمور الشركة و أعضاء المجلس في ميلانو برسالة إلي الحاكم دوليو عما وجه إليه من إتهامات و ما أشيع عن بيع الرقيق في صوماليا و طلبوا منه أن يكتب تفسيرات عن ذلك لتهدئة الرأي العام الساخط على أعمال الشركة. و جاء في الرسالة أن ( الضرورة الملحة التي تدعونا للإجابة على الإتهامات التي حماتها أنت و الشركة، أن هناك أشياء ضدك، وضد إدارة المستعمرة تحتوي على أخطر الإتهامات المدمرة، و خاصة فيما يتعلق بموافقتك على الإسترقاق و ربحك من الضربية عليها). و كان رد الحاكم دوليو على رسالة الإدارة أن قال: ( يكفي أن نقول أن شئون المستعمرة تسير دائما إلي أحسن فأحسن ) و حينما وجد أن مركزه في خطر أضطر أن يعلن لمجلس إدارة الشركة في ميلانو أن الإسترقاق في الأراضي الداخلية و التي لا سلطان ولا سيطرة للشركة عليها، و أنه من الممكن ألغاء الرق المنزلي في المواني العشر التي تحتلها الشركة في بنادر و ذلك بدفع تعويضات لأصحاب العبيد بما يوازي مائة ألف تالير، و تسأل إذا كان المجلس يمكن أن يسمح بإجراء ذلك بدون إستشارة المساهمين في الشركة، و ذكر أيضا أن إدارة المستعمرة يمكن أن تدفع عشرين ألف تالير، و أنه يتبرع بعشرة ألف تالير على أن تقوم الشركة بخصم المبلغ منمرتبه بواقع 2000 تالير في العام. فرد عليه سكرتير المجلس ( أننا لسنا مستعدين بالمرة لإقتراحك، إن هذه هي المرة الأولي التي نلتقي فيها منك مثل هذه التصريحات للعواطف الإنسانية القديمة ). و كان مجلس الشركة يريد أن يرسل الحاكم تقريراً مفصلاً عن إدارة المستعمرة لكي تظهر للجمعية العامة للمساهمين أن الإدارة تسير وفق إتفاقيات برلين وبروكسيل بشأن الإسترقاق. و لكن نتيجة لمراوغة الحاكم دوليو طلب مجلس مستعمرة بنادر من شيزي و ترافيللي كتابة تقرير عن أحوال المستعمرة كما عهد إليهما بحمل رسالة بشأن عزل الحاكم دوليو الذي فشل في إرسال التقرير المطلوب منه و لتبرئة نفسه و تبرئة ذمة الشركة في كل لوم.

الحاكم بادولو

و تضمنت التعليمات الصادرة للمبعوثين مسألة إسناد منصب حاكم المستعمرة للملازم البحري كافالييرا جينو بادولو حاكم مركا في ذلك الوقت ليقوم بعمل وظيفة نائب الحاكم أثناء غياب دوليو، و حينما عرف ميركاتيللي القنصل العام في زنجبار بشخصية الحاكم الجديد إحتج على ذلك قائلاً: ( أن بادولو عاقب الصوماليين دون أي محاكمة بأن ربطهم إلي مدفع و ضربهم خمسين جلدة حتى ماتوا من أثر الضرب، و هذا العقاب الفظيع خلق آثاراً مضادة حتى في المستعمرة البريطانية المجاورة). و يذكر المبعوثان في تقريرهما أنه خلال عمل بادولو كحاكم في مركا كان يبالغ في قسوته على السكان، و أنه أعاد كل العبيد الهاربين لمن يدعون ملكيتهم، و إذا لم يظهر لهم صاحب فإنهم يوضعون في السجن و يتركون هناك حتى وفاتهم. و جاء في تقرير شيزي و ترافيللي في صفحة 159 التصريح التالي ( هذا النظام في القبض على الناس، و تركهم يموتون، أو قتلهم في السجن كما فعل الملازم كافالييرا بادولو حينما كان حاكما لمركا، قد وضع في قلوب الناس فزعاً مروعاً ممزوجاً بالرغبة في الإنتقام، و تسبب في كراهية شديدة لسيادتنا و سيطرتنا، تلك الكراهية التي تحققنا من وجودها حينما كنا في بنادر). و يري شيزي و ترافيللي بعد دراسة ثلاثين حالة للمساجين في عهد بادولو أن القسوة و الحرس و حالة السجون السيئة من الأسباب الرئيسية التي أدت إلي النهاية المحزنة بإنتهاء حياة أسر أشراف مركا و تساءلوا عما تكون عواطف شعب بنادر بالنسبة لإيطاليا و عدالتهاإذا كانت تتسبب في موت الناس في السجون أو بالضرب دون محاكمة أو دفاع أو إنصاف.

الأعمال الخليعة للموظفين الإيطاليين

كان السرور و الإبتهاج من خصائص عهد نائب الحاكم (بادولو) إذ كانت تستورد الخمور و المشروبات الروحية، و تقام الحفلات الماجنة في كل ليلة تقريباً، و يجلب إليها النساء بالقوة. و كان من عادة الحكام الإيطاليين في المواني أن يرسلوا الجنود لجلب النساء من أجل إدخال السرور على الشبان المرءوسين، و يشير تقرير شيزي و ترافيللي إلي ذلك بهذه العبارات: ( و كان هذا كله مما ساهم في إقصاء الشعب عنا، و إزدياد شكوكهم و ريبتهم فينا، و عدم ثقتهم بنا، و في إنحطاط مركزنا، و ضياع مهابتنا في نظرهم ).

سجلات محاكم القضاء تكشف النقاب عن تجارة الرقيق:

