إنجيل برنابا

من معرفة المصادر

محتويات

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

الإنجيل الصحيح لعيسى المسمى المسيح

  (( نبي جديد مرسل من الله إلى العالم بحسب رواية برنابا رسوله ))

برنابا رسول يسوع الناصري المسمى المسيح يتمنى لجميع سكان الأرض سلاماً وعزاء .

أيها الأعزاء إن الله العظيم العجيب قد افتقدنا في هذه الأيام الأخيرة بنبيه يسوع المسيح برحمة عظيمة للتعليم والآيات التي اتخذها الشيطان ذريعة لتضليل كثيرين بدعوى التقوى ، مبشرين بتعليم شديد الكفر ، داعين المسيح ابن الله ، ورافضين الختان الذي أمر به الله دائما ، مجوزين كل لحم نجس ، الذين ضل في عدادهم أيضا بولس الذي لا أتكلم عنه إلا مع الأسى ، وهو السبب الذي لأجله أسطر ذلك الحق الذي رأيته وسمعته أثناء معاشرتي ليسوع لكي تخلصوا ولا يضلكم الشيطان فتهلكوا في دينونة الله ، وعليه فاحذروا كل أحد يبشركم بتعليم جديد مضاد لما أكتبه لتخلصوا خلاصا أبديا . وليكن الله العظيم معكم وليحرسكـم من الشيطان ومن كل شـر آمين اهـ .                       (( بشرى جبريل للعذراء مريم بولادة المسيح ))  لقد بعث الله في هذه الأيام الأخيرة بالملاك جبريل إلى عذراء تدعى مريم من نسل داود من سبط يهوذا ، بينما كانت هذه العذراء العائشة بكل طهر بدون أدنى ذنب المنزهة عن اللوم المثابرة على الصلاة مع الصوم يوما ما وحدها وإذا بالملاك جبريل قد دخل مخدعها وسلم عليها قائلا : ليكن الله معك يا مريم . فارتاعت العذراء من ظهور الملاك ، ولكن الملاك سكن روعها قائلا : لا تخافي يا مريم لأنك قد نلت نعمة من لدن الله الذي اختارك لتكوني أم نبي يبعثه إلى شعب إسرائيل ليسلكوا في شرائعه بإخلاص . فأجـابت العذراء : وكيف ألد بنين وأنا لا أعرف رجلا . فأجاب الملاك : يا مريم إن الله الذي صنع الإنسان من غير إنسان لقادر أن يخلق فيه إنسانا من غير إنسان لأنه لا محال عنده . فأجابت مريم : إني لعالمة أن الله قدير فلتكن مشيئته . فقال الملاك : كوني حاملاً بالنبي الذي ستدعينه يسوع ، فامنعيه الخمر والمسكر وكل لحم نجس لأن الطفل قدوس الله . فانحنت مريم بِضَعَة قائلة : ها أنا ذا أمة الله فليكن بحسب كلمتك . فانصرف الملاك ، أما العذراء فمجدت الله قائلة : اعرفي يا نفس عظمة الله ، وافخري يا روحي بالله مخلصي ، لأنه رمق ضعة أمته ، وستدعوني سائر الأمم مباركة ، لأن القدير صيّرني عظيمة ، فليتبارك اسمه القدوس لأن رحمته تمتد من جيل إلى جيل للذين يتقونه ، ولقد جعل يده قوية فبدد المتكبر المعجب بنفسه ، ولقد أنزل الأعِزاء من عن كراسيهم ورفع المتضعين ، أشبع الجائع بالطيبات وصرف الغني صفر اليدين ، لأنه يذكر الوعود التي وعد بها إبراهيم وابنه إلى الأبد .


الفصل الثاني

(( إنباء الملاك جبريل يوسف بحبل العذراء مريم ))

أما مريم فإذ كانت عالمة مشيئة الله وموجسة خيفة أن يغضب الشعب عليها لأنها حبلى ليرجمها كأنها ارتكبت الزنا اتخذت لها عشيرا من عشيرتها قويم السيرة يدعى يوسف ، لأنه كان بارا متقيا لله يتقرب إليه بالصيام والصلوات ويرتزق بعمل يديه لأنه كان نجارا ، هذا هو الرجل الذي كانت تعرفه العذراء واتخذته عشيرا وكاشفته بالإلهام الإلهي ، ولما كان يوسف بارا عزم إذ رأى مريم حبلى على إبعادها لأنه كان يتقي الله ، وبينا هو نائم إذا بملاك الله يوبخه قائلا : لماذا عزمت على إبعاد امرأتك ، فاعلم أن ما كون فيها إنما كوّن بمشيئة الله فستلد العذراء ابنا ، وستدعونه يسوع ، وتمنع عنه الخمر والمسكر وكل لحم نجس ، لأنه قدوس الله من رحم أمه فإنه نبي من الله أرسل إلى شعب إسرائيل ليحول يهوذا إلى قلبه ، ويسلك إسرائيل في شريعة الرب كما هو مكتوب في ناموس موسى ، وسيجيء بقوة عظيمة يمنحها له الله ، وسيأتي بآيات عظيمة تفضي إلى خلاص كثيرين . فلما استيقظ يوسف من النوم شكر الله وأقام مع مريم كل حياته خادما لله بكل إخلاص .

الفصل الثالث

(( ولادة المسيح العجيبة وظهور الملائكة ممجدين لله ))

كان هيرودس في ذلك الوقت ملكا على اليهودية بأمـر قيصر أوغسطس ، وكان بيلاطس حاكما في زمن الرياسة الكهنوتية لحنان وقيافا ، فعملا بأمر قيصر اكتتب جميع العالم ، فذهب إذ ذاك كل إلى وطنه وقدموا نفوسهم بحسب أسباطهم لكي يكتتبوا ، فسافر يوسف من الناصرة إحدى مدن الجليل مع امرأته وهي حبلى ذاهبا إلى بيت لحم ( لأنها كانت مدينته وهو من عشيرة داود ) ليكتتب عملا بأمر قيصر ، ولما بلغ بيت لحم لم يجد فيها مأوى إذ كانت المدينة صغيرة وحشد جماهير الغرباء كثيرا ، فنزل خارج المدينة في نزل جعل مأوى للرعاة ، وبينما كان يوسف مقيما هناك تمت أيام مريم لتلد ، فأحاط بالعذراء نور شديد التألق ، وولدت ابنها بدون ألم ، وأخذته على ذراعيها ، وبعد أن ربطته بأقمطة وضعته في المذود ، إذ لم يوجد موضع في النزل ، فجاء جوق غفير من الملائكة إلى النزل بطرب يسبحون الله ويذيعون بشرى السلام لخائفي الله ، وحمدت مريم ويوسف الله على ولادة يسوع وقاما على تربيته بأعظم سرور .

الفصل الرابع

(( الملائكة تبشر الرعاة بولادة يسوع ، وهؤلاء يبشرون به بعد رؤيتهم إياه ))

كان الرعاة في ذلك الوقت يحرسون قطيعهم على عادتهم ، وإذا بنور متألق قد أحاط بهم وخرج من خلاله ملاك سبح الله ، فارتاع الرعاة بسبب النور الفجائي وظهور الملاك ، فسكن روعهم ملاك الرب قائلا : ها آنذا أبشركم بفرح عظيم ، لأنه قد ولد في مدينة داود طفل نبي للرب الذي سيحرز لبيت إسرائيل خلاصا عظيما ، وتجدون الطفل في المذود مع أمه التي تسبح الله ، وإذ قال هذا حضر جوق عظيم من الملائكة يسبحون الله ، ويبشرون الأخيار بسلام ، ولمـا انصرفت الملائكة تكلم الرعاة فيما بينهم قائلين : لنذهب إلى بيت لحم وننظر الكلمة التي كلمنا بها الله بواسطة ملاكه ، وجاء رعاة كثيرون إلى بيت لحم يطلبون الطفل المولود حديثا ، فوجدوا الطفل المولود مضطجعا في المذود خارج المدينة حسب كلمة الملاك ، فسجدوا له وقدموا للأم ما كان معهم وأخبروها بما سمعوا وأبصروا ، فأسرّت مريم هذه الأمور في قلبها ويوسف أيضا شاكرين لله ، فعاد الرعاة إلى قطيعهم يقولون لكل أحد ما أعظم ما رأوا ، فارتاعت جبال اليهودية كلها ، ووضع كل رجل الكلمة في قلبه قائلا : ما سيكون هذا الطفل  يا ترى .

الفصل الخامس

(( ختان يسوع ))

فلما تمت الأيام الثمانية حسب شريعة الرب كما هو مكتوب في كتاب موسى أخذا الطفل واحتملاه إلى الهيكل ليختناه ، فختنا الطفل وسمياه يسوع كما قال الملاك قبل أن حبل به في الرحم  ، فعلمت مريم ويوسف أن الطفل سيكون لخلاص وهلاك كثيرين ، لذلك اتقيا الله وحفظا الطفل وربياه على خوف الله .

الفصل السادس

(( نجم في المشرق يهدي ثلاثة من المجوس إلى اليهودية ، فيرون يسوع ويسجدون ويقدمون له هدايا ))

لما ولد يسوع في زمن هيرودس ملك اليهودية كان ثلاثة من المجوس في أنحاء المشرق يرقبون نجوم السماء ، فتبدى لهم نجم شديد التألق فتشاوروا من ثم فيما بينهم وجاءوا إلى اليهودية يهديهم النجم الذي يتقدمهم ، فلما بلغوا أورشليم سألوا : أين ولد ملك اليهود . فلما سمع هيرودس ذلك ارتاع واضطربت المدينة كلها فجمع من ثم هيرودس الكهنة والكتبة قائلا : أين يولد المسيح . فأجابوا : إنه يولد في بيت لحم لأنه مكتوب في النبي هكذا ( وأنت يا بيت لحم ست صغيرة بين رؤساء يهوذا لأنه سيخرج منك مدبر يرعى شعبي إسرائيل ) ، فاستحضر هيرودس إذ ذاك المجوس وسألهم عن مجيئهم ، فأجابوا : أنهم رأوا نجما في المشرق هداهم إلى هناك ، فلذلك أحبوا أن يقدموا هدايا ويسجدوا لهذا الملك الجديد الذي تبدى لهم نجمه . فقال حينئذ هيرودس : اذهبوا إلى بيت لحم وابحثوا بتدقيق عن الصبي ، ومتى وجدتموه تعالوا وأخبروني لأني أنا أيضا أريد أن أسجد له ، وهو إنما قال ذلك مكرا .


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

الفصل السابع

(( زيارة المجوس ليسوع وعودتهم إلى وطنهم ، عملا بإنذار يسوع إياهم في حلم ))

​وانصرف المجوس من أورشليم ، وإذا بالنجم الذي ظهر لهم في المشرق يتقدمهم ، فلما رأوا النجم امتلأوا سرورا ، ولما بلغوا بيت لحم وهم خارج المدينة وجدوا النجم واقفا فوق النزل حيث ولد يسوع ، فذهب المجوس إلى هناك ، ولما دخلوا المنزل وجدوا الطفل مع أمه ، فانحنوا وسجدوا له ، وقدم له المجوس طيوبا مع فضة وذهب ، وقصوا على العذراء كل ما رأوا ، وبينما كانوا نياما حذرهم الطفل من الذهاب إلى هيرودس ، فانصرفوا في طريق أخرى وعادوا إلى وطنهم وأخبروا بما رأوا في اليهودية . 

الفصل الثامن

(( الهرب بالمسيح إلى مصر وقتل هيرودس الأطفال ))

فلما رأى هيرودس أن المجوس لم يعودوا إليه ظن أنهم سخروا منه ، فعقد النية على قتل الطفل الذي ولد ، ولكن بينما كان يوسف نائما ظهر له ملاك الرب قائلا : انهض عاجلا وخذ الطفل وأمه واذهب إلى مصر لأن هيرودس يريد أن يقتله . فنهض يوسف بخوف عظيم وأخذ مريم والطفل وذهبوا إلى مصر ، ولبثوا هناك حتى موت هيرودس الذي حسب أن المجوس قد سخروا منه ، فأرسل جنوده ليقتلوا كل الأطفال المولودين حديثا في بيت لحـم ، فجاء الجنود وقتلوا كل الأطفال الذين كانوا هناك كما أمرهم هيرودس ، حينئذ تمَّت كلمات النبي القائل ( نواح وبكاء في الرامة ، راحيل تندب أبناءها وليس لها تعزية لأنهم ليسوا بموجودين ) .

الفصل التاسع

(( يسـوع يحــاج العلماء بعد رجـوعـه إلى الـيـهودية ، وبلوغـه اثني عشر عـامـا من الـعـمـر ))

ولما مات هيرودس ظهر ملاك الرب في حلم ليوسف قائلا : عد إلى اليهودية لأنه قد مات الذين كانوا يريدون موت الصبي ، فأخذ يوسف الطفل ومريم ( وكان الطفل بالغا سبع سنين من العمر ) وجاء إلى اليهودية حيث سمع أن أرخيلاوس بن هيرودس كان حاكما في اليهودية ، فذهب إلى الجليل لأنه خاف أن يبقى في اليهودية ، فذهبوا ليسكنوا في الناصرة ، فنما الصبي في النعمة والحكمة أمام الله والناس ، ولما بلغ يسوع اثنتي عشرة سنة من العمر صعد مع مريم ويوسف إلى أورشليم ليسجد هناك حسب شريعة الرب المكتوبة في كتاب موسى ، ولما تمت صلواتهم انصرفوا بعد أن فقدوا يسوع ، لأنهم ظنوا أنه عاد إلى الوطن مع أقربائهم ، ولذلك عادت مريم مع يوسف إلى أورشليم ينشدان يسوع بين الأقرباء والجيران ، وفي اليوم الثالث وجدوا الصبي في الهيكل وسط العلماء يحاجهم في أمر الناموس ، وأعجب كل أحد بأسئلته وأجوبته قائلا : كيف أوتي مثل هذا العلم وهو حدث ولم يتعلم القراءة . فعنفته مريم قائلة : يا نبي ماذا فعلت بنا فقد نشدتك وأبوك ثلاثة أيام ونحن حزينان . فأجاب يسوع : ألا تعلمين أن خدمة الله يجب أن تقدم على الأب وألام . ثم نزل يسوع مع أمه ويوسف إلى الناصرة ، وكان مطيعا لهما بتواضع واحترام .  

الفصل العاشر

(( يسوع وهو ابن ثلاثين سـنة ، يتـلـقى عـلى جبـل الزيتـون الإنجيـل من المـلاك جبريــل ))

ولما بلغ يسوع ثلاثين سنة من العمر كما أخبرني بذلك نفسه صعد إلى جبل الزيتون مع أمه ليجني زيتونا ، وبينما كان يصلي في الظهيرة وبلغ هذه الكلمات ( يارب برحمه .. ) وإذا بنور باهر قد أحاط به وجوق لا يحصى من الملائكة كانوا يقولون ( ليتمجد الله ) ، فقدم له الملاك جبريل كتابا كأنه مرآة براقة ، فنزل إلى قلب يسوع الذي عرف به ما فعل الله وما قال الله وما يريد الله حتى أن كل شيء كان عريانا ومكشوفا له ، ولقد قال لي : ( صدق يا برنابا أني أعرف كل نبي وكل نبوة وكل مـا أقوله إنما قد جاء من ذلك الكتاب ) . ولما تجلت هذه الرؤيا ليسوع وعلم أنه نبي مرسل إلى بيت إسرائيل كاشف مريم أمه بكل ذلك قائلا لها : أنه يترتب عليه احتمال اضطهاد عظيم لمجد الله وأنه لا يقدر فيما بعد أن يقيم معها ويخدمها . فلما سمعت مريم هذا أجابت : ( يا بني إني نبئت بكل ذلك قبل أن تولد فليتمجد اسم الله القدوس ) . ومن ذلك اليوم انصرف يسوع عن أمه ليمارس وظيفته النبوية .

الفصل الحادي عشر

(( يسوع يشفي الأبرص ويذهب إلى أورشليم ))

ولما نزل يسوع من الجبل ليذهب إلى أورشليم التقى بأبرص علم بإلهام إلهي أن يسوع نبي ، فتضرع إليه باكيا قائلا : يا يسوع بن داود ارحمني ، فأجاب يسوع : ماذا تريد أيها الأخ أن أفعل لك ، فأجاب الأبرص : يا سيدي أعطني صحة ، فوبخه يسوع قائلا : إنك لغبي اضرع إلى الله الذي خلقك وهو يعطيك صحة لأنني رجل نظيرك ، فأجاب الأبرص أعلم يا سيدي أنك إنسان ولكنك قدوس الرب فاضرع إذا إلى الله وهو يعطيني صحة ، فتنهد يسوع وقال : أيها الرب الإله القدير لأجل محبة أنبيائك الأطهار أبرئ هذا العليل ، ولما قال ذلك لمس العليل بيديه وقال : باسم الله أيها الأخ ابرأ ، ولما قال ذلك برئ من برصه حتى أن جسده الأبرص أصبح كجسد طفل ، فلما رأى الأبرص ذلك وعلم أنه قد برئ صرخ بصوت عال : تعال إلى هنا يا إسرائيل وتقبل النبي الذي بعثه الله إليك ، فرجاه يسوع قائلا : أيها الأخ أصمت ولا تقل شيئا ، فلم يزده الرجاء إلا صراخا قائلا : هاهو ذا النبي هاهو ذا قدوس الله ، فلما سمع هذه الكلمات كثيرون من الذين كانوا ذاهبين إلى أورشليم رجعوا مسرعين ، ودخلوا أورشليم مع يسوع وقصوا ما صنع الله للأبرص بواسطة يسوع .


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

الفصل الثاني عشر

(( الموعظة الأولى التي ألقاها يسوع على الشعب وغرائبها ، من حيث ما يتعلق منها بـإسم الله ))

فاضطربت المدينة كلها لهذه الكلمات ، وأسرع الجميع إلى الهيكل ليروا يسوع الذي دخل إليه ليصلي حتى ضاق بهم المكان ، فتقدم الكهنة إلى يسوع قائلين : إن هذا الشعب يحب أن يراك ويسمعك فارتق إذا الدكة وإذا أعطاك الله كلمة فتكلم بها بإسم الرب ، فارتقى يسوع الموضع الذي اعتاد الكتبة التكلم فيه ، وإذ أشار بيده إيماءا للصمت فتح فاه قائلا : تبارك اسم الله القدوس الذي من بسرّه ورحمته أراد فخلق خلائقه ليمجدوه ، تبارك اسم الله القدوس الذي خلق نور جميع القديسين والأنبياء قبل كل الأشياء ليرسله لخلاص العالم كما تكلم بواسطة عبده داود قائلا : ( قبل كوكب الصبح في ضياء القديسين خلقتك ) ، تبارك اسم الله القدوس الذي خلق الملائكة ليخدموه ، وتبارك الله الذي قاص وخذل الشيطان وأتباعه الذين لم يسجدوا لمن أحب الله يسجد له ، تبارك اسم الله القدوس الذي خلق الإنسان من طين الأرض وجعله قيما على أعماله ، تبارك اسم الله القدوس الذي طرد الإنسان من الفردوس لأنه عصا أوامره الطاهرة ، تبارك اسم الله القدوس الذي برحمته نظر بإشفاق إلى دموع آدم وحواء أبوي الجنس البشري ، تبارك اسم الله القدوس الذي قاص بعدل قايين قاتل أخيه وأرسل الطوفان على الأرض وأحرق ثلاث مدن شريرة وضرب مصر وأغرق فرعون في البحر الأحمر وبدد شمل أعداء شعبه وأدب الكفرة وقاص غير التائبين ، تبارك اسم الله القدوس الذي برحمته أشفق على خلائقه فأرسل إليهم أنبياءه ليسيروا في الحق والبر أمامه ، الذي أنقذ عبيده من كل شر وأعطاهم هذه الأرض كما وعد أبانا إبراهيم وابنه إلى الأبد ، ثم أعطانا ناموسه الطاهر على يد عبده موسى لكي لا يغشنا الشيطان ورفعنا فوق جميع الشعوب ، ولكن أيها الإخوة ماذا نفعل اليوم لكي لا نجازى على خطايانا ؟ وحينئذ وبخ يسوع الشعب بأشد عنف لأنهم نسوا كلمة الله وأسلموا أنفسهم للغرور فقط ، ووبخ الكهنة لإهمالهم خدمة الله ولجشعهم ، ووبخ الكتبة لأنهم علَّموا تعاليم فاسدة وتركوا شريعة الله ، ووبخ العلماء لأنهم أبطلوا شريعة الله بواسطة تقاليدهم ، وأثر كلام يسوع في الشعب حتى أنهم بكوا جميعهم من صغيرهم إلى كبيرهم يستصرخون رحمته ويضرعون إلى يسوع لكي يصلي لأجلهم ، ما خلا كهنتهم ورؤساءهم الذين أضمروا في ذلك اليوم العداء ليسوع لأنه تكلم هكذا ضد الكهنة والكتبة والعلماء فصمموا على قتله ، ولكنهم لم ينبسوا بكلمة خوفا من الشعب الذي قبله نبيا من الله ، ورفع يسوع يديه إلى الرب الإله وصلى ، فبكى الشعب وقالوا ( ليكن كذلك يارب ليكن كذلك ) ، ولما انتهت الصلاة نزل يسوع من الهيكل وسافر ذلك اليوم من أورشليم مع كثيرين من الذين تبعوه ، وتكلم الكهنة فيما بينهم بالسوء في يسوع .  

الفصل الثالث عشر

(( خوف يسوع وصلاته وتعزية الملاك جبريل العجيبة ))

ولما مضت بعض أيام وكان يسوع عالما بالروح رغبة الكهنة صعد إلى جبل الزيتون ليصلي ، وبعد أن صرف الليل كله في الصلاة صلى يسوع في الصباح قائلا : يارب إني عالم أن الكتبة يبغضونني ، والكهنة مصممون على قتلي أنا عبدك ، لذلك أيها الرب الإله القدير الرحيم اسمع برحمه صلوات عبدك ، وأنقذني من حبائلهم لأنك أنت خلاصي ، وأنت تعلم يارب أني أنا عبدك إياك أطلب يارب وكلمتك أتكلم ، لأن كلمتك حق هي تدوم إلى الأبد ، ولما أتم يسوع هذه الكلمات إذا بالملاك جبريل قد جاء إليه قائلا : لا تخف يا يسوع لأن ألف ألف من الذين يسكنون فـوق السماء يحرسون ثيابك ، ولا تموت حتى يكمل كل شيء ويمسي العالم على وشك النهاية ، فخر يسوع على وجهه إلى الأرض قائلا : أيها الإله الرب العظيم ما أعظم رحمتك لي ، وماذا أعطيك يارب مقابل ما أحسنت به إليّ ، فأجاب الملاك جبريل أنهض يا يسوع واذكر إبراهيم الذي كان يريد أن يقدم ابنه الوحيد اسماعيل ذبيحة لله ليتم كلمات الله ، فلما لم تقو المدية على ذبح ابنه قدم عملا بكلمتي كبشا ، فعليك أن تفعل ذلك يا يسوع خادم الله ، فأجابه يسوع سمعا وطاعة ، ولكن أين أجد الحمل وليس معي نقود ولا تجوز سرقته ، فدله إذ ذاك الملاك جبريل على كبش فقدمه يسوع ذبيحة حامدا ومسبحا لله الممجد إلى الأبد .  

الفصل الرابع عشر

(( المسيح ينتخب اثني عشر تلميذا بعد صيام أربعين يوما ))

ونزل يسوع من الجبل وعبر وحده ليلا إلى الجانب الأقصى من عبر الأردن ، وصام أربعين يوما وأربعين ليلة لم يأكل شيئا ليلا ولا نهارا ضارعا دوما إلى الرب لخلاص شعبه الذي أرسله الله إليه ، فلما انقضت الأربعون يوما جاع ، فظهر له حينئذ الشيطان وجربه بكلمات كثيرة ، ولكن يسوع طرده بقوة كلمات الله ، فلما انصرف الشيطان جاءت الملائكة وقدمت ليسوع كل ما يحتاج ، أما يسوع فعاد إلى نواحي أورشليم ووجده الشعب مرة أخرى بفرح عظيم ، ورجاه أن يمكث معهم لأن كلماته لم تكن ككلمات الكتبة بل كانت قوية لأنها أثرت في القلب ، فلما رأى يسوع أن الجمهور الذي عاد إلى نفسه ليسلك في شريعة الله جمهور غفير صعد الجبل ومكث كل الليل بالصلاة ، فلما طلع النهار نزل من الجبل وانتخب إثني عشر سماهم رسلا منهم يهوذا الذي صلب ، أما اسماؤهم فهي ، اندراوس وأخوه بطرس الصياد ، وبرنابا الذي كتب هذا مع متى العشار الذي كان يجلس للجباية ، يوحنا ويعقوب ابنا زبدى ، تداوس ويهوذا ، برتولوماوس وفيلبس ، يعقوب ويهوذا الإسخريوطي الخائن ، فهؤلاء كاشفهم على الدوام بالأسرار الإلهية ، أما يهوذا الإسخريوطي فأقامه وكيلا على ما كان يعطى للصدقات فكان يختلس العشر من كل شيء .

الفصل الخامس عشر

(( الآية التي فعلها المسيح في العرس حيث حول الماء خمرا ))

ولما اقترب عيد المظال دعا غني يسوع وتلاميذه وأمه إلى العروس ، فذهب يسوع ، وبينما هم في الوليمة فرغت الخمر ، فكلمت أم يسوع إياه قائلة : ليس لهم خمر ، فأجاب يسوع : ما شأني في ذلك يا أماه ؟ فأوصت أمه الخدمة أن يطيعوا يسوع المسيح في كل ما يأمرهم به ، وكانت هناك ستة أجران للماء حسب عادة إسرائيل ليطهروا أنفسهم للصلاة ، فقال يسوع : املأوا هذه الأجران ماءا ، ففعل الخدمة هكذا ، فقال لهم يسوع : بإسم الله اسقوا المدعوين ، فقدم الخدمة إلى مدبر الحفلة الذي وبخ الأتباع قائلا : أيها الخدمة الأخساء لماذا أبقيتم الخمر الجيدة حتى الآن ؟ لأنه لم يعرف شيئا مما فعل يسوع ، فأجاب الخدمة : يوجد هنا رجل قدوس الله لأنه جعل من الماء خمرا ، غير أن مدبر الحفلة ظن أن الخدمة سكارى ، أما الذين كانوا جالسين بجانب يسوع فلما رأوا الحقيقة نهضوا عن المائدة واحتفوا به قائلين : حقا إنك قدوس الله ونبي صادق مرسل إلينا من الله ، حينئذ آمن به تلاميذه ، وعاد كثيرون إلى أنفسهم قائلين : الحمد لله الذي أظهر رحمة لإسرائيل وافتقد بيت يهوذا بمحبته تبارك اسمه الأقدس .  

الفصل السادس عشر

(( التعاليم العجيبة التي علمها لتلاميذه ، بخصوص الارتداد عن الحياة الشريرة ))

وجمع يسوع ذات يوم تلاميذه وصعد إلى الجبل ، فلما جلس هناك دنا منه التلاميذ ففتح فاه وعلمهم قائلا : عظيمة هي النعم التي أنعم بها الله علينا فترتب علينا من ثم أن نعبده بإخلاص قلب ، وكما أن الخمر الجديدة توضع في أوعية جديدة هكذا يترتب عليكم أن تكونوا رجالا جددا إذا أردتم أن تعوا التعاليم الجديدة التي ستخرج من فمي ، الحق أقول لكم كما أنه لا يتأتى للإنسان أن ينظر بعينه السماء والأرض معا في وقت واحد فكذلك يستحيل عليه أن يحب الله والعالم . لا يقدر رجل أبدا أن يخدم سيدين أحدهما عدو للآخرين لأنه إذا أحبك أحدهما أبغضك الآخر ، فكذلك أقول لكم حقا أنكم لا تقدرون أن تخدموا الله والعالم ، لأن العالم موضوع في النفاق والجشع والخبث ، لذلك لا تجدون راحة في العالم بل تجدون بدلا منها اضطهادا أو خسارة ، إذا فاعبدوا الله واحتقروا العالم ، إذ مني تجدون راحة لنفوسكم ، أصيخوا السمع لكلامي لأني أكلمكم بالحق ، طوبى للذين ينوحون في هذه الحياة لأنهم يتعزون ، طوبى للمساكين الذين يعرضون حقا عن ملاذ العالم لأنهم سيتنعمون بملاذ ملكوت الله ، طوبى للذين يأكلون على مائدة الله لأن الملائكة ستقوم على خدمتهم ، أنتم مسافرون كسياح ، أيتخذ السائح لنفسه على الطريق قصورا وحقولا وغيرها من حطام العالم ، كلا ثم كلا ولكنه يحمل أشياء خفيفة ذات فائدة وجدوى في الطريق ، فليكن هذا مثلا لكم ، وإذا أحببتم مثلا آخر فاني أضربه لكم لكي تفعلوا كل ما أقوله لكم ، لا تثقلوا قلوبكم بالرغائب العالمية قائلين من يكسونا أو من يطعمنا ، بل انظروا الزهور والأشجار مع الطيور التي كساها وغذاها الله ربنا بمجد أعظم من كل مجد سليمان ، والله الذي خلقكم ودعاكم إلى خدمته هو قادر أن يغذيكم ، الذي أنزل المن من السماء على شعبه إسرائيل في البرية أربعين سنة وحفظ أثوابهم من أن تعتق أو تبلى ، أولئك الذين كانوا ستمائة وأربعين ألف رجل خلا النساء والأطفال . الحق أقول لكم أن السمـاء والأرض تهنان بيد أن رحمته لا تهن للذين يتقونه ، أغنياء العالم هم على رخائهم جياع وسيهلكون ، كان غني ازدادت ثروته فقال : ماذا أفعل يا نفسي ، إني أهدم أهرائي لأنها صغيرة وأبني أخرى جديدة أكبر منها فتظفرين بمناك يا نفسي ، إنه لخاسر لأنه في تلك الليلة توفى ، ولقد كان يجب عليه العطف على المسكين وأن يجعل لنفسه أصدقاء من صدقات أموال الظلم في هذا العالم لأنهـا تأتي بكنوز في عالم السماء ، وقولوا لي من فضلكم إذا وضعتم دراهمكم في مصرف عشار فأعطاكم عشرة أضعاف وعشرين ضعفا أفلا تعطون رجلا كهذا كل مالكم ، ولكن الحق أقول لكم أنكم مهما أعطيتم وتركتم لأجل محبة الله فستستردونه مائة ضعف مع الحياة الأبدية ، فانظروا إذا كم يجب عليكم أن تكونوا مسرورين في خدمة الله .

الفصل السابع عشر

(( عدم إيمان التلاميذ ودين ( مامن ) الصحيح ))

ولما قال يسوع ذلك أجاب فيلبس : إننا لراغبون في خدمة الله ولكننا نرغب أيضا أن نعرف الله ، لأن إشعيا النبي قال ( حقا إنك لإله محتجب ) ، وقال الله لموسى عبده ( أنا الذي هو أنا ) أجاب يسوع : يا فيلبس إن الله صلاح بدونه لا صلاح ، إن الله موجود بدونه لا وجود ، إن الله حياة بدونها لا أحياء ، هو عظيم حتى أنه يملأ الجميع وهو في كل مكان ، هو وحده لا ند له ، لا بداية ولا نهاية له ولكنه جعل لكل شيء بداية وسيجعل لكل شيء نهاية ، لا أب و لا أم له ، لا أبناء ولا إخوة ولا عشراء له ، ولما كان ليس لله جسم فهو لا يأكل ولا ينام ولا يموت ولا يمشي ولا يتحرك ، ولكنه يدوم إلى الأبد بدون شبيه بشري ، لأنه غير ذي جسد وغير مركب وغير مادي وأبسط البسائط ، وهو جواد لا يحب إلا الجود ، وهو مقسط حتى إذا هو قاص أو صفح فلا مرد له ، وبالإختصار أقول لك يا فيلبس أنه لا يمكنك أن تراه وتعرفه على الأرض تمام المعرفة ، ولكنك ستراه في مملكته إلى الأبد حيث يكون قوام سعادتنا ومجدنا ، أجاب فيلبس : ماذا تقول يا سيد حقا لقد كتب في إشعيا أن الله أبونا فكيف لا يكون له بنون ؟ ، أجاب يسوع : إنه في الأنبياء مكتوب أمثال كثيرة لا يجب أن تأخذها بالحرف بل بالمعنى ، لأن كل الأنبياء البالغين مائة وأربعة وأربعين ألفا الذين أرسلهم الله إلى العالم قد تكلموا بالمعميات بظلام ، ولكن سيأتي بعد بهاء كل الأنبياء الأطهار فيشرق نورا على ظلمات سائر ما قال الأنبياء ، لأنه رسـول الله ولما قال هذا تنهد يسوع وقال : ارأف بإسرائيل أيها الرب الإله وانظر بشفقة على إبراهيم وعلى ذريته لكي يخدموك بإخلاص قلب فأجاب تلاميذه : ليكن كذلك أيها الرب الإله ، وقال يسوع : الحق أقول لكم أن الكتبة والعلماء قد أبطلوا شريعة الله بنبواتهم الكاذبة المخالفة لنبوات أنبياء الله الصادقين ، لذلك غضب الله على بيت إسرائيل وعلى هذا الجيل القليل الإيمان ، فبكى تلاميذه لهـذه الكلمات وقالوا : ارحمنا يا الله ترأف على الهيكل والمدينة المقدسة ولا تدفعها إلى احتقار الأمم لكي لا يحتقروا عهدك ، فأجاب يسوع : وليكن كذلك أيها الرب إله آبائنا .  

الفصل الثامن عشر

(( يوضح هنا اضطهاد العالم بخدمة الله وأن حماية الله تقيهم ))   وبعد أن قال يسوع هذا قال : لستم أنتم الذين اخترتموني بل أنا اخترتكم لتكونوا تلاميذي ، فإذا أبغضكم العالم تكونون حقا تلاميذي ، لأن العالم كان دائما عدو عبيد خدمة الله ، تذكروا الأنبياء والأطهار الذين قتلهم العالم ، كما حدث في أيام إيليا إذ قتلت إيزابل عشرة آلاف نبي حتى بالجهد نجا إيليا المسكين وسبعة آلاف من أبناء الأنبياء الذين خبأهم رئيس جيش أخاب ، أواه من العالم الفاجر الذي لا يعرف الله ، إذا لا تخافوا أنتم لأن شعور رؤوسكم محصاة كي لا تهلك ، انظروا العصفور الدوري الطيور الأخرى التي لا تسقط منها ريشة بدون إرادة الله ، أيعتني الله  بالطيور أكثر من اعتنائه بالإنسان الذي لأجله خلق كل شيء ؟ أيتفق وجود إنسان أشد اعتناءا بحذائه منه بإبنه ، كلا ثم كلا ، أفلا يجب عليكم بالأولى أن تظنوا أن الله لا يهملكم وهو المعتني بالطيور ، وليكن لماذا أتكلم عن الطيور بل لا تسقط ورقة من شجرة بدون إرادة الله ، صدقوني لأني أقول لكم الحق أن العالم يرهبكم إذا حفظتم كلامي ، لأنه لو لم يخشى فضيحة فجوره لما أبغضكم ولكنه يخشى فضيحته ولذلك يبغضكم ويضطهدكم ، فإذا رأيتم العالم يستهين بكلامكم فلا تحزنوا بل تأملوا كيف أن الله وهو أعظم منكم قد استهان به أيضا العالم حتى حسبت حكمته جهالة ، فإذا كان الله يحتمل العالم بصبر فلماذا تحزنون أنتم يا تراب وطين الأرض ، فصبركم تملكون أنفسكم ، فإذا لطمكم أحد على خد فحولوا له الآخر ليلطمه ، لا تجازوا شرا بشر لأن ذلك ما تفعله شر الحيوانات كلها ، ولكن جازوا الشر بالخير وصلوا لله لأجـل الذين يبغضونكم ، النار لا تطفأ بالنار بل بالماء لذلك أقول لكم لا تغلبوا الشر بالشر بل بالخير ، انظروا الله الذي جعل شمسه تطلع على الصالحين والطالحين وكذلك المطر ، فكذلك يجب عليكم أن تفعلوا خيرا مع الجميع لأنه مكتوب في الناموس كونوا قديسين لأني أنا إلهكم قدوس كونوا أنقياء لأني أنا نقي وكونوا كاملين لأني أنا كامـل ، الحق أقول لكم أن الخادم يحاول إرضاء سيده ، وأثوابكم هي إرادتكم ومحبتكم ، احذروا إذا من أن تريدوا أو تحبوا شيئا غير مرضي من الله ربنا ، أيقنوا أن الله يبغض بهرجة وشهوات العالم لذلك أبغضوا أنتم العالم .

الفصل التاسع عشر

(( المسيح ينذر بتسليمه ويشفي عشرة برص ، عند نزوله من الجبل ))

ولما قال يسوع ذلك أجاب بطرس : يا معلم لقد تركنا كل شيء لنتبعك فما مصيرنا ؟ أجاب يسوع : إنكم لتجلسون يوم الدينونة بجانبي لتشهدوا على أسباط إسرائيل الإثني عشر ، ولما قال يسوع ذلك تنهد قائلا : يارب ما هذا ؟ إني قد اخترت اثني عشر فكان واحد منهم شيطانا ، فحزن التلاميذ جدا لهذه الكلمة ، فعند ذلك سأل الذي يكتب يسوع سرا بدموع قائلا : يا سيد أيخدعني الشيطان وهل أكون منبوذا ، فأجاب يسوع : لا تأسف يا برنابا لأن الذين اختارهم الله قبل خلق العالم لا يهلكون تهلل لأن اسمك مكتوب في سفر الحياة ، وعزى يسوع تلاميذه قائلا : لا تخافوا لأن الذي سيبغضني لا يحزن لكلامي لأنه ليس فيه الشعور الإلهي ، فتعزى المختارون بكلامه ، وأدى يسوع صلواته ، وقال التلاميذ : آمين ليكن هكذا أيها الرب الإله القدير الرحيم ، ولما انتهى يسوع من العبادة نزل من الجبل مع تلاميذه ، والتقى بعشرة برص صرخوا من بعيد : يا يسوع ابن داود ارحمنا ، فدعاهم يسوع إلى قربه وقال لهم : ماذا تريدون مني أيها الإخوة ؟ فصرخوا جميعهم : أعطنا صحة ، أجاب يسوع : أيها الأغبياء أفقدتم عقلكم حتى تقولوا : أعطنا صحة ، ألا ترون أني إنسان نظيركم ؟ ادعوا إلهنا الذي خلقكم وهو القدير الرحيم يشفكم ، فأجاب البرص بدموع : إننا نعلم أنك إنسان نظيرنا ، ولكنك قدوس الله ونبي الرب فَصَلْ لله ليشفينا ، فتضرع الرسل إلى يسوع قائلين يا معلم ارحمهم ، حينئذ أنّ يسوع وصلى قائلا : أيها الرب الإله القدير الرحيم ، ارحم وأصخ السمع إلى كلمات عبدك ارحم رجـاء هؤلاء الرجال ، وامنحهم صحة لأجل محبة إبراهيم أبينا وعهدك المقدس ، وإذ قال يسوع ذلك تحول إلى البرص وقال : اذهبوا وأروا أنفسكم للكهنة بحسب شريعة الله ، فانصرف البرص وبرئوا على الطريق ، فلما رأى أحدهم أنه برئ عاد ينشد يسوع ، وكان إسماعيليا ، وإذ وجد يسوع انحنى احترامـا له قائلا : إنك حقا قدوس الله ، وتضرع إليه بشكر لكي يقبله خادما ، أجاب يسوع : قد برئ عشرة فأين التسعة ؟ وقال للذي برئ : إني ما أتيت لأُخدَم بل لأخدِم ، فاذهب إذا إلى بيتك ، واذكر ما أعظم ما فعل الله بك لكي يعلموا أن الوعود الموعود بها إبراهيم وابنه مع ملكوت الله آخذة في الاقتراب ، فانصرف الأبرص المبرأ ولما بلغ جيرة حيه قص ما صنع الله به بواسطة يسوع .

الفصل العشرون

(( الآية التي فعلها يسوع في البحر وإعلانه أين يقبل النبي ))

وذهب يسوع إلى بحر الجليل ونزل في المركب مسافرا إلى الناصرة مدينته ، فحدث نوء عظيم في البحر حتى أشرف المركب على الغرق ، وكان يسوع نائما في مقدم المركب ، فدنا منه تلاميذه وأيقظوه قائلين : يا سيد خلص نفسك فإننا هالكون ، وأحاط بهم خوف عظيم بسبب الريح الشديدة التي كانت مضادة وعجيج البحر ، فنهض يسوع ورفع عينيه نحو السماء وقال : يا ألوهيم الصباؤت ارحم عبيدك ، ولما قال يسوع هذا سكنت الريح حالا وهدأ البحر ، فجزع النوتية قائلين : ومن هو هذا حتى أن البحر والريح يطيعانه ، ولما بلغ مدينة الناصرة أذاع النوتية في المدينة كل ما فعله يسوع ، فمثل بين يديه الكتبة والعلماء وقالوا : لقد سمعنا كم فعلت في البحر واليهودية فأتنا إذا بآية من الآيات هنا في وطنك ، فأجاب يسوع : يطلب هذا الجيل العديم الإيمان آية ولكن لن تعطى لأنه لا يقبل نبي في وطنه ولقد كانت في زمن إيليا أرامل كثيرات في اليهودية ولكنه لم يرسل ليقات إلا إلى أرملة صيدا ، وكان البرص في زمن اليشع في اليهودية كثيرين ولكن لم يبرأ إلا نعمان السرياني ، فحنق أهل المدينة وأمسكوه واحتملوه إلى شفا جرف ليرموه ولكن يسوع مشى في وسطهم وانصرف عنهم .