أولاً- فيما يلي مقتطفات من سجلات محاكم القضاء متضمنة تسجيل البيع و الثمن و الضريبة الخاصة بالحكومة أو الشركة حسب الحالة. الصومال الإيطالي (رقم 269 ) بسم الله الرحمن الرحيم وبعد الحمد لله: اشتري يس عبد المغير تيم من نور على بن موسى امرآة تدعى أهبوي بمبلغ 80 تالير ماريا تريزا، والبيع و الشراء صحيح بالإتفاق التام بين الطرفين المتعاقدين بالثمن المحدد بينهم. (هنا توقيعات ثلاثة شهود) و دونت بالصيغة القانونية بمعرفة القاضي محيى الدين بن عسبك محرم. 20 أكتوبر 1901 ( دفع تالير واحد ضريبة للحكومة ) إمضاء بادولو (بادولو الموقع على الوثيقة هو الذي رغبت شركة بنادر في تعيينه كحاكم بدلاً من دوليو ) و المسجل رقم 245 يسجل حالات بيع العبيد جلا خديجة و طفلين بمبلغ 200 تالير ماريا تريزا وتم ذلك في بيت مندوب الحكومة (بادولو) مع دفع ضريبة 2 تالير. و في نفس السجل السابق تبين لنا نشرة أخري أنه في سبتمبر 1902 تم بيع السيدتين عائشة و حامولة و رجل يدعي مودي بمبلغ 211 تالير مع دفع 3 تالير و تسجيل البيع لمحاسب المستعمرة سنيور جويدو مازوشيللي. و في 14 أكتوبر 1902 سجل سنيور مازوشيللي عقد بيع عبد يدعي بلال مقابل 90 تالير و دفع تالير واحد كضريبة للتسجيل. و في نفس التاريخ السابق سجل عقد بيع اثنين من دناكل و عائشة بنت دناكل بمبلغ 135 تالير و دفع تاليران تسجيلاً لهذا العقد للمحاسب مازوشيللي. و في دفتر سجل قاضي براوة سجل في 15 أبريل 1895 أن 45 تاليرا دفع كثمن مقدم لبيع عبيد توفي أصحابهم، و قسم المبلغ بين أخواته الثلاثة، و دفع تالير واحد للوكيل السياسي الإيطالي. ثانياً – كشفت الوثائق عن احتواء عبيد أشخاص المتوفيين في قوائم جرد ممتلكاتهم و قد بيعوا لمصلحة ورثتهم و من أمثلة ذلك. في 21 مارس جاء في دفتر قاض براوة أن 190 تالير مقدم ثمن بيع عبيد كانت تمتلكهم أمرأة توفيت و قسم المبلغ حسب الآتي 2 تالير للحاكم 5 تالير للجنازة 1 تالير للمنادي في المدينة و الباقي بين الورثة. و في 24 يناير 1898 بيع في عبيد و مخلفات كثيرة كانت لإمرأة متوفاة بمبلغ 130 تالير دفع منها 2 تالير للحاكم، 44 و 121 تالير لمختلف الدائنين، أما المبلغ المتبقي فقد وزع على الورثة و هم أربع نساء وسبعة أولاد. ثالثاً – أشار تقرير شيزي و ترافيللي أن هناك حالات رهن للعبيد ضماناً لديون على سادتهم و من أمثلة ذلك. في 22 مارس 1900 سجل رهن ثلاثة من ( عينات السلع ) العبيد لضمان تسديد 50 تالير من الفضة دفع تالير واحد للمقيم الإيطالي. من الملاحظ أن عبارة عينات سلع تشير إلي العبيد و قد ورد في وثيقة 24 أغسطس 1901 (عينات سلع) في قائمة بضائع تشمل ماشية. و في سجلات القضايا الخاصة بالعبيد و التي حكم فيها أمام محكمة مقدشوة نجد أنها تتضمن الكثير من طلبات التحرر قد قام بها العبيد على حسابهم، و أحياناً عملها آخرون والديه التي كانت تدفع لضمان التحرر على حسابهم أو حساب آخرين و هي نحو 50 دولار و هذا أكثر مما يدفع في العبيد الذين يباعون ضمن سلع سادتهم المتوفين. و في 27 يونية 1903 طالبت عبدة تدعي فيسيل فودا أيدن بحريتها لأنها تزوجت عبداً حراً يدعي هيلولي، و لكن لم تنل حريتها إلا بعد دفع 50 دولاراً رغم أوامر السلطان في زنجبار التي تقول أن زواج العبدة برجل حر في أي جزء تحت حكمه يكون لها حريتها تلقائياً. و في 2 مايو 1903 سجل أن العبدة (الأمة) مريم حامد سجنت ثلاثة أيام لأنها رفضت العمل أثناء عطلة دينية. و بعد أن قام شيزي و ترافيللي باستجواب عدد من السكان الذين يمتلكون العبيد أوجزا لنا رأيهما في تجارة العبيد في المحاورة التالية. ( حينما بدأ أخوانكم – الرجال البيض – يشترون بناتنا، ما كنا نعتقد أننا مخطئون حين نشتري أو نبادل العبيد حيث لا يوجد إعلان لمنع ذلك). فأجبنا ( و لكن الرجال البيض يشترون النساء لتحريرهن). ( لا ! إنهم يشترونهن لمسراتهم، و ليجعلوا منهن محظيات لا ليحرروهن). و قد أوجز المبعوثان شيزي و ترافيللي مسئولية حكومة إيطاليا في التصريح التالي. ( مسئولية الحكومة الإيطالية في مسألة بنادر و جنوب صومالي لند مسائلة ذات طابع سياسي و طابع خلقي لقد أعلنت الحكومة الإيطالية حمايتها على رأس غردفوي إلي جوبا و أبلغت العالم عن رسالتها و عملها من أجل التمدين و الحضارة في هذه الأراضي الشاسعة في أفريقيا، غير أن عملها إنتهي بهذا الإعلان و البلاغ). ( إن حالة خزينة إيطاليا لم تسمح برخاء فعلى لسياستها الإستمارية فضلاً على أن ذلك يزيد من اشمئزاز الأمة و يسبب بعض المصائب و النكبات كالتي حدثت في أرتريا، و لذلك فقد بحثت الحكومة عن وسيلة تخلص بها نفسها من المسئولية التي تعرضت لها في المحمية).

إدانة الحكومة الإيطالية

أعلن تيتوني في مجلس النواب ( أثناء عمل شيزي و ترافيللي في فحص أحوال المستعمرة) أن الشركة لها مساويء، و أن حكومته تعمل على تصفية الرقيق في المدن الساحلية و السماح ببقاء الرقيق المنزلي فقط. و كان رد الفعل أن بعث شيزي و ترافيللي بخطاب إحتجاج إلي القنصل العام في زنجبار، و نشر هذا الخطاب فيما بعد في تقريرهما، و قد جاء فيه وثائق إدانة للموظفين الرسميين الإيطاليين أثناء فترة حكم الحكومة الإيطالية، و أن العبيد في عهد الإدارة أو الحكومة لم يجدوا مساعدة في تحريرهم. و قالا أن ( مسألة الرقيق تزداد خطورة، و تتطلب حلاً عاجلاً. و إذا أرادت الحكومة أن تبقي على المستعمرة فإن عليها الأشتراك مع الشركة في عمل متضامن ). و لقد اتضح للمبعوثين أنه ( لا يوجد أي أثر للعلاج الفعال أو غير الفعال، فالموظفون الرسميون في المكتب الإستعماري بمقدشوة ليس لديهم أي تعليمات في هذا المجال، فلا ينبغي لوزير الخارجية أن يتجاهل مسألة الرق في بنادر فهي ليست خدمة منزلية مؤقتة، و إنما هو استرقاق بمعني الكلمة، و لا ينبغي أن نتجاهل أن روما تمارس الزراعة على طول شواطيء الأنهار بواسطة العبيد و تحت ظروف لا يقال عنها استرقاق منزلي إلا نت قبيل النفاق و الرياء ). لقد ( تزايد عدد الرقيق بإستمرار نظراً للملكيات الجديدة التي يتحصلوا عليها من شمال المستعمرة و هذه التجارة مستمرة في إقليم أعلنت عليه الحماية الإيطالية اسماً، و أصبحت مباحاً لتجارة الأسلحة و لم تتخذ فيه أي إجراءات لمنع الإسترقاق). و في نهاية الخطاب قال المبعوثان ( أن هذه هي الحظة الفاصلة للحكومة، و كذلك الحال بالنسبة للشركة فإن الحكومة لا يمكنها بعد ذلك أن تتجاهل هذه المخالفات، و يجب أن تنفذ بإخلاص لائحة بروكسيل كما أقرها البرلمان الإيطالي، و إذا أرادت الحكومة أن تتخلص من التزاماتها مرة ثانية بمجرد تعبيرات معسولة وأن تتجاهل المطالب التي أقرها البرلمان في العقد بين الشركة و الحكومة، و إذا كانت تنوي أن تترك الشركة لتتحمل مسئولية الالتزامات الحكومية وفق إتفاقية الالتزامات فإننا لن ننصح الشركة بقبول ذلك، و نحن نعتبر أن من واجبنا أن نقدم لكم هذه الفكرة، و نطالبكم بإبلاغها للحكومة). ( أرسلت نسخة من الخطاب السابق إلي الشركة في ميلانو). و بذلك وضع المبعوثان الإتهام للحكومة الإيطالية لأنها هي التي إنتهكت الإتفاقيات الدولية لا الشركة، و هي التي خالفت معاهدات برلين و بروكسل قبل أن تنشأ شركة بنادر في المستعمرة، و هي التي تخلت عن حماية الشعب الصومالي وفق معاهدات الحماية.

الحكومة الإيطالية لا تدفع تعويضات لأصحاب العبيد

كتب الحاكم دوليو في 22 أبريل 1903 إلي الحكومة الإيطالية يطلب منها تعليمات نهائية ثابتة عما إذا كان ينبغي تحرير كل العبيد الهاربين إلي مقدشوة و المدن الساحلية الأخري، و خصوصاً مركا لأن التعليمات التي سبق أن تلقاها دوليو من تشيكي القنصل العام 1896 كما قال ( يجب أن تؤكد أو تلغي أو تعدل أو تكيف ) ثم تساءل في رسالته عما إذا كانت الحكومة الإيطالية ستدفع التعويضات لأصحاب العبيد عند تحرير العبيد أو أن الشركة التي ستدفع. و لكن دوليو لم يتلق أي رد من الحكومة على خطابه حتى 31 أكتوبر 1903 حينما استبعد عن العمل في الشركة، و تولي المبعوثان شيزي و ترافيللي المسئولية المؤقتة لشئون المستعمرة، و قد بعث إليهما ميركاتيللي القنصل العام الذي خلف بستالوتزا بالرد المتأخر للحكومة، و قد تضمن الفقرات التي أشار إليهما المبعوثان في احتجاجهما السابق و هذا نصه. زنجبار في 31 أكتوبر 1903. (( لم يفضل سلفي في الإتصال برياسة الوزراء بشأن مكاتبة الحاكم دوليو في خطابه المؤرخ في 22 أبريل الماضي، و في تقريره الأحدث زمناً في 25 سبتمبر، وفي رد الوزارة في يوليو الماضي على الاستفسارات لم تستطع أن تعطي تعليمات أخرى عن إلغاء تجارة الرقيق وإزالة الرق المنزلي تدريجياً أكثر من أن تطلب من شركة بنادر تطبيق نصوص اللائحة العامة لبروكسيل وفق ما تتطلبه أحوال البلاد وطبيعة السكان من حرص وحذر حتى يمكن تجنب إثارة الاضطرابات والشغب. ولإثارة الحاكم دوليو لمسألة النفقات، أضافت الوزارة بأنه على أية حال لا يمكن للحكومة أن تتحمل أي نفقات للإجراءات التي تتصل بالاسترقاق. واتصالات الحاكم دوليو لم يكن لها صفة الالزام، لأنها عالجت الاجراءات والاستفسارات ولم تعالج الحقائق المعنية الثابتة، وسأحتفظ بتقريري لهذا الموضوع حتى حين وصولي. والآن فيما يختص بتبليغ الحاكم دوليو برحيله فإنني أسارع بإبلاغكم تعليمات الحكومة التي قررتها عاليه. وأرى لزاماً علي أضيف رأيي الشخصي بأن التعويض الإجباري الذي يدفعه العبيد الذين يريدون تحرير أنفسهم يبدو لي أنه نقض سافر لروح لائحة بروكسيل، وللرأي الذي تطور فيها، وهو الرقيق المنزلي كحالة انتقالية ستؤدي حتماً إلى التحرر الكامل، إذا كنا نعني التسليم الضمني للعبيد في حقهم في الحرية ونرفض أي قسوة أو شدة من شانها أن تجعل الرق المنزلي ينتكس إلى استرقاق حقيقي كامل. وبذلك تخلت إيطاليا عن التزاماتها تاركة المسئولية على الشركة في الوقت المسمى فترة((التحرر الديمقراطي)). ومن المفيد أن نوضح أن الاسترقاق لم يكن موجوداً في الجزء الشمالي من المستعمرة الإيطالية ولا في أغلب أراضي الصومال بشهادة كل الرحالة والمؤلفين الذين جابوا تلك البلاد قبل وأثناء فترة الارتياد الإيطالي لصوماليا، فقد كان من عادة الصوماليين اصحاب الأراضي الزراعية الواسعة أن يحتفظوا بعدد من العبيد من أجل الأعمال الزراعية كما هو الحال في البلدان العربية في هذه الفترة. وهذا ما يطلق عليه اسم العبيد المنزلي. وبظهور الإيطاليين في بنادر ظهرت تجارة الرقيق، لأول مرة على نطاق واسع ويذكر تقرير شيزي وترافيللي صفحة 31 عن الملازم بادولو ( يعرف كل إنسان أن لوخ وبرديرا أسواق حقيقية للعبيد حتى أن العساكر كلهم تقريباً في هذه الناحية يمتلكون الكثير من العبيد كما أن القوافل التي كان يحميها سنيور شيري من جزيرة إلى جانب مقدشوه كانت تنقل الكثير من العاج الأبيض والعاج الأسود). ويكفي أن نعرف من البيان السابق أن موظفاً رسمياً بالشركة القانونية كان يرافق هذه القوافل لحمايتها. ويظهر من تقرير شيزي وترافيللي أن الأرباح العائدة عن تجارة الرقيق كانت تصل إلى اكثر من 25% وأن الحكومة الإيطالية وافقت رسمياً على وجود الاسترقاق وأعطته مركزاً قانونياً، وأن العقاب لمن يحاول الهروب من سيده ما لم يقدم الدليل على قسوة سيده وهذا مالا يقوى عليه العبد، لذلك استمر الاسترقاق في بنادر. ويتضح لنا هذا من قول الوزير(( في حالة هروب خادم تجاه الساحل فإنه سوف لا يعتبر حراً إلا بعد قرار من محكمة إيطالية تقام لهذا الغرض، وهي ستبحث عن أحوال العبيد الهاربين وأحوال أصحابهم فإذا أثبت أن السيد سيئ المعاملة أو أنه خالف القوانين المتفق عليها فإن العبد سيحرر من الالتزامات التي ارتبط بها مع سيده ويطلق صراحه، أما إذا ثبت أن العبد هرب دون أي مبرر فسيعود إلى سيده ويضطر إلى دفع تعويض عادل له)).