الفصل الحادي والعشرون

(( يسوع يشفي مجنونا وطرح الخنازير في البحر ، وإبراؤه ابنة الكنعانية ))

صعد يسوع إلى كفر ناحوم ودنا من المدينة ، وإذا بشخص خرج من بين القبور كان به شيطان تمكَّن منه حتى لم تقو سلسلة على إمساكه فألحق بالناس ضررا كثيرا ، فصرخت الشياطين من فيه قائلة : يا قدوس الله لماذا جئت قبل الوقت لتزعجنا ، وتضرعوا إليه ألا يخرجهم ، فسألهم يسوع كم عددهم ، فأجابوا : ستة آلاف وستمائة وستة وستون ، فلما سمع التلاميذ هذا ارتاعوا وتضرعوا إلى يسوع أن ينصرف ، حينئذ أجـاب يسوع ، أين إيمانكم ؟ يجب على الشيطان أن ينصرف لا أنا ، فحينئذ صرخت الشياطين قائلة : إننا نخرج ولكن اسمح لنا أن ندخل في تلك الخنازير ، وكان يرعى هناك بجانب البحر نحو عشرة آلاف خنزير للكنعانيين ، فقال يسوع : أخرجوا وادخلوا في الخنازير ، فدخلت الشياطين الخنازير بجئير وقذفت بها إلى البحر ، حينئذ هرب إلى المدينة رعاة الخنازير وقصوا كل ما جرى على يد يسوع ، فخرج من ثم رجال المدينة فوجدوا يسوع والرجل الذي شفي ، فارتاع الرجال وضرعوا إلى يسوع أن ينصرف عن تخومهم ، فانصرف من ثم عنهم وصعد إلى نواحي صور وصيدا ، وإذا بإمرأة من كنعان مع ابنيها قد جاءت من بلادها لترى يسوع ، فلما رأته آتيا مع تلاميذه صرخت : يا يسوع ابن داود ارحم ابنتي التي يعذبها الشيطان ، فلم يجب يسوع بكلمة واحدة لأنهم كانوا من غير أهل الختان ، فتحنن التلاميذ وقالوا : يا معلم تحنن عليهم انظر ما أشد صراخهم وعويلهم ، فأجاب يسوع : إني لم أرسل إلا إلى شعب إسرائيل ، فتقدمت المرأة وابناها إلى يسوع معولة قائلة : يا يسوع بن داود ارحمني ، أجاب يسوع لا يحسن أن يأخذ الخبز من أيدي الأطفال ويطرح للكلاب ، وإنما قال يسوع هذا لنجاستهم لأنهم كانوا من غير أهل الختان ، فأجابت المرأة : يا رب إن الكلاب تأكل الفتات الذي يسقط من مائدة أصحابها ، حينئذ انذهل يسوع من كلام المرأة وقال : أيتها المرأة إن إيمانك لعظيم ، ثم رفع يديه إلى السماء وصلى لله ثم قال : أيتها المرأة قد حررت ابنتك فاذهبي في طريقك بسلام ، فانصرفت المرأة ولما عادت إلى بيتها وجدت ابنتها التي تسبح الله ، لذلك قالت المرأة : حقا لا إله إلا إله إسرائيل ، فانضم من ثم أقرباؤها إلى الشريعة عملا بالشريعة المسطورة في كتاب موسى .

الفصل الثاني والعشرون

(( شقاء غير المختونين يكون الكلب أفضل منهم ))

فسأل التلاميذ يسوع في ذلك النهار قائلين : يا معلم لماذا أجبت المرأة بهذا الجواب قائلا أنهم كلاب ، أجاب يسوع : الحق أقول لكم أن الكلب أفضل من رجل غير مختون ، فحزن التلاميذ قائلين : إن هذا الكلام لثقيل ومن يقوى على قبوله ، أجاب يسوع : إذا لاحظتم أيها الجهال ما يفعل الكلب الذي لا عقل له لخدمة صاحبه علمتم أن كلامي صادق ، قولوا لي أيحرس الكلب بيت صاحبه ويعرض نفسه للص ؟ نعم ولكن ما جزاؤه ؟ ضرب كثير وأذى مع قليل من الخبز وهو يظهر لصاحبه وجها مسرورا أصحيح هذا ؟ فأجاب التلاميذ : إنه لصحيح يا معلم ، حينئذ قال يسوع : تأملوا إذا ما أعظم ما وهب الله الإنسان فتروا إذا ما أكفره لعدم وفائه بعهد الله مع عبده إبراهيم ، اذكروا ما قاله داود لشاول ملك إسرائيل ضد جليات الفلسطيني ، قال داود ( يا سيدي بينما كان يرعى عبدك قطيعه جاء ذئب ودب وأسد وانقضت على غنم عبدك ، فجاء عبدك وقتلها وأنقذ الغنم ، وما هذا الأغلف إلا كواحد منها ، لذلك يذهب عبدك باسم الرب إله إسرائيل ويقتل هذا النجس الذي يجدف على شعب الله الطاهر ) حينئذ قال التلاميذ : قل لنا يا معلم لأي سبب يجب على الإنسان الختان ؟ فأجاب يسوع : يكفيكم أن الله أمر به إبراهيم قائلا : (  يا إبراهيم اقطع غرلتك وغرلة كل بيتك لأن هذا عهد بيني وبينك إلى الأبد ) .

الفصل الثالث والعشرون

(( أصل الختان وعهد الله مع إبراهيم ولعنة الغلف ))

ولما قال ذلك يسوع جلس قريبا من الجبل الذي كانوا يشرفون عليه ، فجاء تلاميذه إلى جانبه ليصغوا إلى كلامه ، حينئذ قال يسوع : إنه لما أكل آدم الإنسان الأول الطعام الذي نهاه الله عنه في الفردوس مخدوعا من الشيطان عصى جسده الروح ، فأقسم قائلا : ( تالله لأقطعنك ) ، فكسر شظية من صخر وأمسك جسده ليقطعه بحد الشظية ، فوبخه الملاك جبريل على ذلك ، فأجاب ( لقد أقسمت بالله أن أقطعه فلا أكون حانثا ) ، حينئذ أراه الملاك زائدة جسده فقطعها ، فكما أن جسد كل إنسان من جسد آدم وجب عليه أن يراعي كل عهد أقسم آدم ليقومن به ، وحافظ آدم على فعل ذلك في أولاده ، فتسلسلت سنة الختان من جيل إلى جيل ، إلا أنه لم يكن في زمن إبراهيم سوى النزر القليل من المختونين على الأرض ، لأن عبادة الأوثان تكاثرت على الأرض ، وعليه فقد أخبر الله إبراهيم بحقيقة الختان ، وأثبت هذا العهد قائلا : ( النفس التي لا تخـتن جسدها إياها أبدد مـن بين شعبي إلى الأبد ) ، فارتجف التلاميذ خوفا من كلمات يسوع لأنه تكلم بإحتدام الـروح ، ثم قال يسوع : دعوا الخوف للذي لم يقطع غرلته لأنه محروم من الفردوس ، وإذ قال هذا تكلم يسوع أيضا قائلا : إن الروح في كثيرين نشيط في خدمة الله أما الجسد فضعيف ، فيجب على من يخاف الله أن يتأمل ما هو الجسد وأين كان أصله وأين مصيره ، من طين الأرض خلق الله الجسد ، وفيه نفخ نسمة الحياة بنفخة فيه ، فمتى اعترض الجسد خدمة الله يجب أن يمتهن ويداس كالطين ، لأن من يبغض نفسه في هذا العالم يجدها في الحياة الأبدية ، أما ماهية الجسد الآن فواضح من رغائبه أنه العدو الألد لكل صلاح فإنه وحده يتوق إلى الخطيئة ، أيجب إذا على الإنسان مرضاة لأحد أعدائه أن يترك مرضاة الله خالقه ، تأملوا هذا أن كل القديسين والأنبياء كانوا أعداء جسدهم لخدمة الله ، لذلك جروا بطيب خاطر إلى حتفهم ، لكي لا يتعدوا شريعة الله المعطاة لموسى عبده ويخدموا الآلهة الباطلة الكاذبة ، اذكروا إيليا الذي هرب جائبا قفار الجبال مقتاتا بالعشب ومرتديا جلد المعز ، وأواه كم من يوم لم يأكل ، أواه مـا أشد البرد الذي احتمله ، أواه كم من شؤبوب بلله ، ولقد عانى مدة سبع سنين شظف اضطهاد تلك المرأة النجسة إيزابيل ، اذكروا اليشع الذي أكل خبز الشعير ولبس أخشن الأثواب ، الحق أقول لكم إنهم إذ لم يخشوا أن يمتهنوا الجسد روعوا الملك والرؤساء وكفى بهذا امتهانا للجسد أيها القوم ، وإذا نظرتم إلى القبور تعلمون ما هو الجسد .

الفصل الرابع والعشرون

(( مثل جلي كيف يجب على الإنسان أن يهرب من الولائم والتنعم ))

لما قال يسوع ذلك بكى قائلا : الويل للذين هم خدمة أجسادهم ، لأنهم حقا لا ينالون خيرا في الحياة الأخرى بل عذابا لخطاياهم ، أقول لكم أنه كان نهم غني لم يهمه سوى النهم ، وكان يولم وليمة عظيمة كل يوم ، وكان واقفا على بابه فقير يدعى لعازر وهو ممتلئ قروحا ويشتهي أن يشبع من الفتات الساقط من مائدة النهم ، ولكن لم يعطه أحد إياه بل سخر به الجميع ، ولم يتحنن عليه إلا الكلاب لأنها كانت تلحس قروحه ، وحدث أن مات الفقير واحتملته الملائكة إلى ذراعي إبراهيم أبينا ، ومات الغني أيضا واحتملته الشياطين إلى ذراعي إبليس حيث عانى أشد العذاب ، فرفع عينيه ورأى لعازر من بعيد على ذراعي إبراهيم ، فصرخ حينئذ الغني : ( يا أبتاه إبراهيم ارحمني وابعث لعازر ليحمل لي على أطراف بنانه قطرة ماء تبرد لساني الذي يعذب في هذا اللهيب ) ، فأجاب إبراهيم : ( يا بني اذكر أنك استوفيت طيباتك في حياتك ولعازر البلايا ، لذلك أنت الآن في الشقاء وهو في العزاء ) ، فصرخ الغني أيضا : ( يا أبتاه إبراهيم إن لي في بيت أبي ثلاثة إخوة فأرسل إذا لعازر ليخبرهم بما أعانيه لكي يتوبوا ولا يأتوا إلى هنا ) ، فأجاب إبراهيم : ( عندهم موسى والأنبياء فليسمعوا منهم ) ، أجاب الغني : ( كلا يا أبتاه إبراهيم بل إذا قام واحد من الأموات يصدقون ) ، فأجاب إبراهيم : ( إن من لا يصدق موسى والأنبياء لا يصدق الأموات ولو قاموا ) ، وقال يسوع : انظروا أليس الفقراء الصابرون مباركين الذين يشتهون ما هو ضروري فقط كارهين الجسد ، ما أشقى الذين يحملون الآخرين للدفن ليعطوا أجسادهم طعاما للدود ولا يتعلمون الحق ، بل هم بعيدون عن ذلك بعدا عظيما حتى أنهم يعيشون هنا كأنهم خالدون ، لأنهم يبنون بيوتا كبيرة ويشترون أملاكا كثيرة ويعيشون في الكبرياء  .

الفصل الخامس والعشرون

(( كيف يجب على الإنسان أن يحتقر الجسد ويعيش في العالم ))

حينئذ قال الكاتب : يا معلم إن كلامك لحق ولذلك قد تركنا كل شيء لنتبعك ، فقل لنا إذا كيف يجب علينا أن نبغض جسدنا ، الانتحار غير جائز ولما كنا أحياء وجب علينا أن نقيته ، أجاب يسوع : احفظ جسدك كفرس تعش في أمن ، لأن القوت يعطى للفرس بالمكيال والشغل بلا قياس ، ويوضع اللجام في فيه ليسير بحسب إرادتك ، ويربط لكي لا يزعج أحدا ويحبس في مكان حقير ويضرب إذا عصى ، فهكذا افعل إذاً أنت يا برنابا تعش دوما مع الله ، ولا يغيضنك كلامي لأن داود النبي فعل هذا الشيء نفسه كما يعترف قائلا : ( إني كفرس عندك واني دائما معك ) ، ألا قل لي أيهما أفقر ؟ الذي يقنع بالقليل أم الذي يشتهي الكثير ؟ ، الحق أقول لكم لو كان للعالم عقل سليم لم يجمع أحد شيئا لنفسه ، بل كان كل شيء شركة ، ولكن بهذا يعلم جنونه أنه كلما جمع زاد رغبة ، وأن ما يجمعه فإنما يجمعه لراحة الآخرين الجسدية ، فليكفكم إذا ثوب واحد ، أرموا كيسكم ، لا تحملوا مزودا ولا حذاء في أرجلكم ، ولا تفكِّروا قائلين : ( ماذا يحدث لنا ) بل فكروا أن تفعلوا إرادة الله ، وهو يقدم لكم حاجتكم حتى لا تكونوا في حاجة إلى شيء ، الحق أقول لكم أن الجمع كثيرا في هذه الحياة يكون شهادة أكيدة على عدم وجود شيء يؤخذ في الحياة الأخرى ، لأن من كانت أورشليم وطنا له لا يبنى بيوتا في السامرة ، لأنه يوجد عداوة بين المدينتين ، أتفقهون ؟ فأجاب التلاميذ ( بلى ) .

الفصل السادس والعشرون

(( كيف يجب على الإنسان أن يحب الله ، ويتضمن هذا الفصل النزاع العجيب بين إبراهيم وأبيه ))

ثم قال يسوع : كان رجل على سفر وبينما كان سائرا وجد كنـزاً في حقل معروض للمبيع بخمس قطع من النقود هم ، فلما علم الرجل ذلك ذهب توا وباع رداءه ليشتري ذلك الحقل فهل يصدق ذلك ؟ فأجاب التلاميذ : أن من لا يصدق هذا فهو مجنون ، فقال عندئذ يسوع : إنكم تكونون مجانين إذا كنتم لا تعطون حواسكم لله لتشتروا نفسكم حيث يستقر كنز المحبة ، لأن المحبة كنز لا نظير له ، لأن من يحب الله كان الله له ، ومن كان الله له كان له كل شيء ، أجاب بطرس : قل لنا يا معلم كيف يجب على الإنسان أن يحب الله محبة خالصة ، فأجاب يسوع : الحق أقول لكم أن من لا يبغض أباه وأمه وحياته وأولاده وامرأته لأجل محبة الله فمثل هذا ليس أهلا أن يحبه الله ، أجاب بطرس : يا معلم لقد كتب في ناموس الله في كتـاب موسى ( أكرم أباك لتعيش طويلا على الأرض ) ، ثم يقول أيضا ( ليكن ملعونا الإبن الذي لا يطيع أباه و أمه  ) ، ولذلك أمر الله بأن يرجم مثل هذا الإبن العقوق أمام باب المدينة وجوبا بغضب الشعب ، فكيف تأمرنا أن نبغض أبانا وأمنا ؟ ، أجاب يسوع : كل كلمة من كلماتي صادقة ، لأنها ليست مني بل من الله الذي أرسلني إلى بيت إسرائيل ، لذلك أقول لكم أن كل ما عندكم قد أنعم الله به عليكم ، فأي الأمرين أعظم قيمة ؟ العطية أم المعطي ؟ ، فمتى كان أبوك أو أمك أو غيرهما عثرة لك في خدمة الله فانبذهم كأنهم أعداء ، ألم يقل الله لإبراهيم : ( اخرج من بيت أبيك وأهلك وتعال اسكن في الأرض التي أعطيها لك ولنسلك ، ولماذا قال الله ذلك ؟ ، أليس لأن أبا إبراهيم كان صانع تماثيل يصنع ويعبد آلهة كاذبة ؟ لذلك بلغ العداء بينهما حداً أراد معه الأب أن يحرق ابنه ، أجاب بطرس : إن كلماتك صادقة ، وإني أضرع إليك أن تقص علينا كيف سخر إبراهيم من أبيه ؟ ، أجاب يسوع : كان إبراهيم ابن سبع سنين لما ابتدأ أن يطلب الله ، فقال يوما لأبيه : ( يا أبتاه من صنع الإنسان ؟ أجاب الوالد الغبي : ( الإنسان ، لأني أنا صنعتك وأبي صنعني ) ، فأجاب إبراهيم : ( يا أبي ليس الأمر كذلك ، لأني سمعت شيخا ينتحب ويقول : (( يا إلهي لماذا لم تعطني أولادا )) . أجاب أبوه : ( حقا يا بني الله يساعد الإنسان ليصنع إنسانا ولكنه لا يضع يده فيه ، فلا يلزم الإنسان إلا أن يتقدم ويضرع إلى إلـهه ويقدم له حملانا وغنما يساعده إلهه . أجاب إبراهيم : ( كم إلـها هنالك يا أبي ؟ )  ، أجاب الشيخ : ( لا عدد لهم يا بني )  ، فحينئذ أجاب إبراهيم : ( ماذا أفعل يا أبي إذا خدمت إلها وأراد بي الآخر شرا لأني لا أخدمه ؟ ، ومهما يكن من الأمر فانه يحصل بينهما شقاق ويقع الخصام بين الآلهة ولكن إذا قتل الإله الذي يريد بي شر إلهي فماذا أفعل ؟ ، من المؤكد أنه يقتلني أنا أيضا ؟ )  ، فأجاب الشيخ ضاحكا : ( لا تخف يا بني لأنه لا يخاصم إله إلها ، كلا فإن في الهيكل الكبير ألوفا من الآلهة مع الإله الكبير بعل ، وقد بلغت الآن سبعين سنة من العمر ومع ذلك فاني لم أر قط إلها ضرب إلها آخر ومن المؤكد أن الناس كلهم لا يعبدون إلها واحـدا ، بل يعبد واحـد إلها وآخر آخر ) ، أجاب إبراهيم : ( فإذاً يوجد وفاق بينهم ؟ ) ، أجاب أبوه : ( نعم يوجد ) ، فقال حينئذ إبراهيم : ( يا أبي أي شيء تشبه الآلهة ؟ ) و أجاب الشيخ : ( يا غبي إني كل يوم أصنع إلها أبيعه لآخرين لأشتري خبزا وأنت لا تعلم كيف تكون الآلهة ! )  ، وكان في تلك الدقيقة يصنع تمثالا ، فقال ( هذا من خشب النخل وذاك من الزيتون وذلك التمثال الصغير من العاج ، انظر ما أجمله ألا يظهر كأنه حي ، حقا لا يعوزه إلا النفس ) ، أجاب إبراهيم : ( إذاً يا أبي ليس للآلهة نفس فكيف يهبون الأنفاس ؟ ، ولما لم تكن لـهم حياة فكيف يعطون إذا الحياة ، فمن المؤكد يا أبي أن هؤلاء ليسوا هم الله ؟ )  ، فحنق الشيخ لهذا الكلام قائلا : ( لو كنت بالغا من العمر ما تتمكن معه مـن الإدراك لشججت رأسك بهذه الفأس ، ولكن اصمت إذ ليس لك إدراك ) ، أجاب إبراهيم : ( يا أبي إن كانت الآلهة تساعد على صنع الإنسان فكيف يتأتى للإنسان أن يصنع آلهة ؟ ، وإذا كانت الآلهة مصنوعة من خشب فان إحراق الخشب خطيئة كبرى ، ولكن قل لي يا أبت كيف وأنت قد صنعت آلهة هذا عديدها لم تساعدك الآلهة لتصنع أولادا كثيرين فتصير أقوى رجل في العالم ؟ )  ، فحنق الأب لما سمع ابنه يتكلم هكذا ، فأكمل الإبن قائلا : ( يا أبت هل وجد العالم حينا من الدهر بدون بشر ؟ ) أجاب الشيخ :  ( نعم ولماذا ؟ )  ، قال إبراهيم : ( لأني أحب أن أعرف من صنع الإله الأول ) فقال الشيخ : انصرف الآن من بيتي ودعني أصنع هذه الإله سريعا ولا تكلمني كلاما ، فمتى كنت جائعا فإنك تشتهي خبزا لا كلامـا ) . فقال إبراهيم : ( إنه لإله عظيم فإنك تقطعه كما تريد وهو لا يدافع عن نفسه ) فغضب الشيخ وقال : ( إن العالم بأسره يقول أنه إله وأنت أيها الغلام الغبي تقول كلا ؟ فوآلهتي لو كنت رجلا لقتلتك ، ولما قال هذا ضرب إبراهيم ورفسه وطرده من البيت .

الفصل السابع والعشرون

(( يوضح هذا الفصل عدم لياقة الضحك بالناس ، وفطنة إبراهيم ))

فضحك التلاميذ من حمق الشيخ ووقفوا منذهلين من فطنة إبراهيم ، ولكن يسوع وبخهم قائلا : لقد نسيتم كلام النبي القائل : ( الضحك العاجل نذير البكاء الآجل ) ، وأيضا ( لا تذهب إلى حيث الضحك بل اجلس حيث ينوحون ، لأن هذه الحياة تنقضي في الشقاء ) ، ثم قال يسوع : ألا تعلمون أن الله في زمن موسى مسخ ناسا كثيرين في مصر حيوانات مخوفة ، لأنهم ضحكوا واستهزأوا بالآخرين ، احذروا من أن تضحكوا من أحد ما لأنكم بكاءا تبكون بسببه ، فأجاب التلاميذ : أننا ضحكنا من حماقة الشيخ ، فأجاب حينئذ يسوع : الحق أقول لكم كل نظير يحب نظيره فيجد في ذلك مسرة ، ولذلك لو لم تكونوا أغبياء لما ضحكتم من الغباوة ، أجابوا : ليرحمنا الله ، قال يسوع ليكن كذلك ، حينئذ قال فيلبس : يا معلم كيف حدث أن أبا إبراهيم أحب أن يحرق ابنه ؟ ، أجاب يسوع : لما بلغ إبراهيم اثنتي عشرة سنة من العمر قال أبوه يوما ما ( غدا عيد كل الآلهة ، فلذلك سنذهب إلى الهيكل الكبير ونحمل هدية لإلهي بعل العظيم ، وأنت تنتخب لنفسك إلها ، لأنك بلغت سنا يحق لك معه اتخاذ إله ) ، فأجاب إبراهيم بمكر ( سمعـا وطاعة يا أبي ) ، فبكر في الصباح إلى الهيكل قبل كل أحد ، ولكن إبراهيم كان يحمل تحت صدرته فأسا مستورة ، فلما دخلا الهيكل وازداد الجمع خبأ إبراهيم نفسه وراء صنم في ناحية مظلمة في الهيكل ، فلما انصرف أبوه ظن أن إبراهيم سبقه إلى البيت ولذلك لم يمكث ليفتش عليه .

الفصل الثامن والعشرون

ولما انصرف كل أحد من الهيكل أقفل الكهنة الهيكل وانصرفوا ، فأخذ إبراهيم إذ ذاك الفأس وقطع قوائم جميع الأصنام إلا الإله الكبير بعلا ، فوضع الفأس عند قوائمه بين جذاذ التماثيل التي تساقطت قطعا لأنها كانت قديمة العهد ومؤلفة من أجزاء ، ولما كان إبراهيم خارجا من الهيكل رآه جماعة من الناس فظنوا أنه دخل ليسرق شيئا من الهيكل فأمسكوه ، ولما بلغوا به الهيكل ورأوا آلهتهم محطمة قطعا صرخوا منتحبين : ( أسرعوا يا قوم ولنقتل الذي قتل آلهتنا ) ، فهرع إلى هناك نحو عشرة آلاف رجل مع الكهنة وسألوا إبراهيم عن السبب الذي لأجله حطم آلهتهم ، أجاب إبراهيم : ( إنكم لأغبياء ، أيقتل الإنسان الله ، إن الذي قتلها إنما هو الإله الكبير ، ألا ترون الفأس التي له عند قدميه ، إنه لا يبتغي له أندادا ) فوصل حينئذ أبو إبراهيم الذي ذكر أحاديث إبراهيم في آلهتهم ، وعرف الفأس التي حطم بها إبراهيم الأصنام ، فصرخ : إنما قتل آلهتنا ابني الخائن هذا لأن هذه الفأس فأسي ، وقص عليهم كل ما جرى بينه وبين ابنه ، فجمع القوم مقدارا كبيرا من الحطب ، وربطوا يدي إبراهيم ورجليه ، ووضعوه على الحطب ووضعوا نارا تحته ، فإذا الله قد أمر النار بواسطة ملاكه جبريل ألا تحرق عبده إبراهيم ، فاضطرمت النار بإحتدام وحرقت نحو ألفي رجل من الذين حكموا على إبراهيم بالموت ، أما إبراهيم فقد وجد نفسه مطلق السراح إذ حمله ملاك الله إلى مقربة من بيت أبيه دون أن يرى من حمله ، وهكذا نجا إبراهيم من الموت .

الفصل التاسع والعشرون

حينئذ قال فيلبس : ما أعظم هي رحمة الله للذين يحبونه ، قل لنا يا معلم كيف وصل إلى معرفة الله ، أجاب يسوع : لما بلغ إبراهيم جوار بيت أبيه خاف أن يدخل البيت ، فانتقل إلى بعد البيت وجلس تحت شجرة نخل حيث لبث منفردا ، وقال : (  لا بد من وجود إله ذي حياة وقوة أكثر من الإنسان لأنه يصنع الإنسان ، والإنسان بدون الله لا يقدر أن يصنع الإنسان ) ، حينئذ التفت حوله وأجال نظره في النجوم والقمر والشمس فظن أنهـا هي الله ، ولكن بعد التبصر في تغيراتها وحركاتها قال: ( يجب ألا تطرأ على الله  الحركة ولا تحجبه الغيوم وإلا فني الناس ) ، وبينما هـو متحير سمع اسمه ينادى : ( يا إبراهيم ) ، فلما التفت ولم ير أحد في جهة قال : ( إني قد سمعت يا إبراهيم ) ، ثم سمع كذلك اسمه ينادى مرتين أخريين ( يا إبراهيم ) ، فأجاب : ( من يناديني ؟ ) ، حينئذ سمع قائلا يقول : ( انه أنا ملاك الله جبريل ) ، فارتاع إبراهيم ، ولكن الملاك سكن روعه قائلا : ( لا تخف يا إبراهيم لأنك خليل الله ، فإنك لما حطمت آلهة الناس تحطيما اصطفاك إله الملائكة والأنبياء حتى إنك كتبت في سفر الحياة ) ، حينئذ قال إبراهيم ( ماذا يجب علي أن أفعل لأعبد إله الملائكة والأنبياء الأطهار ؟ ) ، فأجاب الملاك : ( اذهب إلى ذلك الينبوع واغتسل ، لأن الله يريد أن يكلمك ) ، أجاب إبراهيم : ( كيف ينبغي أن اغتسل ؟ ) ، فتبدى له حينئذ المـلاك يافعا جميلا واغتسل من الينبوع قائلا : افعل كذلك بنفسك يا إبراهيم ) ، فلما اغتسل إبراهيم قال الملاك ( ارتق ذلك الجبل لأن الله يريد أن يكلمك هناك ) ، فارتقى إبراهيم الجبل كما قال له الملاك ، ولما جثا على ركبتيه قال لنفسه ( متى يا ترى يكلمني إله الملائكة ؟ ) ، فسمع صوتا لطيفا يناديه ( يا إبراهيم ) ، فأجابه إبراهيم : ( من يناديني ؟ ) ، فأجاب الصوت : ( أنا إلهك يا إبراهيم ) ، أما إبراهيم فارتاع وعفر بوجهه الأرض قائلا : ( كيف يصغي عبدك إليك وهو تراب ورماد ؟ ) ، حينئذ قال الله ( لا تخف بل انهض لأني قد اصطفيتك عبدا لي واني أريد أن أباركك وأجعلك شعبا عظيما ، فاخرج إذا من بيت أبيك وأهلك وتعالى اسكن في الأرض التي أعطيكها أنت ونسلك ، فأجاب إبراهيم : ( إني لفاعل كل ذلك يا رب ولكن احرسني لكي لا يضرني إله آخر ) ، فتكلم الله قائلا : ( أنا الله أحد ، ولا إله غيري ، أضرب وأشفي ، أميت وأحي ، أنزل الجحيم وأخرج منه ، ولا يقدر أحد أن ينقذ نفسه من يدي ) ، ثم أعطاه الله عهد الختان وهكذا عرف الله أبونا إبراهيم ، ولما قال يسوع هذا رفع يديه قائلا : الكرامة والمجد لك يا الله ، ليكن كذلك .                        

الفصل الثلاثون

وذهب يسوع إلى أورشليم قرب المظال وهو أحد أعياد أمتنا ، فلما علم هذا الكتبة والفريسيون تشاوروا ليتسقطوه بكلامه ، فلذلك جاء إليه فقيه قائلا : يا معلم ماذا يجب أن أفعل لأحصل على الحياة الأبدية ؟ ، أجاب يسوع : كيف كتب في الناموس ؟ أجاب قائلا : أحب الرب إلهك وقريبك ، أحب إلهك فوق كل شيء بكل قلبك وعقلك ، وقريبك كنفسك ، أجاب يسوع : أجبت حسنا ، واني أقول لك اذهب وافعل هكذا تكن لك الحياة الأبدية ، فقال له : من هو قريبي ؟ ، أجاب يسوع رافعا طرفه : كان رجل نازلا من أورشليم ليذهب إلى أريحا مدينة أعيد بناؤها تحت اللعنة ، فأمسك اللصوص هذا الرجل على الطريق وجرحوه وعرّوه ، ثم انصرفوا وتركوه مشرفا على الموت ، فاتفق أن مر كاهن بذلك الموضع ، فلما رأى الجريح سار دون أن يحييه ، ومر مثله لاوي دون أن يقول كلمة ، واتفق أن مر ( أيضا ) سامري ، فلما رأى الجريح عطف عليه وترجل عن فرسه وأخذ الجريح وغسل جراحه بخمر ودهنها بدهن ، وبعد أن ضمد جراحه وعزاه أركبه على فرسه ، ولما بلغ في المساء النزل سلمه إلى عناية صاحبه ، ولمـا نهض صباحا قال : اعتن بهذا الرجل وأنا أدفع لك كل شيء ، وبعد أن قدم أربع قطع من الذهب للعليل لأجل صاحب النزل قال : تعز لأني أعود سريعا وأذهب بك إلى بيتي ، قال يسوع : قل لي أيهما كان القريب ؟ ، أجاب الفقيه : الذي أظهر الرحمة ، حينئذ قال يسوع : قد أجبت بالصواب ، فاذهب وافعل كذلك ، فانصرف الفقيه بالخيبة .

الفصل الحادي والثلاثون

فاقترب الكهنة حينئذ إلى يسوع وقالوا يا معلم أيجوز أن تعطي جزية لقيصر ؟ ، فالتفت يسوع ليهوذا وقال : هل معك نقود ؟ ثم أخذ يسوع بيده فلسا والتفت إلى الكهنة وقال لهم : إن على هذا الفلس صورة فقولوا لي صورة من هي ؟ فأجابوا : صورة قيصر ، فقال يسوع : أعطوا إذا ما لقيصر لقيصر وأعطوا ما لله لله ، حينئذ انصرفوا بالخيبة ، واقترب قائد مائة قائلا : يا سيد إن ابني مريض فارحم شيخوختي ، أجاب يسوع ليرحمك الرب إله إسرائيل ، ولما كان الرجل منصرفا قال يسوع : انتظرني ، لأني آتٍ  إلى بيتك لأصلي على ابنك ، أجاب قائد المائة : يا سيد إني لست أهلا وأنت نبي الله تأتي إلى بيتي ، تكفيني كلمتك التي تكلمت بها لشفاء ابني ، لأن إلهك قد جعلك سيدا على كل مرض كما قال لي ملاكه في المنام ، فتعجب حينئذ يسوع كثيرا ، وقال ملتفتا إلى الجمع : انظروا هذا الأجنبي لأن فيه إيمان أكثر من وجد في إسرائيل ، ثم التفت إلى قائد المائة وقال : اذهب بسلام لأن الله منح ابنك صحة لأجل الإيمان العظيم الذي أعطاكه ، فمضى قائد المائة في طريقه ، والتقى في الطريق بخدمته الذين أخبروه أن ابنه قد برىء ، أجاب الرجل : في أي ساعة تركته الحمى ؟ فقالوا : أمس في الساعة السادسة انصرفت عنه الحمى ، فعلم الرجل انه لما قال يسوع ( ليرحمك الرب إله إسرائيل ) استرد ابنه صحته ، لذلك آمن الرجل بإلهنا ، ولما دخل بيته حطم كل آلهته تحطيما قائلا : ليس الإله الحقيقي الحي سوى إله إسرائيل ، لذلك قال  : ( لا يأكل خبزي أحد لم يعبد إله إسرائيل ) .

الفصل الثاني والثلاثون

ودعا أحد المتضلعين من الشريعة يسوع للعشاء ليجربه ، فجاء يسوع إلى هناك مع تلاميذه ، وكثيرون من الكتبة انتظروه في البيت ليجربوه ، فجلس التلاميذ إلى المائدة دون أن يغسلوا أيديهم ، فدعـا الكتبة يسوع قائلين : لماذا لا يحفظ تلاميذك تقاليد شيوخنا بعدم غسل أيديهم قبل أن يأكلوا خبزا ؟ ، أجاب يسوع : وأنا أسألكم لأي سبب أبطلتم شريعة الله لتحفظوا تقاليدكم ؟، تقولون لأولاد الآباء الفقراء ( قدموا وانذروا نذورا للهيكل ) وهم إنما يجعلون نذورا من النزر الذي يجب أن يعولوا به آباءهم ، إذا أحب آباؤهم أن يأخذوا نقودا يصرخ الأبناء ( أن هذه النقود نذر الله ) ، فيصيب الآباء بسبب ذلك ضيق ، أيها الكتبة الكذابون المراؤون أيستعمل الله هذه النقود ؟ ، كلا ثم كلا ، لأن الله لا يأكل كما يقول بواسطة عبده داود النبي ( هل آكل لحم الثيران وأشرب دم الغنم ؟ أعطني ذبيحة الحمد وقدم لي نذورك ، لأني إن جعت لا أطلب منك شيئا لأن كل الأشياء في يدي وعندي وفرة الجنة )  ، أيها المراؤون إنكم إنما تفعلون ذلك لتملأوا كيسكم ولذلك تعشرون السذاب والنعنع ، ما أشقاكم لأنكم تظهرون للآخرين أشد الطرق وضوحا ولا تسيرون فيها ، أيها الكتبة والفقهاء إنكم تضعون على عواتق الآخرين أحمالا لا يطاق حملها ، ولكنكم أنفسكم لا تحركونها بإحدى أصابعكم ، الحق أقول لكم أن كل شر إنما دخل العالم بوسيلة الشيوخ ، قولوا لي من أدخل عبادة الأصنام في العالم إلا طريقة الشيوخ ، إنه كان ملك أحب أباه كثيرا وكان اسمه بعلا ، فلما مات الأب أمر ابنه بصنع تمثال شبه أبيه تعزية لنفسه ، ونصبه في سوق المدينة ، وأمر بأن يكون كل من اقترب من ذلك التمثال إلى مسافة خمسة عشر ذراعا في مأمن لا يلحق أحد به أذى على الإطلاق ، وعليه أخذ الأشرار بسبب الفوائد التي جنوها من التمثال يقدمون له وردا وزهورا ، ثم تحولت هذه الهدايا في زمن قصير إلى نقود وطعام حتى سموه إلها تكريما له . وهذا الشيء تحول من عادة إلى شريعة حتى أن الصنم بعلا انتشر في العالم كله ، وقد ندب الله على هذا بواسطة إشعيا قائلا : ( حقا إن هذا الشعب يعبدني باطلا ، لأنهم أبطلوا شريعتي التي أعطاهم إياها عبدي موسى ويتبعون تقاليد شيوخهم ) ، الحق أقول لكم أن أكل الخبز بأيد غير نظيفة لا ينجس إنسانا لأن ما يدخل الإنسان لا ينجس الإنسان بل الذي يخرج من الإنسان ينجس الإنسان ، فقال حينئذ أحد الكتبة : إن أكلت لحم الخنزير أو لحوما أخرى نجسه أفلا تنجس هذه ضميري ؟ ، أجاب يسوع : إن العصيان لا يدخل الإنسان بل يخرج من الإنسان من قلبه ، ولذلك يكون نجسا متى أكل طعاما محرما ، حينئذ قال أحد الفقهاء : يا معلم لقد تكلمت كثيرا في عبادة الأصنام كأن عند شعب إسرائيل أصناما ، وعليه فقد أسأت إلينا ، أجاب يسوع : أعلم جيدا أنه لا يوجد اليوم تماثيل من خشب في إسرائيل ولكن توجد تماثيل من جسد ، فأجاب حينئذ جميع الكتبة بحنق : أنحن إذا عبدة أصنام ؟ ، أجاب يسوع : الحق أقول لكم لا تقول الشريعة أعبد بل أحب الرب إلهك بكل نفسك وبكل قلبك وبكل عقلك ، ثم قال يسوع : أصحيح هذا ؟ فأجاب كل واحد : إنه لصحيح .

الفصل الثالث والثلاثون

ثم قال يسوع حقا أن كل ما يحبه الإنسان ويترك لأجله كل شيء سواه فهو إلهه ، وهكذا فإن صنم الزاني هو الزانية وصنم النهم والسكير جسده ، وصنم الطماع الفضة والذهب ، وقس عليه كل خاطىء آخر ، فقال حينئذ الذي دعاه : يا معلم ما هي أعظم خطيئة ؟ ، أجاب يسوع : أي الخراب أعظم في البيت ؟ ، فسكت كل احد ، ثم أشار يسوع بإصبعه إلى الأساس وقال : إذا تزعزع أساس سقط البيت خرابا ، فيلزم إذ ذاك أن يبني جديدا ، ولكن إذا تداعى أي جزء سواه يمكن ترميمه ، ولذلك أقول لكم أن عبادة الأصنام هي أعظم خطيئة ، لأنها تجرد الإنسان بالمرة من الإيمان ، فتجرده من الله بحيث لا تكون له محبة روحية ، ولكن كل خطيئة أخرى تترك للإنسان أمل نيل الرحمة ، ولذلك أقول أن عبادة الأصنام أعظم خطيئة ، فوقف الجميع مبهوتين من حديث يسوع لأنهم علموا أنه لا يمكن الرد عليه مطلقا ، ثم أتم يسوع : تذكروا ما تكلم الله به وما كتبه موسى ويشوع في الناموس فتعلموا ما أعظم هذه الخطيئة ، قال الله مخاطبا إسرائيل : لا تصنع لك تمثالا مما في السماء ولا ممـا تحت السماء ، ولا تصنعه مما فوق الأرض ولا مما تحت الأرض ، ولا مما فوق الماء ولا مما تحت الماء ، إني أنا إلهك قوي وغيور ينتقم لهذه الخطيئة من الآباء وأبنائهم حتى الجيل الرابع ، فاذكروا كيف لما صنع آباؤنا العجل وعبدوه أخذ يشوع وسبط لاوى السيف بأمر الله وقتلوا مائة ألف وعشرين ألفا من أولئك الذين لم يطلبوا رحمة من الله ، ما أشد دينونة الله على عبدة الأوثان .

الفصل الرابع والثلاثون

وكان أمام الباب واحد كانت يده اليمنى متيبسة إلى حد لم يتمكن معه من استعمالها ، فوجه يسوع قلبه لله وصلى ثم قال : لتعلموا أن كلماتي حق أقول باسم الله امدد يا رجل يدك المريضة ، فمدها صحيحة كأن لم تصبها علة ، حينئذ ابتدأوا يأكلون بخوف الله ، وبعد أن أكـلوا قليلا قال يسوع أيضا : الحق أقول لكم أن إحراق مدينة لأفضل من أن يترك فيها عادة رديئة ، لأن لأجل مثل هذا يغضب الله على رؤساء وملوك الأرض الذين أعطاهم الله سيفا ليفنوا الآثام ، ثم قال بعد ذلك يسوع . متى دعيت فاذكر ألا تضع نفسك في الموضع الأعلى ، حتى إذا جاء صديق لصاحب البيت أعظم منك لا يقول لك صاحب البيت ( قم واجلس أسفل ) فيكون باعثا لك على الخجل ، بل اذهب واجلس في أحقر موضع ليجيء الذي دعاك ويقول ( قم يا صديق واجلس هنا في الأعلى ) فيكون لك حينئذ فخر عظيم ، لأن من يرفع نفسه يتًّضع ومن يضع نفسه يرتفع ، الحق أقول لكم أن الشيطان لم يخذل إلا بخطيئة الكبرياء ، كما يقول النبي إشعيا موبخا إياه بهذه الكلمات : ( كيف سقطت من السماء يا كوكب الصبح يا من كنت جمال الملائكة وأشرقت كالفجر ، حقا إن كبرياءك قد سقطت للأرض ) ، الحق أقول لكم إذا عرف إنسان شقاءه فإنه يبكي هنا على الأرض دائما ، ويحسب نفسه أحقر من كل شيء آخر ، ولا سبب وراء هذا لبكاء الإنسان الأول وامرأته مائة سنة بدون انقطاع طالبين رحمة من الله ، لأنهما علما يقينا أين سقطا بكبريائهما ، ولما قال يسوع هذا شكر ، وذاع ذلك اليوم في أورشليم الأشياء العظيمة التي قالها يسوع والآية التي صنعها ، فشكر الشعب الله مباركين اسمه القدوس ، أما الكتبة والكهنة فلما أدركوا أنه ندد بتقاليد الشيوخ اضطرموا ببغضاء أشد ، وقسوا قلوبهم نظير فرعون ، ولذلك طلبوا فرصة ليقتلوه ولكنهم لم يجدوها .

الفصل الخامس والثلاثون

وانصرف يسوع من أورشليم ، وذهب إلى البرية وراء الأردن ، فقال تلاميذه الذين كانوا جالسين حوله : يا معلم قل لنا كيف سقط الشيطان بكبريائه ، لأننا كنا نعلم أنه سقط بسبب العصيان ، ولأنه كان دائما يفتن الإنسان ليفعل شرا ، أجاب يسوع : لما خلق الله كتلة من التراب ، وتركها خمسا وعشرين ألف سنة بدون أن يفعل شيئا آخر ، علم الشيطان الذي كان بمثابة كاهن ورئيس للملائكة لما كان عليه من الإدراك العظيم أن الله سيأخذ من تلك الكتلة مائة وأربعة وأربعين ألفا موسومين بسمة النبوة ورسول الله الذي خلق الله روحه قبل كل شيء آخر بستين ألف سنة ، ولذلك غضب الشيطان فأغرى الملائكة قائلا : ( انظروا سيريد الله يوما ما أن نسجد لهذا التراب ، وعليه فتبصروا في أننا روح وأنه لا يليق أن نفعل ذلك ) ، لذلك ترك الله كثيرون ، من ثم قال الله يوما لما التأمت الملائكة كلهم ( ليسجد توا كل من اتخذني ربا لهذا التراب ، فسجد له الذين أحبوا الله ، أما الشيطان والذين كانوا على شاكلته فقالوا : ( يا رب أننا روح ولذلك ليس من العدل أن نسجد لهذه الطينة ، ولما قال الشيطان ذلك أصبح هائلا ومخوف النظر ، وأصبح إتباعه مقبوحين ، لأن الله أزال بسبب عصيانهم الجمال الذي جمًّلهم به لما خلقهم ، فلما رفع الملائكة الأطهار رؤوسهم رأوا شدة قبح الهولة التي تحول الشيطان إليها ، وخر أتباعه على وجوههم إلى الأرض خائفين ، حينئذ قال الشيطان : ( يا رب إنك جعلتني قبيحا ظلما ولكنني راض بذلك لأني أروم أن أبطل كل ما فعلت ) ، وقالت الشياطين الأخرى : ( لا تدعه ربا يا كوكب الصبح لأنك أنت الرب ) حينئذ قال الله لأتباع الشيطان : ( توبوا واعترفوا بأنني أنا الله خالقكم ) أجابوا : ( إننا نتوب عن سجودنا لك لأنك غير عـادل ، ولكن الشيطـان عـادل وبريء وهـو ربنا ) حينئذ قـال الله : ( انصرفوا عني أيها الملاعين لأنه ليس عندي رحمة لكم وبصق الشيطان أثناء انصرافه على كتلة التراب ، فرفع جبريل ذلك البصاق مع شيء من التراب فكان للإنسان بسبب ذلك سرة في بطنه .