العمل الإجباري في مزراع الإيطاليين

من الملامح الرئيسية للحكم الإيطالي في صوماليا نظام السخرة الإجباري في تشييد الطرق، ولإقامة الزراعة وغيرها، على أكتاف الشعب الصومالي بدون مقابل. يقول تيتوني : (( في اعتقادي أنه من المهم للمجلس أن يعرف ما قد تم، فأعمال التطهير قد فرضت كعقوبة على القبائل الثائرة التي خضعت لنا، وقد نفذت أعمال التطهير في منتصف شهر مارس الماضي على طول الطرق)). أن القرى والمزراع الجميلة التي أدخلت السرور إلى الرواد الأوائل قد أقفرت الآن، واندثرت المحاصيل، والمساكن المتواضعة أصبحت رماداً، وكان الشعب الصديق الطيب القلب الذي رحب بالمبعوثين والرواد قد انتهى، وصار من امتد به الأجل من أبنائه تعساء يساقون إلى أعمال السخرة تحت رحمة السوط والقيد من أجل تطهير الغابة وإقامة الطرق بلا مقابل، فالوزير تيتوني يقول ((فأعمال التطهير قد فرضت كعقوبة على القبائل الثائرة التي خضعت لنا)). وقد انتهجت الحكومة الإيطالية والحكام الإيطاليون سياسة سمو العنصر الإيطالي، وأن العمل من وسائل العيش للصوماليين وحدهم. ويقول تيتوني(( يجب أن نتذكر أن العمل في تلك المناطق ينظر إليه بانحطاط ويترك للعناصر المنحطة والعبيد، ولذلك فإن الشعب الزراعي الإيطالي سينحط في نظر الصوماليين عن ذلك المستوى اللازم للأوربيين، لذلك يفرض نفسه على العنصر الوطني الذي يفوقه عدداً، وبالإضافة إلى تلك الحقيقة سوف يكون هناك أثر غير محبوب على أمن السكان في المستعمرة)). (( ان استخدام المواطنين في العمل واستخدام العنصر السواحلي الأقل شأناً سيكون دائماً أقل تكلفة وأكثر ملاءمة)). وذكر تيتوني أن الفلاحين الإيطاليين الراغبين في الهجرة إلى بنادر لزراعتها على حسابهم سوف يجدون رأس المال اللازم ، ولا تستطيع الحكومة الإيطالية أن تقدم لهم المساعدات المالية، وأن الحكومة ستمنح الامتيازات للقادرين لمدة 99 عاماً ( خفضت فيما بعد إلى 60 عاماً) على أن يقوم صاحب الامتياز بمسح الأراضي وتسجيلها على نفقته. ويمنح الامتياز ما بين 1000 و 5000 هكتار على أن يقوم صاحب الامتياز بإصلاح أربعمائة هكتار منها في الثلاث سنوات الأولى ويعفى الامتياز من الضريبة مدة خمس سنوات أو عشر سنوات إذا استخدم صاحب الامتياز خمسة عشر إيطاليا أقوياء البنية، وذلك لتشجيع الاستيطان الإيطالي، مع مراعاة إشراك الإيطاليين في الأعمال الزراعية للمحافظة على هيبة إيطاليا بين المواطنين. وفي فبراير 1908 أعلن الوزير خبر أول امتياز منح للسنيور كاربانيني، وقال : (( أن العلاقة بين الملتزم والسكان ستعطينا أدق مقياس لتخطيط أراضي المملكة طبقاً للعادات المحلية والتقاليد والقانون الإسلامي وسيسمح لنا بأن نحدد بكل تأكيد أكثر الأراضي الشاغرة، وحقوق واحتياجات السكان)) وفي هذا مراوغة وغبن للمواطنين وأجبروهم على العمل بالسخرة ثم جعلوا من الإيطاليين الفاشست أصحاب الامتيازات حكاماً على الناس، وهذا أقصى درجات الظلم والجور والاستبداد. لقد تركت الحكومة لأصحاب الامتيازات أن يعينوا أي جزء من الأراضي يمتلكه الوطنيون، على أن تقوم الحكومة بالاستيلاء على أي جزء ما من الامتياز وفق الضرورة والحاجة إليها. وامتدت الامتيازات الإيطالية تملك الأراضي على طول وادي جوبا وشبيللي في واجهة واحدة. وعن تنفيذ وثيقة الامتلاك للامتيازات الإيطالية قال تيتوني في 13 فبراير 1908 (( بالرغم من شخصية الإحتلال التدريجي المسالم فقد تحدث هناك بعض المعارك الدموية فإذا ما حدث ذلك فإنه يجب أن نكون مستعدين لتلقي أخباره باتزان ورباطة جأش)) واستطرد قائلاً: (( أن الملتزمين يأخذون الأراضي على طول نهر جوبا، وأن الحكومة تحتفظ بحق حفر قنوات بين الملتزمين لتروي الأراضي حتى نهايتها))، ثم أنني على نظام استقدام العساكر الذين احتلوا وادي شبيللي الأدنى وبذلك تم التأكد من امتلاك الإيطاليين للأراضي في جوبا، ولكن فشل الملتزمون في الوفاء بالتزاماتهم ، وفي استغلال رأس المال في الأراضي التي انتزعوها من أيدي الشعب، ومع هذا لم تزرع معظم الأراضي فقد هرب أكثر العمال الزراعيين الصوماليين إلى المدن، غير راغبين في العمل بالسخرة تحت النظام الفاشستي، ولم يكن هناك سوى حفنة صغيرة من الرجال الصوماليين الذين لم يعبأوا بتعليمات الفاشست، وتمكنوا من حماية مزراعهم من السلب والنهب والبقاء فيها للعمل دون الاتجاه إلى المدن.


فرار العمال الصوماليين من مزارع الإيطاليين:

يظهر من الإحصاء الرسمي في عام 1941 أن العمال هجروا ست عزب من تسع عزب في ناحية أفجوي، وتعطل العمل في 36 عزبة، وهاجر العمال اثنتين وثلاثين عزبة من مجموع عزب جينالي البالغ عددها 136 عزبة، وكان العمل حسناً في خمس عزب في منطقة جوبا البالغ عدد عزبها أربعاً وثلاثون عزبة، وأن 500 عامل تقدموا للعمل في منطقة جينالي في الوقت الذي كان مطلوب فيه 8000 عامل. وكان هذا النقص في العمل يرجع إلى النظام الاستعماري الإيطالي في استغلال الأراضي والذي كان أشد فظاعة من سجن مقدوشوه، فقد كان يؤخذ الرجال والنساء والأولاد بالقوة من البادية ويحكم عليهم بقضاء فترة من العبودية والشخرة في مزارع الإيطاليين. وقد ورد في التقرير الرسمي الريطاني بعد احتلال صوماليا في عام 1941(( أن التعيينات من المواد الغذائية كانت غير كافية بدرجة مخجلة في الكمية والنوع، والرواتب اليومية كانت بين ليرة وثلاث ليرات في اليوم، وقد أجبر العزاب على الزواج من النساء اللواتي ولدن وتربين في المقاطعة. وكان المقيم السياسي يفرض العقاب على بعض المنحرفين من أصحاب العمل دون البعض الأخر، وكانت العقوبات وحشية وزائدة على النظام والطاعة، خمسون جلدة بسوط مصنوع من جلد فرس البحر، اما إذا كان الذنب للمرة الثانية فإن المذنب يعلق بالسلاسل المربوطة في عصا غليظة تحت إبطه وقد غلت يداه خلف ظهره ويترك على هذا الوضع ليتأرجح عدة ساعات وهو مدلى بحيث لاتصل أطراف أقدامه إلى الأرض ويظل كذلك حتى يموت)).

حالة السجون في صوماليا

يحدثنا رينل رود في كتابه ( الإدارة العسكرية البريطانية في افريقيا 41/1947) عن أحوال السجون في صوماليا فيقول : ( باستعرضنا أحوال السجون في صوماليا وجدنا أنها محزنة ومؤسفة من كافة الوجوه ولقد وجدنا أدلة كثيرة على الوحشية تجاه الوطنيين لا في السجون فحسب، ولكن في كل أنحاء البلاد من المعتمد الإيطالي وضباط البوليس، وقد وضع السجن المركزي في مقدشوه تحت قيادة الخفراء، وحالة السجون أسوأ ما تكون في مقدشوه وكسمايو وبيدوا ودانان وغيرها من سجون صوماليا. وقد جاء في سجل الإدارة العسكرية البريطانية في أرتريا وصوماليا (41/1943) : (( كان السجن المركزي في مقدشوه لنحو أربعمائة سجين يتكدسون في زنزانات تغطي حوائطها بالقازورات والأوساخ، وكانت من قبل تطلى دورياً بالجير. وكانت تنبعث منها الروائح الكريهة التي يمكن شمها على مسافة 200 ياردة، حتى أن الموظف الذي يفتش على السجون من قبل الإدارة يمرض بعد الزيارة فوراً، ومن المفروض أن يغتسل السجناء ولكن السجون لم تزود بالمياه)). (( وكان مقرراً أن يتناول المسجون طعام الإفطار، وأن يكون طعام الغداء من اللحم المحمر، ولكن لا يقدم لهم إفطار، أما وجبة الغذاء فلا تتعدى طبقاً من ماء الأرز. أما الحالة الصحية فمخجلة اذ أن معظم النزلاء كانوا يتألمون من قروح احتقانات)). (( وكان الحراس مجرد خفراء من أراذل الناس وحقرائهم وهم أميون عندهم ضرب من الشذوذ الجنسي الذي يجعل صاحبه يتلذذ بالقسوة وهم في حل من اتباع آداب السلوك والمعاملة، وغالباً ما يوضع ساق المذنب في خشبتين تشدان وتثبت بهما عراقيب الضحايا أياماً متواصلة، وكان أحد السجناء لايزال تحت العلاج من جروح ابتلي بها في صدره، وقد علق بين يديه المشدودتان خلفه، كما وضع في رجليه حذاء من حديد)). (( وفي محاولة فحص كافة الحالات ظهر أن أكثر من 70 نزيلاً لم يحاكموا على الإطلاق، وفي أغلب الحالات لم يكن هناك دليل يؤكد الحقائق، وليس هناك سجلات مضبوطة للجرائم التي حوكم من أجلها السجناء)). (( أن حكام النواحي وسكان داخل البلاد كثيراً ما أشاروا إلى حالات حكم فيها حكماً تعسفياً جائراً بمجرد كتابة خطاب إلى مدير الشجن يطلبون فيه سجن مواطنين لفترات مختلفة، والكثير ممن حكم عليهم بالأشغال الشاقة لم تمنحهم المحاكم أي حق في الاستئناف)). (( وفي بعض الحالات لا تسجل الجريمة ولا العقاب، وقد حدث أن أدين 20 رجلاً في عام 1940 باشتراكهم في معركة قبلية قتل فيها رجلان، ولم يعرف فيهما شخصية القاتل، ومن ثم أعدم فيها معظم المشتركين في المعركة، كما حكم على الباقي بمدد أقلها سبع سنوات)). (( وكان القضاة الفاشست في صوماليا يعتبرون المسجون مذنباً ما لم يبرهن على انه برئ. فإذا كان مذنباً حكم عليه بالأشغال الشاقة المؤبدة وقد يلقى حكماً أقل إذا أثبث أنه غير مذنب، هذا في حين أن القانون في كل العالم يقول (( أن المتهم برئ حتى تثبت إدانته)). ويستمر التقرير الرسمي البريطاني في وصف أحوال صوماليا في الفترة السابقة للإحتلال وما بعدها كأسباب هروب العمال الصوماليين، وإبعاد الموظفين الإيطاليين من صوماليا، والكراهية الحادة من جانب الصوماليين للإيطاليين، وعدم كفاءة البوليس الإيطالي، واحوال التعذيب والقسوة التي لا تطاق في داخل السجون، ومشاكل نقص الغذاء، وبلوغ الوفيات 60% في سجن مقدشوه ودانان، وترك الزراعة والإهمال المريع في المحافظة على الصحة وكوارث الملاريا التي عمت القطاع الجنوبي من البلاد، وتعطيل الحركة التعليمية..إلخ. ونكتفي بهذا الموجز التاريخي عن أحوال صوماليا خلال فترة حكم الإيطاليين على أن نلتقي بالمزيد في الكاتب التالي عن الثالوث الاستعماري ومشاكل الحدود قريباً بإذن الله.


التعليق


الفصل السابع

تقسيم الأراضي الصومالية

بعثت الحكومات الاستعمارية ( بريطانيا و إيطاليا و فرنسا ) بممثليها إلي أديس أبابا للتفاوض مع منليك الثاني إمبراطور أثيوبيا بشأن تقسيم الأراضي الصومالية إلي مناطق نفوذ و تعين الحدود. على نحو ما سنري في المفاوضات التالية:

أولاً – مفاوضات رينل رود مع إمبراطور أثيوبيا:

بدأ رينل رود ممثل بريطانيا سلسلة من المحادثات مع منليك الثاني في 28 أبريل سنة 1897 بسؤاله عن البيان أو الإعلان الخاص به، و الذي لم يعلم هو و حكومته ( بريطانيا ) عنه شيئاً، و قدم له منليك نسخة من خطابه الدوري فأنكر رود على الفور علمه به، بالرغم من أن الحكومة البريطانية كانت قد تسلمته عام 1891. إن السبب الوحيد الذي يمكن استنتاجه لعدم الاكتراث بمستند استعماري موجه إلي رؤساء دول أوروبا هو أنه كان يحمل في طياته مادة مبالغاً فيها و مشكوكاً في أمرها فلم يقابل بجدية، ولكن مرت ست سنوات على إصدار هذا الخطاب الذي يحوي مطالب إقليمية لا مبرر لها. <ref> راجع الفصل الخامس (صوماليا الحبشية) بشأن الخطاب الدوري. </ref>

و قد اعتقد رود أن منليك في خلال تلك السنوات كان منشغلاً تماما في تدعيم احتلاله، و على أية حال فإن زملاءه في البعثة اعترفوا بأن صعوبات شديدة حالت دون الحصول على معلومات دقيقة عن هذا الموضوع. و قد أكد رود في أول خطاب مستعجل قبل بدء المفاوضات أن التفاوض مع هذا الملك أمر صعب للغاية بسبب خطابه الدوري الذي أذيعت محتوياته و بقيت دون جدال، و بسبب تقدم منليك الفعال صوب أهدافه و لم يكن هذا الكلام صحيحاً تماماً، إذ أن مطالب مكونين إلي العشائر الصومالية قد حدث نزاع بشأنها. و قد تقدم البريطانيون بمطالب مضاده على أساس و إن كان استعمارياً كنظيره إلا أن تلك المطالب تخفت وراء ستار من الصدق تتقبله الدول الاستعمارية، و أذن فتأكيد رود بأن مكونين اشتدت قبضته على أقاليم اقيمت عليها ادعاءات بريطانية لا أساس له من الصحة، و لا يمكن أن يقال أن بيوكابوبا احتلت نهائياً إذ أن رود نفسه لمس ذلك في رحلته من الساحل، كما أنه كان يوجد شك فيما إذا كان العلم الحبشي قد رفع فوق جذع شجرة عند آلول و على أية حال فإن آلول اخليت بعد شهر أو شهرين، و أحترقت الأكواخ العشبية، و بناء على ذلك لا يوجد دليل آخر على احتلال فعلى من قبل الحبشة. على المرء إذن أن يستنتج أن رود شعر بصعوبة الأمر فيما يتعلق بقانونية الموقف قبل بدء مفاوضاته مع منليك، و لما فحص رفاقه البريطانيون نص الخطاب الدوري اعترفوا بأن البيان كان مبهماً في مسألة الحدود الشرقية الفعلية للحبشة، و وضحوا ذلك بأن ( ما يمكن تأكيده هنا هو أن البلاد التي يدورالاستعلام عنها قد احتلت حديثاً لدرجة أنه من المحال في الوقت الحاضر أن توضح النطاق الفعلي لسيادة منليك فيها، و لكن هنا – كما هو الحال في الحدود الجنوبية الشرقية – يظهر أن إغارات الأقاليم الجبلية ذات النطاق الواسع على السهول الساحلية صارت من الوسائل المألوفة التي بسط بها الأحباش نفوذهم ) ( و بما أن تسوية الحدود الجديدة بين الحكومة البريطانية و الحكومة الحبشية تكون إحدي موضوعات المناقشة الرئيسية بين بعثة جلالة ملكة بريطانيا و الإمبراطور منليك، فإن الأمر يستلزم الإشارة إليه هنا، و يكفي أن نقول أن مكونين كان قد أقام قلعة عند بيوكابوبا و هي ضمن حدود الجانب البريطاني كما هو موضح في المعاهدة البريطانية الفرنسية في مارس 1888، كما هو مبين في البروتوكول البريطاني الإيطالي في مايو 1894، و علاوة على ذلك فإن العلم الحبشي كان يرفع من وقت إلي آخر في آلول و هي ضمن أراضي جادابورسي). وهكذا بدأ رود بمفاوضات جدية مع منليك في 13 مايو، و قد وضع في ذهنه أن المشاكل معقدة للغاية حتى تترك رسالته المستعجلة الأولي فكرة سليمة عن اقتناعه قبل بدء المفاوضات بأن الإمتيازات التي خول حق منحها (إذا لزم الأمر) كان لا مفر منه، إذ كان لابد من الوصول إلي اتفاق بشأن مسألة الحدود، و هذه نتيجة هامة مرتبطة بالنتيجة السابقة و هي أنه لابد من الحصول على تأكيد من منليك بألا يقدم مساعدة إلي أي من الفرنسيين أو دراويش السودان. <ref> راجع الفصل الخامس بصومالند ((محمية الصومال البريطاني)) </ref>