الفصل السادس والثلاثون

فدهش التلاميذ دهشا عظيما لعصيان الملائكة ، حينئذ قال يسوع : الحق أقول لكم إن من لا يصلي فهو شر من الشيطان ، وسيحل به عذاب أعظم ، لأنه لم يكن للشيطان قبل سقوطه عبرة في الخوف ، ولم يرسل الله له رسولا يدعوه إلى التوبة ، ولكن الإنسان وقد جاء الأنبياء كلهم إلا رسول الله الذي سيأتي بعدي لأن الله يريد ذلك حتى أهيء طريقه ، يعيش بإهمال بدون أدنى خوف كأنه لا يوجد إله مع أن له أمثلة لا عداد لها على عدل الله ، فعن مثل هؤلاء قال داود النبي : ( قال الجاهل في قلبه ليس إله لذلك كانوا فاسدين وأمسوا رجسا ًدون أن يكون فيهم واحد يفعل صلاحا ً) صلوا بدون انقطاع يا تلاميذي لتعطوا ، لأن من يطلب يجد ، ومن يقرع يفتح له ، ومن يسأل يعط ، ولا تنظروا في صلواتكم إلى كثرة الكلام لأن الله ينظر إلى القلب كما قال سليمان ( يا عبدي أعطني قلبك ) الحق أقول لكم لعمر الله أن المرائين يصلون كثيرا في كل أنحاء المدينة لينظرهم الجمهور ويعدهم قديسين ولكن قلوبهم ممتلئة شرا ، فهم ليسوا على جد في ما يطلبون ، فمن الضروري أن تكون مخلصا في صلاتك إذا أحببت أن يقبلها الله ، فقولوا لي من يذهب ليكلم الحاكم الروماني أو هيرودس ولا يكون قصده موجها إلى من هو ذاهب إليه وإلى ما هو عازم أن يطلبه منه ؟ ، لا أحد مطلقا ، فإذا كان الإنسان يفعل كذلك ليكلم رجلا فماذا على الإنسان أن يفعل ليكلم الله ، ويطلب منه رحمة لخطاياه شاكرا إياه على كل ما أعطاه . الحق أقول لكم إن الذين يقيمون الصلاة قليلون ، ولذلك كان للشيطان تسلط عليهم ، لأن الله لا يحب أولئك الذين يكرمونه بشفاههم ، الذين يطلبون في الهيكل رحمة بشفاههم ، ولكن قلوبهم تستصرخ العدل ، كما تكلم إشعيا النبي قائلا : ( أبعد هذا الشعب الثقيل على ، لأنهم يحترمونني بشفاههم أما قلبهم فمبتعد عني ) ، الحق أقول لكم إن الذي يذهب ليصلي بدون تدبر يستهزئ بالله ، من يذهب ليكلم هيرودس ويوليه ظهره ؟ ويمدح أمامه بيلاطس الحاكم الذي يكرهـه حتى الموت ؟ ، لا أحد مطلقا ، ولكن الإنسان الذي يذهب ليصلي ولا يعد نفسه لا يكون فعله دون هذا ، فإنه يولي الله ظهره والشيطان وجهه ، لأن في قلبه محبة الإثم التي لم يتب عنها ، فإذا أساء إليك أحد وقال لك بشفتيه : ( اغفر لي) وضربك ضربة بيديه فكيف تغفر له ؟ هكذا يرحم الله الذين يقولون بشفاههم ( يا رب ارحمنا ) ويحبون بقلوبهم الإثم ويهمّون بخطايا جديدة .  

الفصل السابع والثلاثون

فبكى التلاميذ لكلام يسوع ، وتضرعوا إليه قائلين : يا سيد علمنا لنصلي ، أجاب يسوع : تأملوا ماذا تفعلون إذا ألقى القبض عليكم الحاكم الروماني ليعدمكم ، فافعلوا نظير ذلك حينما تصلون ، وليكن كلامكم هذا ، أيها الرب إلهنا ، ليتقدس اسمك القدوس ، ليأت ملكوتك فينا ، لتنفذ مشيئتك دائما ، وكما هي نافذة في السماء لتكن نافذة كذلك على الأرض ، أعطنا الخبز لكل يوم ، واغفر لنا خطايانا ، كما نغفر نحن لمن يخطئون إلينا ، ولا تسمح بدخولنا في التجارب ، ولكن نجنا من الشرير ، لأنك أنت وحدك إلهنا الذي يجب له المجد والإكرام إلى الأبد .

الفصل الثامن والثلاثون

حينئذ أجاب يوحنا : يا معلم لنغتسل كما أمر الله على لسان موسى ، قال يسوع : أتظنون إني جئت لأجل الشريعة والأنبياء ؟ ، الحق أقول لكم لعمر الله أني لم آت لأبطلها ولكن لأحفظها ، لأن كل نبي حفظ شريعة الله وكل ما تكلم الله به على لسان الأنبياء الآخرين ، لعمر الله الذي تقف نفسي في حضرته لا يمكن أن يكون مرضيا لله من يخالف أقل وصاياه ، ولكنه يكون الأصغر في ملكوت الله ، بل لا يكون له نصيب هناك ، وأقول لكم أيضا أنه لا يمكن مخالفة حرف واحد من شريعة الله إلا بإجتراح أكبر الآثام ، ولكني أحب أن تفقهوا أنه ضروري أن تحافظوا على هذه الكلمات التي قالها الله على لسان إشعيا النبي ( اغتسلوا وكونوا أنقياء أبعدوا أفكاركم عن عيني ) الحق أقول لكم إن ماء البحر كله لا يغسل من يحب الآثام بقلبه ، وأقول لكم أيضا أنه لا يقدم أحد صلاة مرضية لله إن لم يغتسل ، ولكنه يحمل نفسه خطيئة شبيهة بعبادة الأوثان ، صدقوني بالحق أنه إذا صلى إنسان لله كما يجب ينال كل ما يطلب ، اذكروا موسى عبد الله الذي ضرب بصلاته مصر وشق البحر الأحمر وأغرق هناك فرعون وجيشه ، اذكروا يشوع الذي أوقف الشمس ، وصموئيل الذي أوقع الرعب في جيش الفلسطينيين الذي لا يحصى ، وإيليا الذي أمطر نارا من السماء ، وأقام اليشع ميتا ، وكثيرون غيرهم من الأنبياء الأطهار الذين بواسطة الصلاة نالوا كل ما طلبوا ، ولكن هؤلاء الناس لم يطلبوا في الحقيقة شيئا لهم أنفسهم ، بل إنما طلبوا الله ومجده .

الفصل التاسع والثلاثون

حينئذ قال يوحنا : حسنا تكلمت يا معلم ، ولكن ينقصنا أن نعرف كيف أخطأ الإنسان بسبب الكبرياء ، أجاب يسوع : لما طرد الله الشيطان ، وطهر الملاك جبريل تلك الكتلة من التراب التي بصق عليها الشيطان ، خلق الله كل شيء حي من الحيوانات التي تطير ومن التي تدب وتسبح ، وزين العالم بكل ما فيه ، فاقترب الشيطان يوما ما من أبواب الجنة ، فلما رأى الخيل تأكل العشب أخبرها أنه إذا تأتى لتلك الكتلة من التراب أن يصير لها نفس أصابها ضنك ، ولذلك كان من مصلحتها أن تدوس تلك القطعة من التراب على طريقة لا تكون بعدها صالحة لشيء ، فثارت الخيل وأخذت تعدو بشدة على تلك القطعة من التراب التي كانت بين الزنابق والورود ، فأعطى الله من ثم روحا لذلك الجزء النجس من التراب الذي وقع عليه بصاق الشيطان الذي كان أخذه جبريل من الكتلة ، وأنشأ الكلب فأخذ ينبح فروّع الخيل فهربت ، ثم أعطى الله نفسه للإنسان وكانت الملائكة كلها ترنم : ( اللهم ربنا تبارك اسمك القدوس ) فلما انتصب آدم على قدميه رأى في الهـواء كتابة تتألق كالشمس نصها (( لا إله إلا الله ومحمد رسـول الله )) ، ففتح حينئذ آدم  فاه وقال : ( أشكرك أيها الرب إلهي لأنك تفضلت فخلقتني ، ولكن أضرع إليك أن تنبأني ما معنى هذه الكلمات (( محمد رسـول الله )) ، فأجاب الله : ( مرحبا بك يا عبدي آدم ، وإني أقول لك أنك أول إنسان خلقت ، وهذا الذي رأيته إنما هو ابنك الذي سيأتي إلى العالم بعد الآن بسنين عديدة ، وسيكون رسولي الذي لأجله خلقت كل الأشياء ، الذي متى جاء سيعطى نورا للعالم ، الذي كانت نفسه موضوعة في بهاء سماوي ستين ألف سنة قبل أن أخلق شيئا ) . فضرع آدم إلى الله قائلا : ( يا رب هبني هـذه الكتابة على أظفار أصابع يدي ) فمنح الله الإنسان الأول تلك الكتابة على إبهاميه ، على ظفر إبهام اليد اليمنى ما نصه (( لا إله إلا الله )) ، وعلى ظفر إبهـام اليد اليسرى مـا نصه (( محمد رسول الله )) ، فقبّل الإنسان الأول بحنو أبوي هذه الكلمات ، ومسح عينيه وقال : ( بورك ذلك اليوم الذي سيأتي فيه إلى العالم ) فلما رأى الله الإنسان وحده قال : ( ليس حسنا أن يكون وحده ) فلذلك نوّمه ، وأخذ ضلعا من جهة القلب ، وملأ الموضع لحما ، فخلق من تلك الضلع حواء ، وجعلها امرأة لآدم ، وأقام الزوجين سيدي الجنة ، وقال لهما : ( أنظروا إني أعطيكما كل ثمر لتأكلا منه خلا التفاح والحنطة ) ثم قال:( احذروا أن تأكلا شيئا من هذه الأثمار ، لأنكما تصيران نجسين ، فلا أسمح لكما بالبقاء هنا بل أطردكما ويحل بكما شقاء عظيم ) .  

الفصل الأربعون

  فلما علم الشيطان بذلك تميز غيظا ، فاقترب إلى باب الجنة حيث كان الحارس حية مخوفة لها قوائم كجمل وأظافر أقدامها محددة من كل جانب كموسى ، فقال لهـا العدو : ( اسمحي لي بأن ادخـل الجنة ) أجابت الحية :  ( وكيف أسمح لك بالدخول وقد أمرني الله بأن أطردك ؟ ) أجاب الشيطان : ( ألا ترين كم يحبك الله إذ أقامك خارج الجنة لتحرسي كتلة من الطين وهي الإنسان ؟ ، فإذا أدخلتني الجنة أجعلك رهيبة حتى أن كل أحد يهرب منك ، فتذهبين وتقيمين حسب إرادتك ) فقالت الحية ( وكيف أدخلك ) أجاب الشيطان : ( إنك كبيرة فافتحي فاك فأدخل بطنك ، فمتى دخلت الجنة ضعيني بجانب هاتين الكتلتين من الطين اللتين تمشيان حديثا على الأرض ) ففعلت عندئذ الحية ذلك ، ووضعت الشيطان بجانب حواء لأن آدم زوجها كان نائما ، فتمثل الشيطان للمرأة ملاكا جميلا وقال لها : ( لماذا لا تأكلان من هذا التفاح وهذه الحنطة ؟ ) أجابت حواء : ( قال لنا إلهنا إنا إذا أكلنا منها صرنا نجسين ولذلك يطردنا من الجنة ) فأجاب الشيطان : ( إنه لم يقل الصدق ، فيجب أن تعرفي أن الله شرير وحسود ، ولذلك لا يحتمل أندادا ، ولكنه يستعبد كل أحد ، وهو إنما قال لكما ذلك لكيلا تصيرا ندين له ، ولكن إذا كنت وعشيرك تعملان بنصيحتي فإنكما تأكلان من هذه الأثمار كما تأكلان من غيرها ، ولا تلبثا خاضعين لآخرين ، بل تعرفان الخير والشر كالله وتفعلان ما تريدان ، لأنكما تصيران ندين لله ) فأخذت حينئذ حواء وأكلت من هذه الأثمار ، ولما استيقظ زوجها أخبرته بكل ما قال الشيطان ، فتناول منها ما قدمته له وأكل ، وبينما كان الطعام نازلا ذكر كلام الله ، فلذلك أراد أن يوقف الطعام فوضع يده في حلقه حيث كل إنسان له علامة .

الفصل الحادي والأربعون

حينئذ علم كلاهما أنهما كانا عريانين ، فلذلك استحيا وأخذا أوراق التين وصنعا ثوبا لسوأتهما ، فلما مالت الظهيرة إذا بالله قد ظهر لهما ونادى آدم قائلا : ( آدم أين أنت ) فأجاب : ( يا رب تخبأت من حضرتك لأني وامرأتي عريانان فلذلك نستحي أن نتقدم أمامك ) فقال الله : ( ومن اغتصب منكما براءتكما إلا أن تكونا أكلتما الثمر فصرتما بسببه نجسين ، ولا يمكنكما أن تمكثا بعد في الجنة ) ، أجاب آدم : ( يا رب إن الزوجة التي أعطيتني طلبت مني أن آكل فأكلت منه ) حينئذ قال الله للمرأة : ( لماذا أعطيت طعاما كهذا لزوجك ؟ ) أجابت حواء : ( إن الشيطان خدعني فأكلت ) قال الله : ( كيف دخل ذلك الرجيم إلى هنا ؟ ) أجابت حواء : ( إن الحية التي تقف على الباب الشمالي من الجنة أحضرته إلى جانبي ) فقال الله لآدم : ( لتكن الأرض ملعونة بعملك لأنك أصغيت لصوت امرأتك وأكلت الثمر ، لتنبت لك حسكا وشوكا ، ولتأكل الخبز بعرق وجهك ، واذكر أنك تراب وإلى التراب تعود ) وكلم حواء قائلا : ( وأنت التي أصغيت للشيطان ، وأعطيت زوجك الطعام تلبثين تحت تسلط الرجل الذي يعاملك كأمة ، وتحملين الأولاد بالألم ، ولما دعا الحية دعا الملاك ميخائيل الذي يحمل سيف الله وقال : ( اطرد أولا من الجنة هذه الحية الخبيثة ، ومتى صارت خارجا فاقطع قوائمها ، فإذا أرادت أن تمشي يجب أن تزحف ) ثم نادى الله بعد ذلك الشيطان فأتى ضاحكـا فقال له : ( لأنك أيها الرجيم خدعت هذين وصيرتهما نجسين أريد أن تدخل في فمك كل نجاسة فيهما وفي كل أولادهما متى تابوا عنها وعبدوني حقا فخرجت منهم فتصير مكتظا بالنجاسة ) فجأر الشيطان حينئذ جأرا مخوفا وقال : ( لما كنت تريد أن تصيرني أردء ممـا أنا عليه فإني سأجعل نفسي كما أقدر أن أكون ) حينئذ قال الله : ( انصرف أيها اللعين من حضرتي ) فانصرف الشيطان ، ثم قال الله لآدم وحواء اللذين كانا ينتحبان : ( أخرجا من الجنة ، وجاهدا أبدانكما ولا يضعف رجاؤكما ، لأني أرسل ابنكما على كيفية يمكن بها لذريتكما أن ترفع سلطة الشيطان عن الجنس البشري ، لأني سأعطي رسولي الذي سيأتي كل شيء ، فاحتجب الله وطردهما الملاك ميخائيل من الفردوس ، فلما التفت آدم رأى مكتوبا فوق الباب : (( لا إله إلا الله محمد رسول الله )) فبكى عند ذلك وقال : ( أيها الابن عسى الله أن يريد أن تأتي سريعا وتخلصنا من هذا الشقاء ) قال يسوع : هكذا أخطأ الشيطان وآدم بسبب الكبرياء ، أما أحدهما فلأنه احتقر الإنسان ، وأما الآخر فلأنه أراد أن يجعل نفسه ندا لله .

الفصل الثاني والأربعون

فبكى التلاميذ بعد هذا الخطاب ، وكان يسوع باكيا لما رأوا كثيرين من الذين جاءوا يفتشون عليه ، فإن رؤساء الكهنة تشاوروا فيما بينهم ليتسقطوه بكلامه، لذلك أرسلوا اللاويين وبعض الكتبة يسألونه قائلين : من أنت ؟ فاعترف يسوع وقال : الحق إني لست مسيا ، فقالوا : أأنت إيليا أو إرميا أو أحد الأنبياء القدماء ؟ أجاب يسوع : كلا ، حينئذ قالوا : من أنت ، قل لنشهد للذين أرسلونا ؟ ، فقال حينئذ يسوع : أنا صوت صارخ في اليهودية كلها ، يصرخ : أعدوا طريق رسول الرب كما هو مكتوب في إشعيا ، قالوا : إذا لم تكن المسيح ولا إيليا أو نبيا ما فلماذا تبشر بتعليم جديد وتجعل نفسك أعظم شأنا من مسيا ؟ ، أجاب يسوع : إن الآيات التي يفعلها الله على يدي تظهر أني أتكلم بما يريد الله ، ولست أحسب نفسي نظير الذي تقولون عنه ، لأني لست أهلا أن أحل رباطات جرموق أو سيور حذاء رسول الله الذي تسمونه مسيا الذي خلق قبلي وسيأتي بعدي وسيأتي بكلام الحق ولا يكون لدينه نهاية ) فانصرف اللاويون والكتبة بالخيبة وقصوا كل شيء على رؤساء الكهنة الذين قالوا : إن الشيطان على ظهره وهو يتلو كل شيء عليه ، ثم قال يسوع لتلاميذه : الحق أقول لكم أن رؤساء وشيوخ شعبنا يتربصون بي الدوائر .     فقال بطرس : لا تذهب فيما بعد إلى أورشليم ، فقال له يسوع : إنك لغبي ولا تدري ما تقول فإن علي أن أحتمل اضطهادات كثيرة لأنه هكذا احتمل جميع الأنبياء وأطهار الله ولكن لا تخف لأنه يوجد قوم معنا وقوم علينا ، ولما قال يسوع هذا انصرف وذهب إلى جبل طابور وصعد معه بطرس ويعقوب ويوحنا أخوه مع الذي يكتب هذا ، فأشرق هناك فوقهم نور عظيم ، وصارت ثيابه بيضاء كالثلج ، ولمع وجهه كالشمس ، وإذا بموسى وإيليا قد جاءا يكلمان يسوع بشأن ما يسحل بشعبنا وبالمدينة المقدسة ، فتكلم بطرس قائلا : يا رب حسن أن نكون ههنا ، فإذا أردت نضع ثلاث مظال لك واحدة ولموسى واحدة والأخرى لإيليا ، وبينما كان يتكلم غشيته سحابة بيضاء ، وسمعوا صوتا قائلا : انظروا خادمي الذي به سررت ، اسمعوا له ، فارتاع التلاميذ وسقطوا على وجوههم إلى الأرض كأنهم أموات ، فنزل يسوع وأنهض تلاميذه قائلا : لا تخافوا لأن الله يحبكم وقد فعل هذا لكي تؤمنوا بكلامي .

الفصل الثالث والأربعون

ونزل يسوع إلى التلاميذ الثمانية الذين كانوا ينتظرونه أسفل ، وقص الأربعة على الثمانية كل ما رأوا ، وهكذا زال في ذلك اليوم من قلوبهم كل شك في يسوع إلا يهوذا الإسخريوطي الذي لم يؤمن بشيء ، وجلس يسوع على سفح الجبل وأكلوا من الأثمار البرية لأنه لم يكن عندهم خبز ، حينئذ قال اندراوس : لقد حدثتنا بأشياء كثيرة عن مسيا فتكرم بالتصريح لنا بكل شيء ، فأجاب يسوع : كل من يعمل فإنما يعمل لغاية يجد فيها غناء ، لذلك أقول لكم أن الله لما كان بالحقيقة كاملا لم يكن له حاجة إلى غناء ، لأنه الغناء عنده نفسه ، وهكذا لما أراد أن يعمل خلق قبل كل شيء نفس رسوله  الذي لأجله قصد إلى خلق الكل ، لكي تجد الخلائق فرحا وبركة بالله ، ويسر رسوله بكل خلائقه التي قدر أن تكون عبيدا ، ولماذا وهل كان هذا هكذا إلا لأن الله أراد ذلك ؟ ، الحق أقول لكم أن كل نبي متى جاء فإنه إنما يحمل لأمة واحدة فقط علامة رحمة الله ، ولذلك لم يتجاوز كلامهم الشعب الذي أرسلوا إليه ، ولكن رسول الله متى جاء يعطيه الله ما هو بمثابة خاتم يده ، فيحمل خلاصا ورحمة لأمم الأرض الذين يقبلون تعليمه ، وسيأتي بقوة على الظالمين ، ويبيد عبادة الأصنام بحيث يخزي الشيطان ، لأنه هكذا وعد الله إبراهيم قائلا : ( انظر فاني بنسلك أبارك كل قبائل الأرض وكما حطمت يا إبراهيم الأصنام تحطيما هكذا سيفعل نسلك ) أجاب يعقوب : يا معلم قل لنا بمن صنع هذا العهد ؟ ، فإن اليهود يقولون (( بإسحاق )) والإسماعيليون يقولون (( بإسماعيل )) ، أجاب يسوع : ابن من كان داود ومن أي ذرية ؟ ، أجاب يعقوب : من إسحاق لأن إسحاق كان أبا يعقوب ويعقوب كان أبا يهوذا الذي من ذريته داود، فحينئذ قال يسوع :  ومتى جاء رسول الله فمن نسل من يكون ، أجاب التلاميذ : من داود ، فأجاب يسوع : لا تغشوا أنفسكم ، لأن داود يدعوه في الروح ربا قائلا هكذا : ( قال الله لربي اجلس عن يميني حتى أجعل أعداءك موطئا لقدميك ، يرسل الرب قضيبك الذي سيكون ذا سلطان في وسط أعدائك ) فإذا كان رسول الله الذي تسمونه مسيا بن داود فكيف يسميه داود ربا ، صدقوني لأني أقول لكم الحق أن العهد صنع بإسماعيل لا بإسحاق .

الفصل الرابع والأربعون

حينئذ قال التلاميذ : يا معلم هكذا كتب في كتاب موسى أن العهد صنع بإسحاق ، أجاب يسوع متأوها : هذا هو المكتوب ، ولكن موسى لم يكتبه ولا يشوع ، بل أحبارنا الذين لا يخافون الله ، الحق أقول لكم أنكم إذا أعملتم النظر في كلام الملاك جبريل تعلمون خبث كتبتنا وفقهائنا ، لأن الملاك قال : ( يا إبراهيم سيعلم العالم كله كيف يحبك الله ، ولكن كيف يعلم العالم محبتك لله ، حقا يجب عليك أن تفعل شيئا لأجل محبة الله ، أجاب إبراهيم : ( ها هو ذا عبد الله مستعد أن يفعل كل ما يريد الله ) فكلم الله حينئذ إبراهيم قائلا : خذ ابنك بكرك إسماعيل واصعد الجبل لتقدمه ذبيحة ) فكيف يكون إسحاق البكر وهو لما ولد كان إسماعيل ابن سبع سنين ؟ ، فقال حينئذ التلاميذ : إن خداع الفقهاء لجلي ، لذلك قل لنا أنت الحق لأننا نعلم أنك مرسل من الله ، فأجاب حينئذ يسوع : الحق أقول لكم أن الشيطان يحاول دائما إبطال شريعة الله ، فلذلك قد نجس هو وأتباعه والمراؤون وصانعوا الشر كل شيء اليوم ، الأولون بالتعليم الكاذب والآخرون بمعيشة الخلاعة ، حتى لا يكاد يوجد الحق تقريبا ، ويل للمرائين لأن مدح هذا العالم سينقلب عليهم إهانة وعذابا في الجحيم ، لذلك أقول لكم أن رسول الله بهاء يسر كل ما صنع الله تقريبا ، لأنه مزدان بروح الفهم والمشورة ، روح الحكمة والقوة ، روح الخوف والمحبة ، روح التبصر والاعتدال ، مزدان بروح المحبة والرحمة ، روح العدل والتقوى ، روح اللطف والصبر التي أخذ منها من الله ثلاثة أضعاف مـا أعطى لسائر خلقه ، ما أسعد الزمن الذي سيأتي فيه إلى العالم ، صدقوني أني رأيته وقدمت له الاحترام كما رآه كل نبي ، لأن الله يعطيهم روحه نبوة ، ولما رأيته امتلأت عزاءا قائلا : يا محمد ليكن الله معك وليجعلني أهلا أن أحل سير حذائك ، لأني إذا نلت هذا صرت نبيا عظيما وقدوس الله ، ولما قال يسوع هذا شكر الله .

الفصل الخامس والأربعون

ثم جاء الملاك جبريل يسوع وكلمه بصراحة حتى أننا نحن أيضا سمعنا صوته يقول : ( قم واذهب إلى أورشليم ) فانصرف يسوع وصعد إلى أورشليم ، ودخل يوم السبت الهيكل وابتدأ يعلم الشعب ، فأسرع الشعب إلى الهيكل مع رئيس الكهنة والكهنة الذين اقتربوا من يسوع قائلين : يا معلم قيل لنا أنك تقول سوءا فينا لذلك احذر أن يحل بك سوء ، أجاب يسوع : الحق أقول لكم أني أقول سوءا عن المرائين فإذا كنتم مرائين فإني أتكلم عنكم ، فقالوا : من هو المرائي قل لنا صريحا ، قال يسوع : الحق أقول لكم أن كل من يفعل حسنا لكي يراه الناس فهو مراء ، لأن عمله لا ينفذ إلى القلب الذي لا يراه الناس فيترك فيه كل فكر نجس وكل شهوة قذرة ، أتعلمون من هو المرائي ، هو الذي يعبد بلسانه الله ويعبد بقلبه الناس ، إنه بغي لأنه متى مات يخسر كل جزاء ، لأن في هـذا الموضـوع يقول النبي داود : ( لا تثقوا بالرؤساء ولا بأبناء الناس الذين ليس بهـم خلاص لأنه عند الموت تهلك أفكارهم ) بل قبل الموت يرون أنفسهم محرومـين من الجزاء ، لأن (( الإنسان )) كما قال أيوب نبي الله : ( غير ثابت فلا يستقر على حال ، فإذا مدحك اليوم ذمك غدا ، وإذا أراد أن يجزيك اليوم سلبك غدا ، ويل إذا للمرائين لأن جزاءهم باطل ، لعمر الله الذي أقف في حضرته أن المرائي لص ، ويرتكب التجديف لأنه يتذرع بالشريعة ليظهر صالحا ، ويختلس مجد الله الذي له وحده الحمد والمجد إلى الأبد ، ثم أقول لكم أيضا أنه ليس للمرائي إيمان ، لأنه لو آمن بأن الله يرى كل شيء وأنه يقاص الإثم بدينونة مخوفة لكان ينقي قلبه الذي يبقيه ممتلئا بالإثم لأنه لا إيمان له . 

الحق أقول لكم أن المرائي كقبر أبيض من الخارج ، ولكنه مملوء فسادا وديدانا ، فإذا كنتم أيها الكهنة تعبدون الله لأن الله خلقكم ويطلب ذلك منكم فلا أندد بكم لأنكم خدمة الله ، ولكن إذا كنتم تفعلون كل شيء لأجل الربح ، وتبيعون وتشترون في الهيكل كما في السوق ، غير حاسبين أن هيكل الله بيت للصلاة لا للتجارة وأنتم تحولونه مغارة لصوص ، وإذا كنتم تفعلون كل شيء لترضوا الناس ، وأخرجتم الله من عقلكم ، فإني أصيح بكم أنكم أبناء الشيطان ، لا أبناء إبراهيم الذي ترك بيت أبيه حبا في الله ، وكان راضيا أن يذبح ابنه ، ويل لكم أيها الكهنة والفقهاء إذا كنتم هكذا لأن الله يأخذ منكم الكهنوت .

الفصل السادس والأربعون

وتكلم يسوع أيضا قائلا : أضرب لكم مثلا ، غرس رب بيت كرما وجعل له سياجا لكي لا تدوسه الحيوانات ، وبنى في وسطه معصرة للخمر ، وأجره للكرامين ، ولما حان الوقت ليجمع الخمر أرسل عبيده ، فلما رآهم الكرامون رجموا بعضا وأحرقوا بعضا وبقروا الآخرين بمدية ، وفعلوا هذا مرارا عديدة ، فقولوا لي ماذا يفعل صاحب الكرم بالكرامين ؟ ، فأجاب كل واحد : إنه ليهلكهم شر هلكة ويسلم الكرم لكرامين آخرين ، لذلك قال يسوع : ألا تعلمون أن الكرم هو بيت إسرائيل والكرامين شعب يهوذا وأورشليم ؟ ، ويل لكم لأن الله غاضب عليكم ، لأنكم بقرتم كثيرين من أنبياء الله حتى أنه لم يوجد في زمن أخاب واحد يدفن قديسي الله ، ولما قال هذا أراد رؤساء الكهنة أن يمسكوه ولكنهم خافوا العامة الذين عظموه ، ثم رأى يسوع امرأة كان رأسها منحنيا نحو الأرض منذ ولادتها ، فقال : ارفعي رأسك أيتها المرأة باسم إلهنا ليعرف هؤلاء أني أقول الحق وأنه يريد أن أذيعه ، فاستقامت حينئذ المرأة صحيحة معظمة لله ، فصرخ رؤساء الكهنة قائلين : ليس هذا الإنسان مرسلا من الله ، لأنه لا يحفظ السبت إذ قد أبرأ اليوم مريضا ، أجاب يسوع : ألا فقولوا لي ألا يحـل التكلم في يوم السبت وتقديم الصلاة لخلاص الآخرين ؟ ، ومن منكم إذا سقط حماره يوم السبت في حفرة لا ينتاشه يوم السبت ؟ ، لا أحد مطلقا ، فهل أكون قد كسرت يوم السبت بإبراء ابنة من بني إسرائيل ؟ ، حقا إنه قد علم هنا رياؤكم ، كم من حاضر هنا ممن يحذرون أن يصيب عين غيرهم قذى والجذع يوشك أن يشج رؤوسهم ، ما أكثر الذين يخشون النملة ولكنهم لا يبالون بالفيل ؟ ، ولما قال هذا خرج من الهيكل ، ولكن الكهنة احتدموا غيظا فيما بينهم ، لأنهم لم يقدروا أن يمسكوه وينالوا منه مأربا كما فعل آباؤهم في قدوسي الله .

الفصل السابع والأربعون

ونزل يسوع في السنة الثانية من وظيفته النبوية من أورشليم ، وذهب إلى نايين ، فلما اقترب من باب المدينة كان أهل المدينة يحملون إلى القبر ابنا وحيدا لأمه الأرملة ، وكان كل أحد ينوح عليه ، فلما وصل يسوع علم الناس أن الذي جاء إنما هو يسوع نبي الجليل ، فلذلك تقدموا وتضرعوا إليه لأجل الميت طالبين أن يقيمه لأنه نبي ، وفعل تلاميذه كذلك ، فخاف يسوع كثيرا ، ووجه نفسه لله وقال : خذني من العالم يارب ، لأن العالم مجنون وكادوا يدعونني إلهـا ، ولما قال ذلك بكى ، حينئذ جاء الملاك جبريل ، وقـال : لا تخف يا يسوع لأن الله أعطاك قوة على كل مرض ، حتى أن كل ما تمنحه بإسم الله يتم برمته ، فعند ذلك تنهد يسوع قائلا : لتنفذ مشيئتك أيها الإله القدير الرحيم ، ولما قال هذا اقترب من أم الميت وقـال لها بشفقة : لا تبكي أيتها المرأة ، ثم أخـذ يد الميت وقال : أقـول لك أيها الشاب بإسم الله قم صحيحا ؟ ، فانتعش الغلام ، وامتلأ الجميع خـوفا قائلين : لقد أقـام الله لنا (( نبيا )) عظيما بيننا وافتقد شعبه .

الفصل الثامن و الأربعون

كان جيش الرومان في ذلك الوقت في اليهودية ، لأن بلادنا كانت خاضعة لهم بسبب خطايا أسلافنا ، وكانت عادة الرومان أن يدعوا كل من فعل شيئا جديدا فيه نفع للشعب إلها ويعبدوه ، فلما كان بعض هؤلاء الجنود في نايين وبخوا واحدا بعد آخر قائلين : لقد زاركم أحد آلهتكم وأنتم لا تكترثون له ؟ ، حقا لو زارتنا آلهتنا لأعطيناهم كل مالنا ، وأنتم تنظرون كم نخشى آلهتنا لأننا نعطي تماثيلهم أفضل ما عندنا ، فوسوس الشيطان بهذا الأسلوب من الكلام حتى أنه أثار شغبا بين شعب نايين ، لكن يسوع لم يمكث في نايين بل تحول ليذهب إلى كفر ناحوم ، وبلغ الشقاق في نايين مبلغا قال معه قوم : إن الذي زارنا إنما هو إلهنا ، وقال آخرون : أن الله لا يرى فلم يره أحد حتى ولا موسى عبده فليس هو الله بل هو بالحري ابنه ، وقال آخرون : إنه ليس الله ولا ابن الله لأنه ليس لله جسد فيلد بل هو نبي عظيم من الله ، وبلغ من وسوسة الشيطان أن كاد يجر ذلك على شعبنا في السنة الثالثة من وظيفة يسوع النبوية خرابا عظيما ، وذهب يسوع إلى كفر ناحوم ، فلما عرفه أهل المدينة جمعوا كل مرضاهم ووضعوهم في مقدم الرواق حيث كان يسوع وتلاميذه نازلين ، فدعوا يسوع وتضرعوا إليه لأجل صحتهم، فألقى يسوع يده على كل منهم قائلا : يا إله إسرائيل بإسمك القدوس أعط صحة لهذا العليل ، فبرئوا جميعهم ، ودخل يسوع يوم السبت المجمع فأسرع كل الشعب إلى هناك ليسمعوه يتكلم .

الفصل التاسع و الأربعون

قرأ الكتبة في ذلك اليوم مزمور داود حيث يقول داود : متى وجدت وقتا أقضي بالعدل ، وبعد قراءة الأنبياء انتصب يسوع وأومأ إيماء السكوت بيديه ، وفتح فاه وتكلم هكذا : أيها الإخوة لقد سمعتم الكلام الذي تكلم به النبي داود أبونا أنه متى وجد وقتا قضى بالعدل ، إني أقول لكم حقا أن كثيرين يقضون فيخطئون ، وإنما يخطئون فيما لا يوافق أهواءهم ، وأما ما يوافقها فيقضون به قبل وقته ، كذلك ينادينا إله آبائنا على لسان نبيه داود قائلا : اقضوا بالعدل يا أبناء الناس ، فما أشقى أولئك الذين يجلسون على منعطفات الشوارع ولا عمل لهم إلا الحكم على المارة ، قائلين : ذلك جميل وهذا قبيح ذلك حسن وهذا رديء ، ويل لهم لأنهم يرفعون قضيب الدينونة من يد الله الذي يقول : ( إني شاهد وقاض ولا أعطي مجدي لأحد ، الحق أقول لكم أن هؤلاء يشهدون بما لم يروا ولم يسمعوا قط ، ويقضون دون أن ينصبوا قضاة ، وإنهم لذلك مكروهون على الأرض أمام عيني الله الذي سيدينهم دينونة رهيبة في اليوم الآخر ، ويل لكم ويل لكم أنتم الذين تمدحون الشر وتدعون الشر خيرا ، لأنكم تحكمون على الله بأنه أثيم وهو منشئ الصلاح ، وتبررون الشيطان كأنه صالح وهو منشأ كل شر ، فتأملوا أي قصاص يحل بكم وأن الوقوع في دينونة الله مخوف وستحل حينئذ على أولئك الذين يبررون الأثيم لأجل النقود ، ولا يقضون في دعوى اليتامى والأرامل ، الحق أقول لكم أن الشياطين سيقشعرون من دينونة هؤلاء ، لأنها ستكون رهيبة جدا ، أيها الإنسان المنصوب قاضيا لا تنظر إلى شيء آخر ، لا إلى الأقرباء ولا إلى الأصدقاء ولا إلى الشرف ولا إلى الربح ، بل انظر فقط بخوف الله إلى الحق الذي يجب عليك أن تطلبه بإجتهاد أعظم ، لأنه يقيك دينونة الله ، ولكني أنذرك أن من يدين بدون رحمة يدان بدون رحمة .

الفصل الخمسون

قل لي أيها الإنسان الذي تدين غيرك ، ألا تعلم أن منشأ كل البشر من طينة واحدة ، ألا تعلم أنه لا يوجد أحد صالح إلا الله وحده ، لذلك كان كل إنسان كاذبا وخاطئا ، صدقني أيها الإنسان أنك إذا كنت تدين غيرك على ذنب فإن في قلبك منه ما تدان عليه ، ما أشد القضاء خطرا ، ما أكثر الذين هلكوا بقضائهم الجائر ، فالشيطان حكم على الإنسان بأنه أنجس منه ، لذلك عصى الله خالقه ، تلك المعصية التي لم يتب عنها فإن لي علما بذلك من محادثتي إياه ، وقد حكم أبوانا الأولان بحسن حديث الشيطان ، فطردا لذلك من الجنة ، وقضيا على كل نسلهما ، الحق أقول لكم لعمر الله الذي أقف في حضرته أن الحكم الباطل هو أبو كل الخطايا ، لأن لا أحد يخطئ بدون إرادة ولا أحد يريد ما لا يعرف ، ويل إذا للخاطئ الذي يحكم في قضائه بأن الخطيئة صالحة والصلاح فساد ، الذي يرفض لذلك السبب الصلاح ويختار الخطيئة ، أنه سيحل به قصاص لا يطاق متى جاء الله ليدين العالم ، ما أكثر الذين هلكوا بسبب القضاء الجائر ، وما أكثر الذين أوشكوا أن يهلكوا ، قضى فرعون على موسى وشعب إسرائيل بالكفر ، وقضى شاول على داود بأنه مستحق للموت ، وقضى أخاب على إيليا، ونبوخذ نصر على الثلاثة الغلمان الذين لم يعبدوا آلهتهم الكاذبة ، وقضى الشيخان على سوسنة ، وقضى كل الرؤساء عبدة الأصنام على الأنبياء ، ما أرهب قضاء الله ، يهلك القاضي وينجو المقضي عليه ، ولماذا هذا أيها الإنسان إن لم يكن لأنهم يحكمون على البريء ظلما بالطيش ؟ ما كان أشد قرب الصالحين من الهلاك ، لأنهم حكموا باطـلا ، يتبين ذلك من ( قصة ) إخوة يوسـف الذين باعوه (( للمصريين )) ومن هرون ومريم أخت موسى اللذين حكما على أخيهما ، وثلاثة من أصدقاء أيوب حكموا على خليل الله البريء أيوب ، وداود قضى على مفيبوشت وأوريا ، وقضى كورش بأن يكون دانيال طعاما للأسود ، وكثيرون آخرون أشرفوا على الهلاك بسبب هذا ، لذلك أقول لكم لا تدينوا فلا تدانوا ، فلما أنجز يسوع كلامه تاب كثيرون نائحين على خطاياهم وودوا لو يتركون كل شيء ويتبعونه ، ولكن يسوع قال : ابقوا في بيوتكم ، واتركوا الخطيئة ، واعبدوا الله بخوف فبهذا تخلصون ، لأني لم آت لأخدَم بل لأخدِم ، ولما قال هذا خرج من المجمع والمدينة ، وانفرد في الصحراء ليصلي لأنه كان يحب العزلة كثيرا .

الفصل الحادي والخمسون

بعد أن صلى للرب جاء تلاميذه إليه وقالوا : يا معلم نحب أن نعرف شيئين ، أحدهما كيف كلمت الشيطان وأنت تقول عنه مـع ذلك أنه غير تائب ؟ ، والآخر كيف يأتي الله ليدين في يوم الدينونة ؟ ، أجاب يسوع : الحق أقول لكم أني عطفت على الشيطان لما علمت بسقوطه ، وعطفت على الجنس البشري الذي يفتنه ليخطئ ، لذلك صليت وصمت لإلهنا الذي كلمني بواسطة ملاكه جبريل : ( ماذا تطلب يا يسوع وما هو سؤلك ؟ ) أجبت : يا رب أنت تعلم أي شر كان الشيطان سببه وأنه بواسطة فتنته يهلك كثيرون ، وهو خليقتك يا رب التي خلقت ، فارحمه يا رب ، أجاب الله : يا يسوع انظر فإني أصفح عنه ، فاحمله على أن يقول فقط ( أيها الرب إلهي لقد أخطأت فارحمني ، فأصفح عنه وأعيده إلى حاله الأولى ) ، قال يسوع : لما سمعت هذا سررت جدا موقنا إني قد فعلت هذا الصلح ، لذلك دعوت الشيطان فأتى قائلا : ( ماذا يجب أن أفعل لك يا يسوع ؟ ) أجبت : إنك تفعل لنفسك أيها الشيطان ، لأني لا أحب خدمتك ، وإنما دعوتك لما فيه صلاحك ، أجاب الشيطان : ( إذا كنت لا تود خدمتي فإني لا أود خدمتك لأني أشرف منك ، فأنت لست أهلا لأن تخدمني أنت يا من هو طين أما أنا فروح ) فقلت : لنترك هذا وقل لي أليس حسنا أن تعود إلى جمالك الأول وحالك الأولى ، وأنت تعلم أن الملاك ميخائيل سيضربك في يوم الدينونة بسيف الله مائة ألف ضربة ، وسينالك من كل ضربة عذاب عشر جحيمات ، أجاب الشيطان : ( سنرى في ذلك اليوم أينا أكثر فعلا ، فإنه سيكون لي ( أنصار ) كثيرون من الملائكة ومن أشد عبدة الأوثان قوة الذين يزعجون الله ، وسيعلم أي غلطة عظيمة ارتكب بطردي من أجل طينة نجسة ) حينئذ قلت : أيها الشيطان أنك سخيف العقل فلا تعلم ما أنت قائل ، فهز حينئذ الشيطان رأسه ساخرا وقال : ( تعال الآن ولنتم هذه المصالحة بيني وبين الله ، وقل أنت يا يسوع ما يجب فعله لأنك أنت صحيح العقل ) أجبت يجب التكلم بكلمتين فقط ، أجـاب الشيطان : ( وما هما ؟ ) أجبت : هما (( أخطأت فارحمني )) فقال الشيطان : ( إني بمسرة أقبل هذه المصالحة إذا قال الله هاتين الكلمتين لي ) فقلت : انصرف عني الآن أيها اللعين ، لأنك الأثيم المنشئ لكل ظلم وخطيئة ، ولكن الله عادل منزه عن الخطايا ، فانصرف الشيطان مولولا وقال : ( إن الأمر ليس كذلك يا يسوع ولكنك تكذب لترضي الله ) قال يسوع لتلاميذه : انظروا الآن أنـّى يجد رحمة ، أجابوا : أبدا يا رب لأنه غير تائب ، أما الآن فأخبرنا عن دينونة الله .