وقد أعطي رود أهمية كبيرة لمسألة القلاع عند بيوكابوبا و جججة ( و هى في الحقيقة حظيرة إقليم حولها سور) و لمسألة العلم عند آلول، و بالرغم من ذلك فإنه كما يظهر من رسالة أخيرة تقول أن رود قد اتخذ طريقة هامة معقولة عند تقدمه للمفاوضات التي توصل إليها بالرغم من قلقه من إرتكاز منليك على مركزه القوي عند التفاوض. ( إنني أهتم كثيراً بحقيقة البيان الذي أعلمني به منليك و هو يطالب بأقاليم تكاد تكون أكثر من نصف محميتنا في الصومالند، تلك المحمية التي وضحت معالمها في معاهدة تحت اسم معاهدة أوتشيالي، كما فهمنا في ذلك الوقت. و لدينا من الأسباب ما يجعلنا نعتقد أن منليك نفسه كان على علم بها. أما عن المعاهدات التي أقمناها مع القبائل الموجودة في هذا الخط و يبدء تاريخها من عام 1884 – 1886 فأننا نعتقد أن حقوقنا إقيمت هناك على أسس قوية). و قال منليك (أنه بالتدبر في الطريقة التي أقيمت بها الحدود نجد أنكم تقدمتم حتى أبواب هرر ) فأشرت له إلي أن ( الحبشة هى التي تقدمت نحونا و أننا نحن الذين تصدينا لمصر في تلك الأقاليم، و أقمنا بأنفسنا معاهدات مع القبائل من الوطنيين، و ذلك قبل أن يصل الأحباش إلي هرر). و عندئذ أشار الإمبراطور مرة أخري إلي الحدود القديمة لأثيوبيا، فسألته (كيف يمكن النظر إلي الصوماليين الذين أقاموا في تلك المناطق منذ قرون على أنهم داخلون ضمن الحدود القديمة للحبشة؟). ثم شرح جلالته حينئذ المبدأ الشاذ القائل بأن الصوماليين منذ غابر الأزمان حتى الغزو الإسلامي كانوا يعملون رعاة للماشية لدي الأثيوبيين الذين لم يكونوا يستطيعون الحياة في الأراضي المنخفضة، و كان هؤلاء الرعاة ملزمين بدفع جزية من الماشية إلي أسيادهم من الأحباش و إلا تعرضوا للويل الشديد. فأجبت عليه بأننا ( لا نستطيع الأخذ بإدعاءات تقوم على مثل هذا الأساس، و أنه بمتقضي القانون الدولي المعترف به يجب التعرف على من كان يحتلها فعلا، و أننا كما وضحت من قبل أول من تصدوا لمصر). فقال الإمبراطور: ( دعني أذن أتعرف معك بوجهة النظر هذه و أن ما أفضله لكي لأعطي للفرنسيين فرصة للشكوي من التحيز في المعاملة، هو أن أرسم خطا يوازي الساحل يتفق مع ذلك وافقت عليه معهم، و أخص بالذكر أنه كان على بعد مائة كيلو متر من الساحل، و أن أعترف بالجانب المطل على البحر للمحمية البريطانية). فأشرت له في ردي إلي ( أن مثل هذا الترتيب لا يمكن قبوله في قضيتنا، لأن القبائل في المحمية البريطانية كانوا في معظم الأحوال من الرعاة المتجولين يغيرون مراعيهم وفقاً لتغير الفصول، و في حالة عمل أي تسوية يجب دراسة عادات القبائل و هجرتهم دراسة دقيقة قبل تثبيت أي حد). ( واعترف الإمبراطور نفسه بخيبة الأمل لعدم أخذي بآرائه على التو، فأخبرته بأنني على استعداد لمقابلته بروح مستعدة لتقديم بعض التنازل فإن اشتكي من اقترابنا إلي هرر فسأقترح عليه قطع المثلث الذي يقع بين بيوكابوبا و جلديسيا و مكانيس، و بذلك تنتقل قبيلة عيسى البيضاء إلي الحبشة، و يبعد خط الحدود قليلاً عن هرر، كما كنت على استعداد لتقديم بعض التسهيلات على الجانب الشرقي. لكنني اعتبرت أن قبائل جدابورسي و بعض القبائل الأخري المعروفة لا غني لنا عنها مراعاة للهدف الأساسي الذي من أجله أنشأنا المحمية، و يجب أن أذكر أن هذه التسهيلات من جانبنا قد اقترحناها بعد مناقشات مع الكابتن سواين. و يقرر الإمبراطور أن القبائل التي توجد في الجانب الشرقي من المحمية بعيدة عن سيطرة البريطانيين في الوقت الحاضر بينما كانت قبيلة عيسى البيضاء تعيش قريبة من النفوذ الحبشي منذ تشييد القلعة الحبشية التي استمرت ست أو سبع سنوات عند بيوكابوبا)

لقد كسب هرر بحق الغزو، و اعتبر أن تلك المناطق جزءاً لا يتجزأ من أقليم هرر و أكدت له أن الأمر ليس كذلك: لقد أقمنا في تلك البلاد قبل أن يجييء بحملته التي استولت على هرر و بالرغم من أنه قهر هرر فإنه لم يقهرنا، و لفت نظره إلي الخريطة، و إلي مكان المراعي التي كانت ترتادها القبائل تحت حمايتنا.) فأجاب جلالته بأنه لا يستطيع فهم معالم الخرائط بدرجة كافية حتى يستطيع الحكم – أليس من الأفضل الموافقة على بقاء الوضع الراهن كما هو؟. فأجاب بأن الوضع الراهن يجب أن تحدده اتفاقية لأنه كان من المستحسن معرفة الظروف الفعلية التي كان عليها الاحتلال إذ أن رأس مكونين كان قد رفع العلم في آلول يريد بذلك أقامة دعواه بأحقيتها، و ذلك ما لم نعترف بأحقيته فيه، و لم يكن جلالة الإمبراطور يعرف شيئاً عما حدث في آلول، و لكنه لما شعر بأنه عاجز تماماً عن أن يواصل مناقشة تحديد الخط بنفسه لعدم معرفته التامة بالقبائل أو البلاد فقد وعد بأنه سيرسل في طلب رأس مكونين، و فضل رود أن يقابل مكونين في هرر و لكنه قبل أن يغادر أديس أبابا، و طبقاً للأوامر التي صدرت إليه فإنه أراد أن يستلم تأكيداً من منليك أنه في حالة ما إذا كان من الممكن أن تحتل الحبشة أرضاً يسكنها صوماليون و كانوا تحت الحماية البريطانية من قبل فإنه يجب معاملتهم بالحسني، و ألا يفقدوا شيئاً نتيجة لانتقال السيادة، و تبادل الخطابات في هذا الشأن لتكون جزءاً لا يتجزأ من المعاهدة. و في هرر قام بين رود و مكونين نقاش طويل اعتبره رود مجهداً و متعباً، و ذلك بسبب الإدعاءات الحبشية المتغالي فيها. و الظرية التي تتمسك بها أن ملحقات هرر يجب أن تمتد إلي المحيط، و كان مكونين يعتنق نفس أراء منليك و قد كتب رود يقول: ( إنني هنا منذ البداية أدركت أن المنطق و الجدال لا فائدة منهما، بل أنهما مضيعة للوقت، و ذلك لأن مكونين بعد أن أصغي إلي طويلاً قدم خريطة إيطالية صغيرة و غير دقيقة رسم عليها خط بالطباشير الأحمر يبين مسافة 100 كيلو متر بعيداً عن الساحل و لكنه مواز لها تشبه تلك التي فعلها الفرنسيون، مبتدئة من نفس النقط التي يبدأ عندها طريق زيلع هرر ). و قد عبر رود عن دهشته إذ أنه نفس الاقتراح القديم بعث مرة أخري، و قال أنه لا يستطيع أن يتفاوض على مثل هذا الأساس و حينئذ رسم مكونين خطاً في منتصف الطريق يبين هذا الخط و الحدود الموضحة في البرتوكول البريطاني الإيطالي المنعقد في مايو سنة 1894 و ذكر أنه يبين لدرجة معقولة خط تقسيم مراعي فيه التساهل من الجانبين. و لم يكن رود على استعداد للأخذ بهذا النوع من الإقتراح، و لم يستطع مكونين من جهة أخري أن يدرك كيف يمكن للبريطانيين أن يطالبوا بأقاليم يقيم فيها رعايا أثيوبيون، و قد أقاموا فيها الأعمدة و القلاع. و هنا توقفت المفاوضات تقريباً، و كتب رود يقول ( و بدون استعداد ما لتدعيم مطالبنا بطريقة مقنعة أكثر مما فعلنا و على قدر فهمي من التعليات و على قدر نيتي في العمل فإن أي اتفاق سيكون مستحيلاً بدون تقديم تسهيلات أكثر مما إقترحت باديء الأمر). و في 4 يونية عام سنة 1897، حدث اعتراف الحبشة بالمحمية البريطانية الاستعمارية في صومالند، و ذلك عن طريق تبادل مذكرات تكون جزءاً لايتجزأ من المعاهدة، و الأجزاء المتعلقة بهذا الموضوع من المذكرات سنذكرها فيما يلي: من مستر رود إلي رأس مكونين: ( لقد فهمت أن جلالة إمبراطور أثيوبيا سيعترف بحدود المحمية البريطانية علىالساحل الصومالي، و سيعترف بالخط الذي يبدأ من المحيط عند النقطة المبينة في المعاهدة بين بريطانيا العظمي و فرنسا في 9 فبراير سنة 1888، و هي عند آران أراهي بالقرب من التقاء خط طول 44 درجة شرقاً مع خط عرض 9 درجة شمالاً، و من هذه النقطة رسم خط يتلاقي مع خط طول 47 درجة شرقاً مع خط 8 درجة شمالاً و من هنا سيتبع الخط الحدود المبينة في البرتوكول الإيطالي في 5 مايو سنة 1894 إلي أن يصل إلي البحر ). ((انظر خريطة رقم 9))

من رأس مكونين إلي مستر رود:

( إن حدود المحمية الصومالية البريطانية التي وافقنا عليها هى كما يلي، أنها من شاطيء البحر المواجه لآبار هادو، تلك التي وافقت عليها كل من الحكومة البريطانية و الحكومة الفرنسية في عام 1888، وتتبع طرق القوافل إلي آران عند خط طول 44 شرقاً و خط عرض 9 شمالاً ثم يسير على هيئة خط مستقيم إلي خط طول 47 شرقاً و خط عرض 8 شمالاً، و بعد ذلك تتبع الحدود الخط الذي وافقت كل من بريطانيا و إيطاليا في 5 مايو سنة 1894 إلي أن يصل البحر). إن تبادل الخطابات كان يحمل في طياته اعترافاً من جانب الحبشة بصحة الحدود الإنجليزية الفرنسية الموضحة سنة 1888 و المبينة في البروتوكول الإيطالي الإنجليزي سنة 1894. و قد أعلن رود قائلاً: ( لقد نجحت في التخلص من أي سفسفة استخدمها الأحباش في أن نعترف بحقوق لهم خلف حدودنا). لقد قال رود بأنه حاول أن يصل بالحدود إلي آبار ميل ميل تلك التي تتقابل مع الحدود المبينة في البروتوكول الإنجليزي الإيطالي المنعقد في عام 1894، و لكن رأس مكونين من جهته ناضل من أجل الحصول على مد الحدود إلي التقاء خط العرض 9 شمالاً مع خط الطول 48 شرقاً. و وافق رود على حل وسط و كان هذا الحل للأسف الشديد في رأي الكابتن سواين الإنجليزي ( لا يتضمن تنازلاً عن أراضي هامة بالنسبة لنا ما دام يوجد ضمان لحقوق الرعي و السقي في أقصى خط الحدود). و أضاف رود قائلاً: ( أنه وفقاً لما لدي من تعليمات أري أنه من الضروري لي هنا كما كانت الحال كذلك من قبل أثناء كتابة مسودة المادة الثامنة من المعاهدة أن أجد وسيلة تتضمن إعتراف الحبشة بمحميتنا دون الإعتراف من جانبنا بأية حال من الأحوال بأي تنازل لها ). ( و قد كان من بين التعليمات التي لدي أن أتجنب ذكر أي من الدعاوي الإيطالية، و لكنني وجدت خلال المناقشات أن الخط الموضح في البروتوكول الإنجليزي الإيطالي كان حداً تاريخياً معترفاً به، و قد أشار رأس إليه مراراً بأنه يبين أقصي حد للإدعاءات البريطانية في مسألة الممتلكات التي نحن بصددها، لذلك فإنه يظهر أنه ما كان يمكنني أن أخاطر بأن اقحم نفسي في إثارة أي نزاع بالإشارة إلي هذا الحد. أما المناطق التي خلف الحدود البريطانية من جهة الغرب فقد ظهر أنها معروفة على العموم بأنها تحت النفوذ الإيطالي). و ما الذي حققه رود ؟ أن هدفه كان الإبقاء على حياد منليك في النضال الإستعماري بين بريطانيا و دراويش السودان كي يضمن ألا تكون الحبشة قاعدة فرنسية يمكن التقدم منها إلي شرق النيل، و أن أهم شيء حصل عليه رود هو أن يتعهد الإمبراطور بألا يعطي سلاحاً للدراويش و أن يعطي تأكيداً بعدم معاونتهم في الحرب التي تقوم ضد البريطانيين. و ما الذي خسره رود؟ لقد أدرك رود أن معظم الناس في المنطقة رعـويون متنقلون يغيرون مراعيهم لتغير الفصول و في اتخاذ أي تسويات يجب دراسة عادات و هجرات القبائل دراسة وافية قبل تثبيت أي حد من الحدود. و لقد أخذ في الاعتبار إلي حد ما بتلك المباديء خلال المفاوضات بين البريطانيين و الإيطاليين تحت اسم بروتوكول عام 1895، و لكن تلك الحدود لم تتفق و نظام الحركات الرعـوية الدائرية التي وضعت أساسها لجنة تخطيط الحدود البريطانية الحبشية في عام 1943. إن تغير نظام الحدود الاستعماري الذي تبين لنا في الساحات التي تهتم بدراستها، أن الحكومة البريطانية قد عقدت 1897 معاهدة مع الحبشة دون موافقة أو علم الصوماليين، و هى معاهدةبالرغم من أنها لم تحدث تغيراً في طبيعة الأحباش في الغزو و الإتساع، إلا أنها ( بريطانيا ) تخلت عن أرض يملكها أناس تحت الحماية البريطانية مكتفية بضمان إستقلالهم، و كان من الطبيعي أن يكون رد فعل الصوماليين عنيفاً، و خلال الاضطرابات التي نتجت عن تنازل البريطانيين عن أراضي صومالية للحبشة أن قتل هريتز المندوب المساعد في القطاع الحبشي العضو في لجنة تحديد الحدود الاستعمارية، كما نزع الكثير من أعمدة الحدود.