الفصل الثاني والخمسون

الحق أقول لكم أن يوم دينونة الله سيكون رهيبا بحيث أن المنبوذين يفضلون عشر جحيمات على أن يذهبوا ليسمعوا الله يكلمهم بغضب شديد ، الذين ستشهد عليهم كل المخلوقات ، الحق أقول لكم ليس المنبوذين هم الذين يخشون فقط بل القديسون وأصفياء الله (( كذلك )) ، حتى أن إبراهيم لا يثق ببره ، ولا يكون لأيوب ثقة في براءته ، وماذا أقول ؟ ، بل إن رسول الله سيخاف ، لأن الله إظهارا لجلاله سيجرد رسوله من الذاكرة ، حتى لا يذكر كيف أن الله أعطاه كل شيء ، الحق أقول لكم متكلما من القلب أني أقشعر لأن العالم سيدعوني إلها ، وعلي أن أقدم لأجل هذا حسابا ، لعمر الله الذي نفسي واقفة في حضرته أني رجل فان كسائر الناس ، على أني وإن أقامني الله نبيا على بيت إسرائيل لأجل صحة الضعفاء وإصلاح الخطاة خادم الله ، وأنتم شهداء على هذا كيف أني أنكر على هؤلاء الأشرار الذين بعد انصرافي من العالم سيبطلون حق إنجيلي بعمل الشيطان ، ولكني سأعود قبيل النهاية، وسيأتي معي أخنوخ وإيليا ، ونشهد على الأشرار الذين ستكون آخرتهم ملعونة ، وبعد أن تكلم يسوع هكذا أذرف الدموع ، فبكى تلاميذه بصوت عال ورفعوا أصواتهم قائلين : اصفح أيها الرب الإله وارحم خادمك البريء ، فأجاب يسوع آمين آمين .

الفصل الثالث والخمسون

قال يسوع : قبل أن يأتي ذلك اليوم سيحل بالعالم خراب عظيم ، وستنشب حرب فتاكة طاحنة ، فيقتل الأب ابنه ، ويقتل الابن أباه بسبب أحزاب الشعوب ، ولذلك تنقرض المدن وتصير البلاد قفرا ، وتقع أوبئة فتاكة حتى لا يعود يوجد من يحمل الموتى للمقابر بل تترك طعاما للحيوانات ، وسيرسل الله مجاعة على الذين يبقون على الأرض فيصير الخبز أعظم قيمة من الذهب ، فيأكلون كل أنواع الأشياء النجسة ، يالشقاء ذلك الجيل الذي لا يكاد يسمع فيه أحد يقول : (( أخطأت فارحمني يا الله )) يجدفون بأصوات مخوفة على المجيد المبارك إلى الأبد ، وبعد هذا متى أخذ ذلك اليوم في الإقتراب تأتي كل يوم علامة مخوفة على سكان الأرض مدة خمسة عشر يوما ، ففي اليوم الأول تسير الشمس في مدارها في السماء بدون نور ، بل تكون سوداء كصبغ الثوب ، وستئن كما يئن أب على ابن مشرف على الموت ، وفي اليوم الثاني يتحول القمر إلى دم ، وسيأتي دم على الأرض كالندى ، وفي اليوم الثالث تشاهد النجوم آخذة في الإقتتال كجيش من الأعداء ، وفي اليوم الرابع تتصادم الحجارة والصخور كأعداء ألداء .

وفي اليوم الخامس يبكي كل نبات وعشب دما ، وفي اليوم السادس يطغى البحر دون أن يتجاوز محله إلى علو مائة وخمسين ذراعا ، ويقف النهار كله كجدار ، وفي اليوم السابع ينعكس الأمر فيغور حتى لا يكاد يرى ، وفي اليوم الثامن تتألب الطيور وحيوانات البر والماء ولها جوار وصراخ ، وفي اليوم التاسع ينزل صيب من البرد مخوف بحيث أنه يفتك فتكا لا يكاد ينجو منه عشر الأحياء ، وفي اليوم العاشر يأتي برق ورعد مخوفان فينشق ويحترق ثلث الجبال ، وفي اليوم الحادي عشر يجري كل نهر إلى الوراء ويجري دما لا ماء ، وفي اليوم الثاني عشر يئن ويصرخ كل مخلوق ، وفي اليوم الثالث عشر تطوى السماء كطي الدرج ، وتمطر نارا حتى يموت كل حي ، وفي اليوم الرابع عشر يحدث زلزال مخوف حتى أن قنن الجبال تتطاير منه في الهواء كالطيور ، وتصير الأرض كلها سهلا ، وفي اليوم الخامس عشر تموت الملائكة الأطهار ، ولا يبقى حيا إلا الله وحده الذي له الإكرام والمجد ، ولما قال يسوع هذا صفع وجهه بكلتا يديه ، ثم ضرب الأرض برأسه ولما رفع رأسه قال : ليكن ملعونا كل من يدرج في أقوالي أني ابن الله ، فسقط التلاميذ عند هذه الكلمات كأموات ، فأنهضهم يسوع قائلا : لنخف الله الآن إذا أردنا أن لا نراع في ذلك اليوم .

الفصل الرابع والخمسون

فمتى مرت هذه العلامات تغشى العالم ظلمة أربعين سنة ليس فيها من حي إلا الله وحده الذي له الإكرام والمجد إلى الأبد ، ومتى مرت الأربعون سنة يحيي الله رسوله الذي سيطلع أيضا كالشمس بيد أنه متألق كألف شمس ، فيجلس ولا يتكلم لأنه سيكون كالمخبول ، وسيقيم الله أيضا الملائكة الأربعة المقربين لله الذين ينشدون رسول الله ، فمتى وجدوه قاموا على الجوانب الأربعة للمحل حراسا له ، ثم يحيي الله بعد ذلك سائر الملائكة الذين يأتون كالنحل ويحيطون برسول الله ، ثم يحيي الله بعد ذلك سائر أنبيائه الذين سيأتون جميعهم تابعين لآدم ، فيقبلون يد رسول الله واضعين أنفسهم في كنف حمايته ثم يحيي الله بعد ذلك سائر الأصفياء الذين يصرخون : ( أذكرنا يا محمد ، فتتحرك الرحمة في رسول الله لصراخهم ، وينظر فيما يجب فعله خائفا لأجل خلاصهم ، ثم يحيي الله بعد ذلك كل مخلوق فتعود إلى وجودها الأول ، وسيكون لكل منها قوة النطق علاوة ، ثم يحيي الله بعد ذلك المنبوذين كلهم الذين عند قيامتهم يخاف سائر خلق الله بسبب قبح منظرهم ، ويصرخـون : ( أيها الرب إلهنا لا تدعنا من رحمتك ) وبعد هذا يقيم الله الشيطان الذي سيصير كل مخلوق عند النظر إليه كميت خوفا من هيئة منظره المريع ، ثم قال يسوع : أرجو الله أن لا أرى هذه الهولة في ذلك اليوم . إن رسول الله وحده لا يتهيب هذه المناظر لأنه لا يخاف إلا الله وحده ، عندئذ يبوق الملاك مرة أخرى فيقوم الجميع لصوت بوقه قائلا : ( تعالوا للدينونة أيتها الخلائق لأن خالقك يريد أن يدينك ، فينظر حينئذ في وسط السماء فوق وادي يهو شافاط عرش متألق تظلله غمامة بيضاء ، فحينئذ تصرخ الملائكة : ( تبارك إلهنا أنت الذي خلقتنا وأنقذتنا من سقوط الشيطان ) عند ذلك يخاف رسول الله لأنه يدرك أن لا أحد أحب الله كما يجب ، لأن من يأخذ بالصرافة قطعة ذهب يجب أن يكون معه ستون فلسا ، فإذا كان عنده فلس واحد فلا يقدر أن يصرفه ، ولكن إذا خاف رسول الله فماذا يفعل الفجار المملوءون شرا ؟ .

الفصل الخامس والخمسون

ويذهب رسول الله ليجمع كل الأنبياء الذين يكلمهم راغبا إليهم أن يذهبوا معه ليضرعوا إلى الله لأجل المؤمنين ، فيعتذر كل أحد خوفا ، ولعمر الله أني أنا أيضا لا أذهب إلى هناك لأني أعرف ما أعرف ، وعندما يرى الله ذلك يذكر رسوله كيف أنه خلق كل الأشياء محبة له ، فيذهب خوفه ويتقدم إلى العرش بمحبة واحترام والملائكة ترنم : ( تبارك اسمك القدوس يا الله إلهنا ) ومتى صار على مقربة من العرش يفتح الله لرسوله كخليل لخليله بعد طول الأمد على اللقاء ، ويبدأ رسول الله بالكلام أولا فيقول : ( إني أعبدك وأحبك يا إلهي ، وأشكرك من كل قلبي ونفسي ، لأنك أردت فخلقتني لأكون عبدك ، وخلقت كل شيء حبا فيّ لأحبك لأجل كل شيء وفي كل شيء وفوق كل شيء ، فليحمدك كل خلائقك يا إلهي ) حينئذ تقول كل مخلوقات الله ( نشكرك يا رب وتبارك اسمك القدوس ) الحق أقول لكم أن الشياطين والمنبوذين مع الشيطان يبكون حينئذ حتى أنه ليجري من الماء من عين الواحد منهم أكثر مما في الأردن ، ومع هذا فلا يرون الله ، ويكلم الله رسـوله قائلا : ( مرحبـا بك يا عبدي الأمين ، فاطلب ما تريد تنل كل شيء ) فيجيب رسول الله : ( يا رب أذكر أنك لما خلقتني قلت أنك أردت أن تخلق العالم والجنة والملائكة والناس حبا فيّ ليمجدوك بي أنا عبدك ، لذلك أضرع إليك أيها الرب الإله الرحيم العادل أن تذكر وعدك لعبدك ) فيجيب الله كخليل يمازح خليله ويقول: ( أعندك شهود على هذا يا خليلي محمد ؟ )  فيقول بإحترام: ( نعم يا رب ) فيقول الله : ( اذهب وادعهم يا جبريل ) فيأتي جبريل إلى رسول الله ويقول : ( من هم شهودك أيها السيد ؟ ) فيجيب رسول الله : ( هم آدم وإبراهيم وإسماعيل وموسى وداود ويسوع ابن مريم ) فينصرف الملاك وينادي الشهود المذكورين الذين يحضرون إلى هناك خائفين . فمتى حضروا يقول لهم الله : ( أتذكرون ما أثبته رسولي ؟ ) فيجيبون : ( أي شيء يا رب ) فيقول الله : ( أني خلقت كل شيء حبا فيه ليحمدني كل الخلائق به ) فيجيب كل منهم : ( عندنا ثلاثة شهود أفضل منا يا رب ، فيجيب الله : ( ومن هم هؤلاء الثلاثة ؟ ) فيقول موسى : ( الأول الكتاب الذي أعطيتنيه ) ويقول داود : ( الثاني الكتاب الذي أعطيتنيه ) ويقول الذي يكلمكم : يارب إن العالم كله أغراه الشيطان فقال إني كنت ابنك وشريكك ، ولكن الكتاب الذي أعطيتنيه قال حقا أني أنا عبدك ، ويعترف ذلك الكتاب بما أثبته رسولك ، فيتكلم حينئذ رسول الله ويقول : ( هكذا يقول الكتاب الذي أعطيتنيه يا رب ، فعندما يقول رسول الله هذا يتكلم الله قائلا : ( إن ما فعلت الآن إنما فعلته ليعلم كل أحد مبلغ حبي لك ) وبعد أن يتكلم هكذا يعطي الله رسوله كتابا مكتوب فيه أسماء كل مختاري الله ، لذلك يسجد كل مخلوق لله قائلا : ( لك وحدك اللهم المجد والإكرام لأنك وهبتنا لرسولك ) .

الفصل السادس و الخمسون

ويفتح الله الكتاب الذي في يد رسوله ، فيقرأ رسوله فيه وينادي كل الملائكة والأنبياء وكل المختارين ، ويكون مكتوبا على جبهة كل علامة رسول الله ويكتب في الكتاب مجد الجنة ، فيمر حينئذ كل أحد إلى يمين الله الذي يكون بالقرب منه رسول الله ، ويجلس الأنبياء بجانبه ، ويجلس القديسون بجانب الأنبياء ، والمباركون بجانب القديسين ، فينفخ حينئذ الملاك في البوق ويدعو الشيطان للدينونة .

الفصل السابع و الخمسون

فيأتي حينئذ ذلك الشقي ويشكوه كل مخلوق بإمتهان شديد ، حينئذ ينادي الله الملاك ميخائيل فيضربه بسيف الله مائة ألف ضربة ، وتكون كل ضربة يضرب بها الشيطان بثقل عشر جحيمات ، ويكون الأول الذي يقذف به في الهاوية ، ثم ينادي الملاك أتباعه فيهانون ويُشكون مثله ، وعند ذلك يضرب الملاك ميخائيل بأمر الله بعضا مائة ضربة وبعضا خمسين وبعضا عشرين وبعضا عشرا وبعضا خمسا ، ثم يهبطون الهاوية لأن الله يقول لهم : ( إن الجحيم مثواكم أيها الملاعين ) ثم يدعى بعد ذلك إلى الدينونة كل الكافرين والمنبوذين ، فيقوم عليهم أولا كل الخلائق التي هي أدنى من الإنسان شاهدة أمام الله كيف خدمت هؤلاء الناس ، وكيف أن هؤلاء أجرموا مع الله وخلقه ، ويقوم كل من الأنبياء شاهدا عليهم ، فيقضي الله عليهم باللهب الجحيمية . الحق أقول لكم أنه لا كلمة أو لا فكر من الباطل لا يجازى عليه في اليوم الرهيب . الحق أقول لكم أن قميص الشعر سيشرق كالشمس وكل قملة كانت على إنسان حبا في الله تتحول لؤلؤة ، المساكين الذين كانوا قد خدموا الله بمسكنة حقيقية من القلب لمباركون ثلاثة أضعاف وأربعة أضعاف ، لأنهم يكونون خالين في هذا العالم من المشاغل العالمية فتمحى عنهم لذلك خطايا كثيرة ، ولا يضطرون في ذلك اليوم أن يقدموا حسابا كيف صرفوا الغنى العالمي ، بل يجزون لصبرهم ومسكنتهم ، الحق أقول لكم أنه لو علم العالم هذا لفضل قميص الشعر على الأرجوان والقمل على الذهب والصوم على الولائم ، ومتى انتهى حساب الجميع يقول الله لرسوله : ( أنظر يا خليلي ما كان أعظم شرهم ، فأني أنا خالقهم سخرت كل المخلوقات لخدمتهم فامتهنوني في كل شيء ، فالعدل كل العدل إذاً أن لا أرحمهم ) فيجيب رسول الله : ( حقا أيها الرب إلهنا المجيد أنه لا يقدر أحد من أخلائك وعبيدك أن يسألك رحمة بهم ، واني أنا عبدك أطلب قبل الجميع العدل فيهم ) وبعد أن يقول هذا الكلام تصرخ ضدهم الملائكة والأنبياء بجملتها مع مختاري الله كلهم بل لماذا أقول المختارين ، لأني الحق أقول لكم أن الرتيلاوات والذباب والحجارة والرمل لتصرخ من الفجار وتطلب إقامة العدل ، حينئذ يعيد الله إلى التراب كل نفس حية أدنى من الإنسان ، ويرسل إلى الجحيم الفجار الذين يرون مرة أخرى في أثناء سيرهم ذلك التراب الذي يعود إليه الكلاب والخيل وغيرها من الحيوانات النجسة ، فحينئذ يقولون : ( أيها الرب الإله أعدنا نحن أيضا إلى هذا التراب ولكن لا يعطون سؤلهم ) .

الفصل الثامن و الخمسون

وبينما كان يتكلم يسوع بكى التلاميذ بمرارة ، وأذرف يسوع عبرات كثيرة ، وبعد أن بكى يوحنا قال : ( يا معلم نحب أن نعرف أمرين ، أحدهما كيف يمكن رسول الله وهو مملوء رحمة أن لا يشفق على هؤلاء المنبوذين في ذلك اليوم وهم من نفس الطين الذي هو منه ، والآخر ما المراد من كون ثقل سيف ميخائيل كعشر جحيمات ؟ هل هناك إذاً أكثر من جحيم ؟ ) أجاب يسوع : أما سمعتم ما يقول داود النبي كيف يضحك البار من هلاك الخطاة فيستهزئ بالخاطئ بهذه الكلمات قائلا : ( رأيت الإنسان الذي اتكل على قوته وغناه ونسي الله ) فالحق أقول لكم أن ابراهيم سيستهزئ بأبيه وآدم بالمنبوذين كلهم ، وإنما يكون هذا لأن المختارين سيقومون كاملين ومتحدين بالله ، حتى أنه لا يخالج عقولهم أدنى فكر ضد عدله ، ولذلك سيطلب كل منهم إقامة العدل ولا سيما رسول الله ، لعمر الله الذي أقف في حضرته مع أني الآن أبكي شفقة على الجنس البشري لأطلبن في ذلك اليوم عدلا بدون رحمة لهؤلاء الذين يحتقرون كلامي ، ولا سيما أولئك الذين ينجسون إنجيلي .

الفصل التاسع و الخمسون

يا تلاميذي إن الجحيم واحدة وفيها يعذب الملعونون إلى الأبد ، إلا أن لها سبع طبقات أو دركات الواحدة منها أعمق من الأخرى ، ومن يذهب إلى أبعدها عمقا يناله عقاب أشد ، ومع ذلك فان كلامي صادق في سيف الملاك ميخائيل لأن من لا يرتكب إلا خطيئة واحدة يستحق جحيما ومن يرتكب خطيئتين يستحق جحيمين ، فلذلك يشعر المنبوذون وهم في جحيم واحد بقصاص كأنهم به في عشر جحيمات أوفي مائة أوفي ألف ، والله القادر على كل شيء سيجعل بقوته وبعدله الشيطان يكابد عذابا كأنه في ألف ألف جحيم ، والباقين كلا على قدر إثمه ، أجاب حينئذ بطرس: يا معلم حقا إن عدل الله عظيم ولقد جعلك اليوم هذا الخطاب حزينا ، لذلك نضرع إليك أن تستريح وغدا أخبرنا أي شيء يشبه الجحيم ، أجاب يسوع : يا بطرس انك تقول لي أن أستريح وأنت لا تدري يا بطرس ما أنت قائل وإلا لما تكلمت هكذا ، الحق أقول لكم أن الراحة في هذا العالم إنما هي سم التقوى والنار التي تأكل كل صالح ، أنسيتم إذاً كيف أن سليمان نبي الله وسائر الأنبياء قد نددوا بالكسل ، حق ما يقول : ( الكسلان لا يحرث خوفا من البرد فهو لذلك يتسول في الصيف ) لذلك قال : ( كل ما تقدر يدك على فعله فإفعله بدون راحة ) وماذا يقول أيوب أبر أخلاء الله : (كما أن الطير مولود للطيران الإنسان مولود للعمل ) الحق أقول لكم أني أعاف الراحة أكثر من كل شيء .

الفصل الستون

الجحيم واحدة وهي ضد الجنة كما أن الشتاء هو ضد الصيف والبرد ضد الحر ، فلذلك يجب على من يصف شقاء الجحيم أن يكون قد رأى جنة نعيم الله ، يا له من مكان ملعون بعدل الله لأجل لعنة الكافرين والمنبوذين ، الذين قال عنهم أيوب خليل الله : ( ليس من نظام هناك بل خوف أبدي ) ويقول إشعيا النبي في المنبوذين : ( إن لهيبهم لا ينطفئ ودودهم لا يموت ) وقال داود أبونا باكيا : ( حينئذ يمطر عليهم برقا وصواعق وكبريتا وعاصفة شديدة ) تبا لهم من خطاة تعساء ما أشد كراهتهم حينئذ للحوم الطيبة والثياب الثمينة والأرائك الوثيرة وألحان الغناء الرخيمة ، ما أشد ما يسقمهم الجوع واللهب اللذاعة والجمر المحرق والعذاب الأليم مع البكاء المر الشديد ) ثم أنّ يسوع أنـّة أسف قائلا : حقا خير لهم لو لم يكونوا من أن يعانوا هذا العذاب الأليم ، تصوروا رجلا يعاني العذاب في كل جارحة من جسده وليس ثم من يرثي له بل الجميع يستهزئون به ، أخبروني ألا يكون هذا ألما مبرحا ؟ فأجاب التلاميذ : أشد تبريح ، فقال يسوع : إن هذا لنعيم الجحيم ، لأني أقول لكم بالحق أنه لو وضع الله في كفة كل الآلام التي عاناها الناس في هذا العالم والتي سيعانونها حتى يوم الدين وفي الكفة الأخرى ساعة واحدة من ألم الجحيم لإختار المنبوذون بدون ريب المحن العالمية ، لأن العالمية تأتي على يد الإنسان أما الأخرى فعلى يد الشياطين الذين لا شفقة لهم على الإطلاق ، فما أشد الذي سيصلونه الخطاة الأشقياء ، ما أشد البرد القارس الذي لا يخفف لهبهم ، ما أشد صرير الأسنان والبكاء والعويل ، لأن ماء الأردن أقل من الدموع التي ستجري كل دقيقة من عيونهم ، وستلعن هنا ألسنتهم كل المخلوقات مع أبيهم وأمهم وخالقهم المبارك إلى الأبد .                  

الفصل الحادي والستون

ولما قال يسوع هذا اغتسل هو وتلاميذه طبقا لشريعة الله المكتوبة في كتاب موسى ، ثم صلوا ولما رآه التلاميذ كئيبا بهذا المقدار لم يكلموه ذلك اليوم مطلقا بل لبث كل منهم جزوعا من كلامه ، ثم فتح يسوع فاه بعد صلاة العشاء وقال : أي أبي أسرة ينام وقد عرف أن لصا عزم على نقب بيته ؟ ، لا أحد البتة ، بل يسهر ويقف متأهبا لقتل اللص ، أفلا تعلمون إذاً أن الشيطان أسد زائر يجول طالبا من يفترسه هو ، فهو يحاول أن يوقع الإنسان في الخطيئة ، الحق أقول لكم أن الإنسان إذا تحدى التاجر لا يخاف في ذلك اليوم لأنه يكون متأهبا جيدا ، كان رجل أعطى جيرانه نقودا ليتاجروا بها ويقسم الربح على نسبة عادلة ، فأحسن بعضهم التجارة حتى أنهم ضاعفوا النقود ولكن بعضهم استعمل النقود في خدمة عدو من أعطاهم النقود وتكلموا فيه بالسوء ، فقولوا لي كيف تكون الحال متى حاسب المديونين ؟ ، إنه بدون ريب يجزي أولئك الذين أحسنوا التجارة ، ولكنه يشفي غيظه من الآخرين بالتوبيخ ، ثم يقتص منهم بحسب الشريعة ، لعمر الله الذي تقف نفسي في حضرته أن الجار هو الله الذي أعطى الإنسان كل ماله مع الحياة نفسها ، حتى أنه إذا أحسن المعيشة في هذا العالم يكون لله مجد ويكون للإنسان مجد الجنة ، لأن الذين يحسنون المعيشة يضاعفون نقودهم بكونهم قدوة ، لأنه متى رآهم الخطاة قدوة تحولوا إلى التوبة ، ولذلك يجزي الذين يحسنون المعيشة جزاءا عظيما ، ولكن قولوا لي ماذا يكون قصاص الخطاة الآثمة الذين بخطاياهم ينصَّفون ما أعطاهم الله بما يصرفون حياتهم في خدمة الشيطان عدو الله مجدفين على الله ومسيئين إلى الآخرين ؟ ، قال التلاميذ : إنه سيكون بغير حساب .  

الفصل الثاني والستون

ثم قال يسوع : من يرد أن يحسن المعيشة فعليه أن يحتذي مثال التاجر الذي يقفل حانوته ويحرسه ليلا ونهارا بجد عظيم ، وإنما يبيع السلع التي اشتراها التماسا للربح ، لأنه لو علم أنه يخسر في ذلك لما كان يبيع حتى ولا الشقيقة ، فيجب عليكم أن تفعلوا هكذا لأن نفسكم إنما هي في الحقيقة تاجر ، والجسد هو الحانوت ، فلذلك كان ما يتطرق إليها من الخارج بواسطة الحواس يباع ويشرى بها ، والنقود هي المحبة ، فانظروا إذاً أن لا تبيعوا وتشتروا بمحبتكم أقل فكر لا تقدرون أن تصيبوا منه ربحا ، بل ليكن الفكر والكلام والعمل جميعا لمحبة الله ، لأنكم بهذا تجدون أمنا في ذلك اليوم ، الحق أقول لكم أن كثيرين يغتسلون ويذهبون للصلاة ، وكثيرون يصومون ويتصدقون ، وكثيرون يطالعون ويبشرون الآخرين ، وعاقبتهم ممقوتة عند الله ، لأنهم يطهرون الجسد لا القلب ، ويصرخون بالفم لا بالقلب ، يمتنعون عن اللحوم ويملؤون أنفسهم بالخطايا ، يهبون الآخرين أشياء غير نافعة لهم أنفسهم ليظهروا بمظهر الصلاح ، يطالعون ليعرفوا كيف يتكلمون لا ليعملوا ، ينهون الآخرين عن الأشياء التي يفعلونها هم أنفسهم ، وهكذا يدانون بألسنتهم ، لعمر الله أن هؤلاء لا يعرفون الله بقلوبهم ، لأنهم لو عرفوه لأحبوه ، ولما كان كل ما للإنسان هبة من الله كان عليه أن يصرف كل شيء في محبة الله .  

الفصل الثالث والستون

وبعد أيام مر يسوع بجانب مدينة للسامريين فلم يأذنوا له أن يدخل المدينة ولم يبيعوا خبزا لتلاميذه ، فقال يعقوب ويوحنا عندئذ : يا معلم ألا تريد أن تضرع إلى الله ليرسل نارا من السماء على هؤلاء الناس ؟ ، أجاب يسوع : إنكم لا تعلمون أي روح يدفعكم لتتكلموا هكذا ، اذكروا أن الله عزم على إهلاك نينوى لأنه لم يجد أحدا يخاف الله في تلك المدينة التي بلغ من شرها أن دعا الله يونان النبي ليرسله إلى تلك المدينة ، فحاول الهروب إلى طرسوس خوفا من الشعب ، فطرحه الله في البحر ، فابتلعته سمكة وقذفته على مقربة من نينوى ، فلما بشر هناك تحول الشعب إلى التوبة ، فرأف الله بهم ، ويل للذين يطلبون النقمة لأنها إنما تحل بهم ، لأن كل إنسان يستحق نقمة الله ، ألا فقولوا لي هل خلقتم هذه المدينة مع هذا الشعب ؟ إنكم لمجانين ؟ ، كلا ثم كلا ، إذ لو اجتمعت الخلائق جميعها لما أتيح لها أن تخلق ذبابة واحدة جديدة من لا شيء وهذا هو المراد بالخلق ، فإذا كان الله المبارك الذي خلق هذه المدينة يعولها فلماذا تودون هلاكها ، لماذا لم تقل : أتريد يا معلم أن نضرع للرب إلهنا أن يتوجه هذا الشعب للتوبة ؟ ، حقا إن هذا لهو العمل الجدير بتلميذ لي أن يضرع إلى الله لأجل الذين يفعلون شرا ، هكذا فعل هابيل لما قتله أخوه قايين الملعون من الله ، وهكذا فعل ابراهيم لفرعون الذي أخذ منه زوجته ، فلذلك لم يقتله ملاك الرب بل ضربه بمرض ، وهكذا فعل زكريا لما قتل في الهيكل بأمر الملك الفاجر ، وهكذا فعل إرميا وإشعيا وحزقيال ودانيال وداود وجميع أخلاء الله والأنبياء الأطهار ، قولوا لي إذا أصيب أخ بجنون أتقتلونه لأنه تكلم سوءا وضرب من دنا منه ؟ ، حقا أنكم لا تفعلون هكذا بل بالحري تحاولون أن تسترجعون صحته بالأدوية الموافقة لمرضه .

الفصل الرابع والستون

لعمر الله الذي تقف نفسي في حضرته أن الخاطئ لمريض العقل متى اضطهد إنسانا ، فقولوا لي أيشج أحد رأسه لتمزيق رداء عدوه ؟ ، فكيف يكون صحيح العقل من يفصل عن الله رأس نفسه ليضر جسد عدوه ، قل لي أيها الإنسان من هو عدوك ؟ ، إنما هو جسدك وكل من يمدحك ؟ ، فلذلك لو كنت صحيح العقل لقبلت يد الذين يعيرونك ، وقدمت هدايا للذين يضطهدونك ويوسعونك ضربا ، ذلك أيها الإنسان لأنك كلما عيرت واضطهدت في هذه الحياة لأجل خطاياك قلّ ذلك عليك في يوم الدين ، ولكن قل لي أيها الإنسان إذا كان العالم قد اضطهد وثلم صيت القديسين وأنبياء الله وهم أبرار فماذا يفعل بك أيها الخاطئ ؟ ، وإذا كانوا قد احتملوا كل شيء بصبر مصلين لأجل مضطهديهم فماذا تفعل أنت أيها الإنسان الذي يستحق الجحيم ؟ ، قولوا لي يا تلاميذي ألا تعلمون أن شمعاي لعن عبد الله داود النبي ورماه بالحجارة ، فماذا قال داود للذين ودوا أن يقتلوا شمعاي ؟ ، ماذا يعنيك يا أيوب حتى أنك تود أن تقتل شمعاي ، دعه يلعنني لأن هذا بإرادة الله الذي سيحول هذه اللعنة إلى بركة ، وهكذا كان لأن الله رأى صبر داود وأنقذه من اضطهاد ابنه ابشالوم ، حقا لا تتحرك ورقة بدون إرادة الله ، فإذا كنت في ضيق فلا تفكر في مقدار ما احتملت ولا فيمن أصابك بمكروه ، بل تأمل كم تستحق أن يصيبك على يد الشياطين في الجحيم بسبب خطاياك ، إنكم حانقون على هذه المدينة لأنها لم تقبلنا ، ولم تبع لنا خبزا قولوا لي أهؤلاء القوم عبيدكم ؟ ، أوهبتموهم هذه المدينة ؟ ، أوهبتموهم حنطتهم ؟ أو ساعدتموهم في حصادها ؟ ، كلا ثم كلا ، لأنكم غرباء في هذه البلاد وفقراء ، فما هو إذاً هذا الشيء الذي تقوله ؟ ، فأجاب التلميذان : يا سيد إننا أخطأنا فليرحمنا الله ، فأجاب يسوع : ليكن كذلك .

الفصل الخامس والستون

وقرب عيد الفصح فلذلك صعد يسوع وتلاميذه إلى أورشليم ، وذهب إلى البركة التي تدعى بيت جسرا ، ودعى الحمام كذلك لأن ملاك الله كان يحرك الماء كل يوم ومن دخل الماء أولا بعد اضطرابه برئ من كل نوع من المرض ، لذلك كان يلبث عدد غفير من المرضى بجانب البركة التي كان لها خمسة أروقة ، فرأى يسوع مقعدا كان له هناك ثماني وثلاثين سنة مريضا بمرض عضال ، فلما كان يسوع عالما بذلك بالهام إلهي تحنن على المريض وقال له : أتريد أن تبرأ ، أجاب المقعد : يا سيد ليس لي أحد يضعني في الماء متى حركه الملاك بل عندما آتى ينزل قبلي آخر ويدخله ، حينئذ رفع يسوع عينيه نحو السماء وقال : أيها الرب إلهنا إله آبائنا ارحم هذا المقعد ، ولما قال يسوع هذا : (( قال بإسم الله ابرأ أيها الأخ قم واحمل فراشك )) فحينئذ قام المقعد حامدا لله ، وحمل فراشه على كتفيه وذهب إلى بيته حامدا لله ، فصاح الذين رأوه : إنه يوم السبت فلا يحل لك أن تحمل فراشك ، فأجاب : إن الذي أبرأني قال لي : ( ارفع فراشك وإذهب في طريقك إلى بيتك ) فحينئذ سألوه : من هو ، أجاب : إني لا أعرف اسمه ، فقالوا عندئذ فيما بينهم : لابد أن يكون يسوع الناصري ، وقال آخرون : كلا لأنه قدوس الله أما الذي فعل هذا فهو أثيم لأنه كسر السبت ، وذهب يسوع إلى الهيكل فدنا منه جم غفير ليسمعوا كلامه ، فإضطرم الكهنة لذلك حسدا .

الفصل السادس والستون

وجاء إليه واحد قائلا : أيها المعلم الصالح إنك تعلم حسنا وحقا ، لذلك قل لي ما هو الجزاء الذي يعطينا إياه الله في الجنة ؟ ، أجاب يسوع : إنك تدعوني صالحا وأنت لا تعلم أن لا صالح إلا الله وحده كما قال أيوب خليل الله : ( الطفل الذي عمره يوم ليس نقيا بل إن الملائكة ليست منزهة عن الخطأ أمام الله ) وقال أيضا : ( إن الجسد يجذب الخطيئة ويمتص الإثم كما تمتص أسفنجة الماء ) فصمت لذلك الكاهن لأنه فشل ، وقال يسوع : الحق أقول لكم لا شيء أشد خطرا من الكلام ، لأنه هكذا قال سليمان : ( الحياة والموت هما تحت سلطة اللسان ) والتفت إلى تلاميذه وقال : احذروا الذين يباركونكم لأنهم يخدعونكم ، فباللسان بارك الشيطان أبوينا الأولين ولكن كانت عاقبة كلامه شقاء ، هكذا أيضا بارك حكماء مصر فرعون ، هكذا بارك جليات الفلسطينيين ، هكذا بارك أربع مائة نبي كاذب أخاب ، ولكن لم يكن مدحهم إلا باطلا فهلك الممدوحون مع المادحين ، لذلك لم يقل الله بلا سبب على لسان إشعيا النبي : ( يا شعبي إن الذين يباركونك يخدعونك ) ويل لكم أيها الكتبة والفريسيون ، ويل لكم أيها الكهنة واللاويون لأنكم أفسدتم ذبيحة الرب ، حتى أن الذين جاءوا ليقدموا الذبائح يعتقدون أن الله يأكل لحما مطبوخا كالإنسان .

الفصل السابع والستون

لأنكم تقولون لهم : (( أحضروا من غنمكم وثيرانكم وحملانكم إلى هيكل إلهكم ولا تأكلوا الجميع بل أعطوا نصيبا لإلهكم مما أعطاكم )) ولكنكم لا تخبرونهم عن أصل الذبيحة أنها شهادة الحياة التي أنعم بها على ابن أبينا ابراهيم ، حتى لا ينسى إيمان وطاعة أبينا ابراهيم مع المواعيد الموثقة معه من الله والبـركة الممنوحة له ، ولكن يقول الله على لسان حزقيـال النبي : ( ابعدوا عني ذبائحكم هذه إن ضحاياكم مكروهة عندي ) لأنه يقترب الوقت الذي يتم فيه ما تكلم عنه إلهنا على لسان هوشع النبي قائلا : ( أني أدعو الشعب غير المختار مختارا ) وكما يقول في حزقيال النبي : ( سيعمل الله ميثاقا جديدا مع شعبه ليس نظير الميثاق الذي أعطاه لآبائكم فلم يفوا به وسيأخذ منهم قلبا من حجر ويعطيهم قلبا جديدا ) وسيكون كل هذا لأنكم لا تسيرون الآن بحسب شريعته وعندكم المفتاح ولا تفتحون بل بالحري تسدون الطريق على الذين يسيرون فيها ) وهم الكاهن بالإنصراف ليخبر رئيس الكهنة الذي كان واقفا على مقربة من الهيكل بكل شيء ، ولكن يسوع قال : قف لأني أجيبك على سؤالك .

الفصل الثامن والستون

سألتني أن أخبرك ما يعطينا الله في الجنة ، الحق أقول لكم أن الذين يهتمون بالأجرة لا يحبون صاحب العمل ، فالراعي الذي عنده قطيع من الغنم متى رأى الذئب مقبلا يتهيأ للمحاماة عنه ، وبالضد منه الأجير الذي متى رأى الذئب ترك الغنم وهرب ، لعمر الله الذي أقف في حضرته لو كان إله آبائنا إلهكم لما خطر في بالكم أن تقولوا : ماذا يعطيني الله ، بل كنتم تقولون كما قال داود نبيه : ( ماذا أعطى الله من أجل جزاء ما أعطاني ) إني أضرب لكم مثلا لتفهموا ، كان ملك عثر في الطريق على رجل جردته اللصوص الذين أثخنوه جراحا حتى الموت ، فتحنن عليه وأمر عبيده أن يحملوا ذلك الرجل إلى المدينة ويعتنوا به ففعلوا هذا بكل جد ، وأحب الملك الجريح حبا عظيما حتى أنه زوجه من ابنته وجعله وريثه ، فلا مراء في أن هذا الملك كان رؤوفاً جداً ، ولكن الرجل ضرب العبيد واستهان بالأدوية وامتهن امرأته وتكلم بالسوء في الملك وحمل عماله على عصيانه ، وكان إذا طلب الملك منه خدمة قال: ( ما هو الجزاء الذي يعطيني إياه الملك ؟ ) فماذا فعل الملك بمثل هذا الكنود عندما سمع هذا ؟ ، فأجاب الجميع : ويل له لأن الملك نزع منه كل شيء ونكل به تنكيلا . فقال حينئذ يسوع : أيها الكهنة والكتبة والفريسيون وأنت يا رئيس الكهنة الذي تسمع صوتي إني أعلن لكم ما قال الله لكم على لسان نبيه إشعيا : ( ربيت عبيدا ورفعت شأنهم أما هم فامتهنوني ) إن الملك لهو إلهنا الذي وجد إسرائيل في هذا العالم مفعما شقاء ، فأعطاه لعبيده يوسف وموسى وهرون الذين اعتنوا به ، وأحبه إلهنا حبا شديدا حتى أنه لأجل شعب إسرائيل ضرب مصر وأغرق فرعون وهزم مائة وعشرين ملكا من الكنعانيين والمدينيين، وأعطاه شرائعه جاعلا إياه وارثا لكل تلك البلاد التي يقيم فيها شعبنا، ولكن كيف تصرف إسرائيل ؟ كم قتل من الأنبياء ، كم نجس نبوة ، كيف عصى شريعة الله ، كم وكم تحول أناس عن الله لذلك السبب وذهبوا ليعبدوا الأوثان بذنبكم أيها الكهنة ، فلكم تمتهنون الله بسلوككم والآن تسألونني : ماذا يعطينا الله في الجنة ؟ ، فكان يجب عليكم أن تسألوني : أي قصاص يعطيكم الله إياه في الجحيم وماذا يجب عليكم فعله لأجل التوبة الصادقة ليرحمكم الله ؟ ، فهذا ما أقوله لكم ولهذه الغاية أرسلت إليكم .

الفصل التاسع والستون

لعمر الله الذي أقف في حضرته أنكم لا تنالون مني تملقا بل الحق ، لذلك أقول لكم توبوا وارجعوا إلى الله كما فعل آباؤنا بعد ارتكاب الذنب ولا تقسوا قلوبكم ، فإحتدم الكهنة لهذا الخطاب ولكنهم لم ينبسوا بكلمة خوفا من الشعب ، واستمر يسوع في كلامه قائلا : أيها الفقهاء والكتبة والفريسيون وأنتم أيها الكهنة قولوا لي ، إنكم لراغبون في الخيل كالفوارس ولكنكم لا ترغبون في المسير إلى الحرب ، إنكم لراغبون في الألبسة الجميلة كالنساء ولكنكم لا ترغبون في الغزل وتربية الأطفال ، إنكم لراغبون في أثمار الحقل ولكنكم لا ترغبون في حراثة الأرض ، إنكم لراغبون في أسماك البحر ولكنكم لا ترغبون في صيدها، إنكم لراغبون في المجد كالجمهوريين ولكنكم لا ترغبون في عبء الجمهورية ، وإنكم لراغبون في الأعشار والباكورات كالكهنة ولكنكم لا ترغبون في خدمة الله بالحق، إذاً ماذا يفعل الله بكم وأنتم راغبون هنا في كل خير بدون أدنى شر ، الحق أقول لكم أن الله ليعطينكم مكانا يكون لكم فيه كل شر دون أدنى خير، ولما أكمل هذا يسوع جيء برجل فيه شيطان وهو لا يتكلم ولا يبصر ولا يسمع، فلما رأى يسوع إيمانهم رفع عينيه نحو السماء وقال : أيها الرب إله آبائنا ارحم هذا المريض وأعطه صحة ليعلم هذا الشعب أنك أرسلتني ، ولما قال يسوع هذا أمر الروح أن ينصرف قائلا : بقوة اسم الله ربنا انصرف أيها الشرير عن الرجل ، فانصرف الروح وتكلم الأخرس وأبصر بعينيه ، فارتاع لذلك الجميع ولكن الكتبة قـالوا : إنما هو يخرج الشياطين بقوة بعلزبوب رئيس الشياطين ، حينئذ قال يسوع : كل مملكة منقسمة على نفسها تخرب ويسقط بيت على بيت ، فإذا كان يخرج الشيطان بقوة الشيطان فكيف ثبتت مملكته ، وإذا كان أبناؤكم يخرجون الشياطين بالكتاب الذي أعطاهم إياه سليمان النبي فهم يشهدون أني أخرج الشيطان بقوة الله ، لعمر الله أن التجديف على الروح القدس لا مغفرة له لا في هذا العالم ولا في العالم الآخر ، لأن الشرير ينبذ نفسه عالما مختارا ولما قال يسوع هذا خرج من الهيكل ، فعظمته العامة لأنهم أحضروا كل المرضى الذين تمكنوا من جمعهم فصلى يسوع ومنحهم جميعهم صحتهم ، لذلك أخذت الجنود الرومانية في أورشليم بوسوسة الشيطان تثير العامة في ذلك اليوم قائلين أن يسوع إله إسرائيل قد أتى ليفتقد شعبه .

الفصل السبعون

وانصرف يسوع من أورشليم بعد الفصح ودخل حدود قيصرية فيلبس ، فسأل تلاميذه بعد أن أنذره الملاك جبريل بالشغب الذي نجم بين العامة قائلا : ماذا يقول الناس عني ؟ ، أجابوا : يقول البعض أنك إيليا وآخرون إرميا وآخرون أحد الأنبيـاء ، أجاب يسوع : وما قولكم أنتم فيّ ؟ ، أجاب بطرس : إنك المسيح بن الله ، فغضب حينئذ يسوع وانتهره بغضب قائلا : اذهب وانصرف عني لأنك أنت الشيطان وتحاول أن تسيء إلي ، ثم هدد الأحد عشر قائلا : ويل لكم إذا صدقتم هذا لأني ظفرت بلعنة كبيرة من الله على كل من يصدق هذا ، وأراد أن يطرد بطرس ، فتضرع حينئذ الأحد عشر إلى يسوع لأجله فلم يطرده ، ولكنه انتهره أيضا قائلا : حذار أن تقول مثل هذا الكلام مرة أخرى لأن الله يلعنك ، فبكى بطرس وقال : يا سيد لقد تكلمت بغباوة فاضرع إلى الله أن يغفر لي ، ثم قال يسوع : إذا كان إلهنا لم يرد أن يظهر نفسه لموسى عبده ولا لإيليا الذي أحبه كثيرا ولا لنبي ما ، أتظنون أن الله يظهر نفسه لهذا الجيل الفاقد الإيمان بل ألا تعلمون أن الله قد خلق بكلمة واحدة كل شيء من العدم وأن منشأ البشر جميعهم من كتلة طين ؟ ، فكيف إذاً يكون الله شبيها بالإنسان ؟ ، ويل للذين يدَعون الشيطان يخدعهم ، ولما قال يسوع هذا ضرع إلى الله لأجل بطرس والأحد عشر وبطرس يبكون ويقولون : ليكن كذلك أيها الرب المبارك إلهنا ، وانصرف يسوع بعد هذا وذهب إلى الجليل إخمادا لهذا الرأي الباطل الذي ابتدأ أن يعلق بالعامة في شأنه .

الفصل الحادي والسبعون

ولما بلغ يسوع بلاده ذاع في جهة الجليل كلها أن يسوع النبي قد جاء إلى الناصرة ، فتفقدوا عندئذ المرضى بجد وأحضروهم إليه متوسلين إليه أن يلمسهم بيديه ، وكان الجمع غفيرا جدا حتى أن غنيا مصابا بالشلل لما لم يمكن إدخاله في الباب حمل إلى سطح البيت الذي كان فيه يسوع وأمر القوم برفع السقف ودلى على ملاء أمام يسوع ، فتردد يسوع دقيقة ثم قال : لا تخف أيها الأخ لأن خطاياك قد غُفرت لك ، فاستاء كل أحد لسماع هذا وقالوا : من هذا الذي يغفر الخطايا ؟ ، فقال حينئذ يسوع : لعمر الله أني لست بقادر على غفران الخطايا ولا أحد آخر ولكن الله وحده يغفر ، ولكن كخادم لله أقدر أن أتوسل إليه لأجل خطايا الآخرين ، لهذا توسلت إليه لأجل هذا المريض وإني موقن بأن الله قد استجاب دعائي ، ولكي تعلموا الحق أقول لهذا الإنسان : بإسم إله آبائنا إله ابراهيم وأبنائه قم معافى ، ولما قال يسوع هذا قام المريض معافى ومجـّد الله ، حينئذ توسل العامة إلى يسوع ليتوسل إلى الله لأجل المرضى الذين كانوا خارجا ، فخرج حينئذ يسوع إليهم ثم رفع يديه وقال : أيها الرب إله الجنود الإله الحي الإله الحقيقي الإله القدوس الذي لا يموت ألا فارحمهم ، فأجاب كل أحد : آمين، وبعد أن قيل هذا وضع يسوع يديه على المرضى فنالوا جميعهم صحتهم ، فحينئذ مجدوا الله قائلين : لقد افتقدنا الله بنبيه فإن الله أرسل لنا نبيا عظيما .

الفصل الثاني والسبعون

وفي الليل تكلم يسوع سرا مع تلاميذه قائلا : الحق أقول لكم أن الشيطان يريد أن يغربلكم كالحنطة ، ولكني توسلت إلى الله لأجلكم فلا يهلك منكم إلا الذي يلقى الحبائل لي وهو إنما قال هذا عن يهوذا لأن الملاك جبريل قال له كيف كانت ليهوذا يد مع الكهنة وأخبرهم بكل ما تكلم به يسوع ، فاقترب الذي يكتب هذا إلى يسوع بدموع قائلا : يا معلم قل لي من هو الذي يسلمك ؟ ، أجاب يسوع قائلا : يا برنابا ليست هذه الساعة هي التي تعرفه فيها ولكن يعلن الشرير نفسه قريبا لأني سأنصرف عن العالم ، فبكى حينئذ الرسل قائلين : يا معلم لماذا تتركنا لأن الأحرى بنا أن نموت من أن تتركنا ، أجاب يسوع : لا تضطرب قلوبكم ولا تخافوا ، لأني لست أنا الذي خلقكم بل الله الذي خلقكم يحميكم ، أما من خصوصي فاني قد أتيت لأهيِّء الطريق لرسول الله الذي سيأتي بخلاص العالم ، ولكن احذروا أن تغشوا لأنه سيأتي أنبياء كذبة كثيرون يأخذون كلامي وينجسون إنجيلي ، حينئذ قال اندراوس : يا معلم اذكر لنا علامة لنعرف ، أجاب يسوع : إنه لا يأتي في زمنكم بل يأتي بعدكم بعدة سنين حينما يبطل إنجيلي ولا يكاد يوجد ثلاثون مؤمنا ، في ذلك الوقت يرحم الله العالم فيرسل رسوله الذي تستقر على رأسه غمامة بيضاء يعرفه أحد مختاري الله وهو سيظهره للعالم ، وسيأتي بقوة عظيمة على الفجار ويبيد عبادة الأصنام من العالم ، وأني أسر بذلك لأنه بواسطته سيعلن ويمجد الله ويظهر صدقي ، وسينتقم من الذين سيقولون أني أكبر من إنسان ، الحق أقول لكم أن القمر سيعطيه رقادا في صباه ومتى كبر هو أخذه كفيًّه ، فليحذر العالم أن ينبذه لأنه سيفتك بعبدة الأصنام ، فإن موسى عبد الله قتل أكثر من ذلك كثيرا ولم يبق يشوع على المدن التي أحرقوها وقتلوا الأطفال ، لأن القرحة المزمنة يستعمل لها الكي ، وسيجيء بحق أجلى من سائر الأنبياء وسيوبخ من لا يحسن السلوك في العالم ، وستحيِّي طربا أبراج مدينة آبائنا بعضها بعضا ، فمتى شوهد سقوط عبادة الأصنام إلى الأرض واعترف بأني بشر كسائر البشر فالحق أقول لكم أن نبي الله حينئذ يأتي .  

الفصل الثالث والسبعون

الحق أقول لكم أنه إذا حاول الشيطان أن يعرف هل أنتم أخلاء الله وتمكن من بلوغ مأربه منكم فإنه يسمح لكم أن تسيروا بحسب أهوائكم إذ لا يهاجم أحد مدنه ، ولكن لما كان يعلم أنكم أعداؤه فسيستعمل كل عنف ليهلككم ، ولكن لا تخافوا فإنه سيقاومكم ككلب مربوط لأن الله قد سمع صلاتي ، أجاب يوحنا : يا معلم أخبرنا كيف يقف المجرب القديم بالمرصاد للإنسان ليس لأجلنا نحن فقط بل لأجل الذين سيؤمنون بالإنجيل أيضا أجاب يسوع : إن ذلك الشرير يجرب بأربع طرق ، الأولى عندما يجرب هو نفسه بالأفكار ، الثانية عندما يجرب بالكلام والأعمال بواسطة خدمه ، الثالثة عندما يجرب بالتعليم الكاذب ، الرابعة عندما يجرب بالتخييل الكاذب ، إذاً يجب على البشر أن يحاذروا كثيرا ولا سيما لأن له عونا من جسد الإنسان الذي يحب الخطيئة كما يحب المحموم الماء ، الحق أقول لكم أنه إذا خاف الإنسان الله انتصر على كل شيء كما يقول داود نبيه : ( سيسلمك الله إلى عناية ملائكته الذين يحفظون طرقك لكيلا يعثرك الشيطان ، يسقط ألف عن شمالك وعشرة آلاف عن يمينك لكيلا يقربوك ، ووعد أيضا إلهنا بمحبة عظيمة على لسان داود المذكور أن يحفظنا قائلا : ( إني أمنحك فهما يثقفك وكيفما سلكت في طرقك أجعل عيني تقع عليك ) ولكن ماذا أقول ؟ ، لقد قال على لسان إشعيا : ( أتنسى الأم طفل رحمها ؟ ولكن أقول لك إن هي نسيت فإني لا أنساك ، إذاً قولوا لي من يخاف الشيطان إذا كانت الملائكة حراسه والله الحي حاميه ؟ ، ومع ذلك فمن الضروري كما يقول النبي سليمان أن : ( تسعد أنت يا بني الذي صرت تخاف الله للتجارب ) الحق أقول لكم أنه على الإنسان أن يحتذي مثال الصيرفي الذي يتحرى النقود ممتحنا أفكاره لكيلا يخطئ إلى خالقه .

الفصل الرابع والسبعون

كان ولا يزال في العالم قوم لا يبالون بالخطيئة وإنما هم لعلى أعظم ضلال ، قولوا لي كيف أخطأ الشيطان ؟ ، إنه أخطأ لمجرد الفكر بأنه أعظم شأنا من الإنسان ، وأخطأ سليمان لأنه فكر في أن يدعو كل خلائق الله لوليمة فأصلحت خطأه سمكة إذ أكلت كل ما كان قد هيأه ، لذلك لم يكن بلا باعث ما يقول داود أبونا : ( استعلاء الإنسان في نفسه يهبط به في وادي الدموع ) لذلك ينادي الله على لسان إشعيا نبيه قائلا : ( ابعدوا أفكاركم الشريرة عن عيني ) ولأي غاية يرمي سليمان إذ يقول : ( احفظ قلبك كل الحفظ ) لعمر الله الذي تقف نفسي في حضرته يقال كل شيء في الأفكار الشريرة التي تكون باعثا على ارتكاب الخطيئة لأنه لا يمكن ارتكاب الخطيئة بدون فكر ، ألا قولوا لي متى غرس الزارع الكرم ألا يزرع النبات على عمق غائر ؟ ، بلى ، وهكذا يفعل الشيطان الذي إذا زرع الخطيئة لا يقف عند العين أو الأذن بل يتعدى إلى القلب الذي هو مستقر الله ، كما تكلم على لسان موسى عبده قائلا : ( إني أسكن فيهم ليسيروا في شريعتي ) ألا قولوا لي إذا عهد إليكم هيرودس الملك لتحفظوا بيتا ودّ سكناه أتبيحون لبلاطس عدوه أن يدخله أو يضع أمتعته فيه ؟ ، كلا ثم كلا ، فبالحري يجب عليكم ألا تبيحوا للشيطان أن يدخل قلوبكم أو يضع أفكاره فيها ، لأن الله أعطاكم قلبكم لتحفظوه وهو مسكنه ، لاحظوا إذاً كيف أن الصيرفي ينظر في النقود هل صورة قيصر صحيحة وهل الفضة صحيحة أم كاذبة وهل هي من العيار المعهود ، لذلك يقلبها كثيرا في يده ، أيها العالم المجنون ما أحكمك في شغلك حتى أنك في اليوم الأخير توبخ وتحكم على خدم الله بالإهمال والتهاون لأن خدمك دون ريب أحكم من خدم الله ! ، قولوا لي إذاً من يمتحن فكرا كما يمتحن الصيرفي قطعة نقود فضية ؟ ، لا أحد مطلقا .

الفصل الخامس والسبعون

حينئذ قال يعقوب : يا معلم كيف يكون امتحان الفكر شبيها بامتحان قطعة نقود ؟ ، أجاب يسوع : إن الفضة الجديدة في الفكر إنما هي التقوى لأن كل فكر عار من التقوى يأتي من الشيطان ، والصورة الصحيحة إنما هي قدوة الأطهار والأنبياء التي يجب علينا اتباعها ، وزنة الفكر إنما هي محبة الله التي يجب أن يعمل بموجبها كل شيء ، ولذلك يأتي العدو إلى هناك بأفكار تنافي التقوى جيرانكم مطابقة للعالم ليفسد الجسد وللمحبة العالمية ليفسد محبة الله ، أجاب برتولومايوس : يا معلم كيف نفكر قليلا حتى لا نقع في التجربة ؟ ، أجاب يسوع: يلزمكم شيئان ، الأول أن تتمرنوا كثيرا ، والثاني أن تتكلموا قليلا ، لأن الكسل مرحاض يتجمع فيه كل منكر نجس ، والإكثار من التكلم أسفنجة تلتقط الآثام ، فيلزم أن لا يكون عملكم قاصر على تشغيل الجسد فقط بل يجب أن تكون النفس أيضا مشتغلة بالصلاة ، لأنه يجب أن لا تنقطع عن الصلاة أبدا ، إني أضرب لكم مثلا : كان رجل سيء الأداء فلذلك لم يقبل أحد من الذين يعرفونه أن يحرث حقوله ، فقال قول الشرير : ( إني أذهب إلى السوق لأجد قوما كسالى بطالين فيجيئون ليحرثوا كرمي ) فخرج هذا الرجل من بيته ووجد كثيرين من الغرباء البطالين المفاليس ، فكلم هؤلاء وقادهم إلى كرمه ، أما الذين كانوا قد عرفوه واشتغلوا معه قبلا فلم يذهب منهم أحد إلى هناك ، فالذي يسيء الأداء هو الشيطان ، لأنه يعطى شغلا فيكون جزاء الإنسان في خدمته النيران الأبدية ، فهو لذلك قد خرج من الجنة ويجول باحثا عن فعلة ، وهو إنما يأخذ لعمله الكسالى أيا كانوا على الخصوص الذين لا يعرفونه ، ولا يكفي مطلقا للهرب من الشر أن يعرفه الإنسان لينجو منه بل يجب فعل الصالحات للتغلب عليه .

الفصل السادس والسبعون

إني أضرب لكم مثلا ، كان لرجل ثلاثة كروم أجَّرها لثلاثة كرَّامين ، ولما لم يعرف الأول كيف يحرث الكرم لم يخرج الكرم سوى أوراق ، أما الثاني فعلَّم الثالث كيف يجب أن تحرث الكروم ، فأصغى لكلماته وحرث كرمه كما أرشده فأتى كرم الثالث بثمر كثير ، ولكن الثاني أهمل حراثة كرمه صارفا وقته في التكلم فقط ، فلما حان الوقت لدفع الأجرة لصاحب الكرم قال الأول : ( يا سيد إني لا أعرف كيف يحرث كرمك لذلك لم يكن لي ثمر هذه السنة ) ، فأجاب السيد : ( يا غبي هل تسكن العالم وحدك حتى أنك لم تستشر كرامي الثاني الذي يعرف جيدا كيف تحرث الأرض ؟ فيتحتم عليك أداء حقي ) ، ولما قال هذا حكم عليه بالإشتغال في السجن إلى أن يدفع لسيده الذي رحم غرارته فأطلقه قائلا ( انصرف فاني لا أريد أن تشتغل بعد في كرمي ويكفيك أن أعطيك دينك ) ، وجـاء الثاني الذي قال له السيد : ( مرحبا بكرامي أين الثمار التي أنت مديون لي بها ، ومن المؤكد أنك لما كنت تعلم جيدا كيف تهذب الكروم فلا بد أن يكون الكرم الذي أجرتك إياه قد أتى بثمار كثيرة ) ، فأجاب الثاني : ( يا سيد إن كرمك آخذ في الإنحطاط لأني لم أشذب الشجر ولا حرثت الأرض والكرم لم يأت بثمر فلذلك لا أقدر أن أدفع لك ) ، ثم دعا السيد الثالث وقال له بإنذهال : ( لقد قلت لي أن هذا الرجل الذي أجرته الكرم الثاني قد أتم تعليمك حراثة الكرم الذي أجرتك إياه ، فكيف يمكن أن لا يأتي الكـرم الذي أجرته إياه هو بثمر مع أن التربة واحدة ؟ ) أجاب الثالث : ( يا سيد إن الكرم لا يحرث بالكلام فقط بل على من يريد استئجاره أن ينضح منه كل يوم عرق قميص ، وكيف يأتي أيها السيد كرم كرامك بثمر وهو لا يفعل سوى إضاعة الوقت بالكلام ؟ ، ولا ريب أيها السيد في أنه لو عمل ما قال لأعطاك أجرة الكرم لخمس سنين لأني أنا الذي لا أقدر على الكلام كثيرا أعطيتك أجرة سنتين ) فحنق السيد وقال للكرام بازدراء : ( إذاً أنت قد عملت عملا عظيما بعدم زبر الأشجار وتمهيد الكرم فلك إذاً علي جزاء عظيم ! ) ، ثم دعا خدمه وأمر بضربه بدون رحمة ، ثم وضعه في السجن تحت سيطرة خادم جاف كان يضربه كل يوم ، ولم يرد مطلقا أن يطلقه لأجل شفاعة أصدقائه .

الفصل السابع والسبعون

الحق أقول لكم أن كثيرين سيقولون لله يوم الدينونة : (( يا رب لقد بشرنا وعلَّمنا بشريعتك )) ، ولكن الحجـارة نفسها ستصرخ ضدهم قائلة : (( لما كنتم قد بشرتم الآخرين فبلسانكم قد أدنتم أنفسكم يا فاعلي الإثم )) ، قال يسوع : لعمر الله أن من يعرف الحق ويفعل عكسه يعاقب عقابا أليما حـتى تكاد الشياطين ترثي له ، ألا قولوا لي أللعلم أم العمل أعطانا الله الشريعة ؟ ، الحق أقول لكم أن غاية كل علم هي تلك الحكمة التي تفعل كل ما تعلم ، قولوا لي إذا كان أحد جالسا على المائدة ورأى بعينيه طعاما شهيا ولكنه اختار بيديه أشياء قذرة فأكلها ألا يكون مجنونا ؟ ، فقال التلاميذ : بلى البتة ، حينئذ قال يسوع : إنك لأنت أشد جنونا من كل المجانين أيها الإنسان الذي تعرف السماء بإدراكك وتختار الأرض بيديك ، الذي تعرف الله بإدراكك تشتهي العالم بهواك ، الذي تعرف ملذات الجنة بإدراكك وتختار بأعمالك شقاء الجحيم ، إنك لجندي باسل يا من تنبذ الحسام وتحمل الغمد لتحارب ! ، ألا تعلمون أن من يسير في الظلام يشتهي النور لا ليراه فقط بل ليرى الصراط المستقيم فيسير آمنا إلى الفندق ، ما أشقاك أيها العالم الذي يجب أن يحتقر ويمقت ألف مرة لأن إلهنا أراد دائما أن يمنحه معرفة الصراط بواسطة أنبيائه الأطهار ليسير إلى وطنه وراحته ، ولكنك أيها الشرير لم تمتنع عن الذهاب فقط بل فعلت ما هو شر من ذلك ، احتقرت النور ، لقد صح مَثل الجمل أنه لا يرغب أن يشرب من الماء الصافي لأنه لا يريد أن ينظر وجهه القبيح ، هكذا يفعل الغير صالح الذي يفعل الشر ، لأنه يكره النور لئلا تعرف أعماله ، أما ومن يؤتى حكمة ولا يكتفي بأن لا يفعل حسنا بل يفعل شرا من ذلك بأن يستخدمها للشـر فإنما يشبه من يستعمل الهبات أدوات لقتل الواهب .

الفصل الثامن والسبعون

الحق أقول لكم أن الله لم يشفق على سقوط الشيطان ومع ذلك فقد أشفق على سقوط آدم ، وكفاكم أن تعرفوا سوء حال من يعرف الخير ويفعل الشر ، فقال حينئذ أندراوس : يا معلم يحسن أن ينبذ العلم خوفا من السقوط في مثل هذه الحال ، أجاب يسوع : إذا كان العالم حسنا بدون الشمس والإنسان بدون عينين والنفس بدون إدراك يكون عدم المعرفة إذا حسنا ، الحق أقول لكم أن الخبز لا يفيد الحياة الزمنية كما يفيد العلم الحياة الأبدية ، ألا تعلمون أن الله أمر بالعلم ؟ لأنه هكذا يقول الله : ( اسأل شيوخك يعلموك ) ويقول الله عن الشريعة ( اجعل وصيتي أمام عينيك والهج بها حين تجلس وحين تمشي وفي كل حين ) ، فيمكنكم الآن أن تعلموا إذا كان عدم العلم حسنا ، إن من يحتقر الحكمة لشقي لأن لا بد أن يخسر الحياة الأبدية ، فأجاب يعقوب : يا معلم نعلم أن أيوب لم يتعلم من معلم ولا إبراهيم ومع هذا فقد كانا طاهرين ونبيين ، أجاب يسوع : الحق أقول لكم أن من كان من أهل العروس لا يدعى إلى العرس لأنه يسكن البيت الذي فيه العرس بل يدعى البعيدون عن البيت ، أفلا تعلمون أن أنبياء الله هم في بيت  نعمة الله ورحمته ، فشريعة الله ظاهرة فيهم كما يقول داود أبونا في هذا الموضوع : ( إن شريعة إلهه في قلبه فلا يحفر طريقه ) ، الحق أقول لكم أن إلهنا لما خلق الإنسان لم يخلقه بارا فقط بل وضع في قلبه نورا يريه أنه خليق به خدمة الله ، فلئن أظلم هذا النور بعد الخطيئة فهو لا ينطفئ ، لأن لكل أمَّة هذه الرغبة في خدمة الله مع أنهم قد فقدوا الله وعبدوا آلهة باطلة وكاذبة ، ولذلك وجب أن يعلم الإنسان عن أنبياء الله لأن النور الذي يعلمهم طريق الذهاب إلى الجنة وطننا بخدمة الله واضح ، كما يجب أن يقاد ويداوى من في عينيه رمد .

الفصل التاسع والسبعون

أجاب يعقوب : وكيف يعلمنا الأنبياء وهم أموات ، وكيف يعلم من لا معرفة له بالأنبياء ؟ ، فأجاب يسوع : إن تعليمهم مدون فتجب مطالعته لأن الكتاب بمثابة نبي لك ، الحق الحق أقول لك أن من يمتهن النبوة لا يمتهن النبي فقط بل يمتهن الله الذي أرسل النبي أيضا ، أما ما يختص بالأمم الذين لا يعرفون النبي فإني أقول لكم أنه إذا عاش في تلك الأقطار رجل يعيش كما يوحي إليه قلبه غير فاعل للآخرين ما لا يود أن يناله من الآخرين معطيا لقريبه ما يود أخذه من الآخرين فلا تتخلى رحمة الله عن مثل هذا الرجل ، فلذلك يظهر له الله ويمنحه برحمته شريعته عند الموت إن لم يكن قبل ذلك ، ولعله يخطر في بالكم أن الله أعطى الشريعة حبا بالشريعة ، حقا إن هذا لباطل بل منح الله شريعته ليفعل الإنسان حسنا حبا في الله ، فإذا وجد الله إنسانا يفعل حسنا حبا له أفتظنون أنه يمتهنه ؟ ، كلا ثم كلا بل يحبه أكثر من الذين أعطاهم الشريعة ، إني أضرب لكم مثلا : كان لرجل أملاك كثيرة وكان من أملاكه أرض قاحلة لم تنبت إلا أشياء لا ثمر لها ، وبينما كان سائرا ذات يوم وسط هذه الأرض القاحلة عثر بين هذه الأنبتة غير المثمرة على نبات ذي ثمار شهية ، فقال هذا الإنسان حينئذ : ( كيف تأتي لهذا النبات أن يحمل هذه الثمار الشهية هنا ؟ ، إني لا أريد أن يقطع ويوضع في النار مع البقية ) ، ثم دعا خدمه وأمرهم بقلعه ووضعه في بستانه ، إني أقول لكم هكذا يحفظ إلهنا من لهب الجحيم من يفعلون برا أينما كانوا .    

الفصل الثمانون

قولوا لي أسكن أيوب في غير أرض عوص بين عبدة الأصنام ؟ ، وكيف يكتب موسى عن زمن الطوفان ، قولوا لي ، إنه يقول : ( إن نوحا وجد نعمة أمام الله ) كان لأبينا ابراهيم أب لا إيمان له لأنه كان يصنع ويعبد الأصنام الباطلة ، وسكن لوط بين شر ناس على الأرض ، ولقد أخذ نبوخذ نصر دانيال أسيرا وهو طفل مع حننيا وعزريا وميشائيل الذين لم يكن لهم سوى سنتين من العمر لما أسروا وربوا بين جمع من الخدم عبدة الأصنام ، لعمر الله أن النار كما تحرق الأشياء اليابسة وتحولها نارا بدون تمييز بين الزيتون والسرو والنخل وهكذا يرحم إلهنا كل من يفعل برا غير مميز بين اليهودي والسكيثي واليوناني أو الاسماعيلي ، ولكن لا يقف قلبك هناك يا يعقوب لأنه حيث أرسل الله النبي ترتب عليك حتما أن تنكر حكمك وتتبع النبي ، لا أن تقول : (( لماذا يقول هذا ؟ لماذا يأمر وينهى ؟ )) ، بل قل : (( هكذا يريد الله وهكذا يأمر الله )) ألا ماذا قال الله لموسى لما امتهن إسرائيل موسى ؟ (( إنهم لم يمتهنوك ولكنهم امتهنوني أنا )) الحق أقول لكم أنه لا يجب على الإنسان أن يصرف زمن حياته ، في تعلم التكلم أو القراءة بل في تعلم كيف يشتغل جيدا ، ألا قولوا أي خادم لهيرودس لا يحاول مرضاته بأن يخدمه بكل جد ، ويل للعالم الذي يحاول أن يرضي جسدا ليس سوى طين وسرقين ولا يحاول بل ينسى خدمة الله الذي خلق كل شيء المجيد إلى الأبد .

الفصل الحادي والثمانون

قولوا لي أتحسب خطيئة عظمة على الكهنة إذا أوقعوا على الأرض تابوت شهادة الله وهم يحملونه ؟ ، فارتجف التلاميذ لما سمعوا هذا لأنهم كانوا على علم بأن الله أمات عزة لأنه مس تابوت الله خطأ ، فقالوا إنها لخطيئة كبرى ، فقال يسوع : لعمر الله أن نسيان كلمة الله التي بها خلق كل الأشياء والتي بها يقدم لك الحياة الأبدية لخطيئة كبرى ، ولما قال يسوع هذا صلى وقال بعد صلاته : لا يجب أن نعبر غدا إلى السامرة لأنه هكذا قال لي ملاك الله القدوس ، وبلغ يسوع باكرا صباح يوم بئرا كان قد صنعها يعقوب ووهبها ليوسف ابنه ، ولما أعيا يسوع من السفر أرسل تلاميذه إلى المدينة ليشتروا طعاما ، فجلس بجانب البئر على حجر البئر وإذا بامرأة من السامرة قد جاءت إلى البئر لتستقي ماء ، فقال يسوع للمرأة : أعطني لأشرب ، فأجابت المرأة : ألا تخجل وأنت عبراني أن تطلب مني شربة ماء وأنا امرأة سامرية ؟ ، أجاب يسوع : أيتها المرأة لو كنت تعلمين من يطلب منك شربة لطلبت أنت منه شربة ، أجابت المرأة : كيف تعطيني لأشرب ولا إناء ولا حبل معك لتجذب به الماء والبئر عميقة ؟ ، أجاب يسوع : أيتها المرأة من يشرب من ماء هذا البئر يعاوده العطش أما من يشرب من الماء الذي أعطيه فلا يعطش أبدا بل يعطي العطاش ليشربوا بحيث يصلون إلى الحياة الأبدية ، فقالت المرأة : يا سيد أعطني من مائك هذا ، أجاب يسوع : اذهبي وادعي زوجك وإياكما أعطي لتشربا ، قالت المرأة : ليس لي زوج ، أجاب يسوع : حسنا قلت الحق لأنه كان لك خمسة أزواج والذي معك الآن ليس هو زوجك ، فلما سمعت المرأة هذا اضطربت وقالت : يا سيد أرى بهذا أنك نبي ، لذلك أضرع إليك أن تخبرني عما يأتي : إن العبرانيين يصلون على جبل صهيون في الهيكل الذي بناه سليمان في أورشليم ويقولون أن نعمة الله ورحمته توجد هناك لا في موضع آخر ، أما قومنا فإنهم يسجدون على هذه الجبال ويقولون أن السجود إنما يجب أن يكون على جبال السامرة فقط فمن هم الساجدون الحقيقيون ؟ .

الفصل الثاني والثمانون

حينئذ تنهد يسوع وبكى قائلا : ويل لك يا بلاد اليهودية لأنك تفخرين قائلة : (( هيكل الرب هيكل الرب )) وتعيشين كأنه لا إله منغمسة في الملذات ومكاسب العالم ، فإن هذه المرأة تحكم عليك بالجحيم في يوم الدين ، لأن هذه المرأة تطلب أن تعرف كيف تجد نعمة ورحمة عند الله ، ثم التفت إلى المرأة وقال : أيتها المرأة إنكم أنتم السامريون تسجدون لما لا تعرفون أما نحن العبرانيون فنسجد لمن نعرف ، الحق أقول لك أن الله روح وحق ويجب أن يسجد له بالروح والحق ، لأن عهد الله إنما أخذ في أورشليم في هيكل سليمان لا في موضع آخر ولكن صدقيني أنه يأتي وقت يعطى الله فيه رحمته في مدينة أخرى ويمكن السجود له في كل مكان بالحق ويقبل الله الصلاة الحقيقة في كل مكان رحمته ، أجابت المرأة : إننا ننتظر مسيا فمتى جاء يعلمنا ، أجـاب يسوع : أتعلمين أيتها المرأة أن مسيا لا بد أن يأتي ؟، أجابت : نعم يا سيد ، حينئذ تهلل يسوع وقال : يلوح لي أيتها المرأة أنك مؤمنة ، فاعلمي إذاً أنه بالإيمان بمسيا سيخلص كل مختاري الله ، إذاً وجب أن تعرفي مجيء مسيا ، قالت المرأة : لعلك أنت مسيا أيها السيد ، أجاب يسوع : إني حقا أرسلت إلى بيت إسرائيل نبي خلاص ، ولكن سيأتي بعدي مسيا المرسل من الله لكل العالم الذي لأجله خلق الله العالم ، حينئذ يسجد لله في كل العالم وتنال الرحمة حتى أن سنة اليوبيل التي تجيء الآن كل مائة سنة سيجعلها مسيا كل سنة في كل مكان ، حينئذ تركت المرأة جرتها وأسرعت إلى المدينة لتخبر بكل ما سمعت من يسوع .

الفصل الثالث والثمانون

وبينما كانت المرأة تكلم يسوع جاء تلاميذه وتعجبوا أنه كان يتكلم هكذا مع امرأة ، ومع ذلك لم يقل له أحد : لماذا تتكلم هكذا مع امرأة سامرية ، فلما انصرفت المرأة قالـوا : يا معـلم تعال وكل ، أجـاب يسوع : يجب أن آكل طعاما آخر، فقال التلاميذ بعضهم لبعض : لعل مسافرا كلم يسوع وذهب ليفتش له على طعام ، فسـألوا الذي يكتب هذا قائلين : هل كان هنا أحد يمكنه أن يحضر طعاما للمعلم يا برنابا ؟ ، فأجاب الذي يكتب : لم يكن هنا من أحد خلا المرأة التي رأيتموها التي أحضرت هذا الإناء الفارغ لتملأه ماء ، فوقف التلاميذ مندهشين منتظرين نتيجة كلام يسوع ، عندئذ قال يسوع: إنكم لا تعلمون الطعام الحقيقي هو عمل مشيئة الله ، لأنه ليس الخبز الذي يقيت الإنسان ويعطيه حياة بل بالحري كلمة الله بإرادته ، فلهذا السبب لا تأكل الملائكة الأطهار بل يعيشون ويتغذون بإرادة الله ، وهكذا نحن وموسى وإيليا وواحد آخر لبثنا أربعين يوما وأربعين ليلة بدون شيء من الطعام ، ثم رفع يسوع عينيه وقال : متى يكون الحصاد ، أجاب التلاميذ : بعد ثلاثة أشهر ، قال يسوع : انظروا الآن كيف أن الجبال بيضاء بالحبوب ، الحق أقول لكم أنه يوجد اليوم حصاد عظيم يجنى ، حينئذ أشار إلى الجم الغفير الذي أتى ليراه ، لأن المرأة لما دخلت المدينة أثارت المدينة بأسرها قائله: أيها القوم تعالوا وانظروا نبيا جديدا مرسلا من الله إلى بيت إسرائيل ، وقصت عليهم كل ما سمعت من يسوع ، فلما أتوا إلى هناك توسلوا إلى يسوع أن يمكث عندهم ، فدخل المدينة ومكث هناك يومين شافيا كل المرضى ومعلما ما يختص بملكوت الله ، حينئذ قال أهل المدينة للمرأة : إننا أكثر إيمانا بكلامه وآياته منا مما قلت ، لأنه قدوس الله حقا ونبي مرسل لخلاص الذين يؤمنون به ، وبعد صلاة نصف الليل اقترب التلاميذ من يسوع ، فقال لهم : ستكون هذه الليلة في زمن مسيا رسول الله اليوبيل السنوي الذي يجيء الآن كل مائة سنة ، لذلك لا أريد أن ننام بل نصلي محنين رأسنا مائة مرة ساجدين لإلهنا القدير الرحيم المبارك إلى الأبد ، فلنقل كل مرة : اعترف بك إلهنا الأحد الذي ليس لك من بداية ولا يكون لك من نهاية ، لأنك برحمتك أعطيت كل الأشياء بدايتها وستعطى بعدلك الكل نهاية ، لا شبه لك بين البشر ، لأنك بجودك غير المتناهي لست عرضة للحركة ولا لعارض ، ارحمنا لأنك خلقتنا ونحن عمل يدك .

الفصل الرابع والثمانون

ولما صلى يسوع قال : لنشكر الله لأنه وهبنا هذه الليلة رحمة عظيمة ، لأنه أعاد الزمن الذي يلزم أن يمر في هذه الليلة إذ قد صلينا بالإتحاد مع رسول الله ، وقد سمعت صوته ، فلما سمع التلاميذ هذه تهللوا كثيرا وقالوا : يا معلم علمنا شيئا من الوصايا هذه الليلة ، فقال يسوع : هل رأيتم مرة ما البراز ممزوجا بالبلسم ، فأجابوا : لا يا سيد لأنه لا يوجد مجنون يفعل هذا الشيء ، فقال يسوع : إني مخبركم الآن أنه يوجد في العالم من هم أشد جنونا من ذلك لأنهم يمزجون خدمة الله بخدمة العالم ، حتى أن كثيرين من الذين يعيشون بلا لوم قد خدعوا من الشيطان ، وبينا هم يصلون مزجوا بصلاتهم المشاغل العالمية فأصبحوا في ذلك الوقت ممقوتين في نظر الله ، قولوا لي أتحذرون متى اغتسلتم للصلاة من أن يمسكم شيء نجس ؟ نعم بكل تأكيد ، ولكن ماذا تفعلون عندما تصلون ، إنكم تغسلون أنفسكم من الخطايا بواسطة رحمة الله ، أتريدون إذاً وأنتم تصلون أن تتكلموا عن الأشياء العالمية ؟ ، احذروا من أن تفعلوا هكذا ، لأن كل كلمة عالمية تصير براز الشيطان على نفس المتكلم ، فارتجف التلاميذ لأنه كلمهم بحدة الروح ، وقالوا : يا معلم ماذا نفعل إذا جاء صديق يكلمنا ونحن نصلي ، أجاب يسوع : دعوه ينتظر وأكملوا الصلاة ، فقال برتولوماوس: ولكن لو فرضنا أنه متى رأى أننا لا نكلمه اغتاظ وانصرف ، وإذا اغتاظ فصدقوني أنه ليس بصديقكم وليس بمؤمن بل كافر ورفيق الشيطان ، قولوا لي إذا ذهبتم لتكلموا أحد غلمان اصطبل هيرودس ووجدتموه يهمس في أذني هيرودس أتغتاظون إذ جعلكم تنتظرون ؟ ، كلا ثم كلا بل تسرون أن تروا صديقكم مقربا من الملك ، ثم قال يسوع : أصحيح هذا ؟ ، أجـاب التلاميذ : إنه الحق بعينه ، ثم قال يسوع : الحق أقول لكم أن كل من يصلي إنما يكلم الله ، أفيصح أن تتركوا التكلم مع الله لتكلموا الناس ؟ ، أيحق لصديقكم أن يغتاظ لهذا السبب لأنكم تحترمون الله أكثر منه ؟ ، صدقوني إنه إن اغتاظ لأن جعلتموه ينتظر فإنما هو خادم جيد للشيطان ، لأن هذا ما يتمناه الشيطان أن يترك الله لأجل الناس ، لعمر الله أنه يجب على كل من يخاف الله أن ينفصل في كل عمل صالح عن أعمال العالم لكيلا يفسد العمل الصالح .   

الفصل الخامس والثمانون

قال يسوع: إذا فعل إنسان سوءا أو تكلم بسوء وذهب أحد ليصلحه ويمنع عملا كهذا فماذا يفعل هذا ؟ ، أجاب التلاميذ : إنه يفعل حسنا لأنه يخدم الله الذي يطلب على الدوام منع الشر كما أن الشمس تطلب على الدوام طرد الظلام ، فقال يسوع : وأنا أقول لكم أنه بالضد من ذلك متى فعل أحد حسنا أو تكلم حسنا فكل من يحاول منعه بوسيلة ليس فيها ما هو أفضل منه فإنما هو يخدم الشيطان بل يصير رفيقه ، لأن الشيطان لا يهتم بشيء سوى منع كل شيء صالح ، ولكن ماذا أقول لكم الآن ؟ ، إني أقول ما قاله سليمان النبي قدوس وخليل الله : ( من كل ألف تعرفونهم يكون واحد صديقكم ) ، فقال متى : ألا نقدر إذاً أن نحب أحدا ؟ ، فأجاب يسوع : الحق أقول لكم أنه لا يجوز لكم أن تكرهوا شيئا إلا الخطيئة ، حتى أنكم لا تقدرون أن تبغضوا الشيطان من حيث هو خليقة الله بل من حيث هو عدو الله ، أتعلمون لماذا ؟، إني أفيدكم ، لأنه خليقة الله وكل ما خلق الله فهو حسن وكامل ، فلذلك كل من يكره الخليقة يكره الخالق ، ولكن الصديق شيء خاص لا يسهل وجوده ولكن يسهل فقده ، لأن الصديق لا يسمح باعتراض على من يحبه حبا شديدا ، احذروا وانتبهوا ولا تختاروا من لا يحب من تحبون صديقا ، فاعلموا ما المراد بالصديق ؟ ، لا يراد بالصديق إلا طبيب النفس ، وهكذا كما أنه يندر أن يجد الإنسان طبيبا ماهرا يعرف الأمراض ويفقه استعمال الأدوية فيها هكذا يندر وجود أصدقاء يعرفون الهفوات ويفقهون كيف يرشدون للصلاح ، ولكن هنالك شر وهو أن لكثيرين أصدقاء يغضون الطرف عن هفوات صديقهم ، وآخرين يعذرونهم ، وآخرين يحامون عنهم بوسيلة عالمية ، ويوجد أصدقاء ـ وذلك شر مما تقدم ـ يدعون أصدقاءهم ويعضدونهم في ارتكاب الخطأ وستكون آخرتهم نظير لؤمهم ، احذروا من أن تتخذوا أمثال هؤلاء القوم أصدقاء ، لأنهم أعداء وقتلة النفس حقا .  

الفصل السادس والثمانون

ليكن صديقك صديقا يقبل الإصلاح كما يريد هو أن يصلحك ، وكما أنه يريد أن تترك كل شيء حبا في الله فعليه أن يرضى بأن تتركه لأجل خدمة الله، ولكن قل لي إذا كان الإنسان لا يعرف كيف يحب الله فكيف يعرف كيف يحب نفسه ، وكيف يعرف كيف يحب الآخرين إذا كان لا يعرف كيف يحب نفسه ؟ ، حقا إن هذا لمحال ، فمتى اخترت لك صديقا لأن من لا صديق له مطلقا هو فقير جدا فانظر أولا لا إلى نسبه الحسن ولا إلى أسرته الحسنة ولا إلى بيته الحسن ولا إلى ثيابه الحسنة ولا إلى شخصه الحسن ولا إلى كلامه الحسن أيضا لأنك حينئذ تغش بسهولة ، بل انظر كيف يخاف الله وكيف يحتقر الأشياء الأرضية وكيف يحب الأعمال الصالحة وعلى نوع أخص كيف يبغض جسده فيسهل عليك حينئذ أن تجد الصديق الصادق ، انظر على نوع أخص إذا كان يخاف الله ويحتقر أباطيل العالم وإذا كان دائما منهمكا بالأعمال الصالحة ويبغض جسده كعدو عات ، ولا يجب عليك أيضا أن تحب صديقا كهذا بحيث أن حبك ينحصر فيه لأنك تكون عابد صنم ، بل أحبه كهبة وهبك الله إياها فيزينه الله بفضل أعظم ، الحق أقول لكم أن من وجد صديقا وجد إحدى مسرات الفردوس بل هو مفتاح الفردوس ، أجاب تدايوس : ولكن إذا اتفق لإنسان صديق لا ينطبق على ما قلت يا معلم فماذا يجب عليه أن يفعل ؟ أيجب عليه أن يهجره ؟ ، أجاب يسوع : يجب عليه أن يفعل ما يفعله النوتي بالمركب الذي يسيره ما رأى منه نفعا ولكن متى وجد فيه خسارة تركه ، هكذا يجب أن تفعل بصديق شر منك ، فاتركه في الأشياء التي يكون فيها عثرة لك إذا كنت لا تود أن تتركك رحمة الله .  

الفصل السابع والثمانون

ويل للعالم من العثرات ، لا بد أن تأتي العثرات لأن العالم يقيم في الإثم ، ولكن ويل لذلك الإنسان الذي به تأتي العثرة ، خير للإنسان أن يعلق في عنقه حجر الرحى ويغرق في لجة البحر من أن يعثر جاره ، إذا كانت عينك عثرة لك فاقلعها لأنه خير لك أن تدخل الجنة أعور من أن تدخل الجحيم ولك عينان ، إن أعثرتك يدك أو رجلك فافعل بهما كذلك لأنه خير لك أن تدخل ملكوت السماء أعرج أو أقطع من أن تدخل الجحيم ولك يدان ورجلان ، فقال سمعان المسمى بطرس : يا سيد كيف يجب أن أفعل هذا ؟ حقا إنني أصير أبتر في زمن وجيز ؟ ، أجاب يسوع : يا بطرس اخلع الحكمة الجسدية تجد الحق توا ، لأن من يعلمك هو عينك ومن يساعدك للعمل هو رجلك ومن يخدمك في شيء ما هو يدك ، فمتى كانت أمثال هذه باعثا على الخطيئة فاتركها ، لأنه خير لك أن تدخل الجنة جاهلا فقيرا ذا أعمال قليلة من أن تدخل الجحيم بأعمال عظيمة وأنت متعلم غني ، فاطرح عنك كل ما يمنعك عن خدمة الله كما يطرح الإنسان كل ما يعيق بصره ، ولما قال يسوع هذا دعا بطرس إلى جانبه وقال له : إذا أخطأ أخوك إليك فاذهب وأصلحه ، فإذا هو اصطلح فتهلل لأنك قد ربحت أخاك ، وإن لم يصطلح فاذهب وادع شاهدين وأصلحه أيضا ، فإن لم يصطلح فأخبر الكنيسة بذلك ، فإن لم يصطلح حينئذ فاحسبه كافرا ، ولذلك لا تسكن سقف البيت الذي يسكنه ، ولا تأكل على المائدة التي يجلس إليها ، ولا تكلمه ، حتى أنك إن علمت أين يضع قدمه أثناء المشي فلا تضع قدمك هناك .