ثانياً – مفاوضات نرازيني مع إمبراطور أثيوبيا:

لم تكن المعاهدة الثنائية بين بريطانيا و الحبشة معاهدة ودية تتقف مع معاهدات الحماية البريطانية السابقة التي عقدت مع عشائر الصوماليين، و من المحقق أنها أثرت على المفاوضات الخاصة بتأمين الحدود بين إيطاليا و الحبشة التي تلت زيارة رود للحبشة مباشرة ففيها لم توقع معاهدات أو محالفات و لكن عين خط وهمي نتيجة للمباحثات المباشرة بين الميجور نرازيني ممثل الحكومة الإيطالية و الإمبراطور منليك الثاني، معتمدين على خريطة عادية رسم عليها خط الحدود متتبعاً خط الحدود الذي يمتد 180 ميلاً موازياً لساحل المحيط الهندي و يتقابل في شمال برديرا و اقتني منليك نسخة واحدة من الخريطة ( خريطة فون هابنيخت 1891 ) و اعيدت الأخري إلي إيطاليا. إن رسالة من وكالة ستيفاني للأنباء أعلنت في 9 أغسطس 1897 أن خط الحدود يسير مسافة 180 ميلاً من الشاطيء، و لم يكن هناك تحديد زمني لاتخاذ قرارات من قبل الحكومة الإيطالية تلك التي تركت حرة في أن تقبل أو ترفض خط الحدود المقترح، و قد ترك خط الحدود الحالي ثابتاً دون تغير طوال ذلك الوقت كأمر واقع و لم يجر أي تغيير في الوضع الراهن حتى عام 1908، أكثر من تلغراف مزعوم أرسل في 3 سبتمبر 1897 من الحكومة الإيطالية إلي منليك و هذا التلغراف يعني قبول الخط المقترح في 1908. و دخل الكابتن نرازيني في اتفاق مع منليك محاولاً بذلك أن يسوي نهائياً الحدود بين المملكات الإيطالية في صومالند و بني أقاليم الإمبراطورية الأثيوبية، و أن المواد من الأولي إلي الرابعة من الاتفاق تفصل القبائل الصومالية بعضها عن بعض، فبعضها كان تحت التبعية الحبشية، و الأخرى تحت التبعية الإيطالية أما الرابعة ففصلت جزءاً من الحدود كما يلي: - تتخذ الحدود من وادي شبيللي شمالاً اتجاهاً شرقياً وفقاً للخط الذي قبلته الحكومة الإيطالية في عام 1897 و كل الأراضي التي تمتلكها القبائل نحو الساحل يجب أن تبقي تحت النفوذ الإيطالي، و كل أراضي الأوجادين وكل ممتلكات القبائل تجاه الأوجادين يجب أن تبقي تحت النفوذ الحبشي. ((انظر الخريطة رقم 9)). و في المادة الخامسة تتعهد كل من الحكومتين أن تثبت على الأرض بطريقة مادية، و في أدني وقت ممكن خط الحدود الموضح سابقاً، و لكن لم تكن كل من إيطاليا و الحبشة على استعداد للموافقة على الخط الاستعماري الذي قبلته الحكومة الإيطالية عام 1897 لأنه لم يكن يمكن الحصول على خريطتي هابنيخت وفق المفاوضات الأخيرة والتي قامت قبل استقلال صوماليا. و دون اعتبار للسلطات الصومالية حبذت إيطاليا خطاً يبعد عن الساحل مسافة 180 ميلاً، و لكن الحبشة على عكس الرأي الذي عبرت عنه في مذكراتها لعام ذ934 نادت بأن الرسم الموجود في ملحق كتاب كاروسللي المسمي ( النار و السيف في صومالند ) يشمل على صورة أخرى من خط الحدود المرسوم في خريطة هابنيخت ذلك الذي يقصد وجهة النظر الحبشية و ينص على خط هابنيخت أقل من 180 ميلاً من الساحل. و مهما كان من أمر الاتفاق حول تخطيط مناطق النفوذ ما بين إيطاليا و الحبشة تلك الاتفاقية التي تلت المحادثات بين رود و منليك لمدة أسبوع أو ما يزيد فإن نرازيني لابد و أنه قد أدرك شيئاً عن خط تعين الحدود الذي عينه رود، هذا الخط الذي عينه الحد الجغرافي في المرسوم عند تلاقي خط طول 47 و خط عرض 8 شمالاً.

ثالثاً – مفاوضات لاجارد مع إمبراطور أثيوبيا:

وقع الفرنسيون ميثاقاً مع منليك قبل وصول رود مباشرة بقبولهم توصياتها في مطالب المحمية على الساحل الصومالي، و كان يمثلهم في ذلك المسيو لاجارد ذلك الذي أرسل إلي منليك و معه 100 ألف بندقية و أوامر بعقد معاهدة. و في 14 مارس 1897، أمر لاجارد في أديس أبابا أن يحث الإمبراطور ليدفع بقواته إلي الضفة اليمني للنيل بالقرب من فاشودة، و كان ذلك لا مفر منه، و كان اقتراب قافلة رود من الأسباب التي أدت إلي ضرورة الإسراع، و قد ترك لاجارد أديس أبابا قبل وصول رود بأيام، و فيما عدا جزء من الحدود الجديدة على الساحل لم يكن يعلم بشيء عن بقية المفاوضات مع منليك إذ أنها سارت في جو من الكتمان، و قد ظن رود أن لاجارد خذل خذلاناً كبيراً في المفاوضات، و أعلن أنه بدلاً من أن يزيد من حدوده كما كان متوقعاً فإنه قنع بتحديد المستعمرة بحزام ضيق حوالي مائة كيلو متر بعيداً عن البحر. و لم يعلم رود بدخول فرنسا في حلف مع الحبشة يقضي بمنح سلطة لمنليك على الضفة اليمني للنيل الأبيض ليعاون الفرنسيين على الضفة اليسرى كما لم يتحقق رود من قصد إقامة الأمير هنري أمير أورليان في عاصمة الحبشة و أعلن رود قائلاً: ( أنه يستعد للقيام بحملة إلي إقليم كافا، و لكن من المحتمل جداً أن يكون هدفه هو وادي النيل ). و في الحقيقة لم يكن كلا الأمرين صحيحاً إذ أنه كان بعد العدة لانتزاع الإقليم الإستوائي الأثيوبي، ذلك الذي عين فيه منليك حاكما روسيا يدعي الكونت ليونتي و هو شخصية مريبة، و يقال بأن ذلك الإقليم كان يشمل الأراضي الواقعة بين جوبا و كل من النيل الأزرق و أرض جالا و الأورمو و بحيرة رودلف وتلك ستوصل الممتلكات الأثيوبية إلي الخرطوم و أغندة، و لكن منليك من جهة أخرى كان في نيته مساندة من سيكسب الحرب و النضال من الأوروبيين، و لكن الأمر انتهي في قاشودة بحادثة سخيفة و هي التي انتهت بتقدم كتشنر الإنجليزي و إفزاع فئة من الناس ( الفرنسيين ) كانت تعسكر على جانب النيل. و هكذا فإن الدليل الذي في أيدينا الآن يجعلنا نميل إلي ألا نصدق تأكيد رود بأن الفرنسيين كان لهم إهتمام كبير في الدنافل أو في الأراضي الصومالية الساحلية، و أن انسحاب الفرنسيين إلي الساحل وفقاً لأمر منليك، يظهر أنه لبي إلي حد ما، نظراً إلي مطامعهم في أماكن أخرى، و أن الإبقاء على الأرض الصومالية المنخفضة من المحتمل المطالبة بها دون حاجة إلي اقناع كبير. و في الميثاق الفرنسي الحبشي عام 1897 كان الفرنسيون كالبريطانيين قد تخلوا عن التزاماتهم القانونية و الإدارية المرتبطة بمعاهدة الحماية مع قبيلة عيسى الصومالية الذين حصلوا منهم على ميناء جيبوتي، و ذلك بأن تخلوا عن ممتلكات عيسى في الأراضي الداخلية في 20 مارس سنة 1897 للحبشة. ((انظر الخريطة رقم 9)).

التعليق


إنه من المفيد أن نقارن بين صحة بيانات معاهدة الحدود الإدارية ( 1897) و حدود التوسع الحبشي كما وصفها الدكتور سميث المكتشف الأمريكي الذي سافر من خليج عدن إلي بحيرة رودلف حوالي ذلك الوقت فكتب يقول في 24 نوفمبر سنة 1896( خط يسير من أمي على نهر سبيللي إلي نقطة تقع على النهر تحت يونجا في كافا و سوف يميز الحدود الجنوبية لأي بلد يمكن للإمبراطور منليك أن يطالب بها أما بالإحتلال السلمي أو بعقد محالفات مع الرؤساء الوطنيين أو بالغزو. أما باقي الغرب فإن الحبشة يربطها بها خط يتجه شمالاً و جنوباً على طولي الحدود الغربية لكافا).

الهامش

<references/>