الفصل الثامن والثمانون

ولكن احذر من أن تحسب نفسك أفضل منه ، بل يجب عليك أن تقول هكذا : بطرس بطرس إنك لو لم يساعدك الله لكنت شرا منه ، أجـاب بطرس : كيف يجب علي أن أصلحه ؟ ، فأجاب يسوع : بالطريقة التي تحب أنت نفسك أن تصلح بها ، فكما تريد أن تعامل بالحلم هكذا عامل الآخرين ، صدقني يا بطرس لأني أقول لك الحق أنك كل مرة تصلح أخاك بالرحمة تنال رحمة من الله وتثمر كلماتك بعض الثمر ، ولكن إذا فعلت ذلك بالقسوة يقاصك عدل الله بقسوة ولا تأتي بثمر ، قل لي يا بطرس أيغسل الفقراء مثلا هذه القدور الفخارية التي يطبخون فيها طعامهم بالحجارة والمطارق الحديدية ؟ ، كلا ثم كلا بل بماء سخن ، فالقدور تحطم بالحديد والأشياء الخشبية تحرقها النار أما الإنسان فإنه يصلح بالرحمة ، فمتى أصلحت أخاك قل لنفسك : ((  إذ لم يعضدني الله فإني فاعل غدا شرا من كل ما فعل هو اليوم )) ، أجاب بطرس : كم مرة أغفر لأخي يا معلم ؟ ، أجاب يسوع : بعدد ما تريد أن يغفر لك ، فقال بطرس : أسبع مرات في اليوم ؟ ، أجاب يسوع : لا أقول سبعا فقط بل تغفر له كل يوم سبعين سبع مرات ، لأن من يَغفر يُغفر له ومن يدِن يدان ، حينئذ قال من يكتب هذا : ويل للرؤساء لأنهم سيذهبون إلى الجحيم ، فوبخه يسوع قائلا : لقد صرت غبيا يا برنابا إذ تكلمت هكذا ، الحق أقول لك أن الحمام ليس بضروري للجسم ولا اللجام للفرس ولا يد الدفة للسفينة كضرورة الرئيس للبلاد ، ولأي سبب إذاً قال الله لموسى ويوشع وصموئيل وداود وسليمان ولكثيرين آخرين أن يصدروا أحكاما ، إنما أعطى الله السيف لمثل هؤلاء لإستئصال الإثم ، فقال حينئذ من يكتب هذا : كيف يجب إصدار الحكم بالقصاص والعفو ؟ ، أجاب يسوع : ليس كل أحد قاضيا يا برنابا لأن للقاضي وحده أن يدين الآخرين ، وعلى القاضي أن يقتص من المجرم كما يأمر الأب بقطع عضو فاسد من ابنه لكيلا يفسد الجسد كله .

الفصل التاسع والثمانون

قال بطرس : كم يجب علي أن أمهل أخي ليتوب ؟ ، أجاب يسوع : بقدر ما تريد أن تمهل ، أجاب بطرس : لا يفهم كل أحد هذا فكلمنا بوضوح أتم ، أجاب يسوع : أمهل أخاك ما أمهله الله ، فقال بطرس : ولا يفهمون هذا أيضا ، أجاب يسوع : أمهله ما دام له وقت للتوبة ، فحزن بطرس والباقون لأنهم لم يفقهوا المراد ، عندئذ قال يسوع : لو كان عندكم إدراك صحيح وعرفتم أنكم أنتم أنفسكم خطاة لما خطر في بالكم مطلقا أن تنـزعوا من قلوبكم الرحمة بالخاطئ ، ولذلك أقول لكم صريحا أنه يجب أن يمهل الخاطئ ليتوب ما دام له نفس تتنفس من وراء أسنانه ، لأنه هكذا يمهله إلهنا القدير الرحيم ، إن الله لم يقل : إني أغفر للخاطئ في الساعة التي يصوم و يتصدق ويصلي ويحج فيها ، وهو ما قام به كثيرون وهم ملعونون لعنة أبدية ، ولكنه قال : (( في الساعة التي يندب الخاطئ خطاياه أنسى إثمه فلا أذكره بعد )) ثم قال يسوع : أفهمتم ؟ ، أجاب التلاميذ : فهمنا بعضا دون بعض ، أجاب يسوع : ما هو الذي لم تفهموه ؟ ، فأجابوا : كون كثيرين من الذين صلوا مع الصيام ملعونين ، حينئذ قال يسوع : الحق أقول لكم أن المرائين والأمم يصلون ويتصدقون ويصومون أكثر من أخلاء الله ، ولكن لما لم يكن لهم إيمان لم يتمكنوا من التوبة ولهذا كانوا ملعونين ، فقال حينئذ يوحنا : علمنا ما هو الإيمان حبا في الله ، أجاب يسوع : قد حان لنا أن نصلي صلاة الفجر ، فنهضوا واغتسلوا وصلوا لإلهنا المبارك إلى الأبد .

الفصل التسعون

فلما انتهت الصلاة اقترب تلاميذ يسوع إليه ففتح فاه وقال : اقترب يا يوحنا لأني اليوم سأجيبك عن كل ما سألت ، الإيمان خاتم يختم الله به مختاريه وهو خاتم أعطاه لرسوله الذي أخذ كل مختار الإيمان على يديه فالإيمان واحد كما أن الله واحد لذلك لما خلق الله قبل كل شيء رسوله وهبه قبل كل شيء الإيمان الذي هو بمثابة صورة الله وكل ما صنع الله وما قال ، فيرى المؤمن بإيمانه كل شيء أجلى من رؤيته إياه بعينيه ، لأن العينين قد تخطئان بل تكادان تخطئان على الدوام ، أما الإيمان فلن يخطئ لأن أساسه الله وكلمته ، صدقني أنه بالإيمان يخلص كل مختاري الله ، ومن المؤكد أنه بدون إيمان لا يمكن لأحد أن يرضى الله ، لذلك لا يحاول الشيطان أن يبطل الصوم والصلاة والصدقات والحج بل هو يحرض الكافرين عليها لأنه يسر أن يرى الإنسان يشتغل بدون الحصول على أجرة ، بل يحاول جهده بجد أن يبطل الإيمان لذلك وجب بوجه أخص أن يحرص على الإيمان بجد ، وآمن طريقة لذلك أن تترك لفظة ( لماذا ) لأن ( لماذا ) أخرجت البشر من الفردوس وحولت الشيطان من ملاك جميل إلى شيطان مريع ، فقال يوحنا : كيف نترك ( لماذا ) وهي باب العلم ؟ ، أجاب يسوع : بل ( لماذا ) هي باب الجحيـم ، فصمت يوحنا أما يسوع فزاد : متى علمت أن الله قال شيئا فمن أنت أيها الإنسان حتى تتقعر (( لماذا قلت يا الله كذا ، لماذا فعلت كذا ؟ )) أيقول الإناء الخزفي لصانعه مثلا : لماذا صنعتني لأحوي ماءا لا لأحوي بلسما ؟ ، الحق أقول لكم أنه يجب في كل تجربة أن تتقووا بهذه الكلمة قائلين : إنما الله قال كذا ـ إنما الله فعل كذا ـ إنما الله يريد كذا ، لأنك إن فعلت هذا عشت في أمن .

الفصل الحادي والتسعون

وحدث في هذا الزمن اضطراب عظيم في اليهودية كلها لأجل يسوع ، لأن الجنود الرومانية أثارت بعمل الشيطان العبرانيين قائلين : إن يسوع هو الله قد جاء ليفتقدهم ، فحدثت بسبب ذلك فتنة كبرى حتى أن اليهودية كلها تدججت بالسلاح مدة الأربعين يوما فقام الإبن على الأب والأخ على الأخ ، لأن فريقا قال : ( إن يسوع هو الله قد جاء إلى العـالم ) ، وقـال فريق آخر : ( كلا بل هو ابن الله ) وقال آخرون : ( كلا لأنه ليس لله شبه بشري ) ولذلك لا يلد بل إن يسوع الناصري نبي الله ، وقد نشأ هذا عن الآيات العظيمة التي فعلها يسوع ، فترتب على رئيس الكهنة تسكينا للشعب أن يركب في مركب لابسا ثيابه الكهنوتية واسم الله القدوس التتغراماتن على جبهته ، وركب كذلك الحاكم بيلاطس وهيرودس ، فاجتمع في مزبه على أثر ذلك ثلاثة جيوش كل منها مئتا ألف رجل متقلدي السيوف ، فكلمهم هيرودس أما هم فلم يسكنوا ، ثم تكلم الحاكم ورئيس الكهنة قائلين : أيها الإخوة إن هذه الفتنة إنما قد أثارها عمل الشيطان لأن يسوع حي وإليه يجب أن نذهب ونسأله أن يقدم شهادة عن نفسه وأن نؤمن به بحسب كلمته ، فسكن لهذا ثائرتهم كلهم ونزعوا سلاحـهم وتعـانقوا قائلا بعضهم لبعض (( اغفر أيها الأخ ))، فعقد في ذلك اليوم كل واحد النية أن يؤمن بيسوع بحسب ما سيقول ، وقدم الحاكم ورئيس الكهنة جوائز كبرى لمن يأتي ويخبرهم أين يسوع .

الفصل الثاني والتسعون

ففي هذا الزمن ذهبنا ويسوع إلى جبل سينا عملا بكلمة الملاك الطاهر ، وحفظ هناك يسوع الأربعين يوما مع تلاميذه ، فلما انقضت اقترب يسوع من نهر الأردن ليذهب إلى أورشليم ، فرآه أحد الذين يؤمنون بأن يسوع هو الله فصرخ من ثم بأعظم سروره : ( إن إلهنا آت ) ، ولما بلغ المدينة أثارها كلها قائلا : ( إن إلهنا آت يا أورشليم تهيأي لقبوله ) وشهد أنه رأى يسوع على مقربة من الأردن ، فخرج من المدينة كل أحد الصغير والكبير ليروا يسوع ، حتى أصبحت المدينة خالية لأن النساء حملن أطفالهن على أذرعهن ونسين أن يأخذن معهن زادا للأكل ، فلما علم بهذا الحاكم ورئيس الكهنة خرجا راكبين وأرسلا رسول إلى هيرودس ، فخرج هو أيضا راكبا ليرى يسوع تسكينا لفتنة الشعب ، فنشدوه يومين في البرية على مقربة من الأردن ، وفي اليوم الثالث وجدوه وقت الظهيرة إذ كان يتطهر هو وتلاميذه للصلاة حسب كتاب موسى ، فانذهل يسوع لما رأى الجم الغفير الذي غطى الأرض بالقوم ، وقال لتلاميذه : لعل الشيطان أحدث فتنة في اليهودية ، لينـزع الله من الشيطان السيطرة التي له على الخطاة ، ولما قال هذا اقترب الجمهور ، فلما عرفوه أخذوا يصرخون : (( مرحبا بك يا إلهنا )) وأخذوا يسجدون له كما يسجدون لله ، فتنفس يسوع الصعداء وقال : انصرفوا عني أيها المجانين لأني أخشى أن تفتح الأرض فاها وتبتلعني وإياكم لكلامكم الممقوت ، لذلك ارتاع الشعب وطفقوا يبكون .

الفصل الثالث والتسعون

حينئذ رفع يسوع يده إيماءا للصمت ، وقال: إنكم لقد ضللتم ضلالا عظيما أيها الإسرائيليون لأنكم دعوتموني إلهكم وأنا إنسان ، وإني أخشى لهذا أن ينـزل الله بالمدينة المقدسة وباءا شديدا مسلما إياها لإستعباد الغرباء ، لعن الشيطان الذي أغراكم بهذا ألف لعنة ، و لما قال يسوع هذا صفع وجهه بكلتا كفِّيه ، فحدث على أثر ذلك نحيب شديد حتى لم يسمع أحد ما قال يسوع ، فرفع من ثم يده مرة أخرى إيماءا للصمت ، ولما هدأ نحيب القوم تكلم مرة أخرى : أشهد أمام السماء وأشهد كل شيء على الأرض أني بريء من كل ما قد قلتم ، لأني إنسان مولود من امرأة فانية بشرية وعرضة لحكم الله مكابد شقاء الأكل والمنام وشقاء البرد والحر كسائر البشر ، لذلك متى جاء الله ليدين يكون كلامي كحسام يخترق كل من يؤمن بأني أعظم من إنسان ، ولما قال يسوع هذا رأى كوكبة من الفرسان فعلم من ثم أن الوالي مع هيرودس ورئيس الكهنة كانوا قادمين ، فقال يسوع : لعلهم هم قد صاروا مجانين أيضا ، فلما وصل الوالي مع هيرودس ورئيس الكهنة إلى هناك ترجلوا جميعا ، وأحاطوا بيسوع حتى أن الجنود لم يتمكنوا من دفع الجمهور الذين كانوا يودون أن يسمعوا يسوع يكلم الكاهن ، فاقترب يسوع من الكاهن بإحترام ولكن هذا كان يريد أن يسجد ليسوع ، فصرخ يسوع : حذار ما أنت فاعل يا كاهن الله الحي لا تخطئ إلى الله ، أجاب الكاهن : إن اليهودية اضطربت لآياتك وتعليمك حتى أنهم يجاهرون بأنك أنت الله فاضطررت بسبب الشعب إلى أن آتي إلى هنا مع الوالي الروماني والملك هيرودس ، فنرجوك من كل قلبنا أن ترضى بإزالة الفتنة التي ثارت بسببك ، لأن فريقا يقول أنك الله وآخر أنك ابن الله ويقول فريق أنك نبي ، أجاب يسوع : وأنت يا رئيس كهنة الله لماذا لم تخمد الفتنة ؟ ، هل جننت أنت أيضـا ؟ ، هل أمست النبوات وشريعة الله نسيا منسيا أيتها اليهودية الشقية التي ضللها الشيطان ؟ .

الفصل الرابع والتسعون

ولما قال يسوع هذا عاد فقال : إني أشهد أمام السماء وأشهد كل ساكن على الأرض أني بريء من كل ما قال الناس عني من أني أعظم من بشر ، لأني بشر مولود من امرأة وعرضة لحكم الله أعيش كسائر البشر عرضة للشقاء العام ، لعمر الله الذي تقف نفسي بحضرته أنك أيها الكاهن قد أخطأت خطيئة عظيمة بالقول الذي قلته ، ليلطف الله بهذه المدينة المقدسة حتى لا تحل بها نقمة عظيمة لهذه الخطيئة ، فقال حينئذ الكاهن : ليغفر لنا الله أما أنت فصل لأجلنا ، ثم قال الوالي وهيرودس: يا سيد إنه لمن المحال أن يفعل بشر ما أنت تفعله فلذلك لا نفقه ما تقول ، أجاب يسوع : إن ما تقوله لصدق أن الله يفعل صلاحا بالإنسان كما أن الشيطان يفعل شرا ، لأن الإنسان بمثابة حانوت من يدخله برضاه يشتغل ويبيع فيه ، ولكن قل لي أيها الوالي وأنت أيها الملك أنتما تقولان هذا لأنكما أجنبيان عن شريعتنا لأنكما لو قرأتما العهد وميثاق إلهنا لرأيتما أن موسى حول بعصاه البحر دما ، الغبار براغيث ، والندى زوبعة ، والنور ظلاما ، أرسل الضفادع والجرذان على مصر فغطت الأرض ، وقتل الأبكار وشق البحر وأغرق فيه فرعون ، ولم أفعل شيئا من هذه ، وكل يعترف بأن موسى إنما هو الآن رجل ميت ، أوقف يشوع الشمس وشق الأردن وهما ما لم أفعله حتى الآن ، وكل يعترف بأن يشوع إنما هو الآن رجل ميت ، وأنزل إيليا النار من السماء عيانا وأنزل المطر وهما مما لم أفعله ، وكل يعترف بأن إيليا إنما هو بشر ، كثيرون آخرون من الأنبياء والأطهار وأخلاء الله فعلوا بقوة الله أشياء لا تبلغ كنهها عقول الذين لا يعرفون إلهنا القدير الرحيم المبارك إلى الأبد .

الفصل الخامس والتسعون

وعليه فإن الوالي والكاهن والملك توسلوا إلى يسوع أن يرتقي مكانا مرتفعا ويكلم الشعب تسكينا لهم ، حينئذ ارتقى يسوع أحد الحجارة الإثنتي عشرة التي أمر يشوع الإثني عشر سبطا أن يأخذوها من وسط الأردن عندما عبر إسرائيل من هناك دون أن تبتل أحذيتهم ، وقال بصوت عال : ليصعد كاهننا إلى محل مرتفع حيث يتمكن من تحقيق كلامي ، فصعد من ثم الكاهن إلى هناك ، فقال له يسوع بوضوح يتمكن كل واحد من سماعه : قد كتب في عهد الله الحي وميثاقه أن ليس لإلهنا بداية ولا يكون له نهاية ، أجاب الكاهن : لقد كتب هكذا هناك ، فقال يسوع : إنه كتب هناك أن إلهنا قد برأ كل شيء بكلمته فقط ، فأجاب الكاهن : إنه لكذلك ، فقال يسوع : إنه مكتوب هناك أن الله لا يرُى وأنه محجوب عن عقل الإنسان لأنه غير متجسد وغير مركب وغير متغير ، فقال الكاهن : إنه لكذلك حقا ، فقال يسوع : إنه مكتوب هناك كيف أن سماء السموات لا تسعه لأن إلهنا غير محدود ، فقال الكاهن : هكذا قال سليمان النبي يا يسوع ، قال يسوع : إنه مكتوب هناك أن ليس لله حاجة لأنه لا يأكل ولا ينام ولا يعتريه نقص ، قال الكاهن : إنه لكذلك ، قال يسوع : إنه مكتوب هناك أن إلهنا في كل مكان وأن لا إله سواه الذي يضرب ويشفي ويفعل كل ما يريد ، قال الكاهن : هكذا كتب ، حينئذ رفع يسوع يديه وقال : أيها الرب إلهنا هذا هو إيماني الذي آتي به إلى دينونتك شاهدا على كل من يؤمن بخـلاف ذلك ، ثم التفت إلى الشعب وقال : توبوا لأنكم تعرفون خطيئتكم من كل ما قال الكاهن أنه مكتوب في سفر موسى عهد الله إلى الأبد ، فإني بشر منظور وكتلة من طين تمشي على الأرض وفان كسائر البشر ، وأنه كان لي بداية وسيكون لي نهاية وأني لا أقدر أن ابتدع خلق ذبابة ، حينئذ رفع الشعب أصواتهم باكين وقالوا : لقد أخطأنا إليك أيها الرب إلهنا فارحمنا ، وتضرع كل منهم إلى يسوع ليصلي لأجل أمن المدينة المقدسة لكيلا يدفعها الله في غضبه لتدوسها الأمم ، فرفع يسوع يديه وصلى لأجل المدينة المقدسة ولأجل شعب الله وكل يصرخ : ليكن كذلك آمين .

الفصل السادس والتسعون

ولما انتهت الصلاة قال الكاهن بصوت عال : قف يا يسوع لأنه يجب علينا أن نعرف من أنت تسكينا لأمتنا ، أجاب يسوع : أنا يسوع بن مريم من نسل داود بشر سيموت ويخاف الله وأطلب أن لا يعطى الإكرام والمجد إلا لله ، أجاب الكاهن : إنه مكتوب في كتاب موسى أن إلهنا سيرسل لنا مسيا الذي سيأتي ليخبرنا بما يريد الله وسيأتي للعالم برحمة الله ، لذلك أرجوك أن تقول لنا الحق هل أنت مسيا الله الذي ننتظره ؟ ، أجاب يسوع : حقا إن الله وعد هكذا ولكني لست هو لأنه خلق قبلي وسيأتي بعدي ، أجاب الكاهن : إننا نعتقد من كلامك وآياتك على كل حال أنك نبي وقدوس الله ، لذلك أرجوك بإسم اليهودية كلها وإسرائيل أن تفيدنا حبا في الله بأية كيفية سيأتي مسيا ، أجاب يسوع : لعمر الله الذي تقف بحضرته نفسي أني لست مسيا الذي تنتظره كل قبائل الأرض كما وعد الله أبانا ابراهيم قائلا : (( بنسلك أبارك كل قبائل الأرض )) ، ولكن عندما يأخذني الله من العالم سيثير الشيطان مرة أخرى هذه الفتنة الملعونة بأن يحمل عادم التقوى على الإعتقاد بأني الله وابن الله ، فيتنجس بسبب هذا كلامي وتعليمي حتى لا يكاد يبقى ثلاثون مؤمنا ، حينئذ يرحم الله العالم ويرسل رسوله الذي خلق كل الأشياء لأجله ، الذي سيأتي من الجنوب بقوة وسيبيد الأصنام وعبدة الأصنام ، وسينتزع من الشيطان سلطته على البشر ، وسيأتي برحمة الله لخلاص الذين يؤمنون به ، وسيكون من يؤمن بكلامه مباركا .

الفصل السابع والتسعون

ومع أني لست مستحقا أن أحل سير حذائه قد نلت نعمة ورحمة من الله لأراه ، فأجاب حينئذ الكاهن مع الوالي والملك قائلين : لا تزعج نفسك يا يسوع قدوس الله لأن هذه الفتنة لا تحدث في زمننا مرة أخرى ، لأننا سنكتب إلى مجلس الشيوخ الروماني المقدس بإصدار أمر ملكي أن لا أحد يدعوك فيما بعد الله أو ابن الله ، فقال حينئذ يسوع : إن كلامكم لا يعزيني لأنه يأتي ظلام حيث ترجون النور ، ولكن تعزيتي هي في مجيء الرسول الذي سيبيد كل رأي كاذب فيّ وسيمتد دينه ويعم العالم بأسره لأنه هكذا وعد الله أبانا ابراهيم ، وإن ما يعزيني هو أن لا نهاية لدينه لأن الله سيحفظه صحيحا ، أجاب الكاهن : أيأتي رسل آخرون بعد مجيء رسول الله ؟ فأجاب يسوع : لا يأتي بعده أنبياء صادقون مرسلون من الله ، ولكن يأتي عدد غفير من الأنبياء الكذبة وهو ما يحزنني ، لأن الشيطان سيثيرهم بحكم الله العادل فيتسترون بدعوى إنجيلي ، أجاب هيرودس : كيف أن مجيء هؤلاء الكافرين يكون بحكم الله العادل ؟ ، أجاب يسوع : من العدل أن من لا يؤمن بالحق لخلاصه يؤمن بالكذب للعنته لذلك أقول لكم أن العالم كان يمتهن الأنبياء الصادقين دائما وأحب الكاذبين كما يشاهد في أيام ميشع وإرميا لأن الشبيه يحب شبيهه ، فقال حينئذ الكاهن : ماذا يسمى مسيا وما هي العلامة التي تعلن مجيئه ؟ ، أجاب يسوع : إن اسم مسيا عجيب لأن الله نفسه سماه لما خلق نفسه ووضعها في بهاء سماوي ، قال الله (( اصبر يا محمد لأني لأجلك أريد أن أخلق الجنة والعالم وجما غفيرا من الخلائق التي أهبها لك حتى أن من يباركك يكون مباركا ومن يلعنك يكون ملعونا ، ومتى أرسلتك إلى العالم أجعلك رسولي للخلاص وتكون كلمتك صادقة حتى أن السماء والأرض تهنان ولكن إيمانك لا يهن أبدا )) ، إن اسمه المبارك محمد ، حينئذ رفع الجمهور أصواتهم قائلين : يا الله أرسل لنا رسولك يا محمد تعال سريعا لخلاص العالم .

الفصل الثامن والتسعون

ولما قـال هذا انصرف الجمهـور مع الكاهن والوالي مع هيرودس و هم يتحاجون في يسوع وتعليمه ، لذلك رغب الكاهن إلى الوالي أن يكتب بالأمر كله إلى رومية إلى مجلس الشيوخ ففعل الوالي كذلك ، لذلك تحنن مجلس الشيوخ على إسرائيل وأصدر أمرا أنه ينهى ويتوعد بالموت كل أحد يدعو يسوع الناصري نبي اليهود إلها أو ابن الله ، فعلق هذا الأمر في الهيكل منقوشا على النحاس ، وبعد أن انصرف الفريق الأكبر من الجمع بقي نحو خمسة آلاف رجل خلا النساء والأطفال ، لم يتمكنوا من الانصراف كالآخرين لان السفر أعياهم ولأنهم لبثوا يومين بدون خبز إذ كانوا لشدة تشوقهم لرؤية يسوع نسوا أن يحضروا معهم شيئا منه فكانوا يقتاتون بالعشب الأخضر ، فلما رأى يسوع هذا أخذته الشفقة عليهم وقال لفيلبس : أين نجد خبزا لهم لكيلا يهلكون من الجوع ؟ ، أجاب فيلبس : يا سيدي إن مئتي قطعة من الذهب لا تكفي لشراء ما يتبلغون به من الخبز ، حينئذ قال اندراوس : هنا غلام معه خمسة أرغفة وسمكتان ولكن ما عسى أن تكون بين هذا العدد الجم ؟ ، أجاب يسوع : أجلس الجمع ، فجلسوا على العشب خمسين خمسين وأربعين أربعين ، حينئذ قال يسوع : باسم الله ، وأخذ الخبز وصلى لله ثم كسر الخبز وأعطاه للتلاميذ والتلاميذ أعطوه للجمع ، وفعلوا كذلك بالسمكتين ، فأكلوا كلهم وشبعوا ، حينئذ قال يسوع : اجمعوا الباقي ، فجمع التلاميذ تلك الكسر فملأت اثنتي عشر قفة ، حينئذ وضع كل أحد يده على عينيه قائلا : أمستيقظ أنا أم حالم ؟ ، ولبثوا جميعهم مدة ساعة كأنهم مجانين بسبب الآية العظمى ، ثم بعد أن شكر يسوع لله صرفهم ، إلا اثنين وسبعين رجلا لم يشاءوا أن يتركوه ، فلما رأى يسوع إيمانهم اختارهم تلاميذ .  

الفصل التاسع والتسعون

ولما خلا يسوع بكهف في البرية في تيـرو على مقربة من الأردن دعا الاثنين والسبعين مع الاثني عشر ، وبعد أن جلس على حجر أجلسهم بجانبه وفتح فاه متنفسا الصعداء وقال : لقد رأينا اليوم إثما عظيما في اليهودية وفي إسرائيل وهو إثم يخفق له قلبي في صدري من خشية الله ، الحق أقول لكم أن الله غيور على كرامته ويحب إسرائيل كعاشق ، وأنتم تعلمون أنه متى كلف شاب بامرأة لا تحبه بل تحب آخر ثار حنقه وقتل نده ، إني أقول لكم هكذا يفعل الله ، لأنه عندما أحب إسرائيل شيئا بسببه نسي الله ، أبطل الله ذلك الشيء ، أي شيء أحب إلى الله هنا على الأرض من الكهنوت والهيكل المقدس ؟ ، ومع هذا لما نسي الشعب الله في زمن إرميا النبي وفاخروا بالهيكل فقط إذ لم يكن له نظير في العالم كله أثار الله غضبه بواسطة نبوخذ نصر ملك بابل ومكَّنه وجيشه من المدينة المقدسة فأحرقها وأحرق الهيكل المقدس ، حتى أن الأشياء المقدسة التي كان أنبياء الله يرتجفون من مسها ديست تحت أقدام الكفار المملوئين إثما ، وأحب إبراهيم ابنه اسماعيل أكثر قليلا مما ينبغي لذلك أمر الله ابراهيم أن يذبح ابنه ليقتل المحبة الأثيمة في قلبه وهو أمر كان فعله لو قطعت المدية ، وأحب داود ابشالوم حبا شديدا لذلك سمح الله أن يثور الإبن على أبيه فتعلق بشعره وقتله أيوب ، ما أرهب حكم الله أن ابشالوم أحب شعره أكثر من كل شيء فتحول حبلا علق به ، وأوشك أيوب البر أن يفرط في حب أبنائه السبعة وبناته الثلاث فدفعه الله إلى يد الشيطان فلم يأخذ منه أبناءه وثروته في يوم واحد فقط بل ضربه أيضا بداء عضال حتى كانت الديدان تخرج من جسده مدة سبع سنين ، وأحب أبونا يعقوب ابنه يوسف أكثر من أبنائه الآخرين لذلك قضى الله ببيعه وجعل يعقوب يخدع من هؤلاء الأبناء أنفسهم حتى أنه صدّق أن الوحش افترس ابنه فلبث عشر سنوات نائحا .                    

الفصل المائة

لعمر الله أيها الإخوان أني أخشى أن يغضب الله عليّ ، لذلك وجب عليكم أن تسيروا في اليهودية وإسرائيل مبشرين بالحق أسباط إسرائيل الإثني عشر حتى ينكشف الخداع عنهم ، فأجاب التلاميذ خائفين باكين : إننا لفاعلون كل ما تأمرنا به ، فقال حينئذ يسوع : لنصل ولنصم ثلاثة أيام ومن الآن فصاعدا لنصل لله ثلاث مرات متى لاح النجم الأول كل ليلة إذ نؤدي الصلاة لله طالبين منه الرحمة ثلاث مرات لأن خطيئة إسرائيل تزيد على الخطايا الأخرى ثلاثة أضعاف ، أجاب التلاميذ : ليكن كذلك ، فلما انتهى اليوم الثالث دعا يسوع في صباح اليوم الرابع كل التلاميذ والرسل وقـال لهم : يكفي أن يمكث معي برنابا ويوحنا ، أما أنتم فجوبوا بلاد السامرة واليهودية وإسرائيل كلها مبشرين بالتوبة لأن الفأس موضوعة على مقربة من الشجرة لتقطعها ، وصلوا على المرضى لأن الله قد سلطني على كل مرض ، حينئذ قال من يكتب : يا معلم إذا سئل تلاميذك عن الطريقة التي يجب بها إظهار التوبة فبماذا يجيبون ؟ ، أجاب يسوع : إذا أضاع رجل كيسا أيدير عينيه ليراه أو يده ليأخذه أو لسانه ليسأل فقط ؟ كلا ثم كلا يلتفت بكل جسمه ويستعمل كل قوة في نفسه ليجده ، أصحيح هذا ؟ ، فأجاب الذي يكتب : انه لصحيح كل الصحة .

الفصل الأول بعد المائة

ثم قال يسوع إن التوبة عكس الحياة الشريرة لأنه يجب أن تنقلب كل حاسة إلى عكس ما صنعت وهي ترتكب الخطيئة ، فيجب النواح عوضا عن المسرة ، والبكاء عوضا عن الضحك ، والصوم عوضا عن البطر ، والسهر عوضا عن النوم ، والعمل عوضا عن البطالة ، والعفة عوضا عن الشهوة ، وليتحول الفضول إلى صلاة والجشع إلى تصدق ، حينئذ أجاب الذي يكتب : ولكن لو سئلوا كيف يجب أن ننوح وكيف يجب أن نبكي وكيف يجب أن نصوم وكيف يجب أن ننشط وكيف يجب أن نبقى أعفاء وكيف يجب أن نصلى ونتصدق فأي جواب يعطون ؟ وكيف يحسنون القيام بالعقوبة البدنية إذا لم يعرفوا كيف يتوبون ؟ ، أجاب يسوع : لقد أحسنت السؤال يا برنابا وأريد أن أجيب على كل ذلك بالتفصيل إن شاء الله ، أما اليوم فإني أكلمك في التوبة على وجه عام وما أقوله لواحد أقوله للجميع ، فاعلم إذاً أن التوبة يجب أن تفعل أكثر من كل شيء لمجرد محبة الله وإلا كانت عبثا ، وإني أكلمكم بالتمثيل ، كل بناء إذا أزيل أساسه تساقط خرابا أصحيح هذا ؟ ، فأجاب التلاميذ : إنه لصحيح ، فقال حينئذ يسوع : إن أساس خلاصنا هو الله الذي لا خلاص بدونه ، فلما أخطأ الإنسان خسر أساس خلاصه ، لذلك وجب الإبتداء بالأساس، قولوا لي إذا استأتم من عبيدكم وعلمتم أنهم لم يحزنوا لأنهم أغاظوكم بل حزنوا لأنهم خسروا جزاءهم أتغفرون لهم ؟ ، لا البتة ، إني أقول لكم أن الله هكذا يفعل بالذين يتوبون لأنهم خسروا الجنة ، إن الشيطان عدو كل صلاح لنادم شديد الندم لأنه خسر الجنة وربح الجحيم ، ومع ذلك لن يجد رحمة ، فهل تعلمون لماذا ؟ لأنه ليس عنده مجد لله بل يبغض خالقه .  

الفصل الثاني بعد المائة

الحق أقول لكم أن كل حيوان مفطور على الحزن لفقد ما يشتهي من الطيبات ، لذلك وجب على الخاطئ النادم ندامة صادقة أن يرغب كل الرغبة في أن يقتص من نفسه لما صنع عاصيا لخالقه ، حتى أنه متى صلى لا يجسر أن يرجو الجنة من الله أو أن يعتقه من الجحيم ، بل أن يسجد لله مضطرب الفكر ويقول في صلاته : انظر يا رب إلى الأثيم الذي أغضبك بدون أدنى سبب في الوقت الذي كان يجب عليه أن يخدمك فيه ، لذلك يطلب الآن أن تقتص منه لما فعله بيدك لا بيد الشيطان عدوك ، حتى لا يشمت الفجار بمخلوقاتك ، أدب واقتص كما تريد يا رب لأنك لا تعذبني كما يستحق هذا الأثيم ، فإذا جرى الخاطئ على هذا الأسلوب وجد أن رحمة الله تزيد على نسبة العدل الذي يطلبه ، حقا إن ضحك الخاطئ دنس مكروه حتى أنه يصدق على هذا العالم ما قال أبونا داود من أنه وادي الدموع ، كان ملك تبنى أحد عبيده وجعله سيدا على كل ما يملكه ، فحدث بسعاية ماكر خبيث أن وقع هذا التعيس تحت غضب الملك ، فأصابه شقاء عظيم لا في مقتنياته فقط بل أحتقر وانتزع منه ما كان يربحه كل يوم من العمل ، أتظنون أن مثل هذا الرجل يضحك مرة ما ؟ ، فأجاب التلاميذ : لا البتة لأنه لو عرف الملك بذلك لأمر بقتله إذ يرى أنه يضحك من غضبه ، ولكن الأرجح أنه يبكي نهارا وليلا ، ثم بكى يسوع قائلا : ويل للعالم لأنه سيحل به عذاب أبدي ، ما أتعسك أيها الجنس البشري ، فإن الله قد اختارك ابنا واهبا إياك الجنة ، ولكنك أيها التعيس سقطت تحت غضب الله بعمل الشيطان وطردت من الجنة وحكم عليك بالإقامة في العالم النجس حيث تنال كل شيء بكدح وكل عمل صالح لك يحبط بتوالي ارتكاب الخطايا ، وإنما العالم يضحك والذي هو شر من ذلك أن الخاطئ الأكبر يضحك أكثر من غيره ، فسيكون كما قلتم : ( إن الله يحكم بالموت الأبدي على الخاطئ الذي يضحك لخطاياه ولا يبكي عليها ) .

الفصل الثالث بعد المائة

إن بكاء الخاطئ يجب أن يكون كبكاء أب على ابن مشرف على الموت ، ما أعظم جنون الإنسان الذي يبكي على الجسد الذي فارقته النفس ولا يبكي على النفس التي فارقتها رحمة الله بسبب الخطيئة ، قولوا لي إذا قدر النوتي الذي كسرت العاصفة سفينته على أن يسترد بالبكاء كل ما خسر فماذا يفعل ؟ ، من المؤكد أنه يبكي بمرارة ، ولكن أقول لكم حقا أن الإنسان يخطئ في البكاء على أي شيء إلا على خطيئته فقط ، لأن كل شقاء يحل بالإنسان إنما يحل به من الله لخلاصه حتى أنه يجب عليه أن يتهلل له ، ولكن الخطيئة إنما تأتي من الشيطان للعنة الإنسان ولا يحزن الإنسان عليها ، حقا إنكم لا تدركون أن الإنسان إنما يطلب هنا خسارة لا ربحا ، قـال برتولوماوس : يا سيد ماذا يجب أن يفعل من لا يقدر أن يبكي لأن قلبه غريب من البكاء ؟ ، أجاب يسوع : ليس كل من يسكب العبرات بباك يا برتولوماوس ، لعمر الله يوجد قوم لم تسقط من عيونهم عبرة قط بكوا أكثر من ألف من الذين يسكبون العبرات ، إن بكاء الخاطئ هو احتراق هواه العالمي بشدة الأسى ، وكما أن نور الشمس يقي ما هو موضوع في الأعلى من التعفن هكذا يقي هذا الإحتراق النفس من الخطيئة ، فلو وهب الله النادم الصادق دموعا قدر ما في البحر من ماء لتمنى أكثر من ذلك بكثير ، ويفني هذا التمني تلك القطرة الصغيرة التي يود أن يسكبها كما يفني الأتون الملتهب قطرة من ماء ، أما الذين يفيضون بكاء بسهولة فكالفرس الذي تزيد سرعة عدوه كلما خف حمله .

الفصل الرابع بعد المائة

إنه ليوجد قوم يجمعون بين الهوى الداخلي والعبرات الخارجية ، لكن من على هذه الشاكلة يكون كإرميا ، ففي البكاء يزن الله الحزن أكثر مما يزن العبرات ، فقال حينئذ يوحنا : يا معلم كيف يخسر الإنسان في البكاء على غير الخطيئة ؟ ، أجاب يسوع : إذا أعطاك هيرودس رداءا لتحفظه له ثم أخذه بعد ذلك منك أيكون لك باعث على البكاء ؟ فقال يوحنا : لا، فقـال يسوع : إذاً يكون باعث الإنسان على البكاء أقل من هذا إذا خسر شيئا أو فاته ما يريد لأن كل شيء يأتي من يد الله ، أليس لله إذاً قدرة على التصرف بأشيائه حسبما يريد أيها الغبي ؟ أما أنت فليس لك من ملك سوى الخطيئة فقط فعليها يجب أن تبكي لا على شيء آخر ، قال متّى : يا معلم إنك لقد اعترفت أمام اليهودية كلها بأن ليس لله من شبه كالبشر وقلت الآن أن الإنسان ينال من يد الله فإذا كان لله يدان فله إذاً شبه بالبشر ، أجـاب يسوع : إنك لفي ضلال يا متّى ولقد ضل كثيرون هكذا إذ لم يفقهوا معنى الكلام ، لأنه لا يجب على الإنسان أن يلاحظ ظاهر الكلام بل معناه إذ الكلام البشري بمثابة ترجمان بيننا وبين الله ، ألا تعلم أنه لما أراد الله أن يكلم آباءنا على جبل سيناء صرخ آباؤنا : (( كلمنا أنت يا موسى ولا يكلمنا الله لئلا نموت )) وماذا قال الله على لسان إشعيا النبي : (( أليس كما بعدت السموات عن الأرض هكذا بعدت طرق الله عن طرق الناس و أفكار الله عن أفكار الناس ؟ )) .

الفصل الخامس بعد المائة

إن الله لا يدركه قياس إلى حد أني أرتجف من وصفه ، ولكن يجب أن أذكر لكم قضية ، فأقول لكم إذاً أن السموات تسع وأنها بعضها يبعد عن بعض كما تبعد السماء الأولى عن الأرض التي تبعد عن الأرض سفر خمس مائة سنة ، وعليه فإن الأرض تبعد عن أعلى سماء مسيرة أربعة آلف وخمس مائة سنة ، فبناءا على ذلك أقول لكم أنها بالنسبة إلى السماء الأولى كرأس إبرة ، ومثلها السماء الأولى بالنسبة إلى الثانية وعلى هذا النمط كل السموات الواحدة منها أسفل مما يليها ، ولكن كل حجم الأرض مع حجم كل السموات بالنسبة إلى الجنة كنقطة بل كحبة رمل أليست هذه العظمة مما لا يقاس ؟ ، فأجاب التلاميذ : بلى بلى ، حينئذ قال يسوع : لعمر الله الذي تقف نفسي في حضرته أن الكون أمام الله لصغير كحبة رمل ، والله أعظم من ذلك بمقدار ما يلزم من حبوب الرمل لملء كل السموات والجنة بل أكثر ، فانظروا الآن إذا كان هناك نسبة بين الله والإنسان الذي ليس سوى كتلة صغيرة من طين واقفة على الأرض ، فانتبهوا إذاً لتأخذوا المعنى لا مجرد الكلام إذا أردتم أن تنالوا الحياة الأبدية ، فأجاب التلاميذ : إن الله وحده يقدر أن يعرف نفسه وإنه حقا لكما قال إشعيا النبي : (( هو محتجب عن الحواس البشرية )) ، أجاب يسوع : إن هذا لهو الحق لذلك سنعرف الله متى صرنا في الجنة كما يعرف هنا البحر من قطرة ماء مالح ، وإني أعود إلى حديثي فأقول لكم أنه يجب على الإنسان أن يبكي على الخطيئة فقط لأنه بالخطيئة يترك  الإنسان خالقه ، ولكن كيف يبكي من يحضر مجالس الطرب والولائم ، إنه يبكي كما يعطي الثلج نارا !، فعليكم أن تحولوا مجالس الطرب إلى صوم إذا أحببتم أن يكون لكم سلطة على حواسكم لأن سلطة إلهنا هكذا . فقال تداوس : إذاً يكون لله حاسة يمكن التسلط عليها ؟ ، أجاب يسوع : أتعودون إذا للقول بأن لله هذا وأن الله هكذا ؟ ، قولوا لي أللإنسان حاسة ؟ ، أجاب التلاميذ : نعم ، فأجاب يسوع : أيمكن أن يوجد إنسان فيه حياة ولا تعمل فيه حاسة ؟ ، أجاب التلاميذ : لا ، قال يسوع : إنكم تخدعون أنفسكم فأين حاسة من كان أعمى أو أطرش أو أخرس أو أبتر والإنسان حين يكون في غيبوبة ؟ ، فتحير حينئذ التلاميذ ، أما يسوع فقال : يتألف الإنسان من ثلاثة أشياء أي النفس والحس والجسد كل منها مستقل بذاته ، ولقد خلق إلهنا النفس والجسد كما سمعتم ، ولكنكم لم تسمعوا حتى الآن كيف خلق الحس ، لذلك أقول لكم كل شيء غدا إن شاء الله ، ولما قال يسوع هذا شكر الله وصلى لخلاص شعبنا وكل منا يقول : آمين .

الفصل السادس بعد المائة

فلما فرع يسوع من صلاة الفجر جلس تحت شجرة نخل فاقترب تلاميذه إليه هناك ، حينئذ قال يسوع : لعمر الله الذي تقف نفسي في حضرته إن كثيرين مخدوعون في شأن حياتنا ، لأن النفس والحس مرتبطان معا ارتباطا محكما حتى أن أكثر الناس يثبتون أن النفس والحس إنما هما شيء واحد فارقين بينهما بالعمل لا بالجوهر ويسمونها بالنفس الحاسة والنباتية والعقلية ، ولكن الحق أقول لكم أن النفس هي شيء حي مفكر ، ما أشد غباوتهم فأين يجدون النفس العقلية بدون حياة ؟ ، لن يجدوها أبدا ، ولن يسهل وجود الحياة بدون حس كما يشاهد في من وقع في غيبوبة متى فارقه الحس ، أجاب تداوس : يا معلم متى فارق الحس الحياة فلا يكون للإنسان حياة ، أجاب يسوع : إن هذا ليس بصحيح لأن الإنسان إنما يفقد الحياة متى فارقته النفس لأن النفس لا ترجع إلى الجسد إلا بآية ، ولكن الحس يذهب بسبب الخوف الذي يعرض له أو بسبب الغم الشديد الذي يعرض للنفس ، لأن الله خلق الحس لأجل الملذة ولا يعيش إلا بها كما أن الجسد يعيش بالطعام والنفس تعيش بالعلم والحب ، فهذا الحس يخالف النفس بسبب الغيظ الذي يلم به لحرمانه من ملذة الجنة بسبب الخطيئة ، لذلك وجب أشد الوجوب وآكده على من لا يريد تغذيته بالملذات الجسدية أن يغذيه بالملذة الروحية ، أتفهمون ؟ ، الحق أقول لكم أن الله لما خلقه حكم عليه بالجحيم والثلج والجليد اللذين لا يطاقان ، لأنه قال أنه هو الله ، ولكن لما حرمه من التغذية وأخذ طعامه منه أقر أنه عبد الله وعمل يديه ، والآن قولوا لي كيف يعمل الحس في الفجار ؟ ، حقا إنه لهم بمثابة الله لأنهم يتبعون الحس معرضين عن العقل وعن شريعة الله ، فيصيرون مكروهين (( منبوذين )) ولا يعملون صالحا .  

الفصل السابع بعد المائة

وهكذا فإن أول شيء يتبع الحزن على الخطيئة الصوم ، لأن من يرى أن نوعا من الطعام أمرضه حتى خشي الموت فإنه بعد أن يحزن على أكله يعرض عنه حتى لا يمرض ، فهكذا يجب على الخاطئ أن يفعل ، فمتى رأى أن اللذة جعلته يخطئ إلى الله خالقه بإتباعه الحس في طيبات العالم هذه فليحزن لأنه فعل هكذا ، لأن هذا يحرمه من الله حياته ويعطيه موت الجحيم الأبدي ، ولكن لما كان الإنسان محتاجا وهو عائش إلى مناولة طيبات العالم هذه وجب عليه هنا الصوم فليأخذ إذاً في إماتة الحس وأن يعرف الله سيدا له ، ومتى رأى أن الحس يمقت الصوم فليضع قبالته حال الجحيم حيث لا لذة على الإطلاق بل الواقع في حزن متناه ، ليضع قبالته مسرات الجنة التي هي عظيمة بحيث أن حبة من ملاذ الجنة لأعظم من ملاذ العالم بأسرها ، فبهذا يسهل تسكينه ، لأن القناعة بالقليل لنيل الكثير لخير من إطلاق العنان في القليل مع الحرمان من كل شيء والمقام في العذاب ، وعليكم أن تذكروا الغني صاحب الولائم لكي تصوموا جيدا ، لأنه لما أراد هنا على الأرض أن يتنعم كل يوم حرم إلى الأبد من قطرة واحدة من الماء بينا أن لعازر إذ قنع بالفتات هنا على الأرض سيعيش إلى الأبد في بحبوحة من ملاذ الجنة ، ولكن ليكن التائب متيقظا ، لأن الشيطان يحاول أن يبطل كل عمل صالح ويخص عمل التائب أكثر مما سواه ، لأن التائب قد عصاه وانقلب عليه عدوا عنيدا بعد أن كان عبدا أمينا ، فلذلك يحاول الشيطان أن يحمله على عدم الصوم في حال من الأحوال بشبهة المرض فإذا لم يغن هذا أغراه بالغلو في الصوم حتى ينتابه مرض فيعيش بعد ذلك متنعماً ، فإذا لم يفلح في هذا حاول أن يجعله يقصر صومه على ترك الطعام الجسدي حتى يكون مثله لا يأكل شيئاً ولكنه يرتكب الخطيئة على الدوام ، لعمر الله إنه لممقوت أن يحرم المرء الجسد من الطعام ويملأ النفس كبرياء محتقرا الذين لا يصومون وحاسبا نفسه أفضل منهم ، قولوا لي أيفاخر المريض بطعام الحمية الذي فرضه عليه الطبيب ويدعو الذين لا يقتصرون على طعام الحمية مجانين ؟ ، لا البتة ، بل يحزن للمرض الذي اضطر بسببه إلى الاقتصار على طعام الحمية ، إنني أقول لكم أنه لا يجب على التائب أن يفاخر بصومه ويحتقر الذين لا يصومون ، بل يجب عليه أن يحزن للخطيئة التي يصوم لأجلها ، ولا يجب على التائب الذي يصوم أن يتناول طعاما شهيا بل  يقتصر على الطعام الخشن ، أفيعطي الإنسان طعاما شهيا للكلب الذي يعض وللفرس الذي يرفس ؟ لا البتة بل الأمر بالعكس ، وليكن هذا كفاية لكم في شأن الصوم .

الفصل الثامن بعد المائة

أصيخوا السمع إذاً لما سأقوله لكم بشأن السهر ، إنه لما كان قسمين أي نوم للجسد ونوم النفس وجب عليكم أن تحذروا في السهر كي لا تنام النفس والجسد ساهـر ، إن هذا يكون خطأ فاحشـا جدا ، ما قولكم في هذا المثل (( بينما كان إنسان ماشيا اصطدم بصخر فلكي يتجنب أن تصدم به رجله أكثر من ذلك صدمه برأسه ، فما هو حال رجل كهذا ؟ )) ، أجـاب التلاميذ : إنه تعيس فإن رجلا كهذا مصاب بالجنون ، فقال حينئذ يسوع : حسنا أجبتم فإني أقول لكم حقا أن من يسهر بالجسد وينام بالنفس لمصاب بالجنون ، وكما أن المرض الروحي أشد خطرا من الجسدي فشفاؤه أشد صعوبة ، أفيفاخر إذاً تعيس كهذا بعدم النوم بالجسد الذي هو رجل الحياة بينا هو لا يرى شقاءه في أنه ينام بالنفس التي هي رأس الحياة ؟ ، إن النوم هو نسيان الله ودينونته الرهيبة ، فالنفس التي تسهر إنما هي التي ترى الله في كل شيء وفي كل مكان وتشكر جلالته في كل شيء وعلى كل شيء وفوق كل شيء عالمة أنها دائما في كل دقيقة تنال نعمة ورحمة من الله ، فمن يرن دائما في أذنها خشية من جلالته ذلك القول الملكي : (( تعالي أيتها المخلوقات للدينونة لأن إلهك يريد أن يدينك )) ، فإنها تلبث على الدوام في خدمة الله ، قولوا لي أتفضلون أن تروا بنور نجم أو بنور الشمس ؟ ، أجاب أندراوس : بنور الشمس لا بنور النجم ، بنور النجم لا نقدر أن نبصر الجبال المجاورة وبنور الشمس نبصر أصغر حبوب الرمل ، لذلك نسير بخوف على نور النجم ولكنا بنور الشمس نسير بإطمئنان .

الفصل التاسع بعد المائة

أجاب يسوع : إنني أقول لكم هكذا يجب عليكم أن تسهروا بالنفس بشمس العدل التي هي إلهنا ولا تفاخروا بسهر الجسد ، وصحيح كل الصحة أنه يجب تجنب الرقاد الجسدي جهد الطاقة ، إلا أن منعه البتة محال لأن الحس والجسد مثقلان بالطعام والعقل بالمشاغل ، لذلك يجب على من يريد أن يرقد قليلا أن يتجنب فرط المشاغل وكثرة الطعام ، لعمر الله الذي في حضرته تقف نفسي أنه يجوز الرقاد قليلا كل ليلة إلا أنه لا يجوز أبدا الغفلة عن الله ودينونته الرهيبة وما رقاد النفس إلا هذه الغفلة ، حينئذ أجاب من يكتب : يا معلم كيف يمكن لنا أن نتذكر الله على الدوام ؟ إنه ليلوح لنا أن هذا محال ، فقال يسوع متنهدا : إن هذا لأعظم شقاء يكابده الإنسان يا برنابا لأن الإنسان لا يقدر هنا على الأرض أن يذكر الله خالقه على الدوام ، إلا الأطهار فإنهم يذكرون الله على الدوام لأن فيهم نور نعمة الله حتى لا يقدرون أن ينسوا الله ، ولكن قولوا لي أرأيتم الذين يشتغلون بالحجارة المستخرجة من المقالع كيف تعودوا بالتمرن المستمر أن يضربوا حتى أنهم يتكالمون وهم طول الوقت يضربون بالآلة الحديدية في الحجر دون أن ينظروا إليها ومع ذلك لا يصيبون أيديهم ؟ ، فافعلوا إذاً أنتم كذلك ، ارغبوا في أن تكونوا أطهارا إذا أحببتم أن تتغلبوا تماما على شقاء الغفلة ، ومن المؤكد أن الماء يشق أقوى الصخور بقطرة واحدة يتكرر وقوعها عليها زمنا طويلا ، أتعلمون لماذا لم تتغلبوا على هذا الشقاء ؟ ، لأنكم لم تدركوا أنه خطيئة ، لذلك أقول لكم أن من الخطأ أيها الإنسان أن يهبك أمير هبة فتغمض عنه عينيك وتوليه ظهرك ، هكذا يخطئ الذين يغفلون عن الله ، لأن الإنسـان ينال كل حين هبات ونعمة من الله .

الفصل العاشر بعد المائة

ألا فقولوا لي ألا ينعم الله عليكم كل حين ؟ ، بلى حقا فإنه يجود عليكم دوما بالنفس الذي به تحيون ، الحق الحق أقول لكم أنه يجب على قلبكم أن يقول كلما تنفس جسدكم : (( الحمد لله )) ، حينئذ قال يوحنا : إن ما تقوله لهو الحق يا معلم فعلمنا الطريق لبلوغ هذه الحال السعيدة ، أجاب يسوع : الحق أقول لك أنه لا يتاح لأحد بلوغ هذه الحال بقوى بشرية بل برحمة الله ربنا ، ومن المؤكد أنه يجب على الإنسان أن يشتهي الصالح ليهبه الله إياه ، قولوا لي أتأخذون وأنتم على المائدة اللحوم التي تأنفون من النظر إليها ؟ ، لا البتة كذلك أقول لكم أنكم لا تنالون ما لا تشتهون ، إن الله لقادر إذا اشتهيتم الطهارة أن يجعلكم طاهرين في أقل من طرفة عين ، ولكن إلهنا يريد أن ننتظر ونطلب لكي يشعر الإنسان بالهبة والواهب ، أرأيتم الذين يتمرنون على رمي هدف ؟ ، حقا إنهم ليرمون مرارا متعددة عبثا ، وكيفما كانت الحال فهم لا يرغبون مطلقا أن يرموا عبثا ولكنهم يؤملون دوما أن يصيبوا الهدف ، فافعلوا هكذا أنتم الذين تشتهون دوما أن تذكروا الله ، ومتى غفلتم فنوحوا لأن الله سيهبكم نعمة لتبلغوا كل ما قد قلته ، إن الصوم والسهر الروحي متلازمان حتى إذا أبطل أحد السهر بطل الصوم توا ، لأن الإنسان بإرتكاب الخطيئة يبطل صوم النفس ويغفل عن الله ، وهكذا فإن السهر والصوم من حيث النفس لازمان دوما لنا لسائر الناس ، لأنه لا يجوز لأحد أن يخطئ ، أما صوم الجسد وسهره فصدقوني أنهما غير ممكنين في كل حين ولا لكل شخص ، لأنه يوجد مرضى وشيوخ وحبالى وقوم مقصورون على طعام الحمية وأطفال وغيرهم من أصحاب البنية الضعيفة ، وكما أن كل أحد  يلبس بحسب قياسه الخاص هكذا يجب عليه أن يختار صومه ، لأنه كما أن أثواب الطفل لا تصلح لرجل ابن ثلاثين سنة هكذا لا يصلح صوم أحد وسهره لآخر .

الفصل الحادي عشر بعد المائة

ولكن احذروا من الشيطان أن يوجه كل قوته لأن تسهروا في أثناء الليل ثم تناموا بعد ذلك على حين يجب عليكم بوصية الله أن تصلوا وتصغوا إلى كلمة الله ، قولوا لي أترضون أن يأكل أحد أصدقائكم اللحم ويعطيكم العظام ؟ ، أجاب بطرس : لا يا معلم لأن مثل هذا لا يجب أن يسمى صديقا بل مستهزئا ، فأجاب يسوع بتنهد : إنك لقد نطقت بالحق يا بطرس لأن من يسهر بالجسد أكثر مما يلزم وهو نائم أو مثقل رأسه بالنعاس على حين يجب عليه أن يصلي أو يصغي إلى كلام الله فمثل هذا التعيس حقا يستهزئ بالله خالقه ويكون مرتكبا هذه الخطيئة ، وعلاوة على ذلك فهو لص لأنه يسرق الوقت الذي يجب أن يعطيه لله ويصرفه عندما وبقدر ما يريد ، كان رجل يسقي أعداءه من إناء فيه أطيب خمرة إذ كانت الخمر على أجودها ثم لما صارت الخمر حثالة سقى سيده ، فماذا تظنون السيد يفعل بعبده عندما يعرف كل شيء والعبد أمامه ؟ ، حقا إنه ليضربه ويقتله بغيظ عادل جريا على شرائع العالم ، فماذا يفعل الله إذا بالرجل الذي يصرف وقته في المشاغل وأردأه في الصلاة ومطالعة الشريعة ؟ ، ويل للعالم لأن قلبه مثقل بهذه الخطيئة وبما هو أعظم منها ! ، لذلك لما قلت لكم أنه يجب أن ينقلب الضحك بكاءا والولائم صوما والرقاد سهرا جمعت في كلمات ثلاث كل ما قد سمعتموه ، هو أنه يجب على المرء هنا على الأرض أن يبكي دوما وأن البكاء يجب أن يكون من القلب لأن الله تعالى خالقنا مستاء ، وأنه يجب عليكم أن تصوموا لكي تكون لكم سلطة على الحس ، وأن تسهروا لكي لا تخطئوا ، وأن البكاء الجسدي والصوم والسهر الجسديان يجب أن يكنّ بحسب بُنية الأفراد .

الفصل الثاني عشر بعد المائة

وبعد أن قال يسوع هذا قال : يجب عليكم أن تطلبوا ثمار الحقل التي بها قوام حياتنا منذ ثمانية أيام لم نأكل خبزا ، فلذلك أصلي إلى إلهنا وانتظركم مع برنابا ، فانصرف التلاميذ والرسل كلهم أربعة أربعة وستة ستة وانطلقوا في الطريق حسب كلمة يسوع ، وبقي مع يسوع الذي يكتب ، فقال يسوع باكيا : يا برنابا يجب أن أكاشفك بأسرار عظيمة يجب عليك مكاشفة العالم بها بعد انصرافي منه ، فأجاب الكاتب باكيا وقال : اسمح لي بالبكاء يا معلم ولغيري أيضا لأننا خطاة ، وأنت يا من هو طاهر ونبي الله لا يحسن بك أن تكثر من البكاء ، أجاب يسوع : صدقني يا برنابا إنني لا أقدر أن أبكي قدر ما يجب علي ، لأنه لو لم يدعني الناس إلها لكنت عاينت هنا الله كما يعاين في الجنة ولكنت أمنت خشية يوم الدين ، بيد أن الله يعلم أني بريء لأنه لم يخطر لي في بال أن أحسب أكثر من عبد فقير ، بل أقول لك أنني لو لم أدع إلها لكنت حملت إلى الجنة عندما أنصرف من العالم أما الآن فلا أذهب إلى هناك حتى الدينونة ، فترى إذاً إذا كان يحق لي البكاء ، فاعلم يا برنابا أنه لأجل هذا يجب علي التحفظ وسيبيعني أحد تلاميذي بثلاثين قطعة من نقود ، وعليه فإني على يقين من أن من يبيعني يقتل بإسمي ، لأن الله سيصعدني من الأرض وسيغير منظر الخائن حتى يظنه كل أحد إياي ، ومع ذلك فإنه لما يموت شر ميتة أمكث في ذلك العار زمنا طويلا في العالم . ولكن متى جاء محمد رسول الله المقدس تزال عني هذه الوصمة ، وسيفعل الله هذا لأني اعترفت بحقيقة مسيا الذي سيعطيني هذا الجزاء أي أن أعرف أني حي وأني بريء من وصمة تلك الميتة ، فأجاب من يكتب : يا معلم قل لي من هو ذلك التعيس لأني وددت لو أميته خنقا ، أجاب يسوع : صه ، فإن الله هكذا يريد فهو لا يقدر أن يفعل (( يمكن أن يحدث )) غير ذلك ، ولكن متى حلت هذه النازلة بأمي فقل لها الحق لكي تتعزى ، حينئذ أجاب من يكتب : إني لفاعل ذلك يا معلم إن شاء الله .

الفصل الثالث عشر بعد المائة

ولما جاء التلاميذ أحضروا حق صنوبر ووجدوا بإذن الله مقدارا ليس بقليل من الرطب ، وبعد صلاة الظهر أكلوا مع يسوع ، فلما رأى من ثم الرسل والتلاميذ من يكتب كالح الوجه خشوا أن يكون قد وجب على يسوع الانصراف من العالم سريعا ، فعزاهم من ثم يسوع قائلا : لا تخافوا لأن ساعتي لم تحن حتى الآن لكي أنصرف عنكم فسأمكث معكم زمنا يسيرا بعد ، فلذلك يجب أن أعلمكم الآن كما قد قلت وسط كل بني إسرائيل لتبشروا بالتوبة ليرحم الله خطيئة إسرائيل ،  وليحذر كل أحد الكسل وخصوصا من يستعمل العقوبة البدنية ، لأن كل شجرة لا تثمر ثمرا صالحا تقطع وتلقى في النار ، وكان لأحد الأهالي كرم في وسطه بستان فيه شجرة تين ، ولما لم يجد فيها صاحبها ثمرا عندما كان يجئ مدة ثلاث سنين ولما كان يرى أن كل شجرة أخرى أثمرت قال لكرامه : ( إقطع هذه الشجرة الرديئة لأنها تثقل على الأرض ) ، فأجاب الكرام : ( ليس كذلك يا سيدي لأنها شجرة جميلة ) ، فقال له صاحب الأرض : (صه فإنه لا يهمني الجمال بغير جدوى ، وأنت يجب أن تعرف أن النخل والبلسان هما أجمل من التينة ، ولكني غرست سابقا في صحن داري فسيلا من النخل ومن البلسان وأحطتهما بجدران نفيسة ولكنهما لما لم يحملان ثمرا بل أوراقا تراكمت وأفسدت الأرض أمام الدار أمرت بنقلهما كليهما، أفأعفوا إذاً عن شجرة تين بعيدة عن الدار تثقل على بستاني وعلى كرمي حيث كل شجرة أخرى تحمل ثمراً ؟ إنني لا أحتملهما فيما بعد ) ، فقال حينئذ الكرام : ( يا سيد إن التربة لمخصبة جدا فانتظر إذا سنة أخرى ، فإني أشذب أغصان شجرة التين وأزيل عنها التربة المسمدة وأضع تربة فقيرة وحجارة فتثمر ) ، أجاب صاحب الأرض : ( فاذهب إذاً وافعل هكذا فاني منتظر وستحمل التينة ثمرا ) أفهمتم هذا المثل ؟ ، أجاب التلاميذ : كلا يا سيد ففسره لنا .                      

الفصل الرابع عشر بعد المائة

أجاب يسوع : الحق أقول لكم أن صاحب الملك هو الله والكرام شريعته ، فكان عند الله إذاً في الجنة النخل والبلسان لأن الشيطان هو النخل والإنسان الأول هو البلسان ، فطردهما كليهما لأنهما لم يحملا ثمرا من الأعمال الصالحة بل فاها بألفاظ غير صالحة كانت قضاء على ملائكة وأناس كثيرون ، ولما كان الله قد وضع الإنسان في وسط خلائقه التي تعبده كلها بحسب أمره فإذا كان كما قلت لا يحمل ثمرا فان الله يقطعه ويدفعه إلى الجحيم ، لأنه لم يعف عن الملاك والإنسان الأول فنكل بالملاك تنكيلا أبديا وبالإنسان إلى حين ، فتقول من ثم شريعة الله إن للإنسان طيبات أكثر مما يجب في هذه الحياة ، فوجب عليه إذا أن يحتمل الضيق ويحرم من الطيبات العالمية ليعمل أعمالا صالحة ، وعليه فإن الله يمهل الإنسان ليتوب ، الحق أقول لكم إن إلهنا قضى على الإنسان بالعمل للغرض الذي قاله أيوب خليل الله ونبيه : ( كما أن الطير مولودة للطيران والسمك للسباحة هكذا الإنسان مولود للعمل ) ، وهكذا يقول أيضا داود أبونا نبي الله : ( لأننا إذا أكلنا تعب أيدينا نبارك ويكون خير لنا ) ، لذلك يجب على كل أحد أن يعمل بحسب صفته ، ألا فقولوا لي إذا كان أبونا داود وابنه سليمان اشتغلا بأيديهما فماذا يجب على الخاطئ أن يفعل ؟ ، فقال يوحنا : يعلم أن العمل شيء حسن ولكن يجب على الفقراء أن يقوموا به ، فأجاب يسوع : نعم لأنهم لا يقدرون أن يفعلوا غير ذلك ، ولكن ألا تعلم أنه يجب على الصالح ليكون صالحا أن يكون مجردا عن الضرورة ، فالشمس والسيارات الأخرى تتقوى بأوامر الله حتى أنها لا تقدر أن تفعل غير ذلك فليس لهن فضل ، قولوا لي أقـال الله عندما أمر بالعمل : (( يعيش الفقير من عرق وجهه ؟ )) ، أو قال أيوب : (كما أن الطير مولودة للطيران هكذا الفقير مولود للعمل ؟ ) ، بل قال الله للإنسان : ( بعرق وجهك تأكل خبزك ) ، وقال أيوب :  ( الإنسان مولود للعمل ) ، وعليه فإن من ليس بإنسان معفى من هذا الأمر ، حقا إنه لا سبب لغلاء الأشياء سوى أنه يوجد جمهور غفير من الكسالى، فلو اشتغل هؤلاء وعمل بعضهم في الأرض وآخرون في صيد الأسماك في الماء لكان العالم في أعظم سعة ، ويجب أن يؤدي الحساب على هذا النقص في يوم الدين الرهيب .

الفصل الخامس عشر بعد المائة

ليقل لي الإنسان بماذا أتى إلى العالم الذي بسببه يعيش بالكسل ، فمن المؤكد أنه ولد عريانا وغير قادر على شيء فهو ليس صاحب كل ما يجد بل المتصرف به ، وعليه أن يقدم حسابا عنه في ذلك اليوم الرهيب ، ويجب أن يخشى كثيرا من الشهوة الممقوتة التي تصير الإنسان شبيها بالحيوانات غير الناطقة ، لأن عدو المرء من أهل بيته حتى أنه لا يمكن الذهاب إلى محل ما لا يطرقه العدو ، وما أكثر الذين هلكوا بسبب الشهوة ، فبسبب الشهوة أتى الطوفان حتى أن العالم هلك أمام رحمة الله ولم ينج إلا نوح وثلاثة وثمانون شخصا بشريا فقط ، وبسبب الشهوة أهلك الله ثلاث مدن شريرة لم ينج منها سوى لوط وولديه ، بسبب الشهوة كاد سبط بنيامين يفنى ، وإني أقول لكم الحق أني لو عددت لكم الذين هلكوا بسبب الشهوة لما كفتني مدة خمسة أيام ، أجاب يعقوب : يا سيد ما معنى الشهوة ؟ ، فأجاب يسوع : إن الشهوة هي عشق غير مكبوح الجماح إذا لم يرشده العقل تجاوز حدود البصيرة والعواطف ، حتى أن الإنسان لما لم يكن يعرف نفسه أحب ما يجب عليه بغضه ، صدقوني متى أحب الإنسان شيئا لا من حيث أن الله أعطاه هذا الشيء فهو زان ، لأنه جعل النفس متحدة بالمخلوق وهي التي يجب أن تبقى متحدة بالله خالقها ، ولهذا قال الله نادبا على لسان إشعيا النبي: ( إنك قد زنيت بعشاق كثيرين لكن ارجعي إلي أقبلك ) ، لعمر الله الذي تقف نفسي في حضرته لو لم تكن في قلب الإنسان شهوة داخلية لما سقط في الخارجية لأنه إذا اقتلع الجذر ماتت الشجرة سريعا ، فليقنع الرجل إذاً بالمرأة التي أعطاه إياها خالقه ولينس كل امرأة أخرى ، أجاب اندراوس : كيف ينسى الإنسان النساء إذا عاش في المدينة حيث يوجد كثيرات منهن فيها ؟ ، أجاب يسوع : يا اندراوس حقا إن السكنى في المدينة تضر لأن المدينة كالإسفنجة تمتص كل إثم .

الفصل السادس عشر بعد المائة

يجب على الإنسان أن يعيش في المدينة كما يعيش الجندي إذا كان حوله أعداء يحيطون بالحصن دافعا عن نفسه كل هجوم خائفا على الدوام خيانة الأهلين ، أقول هكذا يجب عليه أن يدفع كل إغراء خارجي من الخطيئة وأن يخشى الحس لأن له شغفا مفرطا بالأشياء الدنسة ، ولكن كيف يدافع عن نفسه إذا لم يكبح جماح العين التي هي أصل كل خطيئة جسدية ، لعمر الله الذي تقف نفسي في حضرته أن من ليست له عينان جسديتان يأمن من العقاب إلا ما كان إلى الدركة الثالثة على أن من له عينان يحل به القصاص حتى الدركة السابعة ، حدث في زمن النبي إيليا أن إيليا رأى رجلا ضريرا حسن السيرة يبكي ، فسأله قائلا : ( لماذا تبكي أيها الأخ ؟ ) ، أجاب الضرير : أبكي لأني لا أقدر أن أبصر إيليا النبي قدوس الله ) ، فوبخه إيليا قـائلا : ( كف عن البكاء أيها الرجل لأنك ببكائك تخطئ ) ، أجاب الضرير : ( ألا فقل لي أرؤية نبي الله الذي يقيم الموتى وينزل نارا من السمـاء خطيئة ؟ ) ، أجـاب إيليا : ( إنك لا تقول الصدق لأن إيليا لا يقدر أن يأتي شيئا مما قلت على الإطلاق فإنه رجل نظيرك لأن أهل العالم بأسرهم لا يقدرون أن يخلقوا ذبابة واحدة ) . فقال الضرير : ( إنك تقول هذا أيها الرجل لأنه لابد أن يكون قد وبخك إيليا على بعض خطاياك فلذلك تكرهه ) ، أجـاب إيليا : ( عسى أن تكون قد نطقت بالحق لأني لو أبغضت إيليا أيها الأخ لأحببت الله وكلما زدت بغضا لإيليا زدت حبا في الله ) ، فاغتاظ الضرير لذلك غيظا شديدا وقال : ( لعمر الله أنك لفاجر أيمكن لأحد أن يحب الله وهو يكره نبي الله انصرف من هنا لأني لست بمصغ إليك فيما بعد ) ، أجاب إيليا : ( أيها الأخ إنك لترى الآن بعقلك شدة شر البصر الجسدي لأنك تتمنى بصرا لتبصر إيليا وأنت تبغض إيليا بنفسك ) ، فأجاب الضرير : ( ألا فانصرف لأنك أنت الشيطان الذي يريد أن يجعلني أخطئ إلى قدوس الله ) ، فتنهد حينئذ إيليا وقال بدموع : ( إنك لقد قلت الصدق أيها الأخ لأن جسدي الذي تود أن تراه يفصلني عن الله ) ، فقال الضرير : ( إني لا أود أن أراك بل لو كان لي عينان لأغمضتهما لكي لا أراك ) ، حينئذ قال إيليا : ( اعلم أيها الأخ أني أنا إيليا ) ، أجاب الضرير : ( إنك لا تقول الصدق ) ، حينئذ قال تلاميذ إيليا : ( أيها الأخ إنه إيليا نبي الله بعينه ) ، فقال الضرير : ( إذا كان النبي فليقل لي من أي ذرية أنا وكيف صرت ضريرا ؟ ) .

الفصل السابع عشر بعد المائة

أجاب إيليا : ( إنك من سبط لاوي ولأنك نظرت وأنت داخل هيكل لله إلى امرأة بشهوة على مقربة من المقدس أزال إلهنا بصرك ) ، فقال حينئذ الضرير باكيا : ( أغفر لي يا نبي الله الطاهر لأني قد أخطأت إليك في الكلام وإني لو أبصرتك لما كنت أخطأت ) ، فأجاب إيليا : ( ليغفر لك إلهنا أيها الأخ ، لأني أعلم أنك فيما يخصني قد قلت الصدق ، لأني كلما ازددت بغضا لنفسي ازددت محبة لله ، لو رأيتني لخمدت رغبتك التي ليست مرضية لله ، لان إيليا ليس هو خالقك بل الله ) ، ثم قال إيليا باكيا : ( إني أنا الشيطان فيما يختص بك لأني أحولك عن خالقك ، فابك أيها الأخ إذ لم يكن لك نور يريك الحق من الباطل لأنه لو كان لك ذلك لما احتقرت تعليمي ، لذلك أقول لك أن كثيرين يتمنون أن يروني ويأتون من بعيد ليروني وهم يحتقرون كلامي ، لذلك كان خيرا لهم لخلاصهم أن لا يكون لهم عيون ، لأن كل من يجد لذة في المخلوق أيا كان ولا يطلب أن يجد لذة في الله فقد صنع صنما في قلبه وترك الله ) ، ثم قال يسوع متنهدا : أفهمتم كل ما قاله إيليا ؟ ، أجاب التلاميذ : حقا لقد فهمنا وإننا لحيارى من العلم بأنه لا يوجد هنا على الأرض إلا قليلون من الذين لا يعبدون الأصنام .

الفصل الثامن عشر بعد المائة

فقال حينئذ يسوع : إنكم تقولون الحق لأن إسرائيل كان الآن راغبا في إقامة عبادة الأصنام التي في قلوبهم إذ حسبوني إلها ، وكثيرون منهم قد احتقروا الآن تعليمي قائلين أنه يمكنني أن أجعل نفسي سيد اليهودية كلها إذا اعترفت بأنني إله ، وأني مجنون إذ رضيت أن أعيش في الفاقة في أنحاء البرية دون أن أقيم على الدوام بين الرؤساء في عيش رغيد ، ما أتعسك أيها الإنسان الذي تحترم النور الذي يشترك فيه الذباب والنمل وتحتقر النور الذي تشترك فيه الملائكة والأنبياء وأخلاء الله الأطهار خاصة ، فإذا لم تحفظ العين يا أندراوس فإني أقول لك أن عدم الانغماس في الشهوة حينئذ من المحال ، لذلك قال إرميا النبي باكيا بشدة : ( عين لص يسرق نفسي ) ، ولذلك صلى داود أبونا بأعظم شوق لله أبينا أن يحول عينيه لكي لا يرى الباطل ، لأن كل ما له نهاية إنما هو باطل قطعا ، قل لي إذاً إذا كان لأحد فلسان يشتري بهما خبزا أفيصرفهما مشتريا دخانا ؟ ، لا البتة لأن الدخان يضر العينين ولا يقيت الجسم ، فعلى الإنسان أن يفعل هكذا لأنه يجب عليه ببصر عينيه الخارجي وبصر عقله الداخلي أن يطلب ليعرف الله خالقه ومرضاة مشيئته وأن لا يجعل غرضه المخلوق الذي يجعله يخسر الخالق .

الفصل التاسع عشر بعد المائة

لأنه حقا كلما نظر الإنسان شيئا ونسي الله الذي خلقه للإنسان فقد أخطأ ، إذ لو وهبك صديق شيئا تحفظه ذكرى له فبعته ونسيت صديقك فقد أغظت صديقك ، فهذا ما يفعل الإنسان ، لأنه عندما ينظر إلى المخلوق ولا يذكر الخالق الذي خلقه إكراما للإنسان يخطئ إلى الله خالقه بالكفران بالنعمة ، فمن ينظر إذاً إلى النساء وينسى الله الذي خلق المرأة لأجل خير الإنسان يكون قد أحبها واشتهاها ، وتبلغ منه شهوته هذه مبلغا يحب معه كل شيء شبيه بالشيء المحبوب فتنشأ عن ذلك الخطيئة التي يخجل من ذكرها ، فإذا وضع الإنسان لجاما لعينيه يصير سيد الحس الذي لا يشتهي ما لا يقدم له وهكذا يكون الجسد تحت حكم الروح ، فكما أن السفينة لا تتحرك بدون ريح لا يقدر الجسد أن يخطئ بدون الحس ، أما ما يجب على التائب عمله بعد ذلك من تحويل الثرثرة إلى صلاة فهو ما يقول به العقل حتى لو لم يكن وصية من الله ، لأن الإنسان يخطئ في كل كلمة قبيحة ويمحو إلى إلهنا خطيئته بالصلاة ، لأن الصلاة هي شفيع النفس ، الصلاة هي دواء النفس ، الصلاة هي صيانة القلب ، الصلاة هي سلاح الإيمان ، الصلاة هي لجام الحس ، الصلاة هي ملح الجسد الذي لا يسمح بفساده بالخطيئة ، أقول لكم أن الصلاة هي يدا حياتنا اللتان يدافع بهما المصلي عن نفسه في يوم الدين ، فإنه يحفظ نفسه من الخطيئة هنا على الأرض ويحفظ قلبه حتى لا تمسه الأماني الشريرة مغضبا للشيطان لأنه يحفظ حسه ضمن شريعة الله ويسلك جسده في البر نائلا من الله كل ما يطلب . لعمر الله الذي نحن في حضرته أن الإنسان بدون صلاة لا يقدر أن يكون رجلا ذا أعمال صالحة أكثر مما يقدر أخرس على الاحتجاج عن نفسه أمام ضرير أو أكثر من إمكان برء ناسور بدون مرهم أو مدافعة رجل عن نفسه بدون حركة أو مهاجمة آخر بدون سلاح أو إقلاع في سفينة بدون دفة أو حفظ اللحوم الميتة بدون ملح ، فإن من المؤكد أن من ليس له يدان لا يقدر أن يأخذ ، فإذا تمكن المرء من تحويل السرقين إلى ذهب أو الطين إلى سكر فماذا يفعل ؟ ، فلما سكت يسوع أجاب التلاميذ : لا يتعاطى أحد عملا آخر سوى صنع الذهب والسكر ، حينئذ قال يسوع : ألا فلماذا لا يحول المرء الثرثرة إلى صلاة ؟ ، أأعطاه الله الوقت لكي يغضب الله ؟ ، أي متبوع يهب تابعه مدينة لكي يثير هذا عليه حربا ، لعمر الله لو علم المرء إلى أية صورة تتحول النفس بالكلام الباطل لفضل عض لسانه بأسنانه على التكلم ، ما أتعس العالم لأن الناس لا يجتمعون اليوم للصلاة بل إن الشيطان في أروقة الهيكل بل في الهيكل نفسه ذبيحة الكلام الباطل بل ما هو شر من ذلك من الأمور التي لا يمكن التكلم عنها بدون خجل .

الفصل العشرون بعد المائة

أما ثمر الكلام الباطل فهو هذا : أنه يوهن البصيرة إلى حد لا يمكنها معه أن تكون مستعدة لقبول الحق ، فهي كفرس اعتاد أن يحمل رطلا من القطن فلم يعد قادرا أن يحمل مائة رطل من الحجر ، ولكن شر من ذلك الرجل الذي يصرف وقته في المزاح ، فمتى أراد أن يصلي ذكّره الشيطان بنفس تلك الفكاهات المزحية حتى أنه عندما يجب عليه أن يبكي على خطاياه لكي يستمنح الله الرحمة ولينال غفران خطاياه يثير بالضحك غضب الله الذي سيؤدبه ويطرحه خارجا ، ويل إذا للمازحين والمتكلمين بالباطل ! ، ولكن إذا كان يمقت إلهنا المازحين والمتكلمين بالباطل فكيف يعتبر الذين يتذمرون ويغتابون جيرانهم وفي أي ورطة يكون الذين يتخذون ارتكاب الخطايا ضربا من التجارة على غاية الضرورة ؟ ، أيها العالم الدنس لا أقدر أن أتصور بأي صرامة يقتص منك الله ، فعلى من يجاهد نفسه أن يعطي كلامه بثمن الذهب ، أجاب تلاميذه : ولكن من يشتري كلام امرئ بثمن الذهب ؟ ، لا أحد قط ، وكيف يجاهد نفسه ؟ من المؤكد أنه يصير طماعا ؟ ، أجاب يسوع : إن قلبكم ثقيل جدا حتى أني لا اقدر على رفعه ، لذلك لزم أن أفيدكم معنى كل كلمة ، ولكن اشكروا الله الذي وهبكم نعمة لتعرفوا أسرار الله ، لا أقول أن على التائب أن يبيع كلامه بل أقول أنه متى تكلم وجب عليه أن يحسب أنه يلفظ ذهبا ، حقا إنه إذا فعل ذلك فإنه يتكلم متى كان الكلام ضروريا فقط كما يصرف الذهب على الأشياء الضرورية ، فكما لا يصرف أحد ذهبا على شيء يكون من ورائه ضرر بجسده كذلك لا ينبغي له أن يتكلم عن شيء قد يضر نفسه .  

الفصل الحادي والعشرون بعد المائة

إذا سجن حاكم مسجونا يمتحنه والمسجل يسجل قولوا لي كيف يتكلم رجل كهذا ، أجاب التلاميذ : إنه يتكلم بخوف وفي الموضوع حتى لا يجعل نفسه مظنة للتهمة ويكون على حذر من أن يقول شيئا يكدر الحاكم بل يحاول أن يقول شيئا يكون باعثا على إطلاقه ، حينئذ أجاب يسوع : هذا ما يجب إذاً على التائب عمله لكي لا يخسر نفسه ، لأن الله أعطى لكل إنسان ملاكين مسجلين أحدهما لتدوين الخير الذي يعمله الإنسان والآخر لتدوين الشر، فإذا أحب الإنسان أن ينال رحمة أن يقيس كلامه بأدق مما يقاس به الذهب .

الفصل الثاني والعشرون بعد المائة

أما البخل فيجب تحويله إلى تصدق ، الحق أقول لكم أنه كما أن غاية الشاقول المركز كذلك الجحيم غاية البخيل ، لأنه من المحال أن ينال البخيل خيرا في الجنة ، أتعلمون لماذا ؟ ، إني مخبركم ، لعمر الله الذي تقف نفسي في حضرته أن البخيل وإن كان لسانه صامتا ليقول بأعماله : (( لا إله غيري )) ، لأنه يصرف كل ماله على ملذته الخاصة غير ناظر إلى بدايته أو نهايته فإنه ولد عريا ومتى مات ترك كل شيء ، ألا فقولوا لي إذا أعطاكم هيرودس بستانا لتحفظوه وأحببتم أن تتصرفوا فيه كأنكم أصحاب الملك فلا ترسلون ثمرا منه لهيرودس ومتى أرسل هيرودس يطلب ثمرا طردتم رسله قولوا لي ألا تكونون بذلك قد جعلتم أنفسكم ملوكا على البستان ؟ ، بلى البتة ، فأقول لكم أنه هكذا يجعل البخيل نفسه إلها على الثروة التي وهبه إياها الله ، البخل هو عطش الحس الذي لما فقد الله بالخطيئة لأنه يعيش بالملذة ولما لم يعد قادرا على الابتهاج بالله المتحجب عنه أحاط نفسه بالأشياء العالمية التي يحسبها خيره ، وكلما رأى نفسه محروما من الله ازداد قوة ، وهكذا فإن تجدد الخاطئ إنما هو من الله الذي ينعم عليه فيتوب كما قال أبونا داود هذا التغير يأتي من يمين الله ، ومن الضروري أن أفيدكم من أي نوع هو الإنسان إذا كنتم تريدون أن تعلموا كيف يجب فعل التوبة ، ولنشكر اليوم الله الذي وهبنا نعمة لأبلغ إرادته بكلمتي ، ثم رفع يديه وصلى قائلا : أيها الرب الإله القدير الرحيم الذي خلقتنا نحن عبيدك برحمة ومنحتنا مرتبة البشر ودين رسولك الحقيقي ، إننا نشكرك على كل إنعاماتك ، ونود أن نعبدك وحدك كل أيام حياتنا ، نادبين خطايانا ، مصلين ومتصدقين ، صائمين ومطالعين كلمتك ، مثقفين الذين يجهلون مشيئتك ، مكابدين الآلام من العالم حبا فيك ، وباذلين نفسنا للموت خدمة لك ، فنجنا أنت يا رب من الشيطان ومن الجسد ومن العالم ، كما نجيت مصطفاك إكراما لنفسك وإكراما لرسولك الذي لأجله خلقتنا وإكراما لكل قديسيك وأنبيائك فكان يجيب التلاميذ دائما : ليكن كذلك ليكن كذلك يا رب ليكن كذلك أيها الإله الرحيم .

الفصل الثالث والعشرون بعد المائة

فلما كان صباح الجمعة جمع يسوع تلاميذه باكرا بعد الصلاة ، وقال لهم : لنجلس لأنه كما أنه في مثل هذا اليوم خلق الله الإنسان من طين الأرض هكذا أفيدكم أي شيء هو الإنسان إن شاء الله ، فلما جلسوا عاد يسوع فقال : إن إلهنا لأجل أن يظهر لخلائقه جوده ورحمته وقدرته على كل شيء مع كرمه وعدله صنع مركبا من أربعة أشياء متضاربة ووحدها في شبح واحد نهائي هو الإنسان وهي التراب والهواء والماء والنار ليعدل كل منهما ضده ، وصنع من هذه الأشياء الأربعة إناء وهو جسد الإنسان من لحم وعظام ودم ونخاع وجلد مع أعصاب وأوردة وسائر أجزائه الباطنية ، ووضع الله فيه النفس والحس بمثابة يدين لهذه الحياة ، وجعل مثوى الحس في كل جزء من الجسد لأنه انتشر هناك كالزيت ، وجعل مثوى النفس القلب حيث تتحد مع الحس فتتسلط على الحياة كلها ، فبعد أن خلق الله الإنسان هكذا وضع فيه نورا يسمى العقل ليوحد الجسد والحس والنفس لمقصد واحد وهو العمل لخدمة الله ، فلما وضع هذه الصنيعة في الجنة وأغرى الحس العقل بعمل الشيطان فقد الجسد راحته وفقد الحس المسرة التي يحيا بها وفقدت النفس جمالها ، فلما وقع الإنسان في هذه الورطة وكان الحس الذي لا يطمئن في العمل بل يطلب المسرة غير مكبوحة الجماح بالعقل اتبع النور الذي تظهره له العينان ، ولما كانت العينان لا تبصران شيئا غير الباطل خدع نفسه واختار الأشياء الأرضية فأخطأ ، لذلك وجب برحمة الله أن ينور عقل الإنسان من جديد ليعرف الخير من الشر والمسرة الحقيقية ، فمتى عرف الخاطئ ذلك تحول إلى التوبة ، لذلك أقول لكم حقا أنه إذا لم ينور الله ربنا قلب الإنسان فإن تعقل البشر لا يجدي ، أجاب يوحنا : إذاً ما هي الجدوى من كلام الإنسان ؟ ، فأجاب يسوع : الإنسان من حيث هو إنسان لا يفلح في تحويل إنسان إلى التوبة ، أما الإنسان من حيث هو وسيلة يستعملها الله فهو يجدد الإنسان ، ولما كان الله يعمل في الإنسان بطريقة خفية لخلاص البشر وجب على المرء أن يصغي لكل إنسان حتى يقبل من بين الجميع ذلك الذي يكلمنا به الله ، أجاب يعقوب : يا معلم لو فرضنا أن أتى نبي دعي ومعلم كذاب مدعيا أنه يهذبنا فماذا يجب أن نفعل ؟ .

الفصل الرابع والعشرون بعد المائة

أجاب يسوع بمثل : يذهب رجل ليصطاد بشبكة فيمسك فيها سمكا كثيرا والرديء منه يطرحه ، ذهب رجل ليزرع وإنما الحبة التي تقع على أرض صالحة هي التي تحمل بذورا ، فهكذا يجب عليكم أن تفعلوا مصغين إلى الجميع وقابلين الحق فقط لأن الحق وحده يحمل ثمرا للحياة الأبدية ، فأجاب حينئذ أندراوس : ولكن كيف يعرف الحق ؟ ، أجاب يسوع : كل ما ينطبق على كتاب موسى فهو حق فاقبلوه ، لأنه لما كان الله واحدا كان الحق واحدا ، فينتج من ذلك أن التعليم واحد وأن معنى التعليم واحد فالإيمان إذا واحد ، الحق أقول لكم أنه لو لم يمح الحق من كتاب موسى لما أعطى الله داود أبانا الكتاب الثاني ، ولو لم يفسد كتاب داود لم يعهد الله بإنجيله إلي لأن إلهنا غير متغير ولقد نطق رسالة واحدة لكل البشر ، فمتى جاء رسول الله يجيء ليطهر كل ما أفسد الفجار من كتابي ، حينئذ أجاب من يكتب : يا معلم ماذا يجب على المرء فعله متى فسدت الشريعة وتكلم النبي المدعي ؟ ، أجاب يسوع : إن سؤالك لعظيم يا برنابا ، لذلك أفيدك أن الذين يخلصون في مثل ذلك الوقت قليلون لأن الناس لا يفكرون في غايتهم التي هي الله ، لعمر الله الذي تقف نفسي في حضرته أن كل تعليم يحول الإنسان عن غايته التي هي الله لشر تعليم ، لذلك يجب عليك ملاحظة ثلاثة أمور في التعليم أي المحبة لله وعطف المرء على قريبه وبغضك لنفسك التي أغضبت الله وتغضبه كل يوم ، فتجنب كل تعليم مضاد لهذه الرؤوس الثلاثة لأنه شرير جدا ؟ .  

الفصل الخامس والعشرون بعد المائة

وإني لأعود الآن إلى البخل ، فأفيدكم أنه متى أراد الحس الحصول على شيء أو حرص عليه يجب أن يقول العقل : لا بد من نهاية لهذا الشيء ، ومن المؤكد أنه إذا كان له نهاية فمن الجنون أن يحب ، لذلك وجب على الإنسان أن يحب ويحرص على ما لانهاية له ، فليتحول بخل الإنسان إذا إلى صدقة موزعاً بالعدل ما أخذه بالظلم ، وليكن على انتباه حتى لا تعرف اليد اليسرى ما تفعله اليد اليمنى ، لأن المرائين إذا تصدقوا يحبون أن ينظرهم ويمدحهم العالم ولكن الحق أنهم مغرورون لأن من يشتغل لإنسان فمنه يأخذ أجره ، فإذا نال إنسان شيئا من الله وجب عليه أن يخدم الله ، وتوخُّوا متى تصدقتم أن تحسوا أنكم تعطون الله كل شيء حبا في الله ، فلا تبطئون في العطاء وأعطوا خير ما عندكم حبا في الله ، قولوا لي أتريدون أن تنالوا شيئا رديئا من الله ؟ لا البتة أيها التراب والرماد ، فكيف يكون عندكم إيمان إذا أعطيتم شيئا رديئا حبا في الله ؟ ، ألا تعطوا شيئا خير من أن تعطوا شيئا رديئا ، لأن لكم في عدم العطاء شيئا من المعذرة في عرف العالم ، ولكن ما تكون معذرتكم في إعطاء شيء لا قيمة له وإبقاء الأفضل لأنفسكم ؟ ، وهذا كل ما أملك أن أقول لكم في شأن التوبة ، أجاب برنابا : كم يجب أن تدوم التوبة ، أجاب يسوع : يجب على الإنسان ما دام في حال الخطيئة أن يتوب ويقوم بجهاد نفسه ، فكما أن الحياة البشرية تخطئ على الدوام وجب عليها أن تقوم بجهاد النفس على الدوام ، إلا إذا كنتم تحسبون أحذيتكم أكرم من نفسكم لأنه كلما انفتق حذاؤكم أصلحتموه .  

الفصل السادس والعشرون بعد المائة

وبعد أن جمع يسوع تلاميذه أرسلهم مثنى مثنى إلى مقاطعة إسرائيل قائلا : اذهبوا وبشروا كما سمعتم ، فحينئذ انحنوا فوضع يده على رأسهم قائلا : باسم الله أبرؤا المرضى أخرجوا الشياطين وأزيلوا ضلال إسرائيل في شأني مخبريهم ما قلت أمام رئيس الكهنة ، فانصرفوا جميعهم خلا من يكتب ويعقوب ويوحنا ، فذهبوا في اليهودية مبشرين بالتوبة كما أمرهم يسوع مبرئين كل نوع من المرض ، حتى ثبت في إسرائيل كلام يسوع أن الله أحد وأن يسوع نبي الله إذ رأوا هذا الجم يفعل ما فعل يسوع من حيث شفاء المرضى ، ولكن أبناء الشيطان وجدوا طريقة أخرى لاضطهاد يسوع وهؤلاء هم الكهنة والكتبة ، فشرعوا من ثم يقولون أن يسوع طمح إلى ملكية إسرائيل ، ولكنهم خافوا العامة فلذلك ائتمروا عليه سرا ، وبعد أن جاب التلاميذ اليهودية عادوا إلى يسوع فاستقبلهم كما يستقبل الأب أبناءه قائلا : أخبروني كيف فعل الرب إلهنا ؟ حقا إني لقد رأيت الشيطان يسقط تحت أقدامكم وأنتم تدوسونه كما يدوس الكرام العنب ، فأجاب التلاميذ : يا معلم لقد أبرأنا عددا لا يحصى من المرضى وأخرجنا شياطين كثيرين كانوا يعذبون الناس ، فقال يسوع : ليغفر الله لكم أيها الإخوة لأنكم أخطأتم إذ قلتم (( أبرأنا )) وإنما الله هو الذي فعل ذلك كله ، حينئذ قالوا لقد تكلمنا بغبـاوة فعلمنا كيف نتكلم ، أجـاب يسوع : في كل عمل صالح قـولوا : (( الرب صنع )) وفي كل عمل رديء قولوا : (( أخطأت )) ، فقال التلاميذ : إنا لفاعلون هكذا ، ثم قال يسوع : ماذا يقول إسرائيل وقد رأى الله يصنع على أيدي جمهور من الناس ما صنع الله على يدي ؟ ، أجاب التلاميذ : يقولون أنه يوجد إله أحد وأنك نبي الله ، فأجاب يسوع بوجه متهلل : تبارك اسم الله القدوس الذي لم يحتقر رغبة عبده هذا ولما قال ذلك انصرفوا للراحـة .  

الفصل السابع والعشرون بعد المائة

وانصرف يسوع من البرية ودخل أورشليم ، فأسرع من ثم الشعب كله إلى الهيكل ليراه ، فبعد قراءة المزامير ارتقى يسوع الدكة التي كان يرتقيها الكتبة ، وبعد أن أشار بيده إيماءً للصمت قال : أيها الإخوة تبارك اسم الله القدوس الذي خلقنا من طين الأرض لا من روح ملتهب ، لأنه متى أخطأنا وجدنا رحمة عند الله لن يجدها الشيطان أبدا ، لأنه لا يمكن إصلاحه بسبب كبريائه إذ يقول أنه شريف دوما لأنه روح ملتهب ، هل سمعتم أيها الإخوة ما يقول أبونا داود عن إلهنا إنه يذكر أننا تراب وأن روحنا تمضي فلا تعود أيضا فلذلك رحمنا ؟ ، طوبى للذين يعرفون هذه الكلمات لأنهم لا يخطئون إلى ربهم إلى الأبد فإنهم بعد أن يخطئوا يتوبون فلذلك لا تدوم خطيئتهم ، ويل للمتغطرسين لأنهم سيذلون في جمرات الجحيم ، قولوا لي أيها الإخوة ما هو سبب الغطرسة ؟، أيتفق أن يوجد صلاح على الأرض ؟ ، لا البتة لأنه كما يقول سليمان نبي الله : ( إن كل ما تحت الشمس لباطل ) ، ولكن إذا كانت أشياء العالم لا تسوغ لنا الغطرسة بقلبنا فبالأحرى ألا تسوغه حياتنا ، لأنها مثقلة بشقاء كثير لأن كل الحيوانات التي هي دون الإنسان تقاتلنا ، ما أكثر الذين قتلهم حر الصيف المحرق ! ، ما أكثر الذين قتلهم الصقيع وبرد الشتـاء ! ، ما أكثر الذين قتلتهم الصواعق والبرد ! ، ما أكثر الذين غرقوا في البحر بعصف الرياح ! ، ما أكثر الذين ماتوا من الوباء والجوع أو لأن الوحوش الضارية قد افترستهم أو نهشتهم الأفاعي أو خنقهم الطعام ! ، ما أتعس الإنسان المتغطرس إذ أنه يرزح تحت أحمال ثقيلة وتقف له في كل موضع جميع الخلائق بالمرصاد ، ولكن ماذا أقول عن الجسد والحس اللذين لا يطلبان إلا الإثم ، وعن العالم الذي لا يقدم إلا الخطيئة ، وعن الشرير الذي لما كان يخدم الشيطان يضطهد كل من يعيش بحسب شريعة الله ؟ ، ومن المؤكد أيها الإخوة أن الإنسان كما يقول داود : ( لو تأمل الأبدية بعينه لما أخطأ )، ليس تغطرس الإنسان بقلبه سوى إقفال رأفة الله ورحمته حتى لا يعود يصفح ، لأن أبانا داود يقول : ( إن إلهنا يذكر أننا لسنا سوى تراب وأن روحنا تمضي ولا تعود أيضا )، فمن تغطرس إذاً أنكر أنه تراب وعليه فلما كان لا يعرف حاجته فهو لا يطلب عونا فيغضب الله معينه ، لعمر الله الذي تقف نفسي في حضرته أن الله يعفو عن الشيطان لو عرف الشيطان شقاءه وطلب رحمة من خالقه المبارك إلى الأبد .

الفصل الثامن والعشرون بعد المائة

لذلك أقول لكم أيها الإخوة أنني أنا الذي هو إنسان تراب وطين يسير على الأرض أقول لكم جاهدوا أنفسكم واعرفوا خطاياكم ، أقول أيها الإخوة أن الشيطان ضللكم بواسطة الجنود الرومانية عندما قلتم أنني أنا الله ، فاحذروا من أن تصدقوهم لأنهم واقعون تحت لعنة الله وعابدون الآلهة الباطلة الكاذبة كما استنـزل أبونا داود لعنةً عليهم قائلا : ( إن آلهة الأمم فضة وذهب عمل أيديهم لها أعين ولا تبصر لها آذان ولا تسمع لها مناخر ولا تشم لها فم ولا تأكل لها لسان ولا تنطق لها أيدي ولا تلمس لها أرجل ولا تمشي ) ، لذلك قال داود أبونا ضارعا إلى إلهنا الحي : ( مثلها يكون صانعوها بل كل من يتكل عليها ) ، يا لكبرياء لم يسمع بمثلها ، كبرياء الإنسان الذي ينسى حاله ويود أن يصنع إلها بحسب هواه مع أن الله خلقه من تراب ، وهو بذلك يستهزئ بالله بهدوء كأنه يقول : (( لا فائدة من عبادة الله )) لأن هذه ما تظهره أعمالهم ، إلى هذا أراد الشيطان أن يوصلكم أيها الإخوة إذ حملكم على التصديق بأنني أنا الله ، فإني وأنا لا طاقة لي أن أخلق ذبابة بل إني زائل وفان لا أقدر أن أعطيكم شيئا نافعا لأني أنا نفسي في حاجة إلى كل شيء ، فكيف أقدر إذاً أن أعينكم في كل شيء كما هو شأن الله أن يفعل ، أفنستهزئ إذاً وإلهنا هو الإله العظيم الذي خلق بكلمته الكـون بالأمم وآلهتهم ؟ ، صعد رجلان إلى الهيكل هنا ليصليا أحدهما فريسي والآخر عشار ، فاقترب الفريسي من المقدس وصلى رافعا وجهه قائلا : ( أشكرك أيها الرب إلهي لأني لست كباقي الناس الخطاة الذين يرتكبون كل آثم ، ولا مثل هذه العشار خصوصا لأني أصوم مرتين في الأسبوع وأعشر كل ما أقتنيه ) ، أما العشار فلبث واقفا على بعد منحنيا إلى الأرض ، وقال مطرقا برأسه قارعا صدره : ( يا رب إنني لست أهلا أن أتطلع إلى السماء ولا إلى مقدسك لأني أخطأت كثيرا فارحمني ) ، الحق أقول لكم أن العشار نزل الهيكل أفضل من الفريسي لأن إلهنا برره غافرا له خطاياه كلها أما الفريسي فنزل وهو على حال أردء من العشار ، لأن إلهنا رفضه ماقتا أعماله .

الفصل التاسع والعشرين بعد المائة

أتفتخر الفأس مثلا لأنها قطعت حرجة حيث صنع إنسان بستانا ؟ ، لا البتة لأن الإنسان صنع كل شيء بيديه حتى الفأس ، وأنت أيها الإنسان أتفتخر أنك فعلت شيئا حسنا وأنت قد خلقك إلهنا من طين ويعمل فيك كل ما تأتيه من صلاح ، ولماذا تحتقر قريبك ؟ ، ألا تعلم أنه لولا حفظ الله إياك من الشيطان لكنت شرا من الشيطان ؟ ، ألا تعلم أن خطيئة واحدة مسخت أجمل ملاك شر شيطان مكروه ؟ ، وأنها حولت أكمل إنسان جاء إلى العالم وهو آدم مخلوقا شقيا وجعلته عرضة لما نكابد نحن وسائر ذريته ؟ ، فأي إذنٍ لك يخولك حق المعيشة بحسب هواك دون أدنى خوف ، ويل لك أيتها الطينة لأنك بتغطرسك على الله الذي خلقك ستحتقرين تحت قدمي الشيطان الذي هو واقف لك بالمرصاد . وبعد أن قال يسوع هذا وصلى رافعا يديه إلى الرب ، وقال الشعب : (( ليكن كذلك ليكن كذلك )) ، ولما أكمل صلاته نزل من الدكة ، فأحضروا إليه جمهورا كثيرا من مرضى فأبرأهم وانصرف من الهيكل ، فدعا يسوع ليأكل خبزا سمعان الذي كان أبرص فشفاه يسوع ، أما الكهنة والكتبة الذين كانوا يبغضون يسوع فأخبروا الجنود الرومانية بما قاله يسوع في آلهتهم ، لأن الحقيقة هي أنهم كانوا يلتمسون فرصة ليقتلوه فلم يجدوها لأنهم خافوا الشعب ، ولما دخل يسوع بيت سمعان جلس إلى المائدة ، وبينما كان يأكل إذا بامرأة اسمها مريم وهي مومسة دخلت البيت وطرحت نفسها على الأرض وراء قدمي يسوع وغسلتهما بدموعها ودهنتهما بالطيب ومسحتهما بشعر رأسها ، فخجل سمعان وكل الذين كانوا على الطعـام ، وقالوا في قلوبهم : (( لو كان هذا الرجل نبيا لعرف من هذه المرأة ومن أي طبقة هي ولما سمح لها أن تمسه )) ، فقال حينئذ يسوع : يا سمعان إن عندي شيئا أقوله لك ، أجاب سمعان : تكلم يا معلم لأني أحب كلمتك .  

الفصل الثلاثون بعد المائة

قال يسوع : كان لرجل مدينان أحدهما مدين لدائنه بخمسين فلسا والآخر بخمس مائة ، فلما لم يكن عند أحد منهما ما يدفعه تحنن الدائن وعفا عن دين كليهما ، فأيهما يحب دائنه أكثر ؟ أجاب سمعان : صاحب الدين الأكبر الذي عفا عنه ، فقال يسوع : لقد قلت صوابا ، إني أقول لك إذاً انظر هذه المرأة ونفسك ، لأنكما كنتما كلاكما مدينين لله أحدكما ببرص الجسم والآخر ببرص النفس الذي هو الخطيئة ، فتحنن الله ربنا بسبب صلواتي وأراد شفاء جسدك ونفسها ، فأنت إذاًَ تحبني قليلا لأنك نلت هبة صغيرة ، وهكذا لما دخلت بيتك لم تقبلني ولم تدهن رأسي ، أما هذه المرأة فلما دخلت بيتك جاءت توا ووضعت نفسها عند قدمي اللتين غسلتهما بدموعها ودهنتهما بالطيب ، لذلك أقول لك الحق أنه قد غفرت لها خطايا كثيرة لأنها أحبت كثيرا ، ثم التفت إلى المرأة وقال : اذهبي في طريقك لأن الرب إلهنا قد غفر خطاياك ، ولكن انظري أن لا تخطئي فيما بعد ، إيمانك خلصك .  

الفصل الحادي والثلاثون بعد المائة

وبعد صلاة الليل اقترب التلاميذ من يسوع وقالوا : يا معلم ماذا يجب أن نفعل لكي نتخلص من الكبرياء ، فأجاب يسوع : هل رأيتم فقيرا مدعوا إلى بيت عظيم ليأكل خبزا ؟ ، أجاب يوحنا : إني أكلت خبزا في بيت هيرودس ، لأني قبل أن عرفتك كنت أذهب لصيد السمك وأبيعه لبيت هيرودس ، فجئتهم يوما إلى هناك وهو في وليمة بسمكة نفيسة فأمرني بأن أبقى وآكل هناك ، فقال حينئذ يسوع : كيف أكلت خبزا مع الكفار ؟ ليغفر لك الله يا يوحنا ، ولكن قل لي كيف تصرفت على المائدة ؟ ، أطلبت أن يكون لك المحل الأرفع ، أطلبت أشهى الطعام ؟ ، أتكلمت على المائدة وأنت لم تسأل ؟ أحسبت نفسك أكثر أهلية للجلوس إلى المائدة من الآخرين ؟ ، أجاب يوحنا لعمر الله أني لم أجسر أن أرفع عيني لأني صياد سمك فقير ومرتد ثيابا رثة جالس مع حاشية الملك ، فكنت متى ناولني الملك قطعة صغيرة أخال العالم هبط على رأسي لعظم المنة التي أحسن بها الملك إلي ، والحق أقول أنه لو كان الملك من شريعتنا لخدمته طول أيام حياتي فأجاب يسوع : صه يا يوحنا لأني أخشى أن يطرحنا الله في الهاوية لكبريائنا كأبيرام ، فارتعد التلاميذ خوفا من كلام يسوع فعاد وقال : لنخش الله لكي لا يطرحنا في الهاوية لكبريائنا . أسمعتم أيها الإخوة من يوحنا ما صنع في بيت أمير ، ويل للبشر الذين أتوا إلى العالم لأنهم كما يعيشون في الكبرياء سيموتون في المهانة وسيذهبون إلى الاضطراب ، فإن هذا العالم بيت يولم الله فيه للبشر حيث أكل كل الأطهار وأنبياء الله ، والحق أقول لكم أن كل ما ينال الإنسان إنما يناله من الله ، لذلك يجب على الإنسان أن يتصرف بأعظم ضعة عارفا حقارته وعظمة الله مع كرمه العظيم الذي يغذينا به ، لذلك لا يجوز للمرء أن يقول : لماذا فعل هذا أو قيل هذا في العالم ؟ بل يجب عليه أن يحسن نفسه كما هو في الحقيقة غير أهل أن يقف في العالم على مائدة الله ، لعمر الله الذي تقف نفسي في حضرته أنه مهما كان الشيء الذي يناله الإنسان من الله في العالم صغيرا فإنه يجب عليه في مقابلته أن يصرف حياته حبا في الله ، لعمر الله أنك لم تخطئ يا يوحنا لأنك واكلت هيرودس فإنك فعلت ذلك بتدبير الله لتكون معلمنا نحن وكل من يخشى الله ثم قال يسوع لتلاميذه : هكذا افعلوا لتعيشوا في العالم كما عاش يوحنا في بيت هيرودس عندما أكل خبزا معه ، لأنكم هكذا تكونون بالحق خالين من كل كبرياء .  

الفصل الثاني والثلاثون بعد المائة

ولما كان يسوع ماشيا على شاطئ بحر الجليل أحاط به جمهور غفير من الناس فركب سفينة صغيرة منفردة كانت على بعد قليل من الشاطئ فرست على مقربة من البر بحيث يمكن سماع صوت يسوع ، فاقتربوا جميعا من البحر وجلسوا ينتظرون كلمته ففتح حينئذ فاه وقال : ها هو ذا قد خرج الزارع ليزرع ، فبينما كان يزرع سقط بعض البذور على الطريق فداسته أقدام الناس وأكلته الطيور ، وسقط بعض على الحجارة فلما نبت أحرقته الشمس إذ لم يكن فيه رطوبة ، وسقط بعض على السياج فلما طلع الشوك خنق البذور ، وسقط بعض على الأرض الجيدة فأثمر ثلاثين وستين ومائة ضعف ، وقال يسوع أيضا : هاهو ذا أب أسرة زرع بذورا جيدة في حقله ، وبينا خدم الرجل الصالح نيام جاء عدو الرجل سيدهم وزرع زوانا فوق البذور الجيدة ، فلما نبتت الحنطة رؤي كثير من الزوان نابتا بينها ، فجاء الخدم إلى سيدهم وقالوا : يا سيد ألم نزرع بذورا جيدة في حقلك ؟ فمن أين إذاً طلع فيه مقدار وافر من الزوان ؟ ، أجاب السيد : إني زرعت بذورا جيدة ولكن بينا الناس نيام جاء عدو الإنسان وزرع زوانا فوق الحنطة ، فقال الخدم : أتريد أن نذهب ونقتلع الزوان من بين الحنطة ؟ ، أجاب السيد : لا تفعلوا هكذا لأنكم تقلعون الحنطة معه ، ولكن تمهلوا حتى يأتي زمن الحصاد وحينئذ تذهبون وتقتلعون الزوان من بين الحنطة وتطرحونه في النار ليحرق وأما الحنطة فتضعونها في مخزني ، وقال يسوع أيضا : خرج أناس كثيرون ليبيعوا تينا فلما بلغوا السوق إذا بالناس لا يطلبون تينا جيدا بل ورقا جميلا ، فلم يتمكن القوم من بيع تينهم ، فلما رأى ذلك أحد الأهالي الأشرار قال إني لقادر على أن أصير غنيا ، فدعا ابنيه وقال : (( اذهبا إلى واجمعا مقدارا كبيرا من الورق مع تين رديء )) ، فباعوها بزنتها ذهبا لأن الناس سروا كثيرا بالورق ، فلما أكل الناس التين مرضوا مرضا خطيرا ، وقال أيضا يسوع : ها هو ذا ينبوع لأحد الأهالي يأخذ منه الجيران ماء ليزيلوا به وسخهم ، ولكن صاحب الماء يترك ثيابه تنتن ، وقال يسوع أيضا : ذهب رجلان ليبيعا تفاحا فأراد أحدهما أن يبيع قشر التفاح بزنته ذهبا غير مبال بجوهر التفاح ، أما الآخر فأحب أن يهب التفاح ويأخذ قليلا من الخبز لسفره فقط ، ولكن الناس اشتروا قشر التفاح بزنته ذهبا ولم يبالوا بالذي أحب أن يهبهم بل احتقروه ، وهكذا كلم يسوع الجمع في ذلك اليوم بالأمثال ، وبعد أن صرفهم ذهب مع تلاميذه إلى نايين حيث أقام ابن الأرملة الذي قبله وأمه إلى بيته وخدمه .

الفصل الثالث والثلاثون بعد المائة

فاقترب تلاميذ يسوع منه وسألوه قائلين : يا معلم قل لنا معنى الأمثال التي كلمت بها الشعب ، أجاب يسوع : اقتربت ساعة الصلاة فمتى انتهت صلاة المساء أفيدكم معنى الأمثال ، فلما انتهت الصلاة اقترب التلاميذ من يسوع فقال لهم : إن الرجل الذي يزرع البذور على الطريق أو على الحجارة أو على الشوك أو على الأرض الجيدة هو من يعلم كلمة الله التي تسقط على عدد غفير من الناس ، تقع على الطريق متى جاءت إلى آذان البحارة والتجار الذين أزال الشيطان كلمة الله من ذاكرتهم بسبب الأسفار الشاسعة التي يزمعونها وتعدد الأمم التي يتجرون معها ، وتقع على الحجارة متى جاءت إلى آذان رجال البلاط لأنه بسبب شغفهم بخدمة شخص حاكم لا تنفذ إليهم كلمة الله ، على أنهم وإن كان لهم شيء من تذكرها فحالما تصيبهم شدة تخرج كلمة الله من ذاكرتهم ، لأنهم وهم لم يخدموا الله لا يقدرون أن يرجوا معونة من الله ، وتقع على الشوك متى جاءت إلى آذان الذين يحبون حياتهم ، لأنهم ـ وإن نمت كلمة الله فيهم ـ إذا نمت الأهواء الجسدية خنقت البذور الجيدة من كلمة الله ، لأن رغد العيش الجسدي يبعث على هجران كلمة الله ، أما التي تقع على الأرض الجيدة فهو ما جاء من كلمة الله إلى أذني من يخاف الله حيث تثمر ثمر الحياة الأبدية . الحق أقول لكم أن كلمة الله تثمر في كل حال متى خاف الإنسان الله ، أما ما يختص بأبي الأسرة فالحق أقول لكم أنه الله ربنا أب كل الأشياء لأنه خلق الأشياء كلها ، ولكنه ليس أباً على طريقة الطبيعة لأنه غير قادر على الحركة التي لا يمكن التناسل بدونها ، فهو إذاً إلهنا الذي يخصه هذا العالم ، والحقل الذي يزرع فيه هو الجنس البشري ، والبذار هو كلمة الله ، فمتى أهمل المعلمون التبشير بكلمة الله لانشغالهم بتشاغل العالم زرع الشيطان ضلالا في قلب البشر ينشأ عنه شفيع لا تحصى من التعليم الشري ، فيصرخ الأطهار والأنبياء : (( يا سيد ألم تعط تعليما صالحا للبشر فمن أين إذاً الأضاليل الكثيرة ؟ )) ، فيجيب الله : (( إني أعطيت البشر تعليما صالحا ولكن بينما كان البشر منقطعين إلى الباطل زرع الشيطان ضلالا يبطل شريعتي ، فيقول الأطهار : (( يا سيد إننا نبدد هذه الأضاليل بإهلاك البشر )) ، فيجيب الله : (( لا تفعلوا هذا لأن المؤمنين يهلكون مع الكافرين ، ولكن تمهلوا إلى الدينونة ، لأنه في ذلك الوقت ستجمع ملائكتي الكفار فيقعون مع الشيطان في الجحيم والمؤمنون يأتون إلى مملكتي )) ، ومما لا ريب فيه أن كثيرين من الآباء الكفار يلدون أبناء مؤمنين لأجلهم أمهل الله العالم ليتوب . الفصل الرابع والثلاثون بعد المائة     أما الذين يثمرون تينا حسنا فهم المعلمون الحقيقيون الذين يبشرون بالتعليم الصالح ، ولكن العالم الذي يسر بالكذب يطلب من المعلمين أوراقا من الكلام والمداهنة المزوقين ، فمتى رأى الشيطان ذلك أضاف نفسه مع الجسد والحس وأتى بمقدار وافر من الأوراق أي مقدار من الأشياء الأرضية التي يعطي بها الخطيئة ، فمتى أخذها الإنسان اعتل وأمسى على وشك الموت الأبدي ، أما أحد الأهالي الذي عنده ماء ويعطي ماءه للآخرين ليغسلوا وسخهم ويترك ثيابه تنتن فهو المعلم الذي يبشر الآخرين بالتوبة أما هو نفسه فيلبث في الخطيئة ، ما أتعس هذا الإنسان لأن لسانه نفسه يخط في الهواء القصاص الذي هو أهل له لا الملائكة ، لو كان لأحد لسان فيل وكان سائر جسده صغيرا بقدر نملة أفلا يكون هذا الشيء من خوارق الطبيعة ؟ ، بلى البتة ، فالحق أقول لكم أن من يبشر الآخرين بالتوبة ولا يتوب هو عن خطاياه لأشد غرابة من ذاك ، أما الرجلان بائعا التفاح فأحدهما من يبشر لأجل محبة الله، فهو لذلك لا يداهن أحدا بل يبشر بالحق طالبا معيشة فقير فقط ، لعمر الله الذي تقف نفسي في حضرته أن العالم لا يقبل رجلا كهذا بل هو حري بأن يحتقره ، ولكن من يبيع القشر بزنته ذهبا ( ويهب التفاحة ) فإنما هو من يبشر ليرضى الناس ، وهكذا متى داهن العالم أتلف النفس التي تتبع مداهنته ، آه كم وكم من أناس هلكوا لهذا السبب ؟ ، حينئذ أجاب الكاتب وقال : كيف يجب على الإنسان أن يصغي إلى كلمة الله وكيف يمكن لأحد أن يعرف الذي يبشر لأجل محبة الله ؟ ، أجاب يسوع : إنه يجب أن يصغي إلى من يبشر متى بشر بتعليم صالح كان المتكلم هو الله لكنه يتكلم بفمه ، ولكن من يترك التوبيخ على الخطايا محابيا بالوجوه ومداهنا أناس خصوصيين فيجب تجنبه كأفعى مخوفة لأنه بالحقيقة يسم القلب البشري ، أتفهمون ؟ ، الحق أقول لكم أنه كما لا حاجة بالجريح إلى عصائب جميلة لعصب جراحه بل يحتاج بالحري إلى مرهم جيد هكذا لا حاجة بالخاطئ إلى كلام مزوق بل بالحري إلى توبيخات صالحة لكي ينقطع عن الخطيئة . الفصل الخامس والثلاثون بعد المائة     فقال حينئذ بطرس : يا معلم قل لنا كيف يعذب الهالكون وكم يبقون في الجحيم لكي يهرب الإنسان من الخطيئة ؟ ، أجاب يسوع : يا بطرس قد سألت عن شيء عظيم ومع ذلك فإني إن شاء الله مجيبك ، فاعلموا إذاً أن الجحيم هي واحدة ومع ذلك فإن لها سبع دركات الواحدة منها دون الأخرى ، فكما أن للخطيئة سبعة أنواع إذ أنشأها الشيطان نظير سبعة أبواب للجحيم كذلك يوجد فيها سبعة أنواع من العذاب ، لأن المتكبر أي الأشد ترفعا في قلبه سيزج في أسفل دركة مارا في سائر الدركات التي فوقه ومكابدا فيها جميع الآلام الموجودة فيها ، وكما أنه يطلب هنا أن يكون أعظم من الله لأنه يريد أن يفعل ما يعن له مما يخالف ما أمر به الله ولا يعترف بأن أحدا فوقه فهكذا يوضع تحت أقدام الشيطان وشياطينه ، فيدوسونه كما يداس العنب عند صنع الخمر وسيكون أضحوكة وسخرية للشياطين ، والحسود الذي يحتدم غيظا لفلاح قريبه ويتهلل لبلاياه يهبط إلى الدركة السادسة ، وهناك تنهشه أنياب عدد غفير من أفاعي الجحيم ، ويخيل له أن كل الأشياء في الجحيم تبتهج لعذابه وتتأسف لأنه لم يهبط إلى الدركة السابعة ، فلذلك فإن عدل الله يخيل للحسود التعيس ذلك على أعواز الملعونين الفرح كما يخيل للمرء في حلم أن شخصا يرفسه فيتعذب ، تلك هي الغاية التي أمام الحسود التعيس ، ويخيل إليه حيث لا مسرة على الإطلاق أن كل أحد يبتهج لبليته ويتأسف أن التنكيل به لم يكن أشد . أما الطماع فيهبط إلى الدركة الخامسة حيث يلم به فقر مدقع كما ألمّ بصاحب الولائم الغني ، وسيقدم له الشياطين زيادة في عذابه ما يشتهي ، فإذا صار في يديه اختطفته شياطين أخرى بعنف ناطقين بهذه الكلمات : ( اذكر أنك لم تحب أن تعطي لمحبة الله ولذلك فلا يريد الله أن تنال ) ، ما أتعسه من إنسان ، فإنه سيرى نفسه في تلك الحال فيذكر سعة العيش الماضي ويشاهد فاقة الحاضر ، وأنه بالخيرات التي لا يقدر على الحصول عليها حينئذ كان يمكنه أن ينال النعيم الأبدي ! ، أما الدركة الرابعة فيهبط إليها الشهوانيون حيث يكون الذين قد غيروا الطريق التي أعطاهم الله كحنطة مطبوخة في براز الشيطان المحترق ، وهناك تعانقهم الأفاعي الجهنمية ، وأما الذين كانوا قد زنوا بالبغايا فستتحول كل أعمال هذه النجاسة فيهم إلى غشيان جنيات الجحيم اللواتي هن شياطين بصور نساء شعورهن من أفاع وأعينهن كبريت ملتهب وفمهن سام ولسانهن علقم وجسدهن محاط بشصوص مريشة بسنان شبيهة بالتي تصاد بها الأسماك الحمقاء ومخالبهن كمخالب العقبان وأظافرهن أمواس وطبيعة أعضائهن التناسلية نار ، فمع هؤلاء يتمتع الشهوانيون على جمر الجحيم الذي سيكون سريرا لهم ، ويهبط إلى الدركة الثالثة الكسلان الذي لا يشتغل الآن ، هنا تشاد مدن وصروح فخمة ، ولا تكاد تنجز حتى تهدم تواً لأنه ليس فيها حجر موضوع في محله ، فتوضع هذه الحجارة الضخمة على كتفي الكسلان الذي لا يكون مطلق اليدين فيبرد جسده وهو ماش ويخفف الحمل ، لأن الكسل قد أزال قوة ذراعيه ، وساقاه مكبلتان بأفاعي الجحيم ، وأنكى من ذلك أن وراءه الشياطين تدفعه وترمي به الأرض مرات متعددة وهو تحت العبء ، ولا يساعده أحد في رفعه ، بل لما كان أثقل من أن يرفع يوضع عليه مقدار مضاعف . ويهبط إلى الدركة الثانية النهم ، فيكون هناك قحط إلى حد أن لا يوجد شيء يؤكل سوى العقارب الحية والأفاعي الحية التي تعذب عذابا أليما حتى أنهم لو لم يولدوا لكان خيرا لهم من أن يأكلوا مثل هذا الطعام ، وستقدم لهم الشياطين بحسب الظاهر أطعمة شهية ، ولكن لما كانت أيديهم وأرجلهم مغلولة بأغلال من نار لا يقدرون أن يمدوا يدا إذا بدا لهم الطعام ، وأنكى من ذلك أنه لما كانت هذه العقارب نفسها التي يأكلها لتلتهم بطنه غير قادرة على الخروج سريعا فإنها تمزق سوءة النهم ، ومتى خرجت نجسة وقذرة على ما هي عليه تؤكل مرة أخرى ، ويهبط المستشيط غضبا إلى الدركة الأولى حيث يمتهنه كل الشياطين وسائر الملعونين الذين هم أسفل منه مكانا ، فيرفسونه ويضربونه ويضجعونه على الطريق التي يمرون عليها واضعين أقدامهم على عنقه ، ومع هذا فهو غير قادر على المدافعة عن نفسه لأن يديه ورجليه مربوطة ، وأنكى من ذلك أنه غير قادر على إظهار غيظه بإهانة الآخرين لأن لسانه مربوط بشص شبيه بما يستعمله بائع اللحوم ، ففي هذا المكان الملعون يكون عقاب عام يشمل كل الدركات كمزيج من حبوب عديدة يصنع منه رغيف ، لأنه ستتحد بعدل الله النار والجمد والصواعق والبرق والكبريت والحرارة والبرد والريح والجنون والهلع على طريقة لا يخفف فيها البرد الحرارة ولا النار الجليد بل يعذب كل منها الخاطئ التعيس تعذيبا .         ​الفصل السادس والثلاثون بعد المائة    ففي هذه البقعة الملعونة يقيم الكافرون إلى الأبد ، حتى لو فرض أن العالم ملئ حبوب دخن وكان طير واحد يحمل حبة واحدة منها كل مائة سنة إلى انقضاء العالم لسر الكافرون لو كان يتاح لهم بعد انقضائه الذهاب إلى الجنة ، ولكن ليس لهم هذا الأمل إذ ليس لعذابهم من نهاية ، لأنهم لم يريدوا أن يضعوا حدا لخطيئتهم حبا في الله ، أما المؤمنون فسيكون لهم تعزية لأن لعذابهم نهاية ، فذعر التلاميذ لما سمعوا هذا وقالوا : أيذهب إذا المؤمنون إلى الجحيم ؟ ، أجاب يسوع : يتحتم على كل أحد أيا كان أن يذهب إلى الجحيم ، بيد أن ما لا مشاحة فيه أن الأطهار وأنبياء الله إنما يذهبون إلى هناك ليشاهدوا لا ليكابدوا عقابا ، أما الأبرار فإنهم لا يكابدون إلا الخوف ، وماذا أقول ؟ أفيدكم أنه حتى رسول الله يذهب إلى هناك ليشاهد عدل الله ، فترتعد ثمة الجحيم لحضوره ، وبما أنه ذو جسد بشري يرفع العقاب عن كل ذي جسد بشري من المقضي عليهم بالعقاب فيمكث بلا مكابدة عقاب مدة إقامة رسول الله لمشاهدة الجحيم ، ولكنه لا يقيم هناك إلا طرفة عين ، وإنما يفعل الله هذا ليعرف كل مخلوق أنه نال نفعا من رسول الله ، ومتى ذهب إلى هناك ولولت الشياطين وحاولت الاختباء تحت الجمر المتقد قائلا بعضهم لبعض : اهربوا اهربوا فإن عدونا محمد قد أتى ، فمتى سمع الشيطان ذلك يصفع وجهه بكلتا كفيه ويقول صارخا : (( ذلك بالرغم عني لأشرف مني وهذا إنما فعـل ظلمـا )) ، أما ما يختص بالمؤمنين الذين لهم اثنان وسبعون درجة مع أصحاب الدرجتين الأخيرتين الذين كان لهم إيمان بدون أعمال صالحة إذ كان الفريق الأول حزينا على الأعمال الصالحة والآخر مسرورا بالشر ، فسيمكثون جميعا في الجحيم سبعين ألف سنة ، وبعد هذه السنين يجيء الملاك جبريل إلى الجحيم ويسمعهم يقولون : يا محمد أين وعدك لنا أن من كان على دينك لا يمكث في الجحيم إلى الأبد ، فيعود حينئذ ملاك الله إلى الجنة وبعد أن يقترب من رسول الله باحترام يقص عليه ما سمع ، فحينئذ يكلم الرسول الله ويقول : ربي وإلهي أذكر وعدك لي أنا عبدك بأن لا يمكث الذين قبلوا ديني في الجحيم إلى الأبد ، فيجيب الله : أطلب ما تريد يا خليلي لأني أهبك كل ما تطلب . الفصل السابع والثلاثون بعد المائة     فحينئذ يقول رسول الله : يا رب يوجد من المؤمنين في الجحيم من لبث سبعين ألف سنة ، أين رحمتك يا رب ؟ ، إني أضرع إليك يا رب أن تعتقهم من هذه العقوبات المرة ، فيأمر الله حينئذ الملائكة الأربعة المقربين لله أن يذهبوا إلى الجحيم ويخرجوا كل من على دين رسوله ويقودوه إلى الجنة ، وهو ما سيفعلونه ، ويكون من مبلغ جدوى دين رسول الله أن كل من آمن به يذهب إلى الجنة بعد العقوبة التي تكلمت عنها حتى ولو لم يعمل عملا صالحا لأنه مات على دينه . الفصل الثامن والثلاثون بعد المائة     ولما طلع الصباح جاء باكرا رجال المدينة كلهم مع النساء والأطفال إلى البيت الذي كان فيه يسوع وتلاميذه ، وتوسلوا إليه قائلين : يا سيد ارحمنا لأن الديدان قد أكلت في هذه السنة الحبوب ولا نحصل في هذه السنة على خبز في أرضنا ، أجاب يسوع : ما هذا الخوف الذي أنتم فيه ؟ ، ألا تعلمون أن إيليا خادم الله لم ير خبزا مدة اضطهاد أخاب له ثلاث سنين مغتذيا بالبقول والثمار البرية فقط ؟ ، وعاش داود أبونا نبي الله مدة سنتين على الثمار البرية والبقول إذ اضطهده شاول حتى أنه لم يذق الخبز سوى مرتين ، أجاب القوم : إنهم كانوا أيها السيد أنبياء الله يغتذون بالمسرة الروحية ولذلك احتملوا كل شيء ، ولكن ماذا يصيب هؤلاء الصغار ؟ ثم أروه جمهور أطفالهم ، حينئذ تحنن يسوع على شقائهم وقال : كم بقي للحصاد ؟ ، فأجابوا : عشرون يوما ، فقال يسوع : يجب أن ننقطع مدة هذه العشرين يوما للصوم والصلاة لأن الله سيرحمكم ، الحق أقول لكم أن الله قد أحدث هذا القحط لأنه ابتدأ هنا جنون الناس وخطيئة إسرائيل إذ قالوا أنني أنا الله وابن الله ، وبعد أن صاموا تسعة عشر يوما شاهدوا في صباح اليوم العشرين الحقول والهضاب مغطاة بالحنطة اليابسة ، فأسرعوا إلى يسوع وقصوا عليه كل شيء ، فلما سمع يسوع ذلك شكر الله وقال : اذهبوا أيها الإخوة واجمعوا الخبز الذي أعطاكم إياه الله ، فجمع القوم مقدارا وافرا من الحنطة حتى أنهم لم يعرفوا أين يضعوه ، وكان ذلك سبب سعة في إسرائيل ، فتشاور الأهالي لينصبوا يسوع ملكا عليهم ، فلما عرف ذلك هرب منهم ، ولذلك اجتهد التلاميذ خمسة عشر يوما ليجدوه . الفصل التاسع والثلاثون بعد المائة     أما يسوع فوجده الذي يكتب ويعقوب ويوحنا ، فقالوا وهم باكين يا معلم لماذا هربت منا ؟ ، فلقد طلبناك ونحن حزانى بل إن التلاميذ كلهم طلبوك باكين ، فأجاب يسوع : إنما هربت لأني علمت أن جيشا من الشياطين يهيء لي ما سترونه بعد برهة وجيزة ، فسيقوم على رؤساء الكهنة وشيوخ الشعب وسيطلبون أمرا من الحاكم الروماني بقتلي ، لأنهم يخافون أن أغتصب ملك إسرائيل ، وعلاوة على هذا فإن واحدا من تلاميذي يبيعني ويسلمني كما بيع يوسف إلى مصر ، ولكن الله العادل سيوثقه كما يقـول النبي داود : ( من نصب فخا لأخيه وقع فيه ) ، ولكن الله سيخلصني من أيديهم وسينقلني من العالم ، فخاف التلاميذ الثلاثة ، ولكن يسوع عزاهم قائلا : لا تخافوا لأنه لا يسلمني أحد منكم ، فكان لهم بهذا شيء من العزاء ، وجاء في اليوم التالي ستة وثلاثون تلميذا من تلاميذ يسوع مثنى مثنى ، ومكث في دمشق ينتظر الباقين ، وحزن كل منهم لأنهم عرفوا أن يسوع سينصرف من العالم ، لذلك فتح فاه وقال : إن من يسير دون أن يعلم إلى أين يذهب لهو تعيس ، وأتعس منه من هو قادر ويعرف كيف يبلغ نزلا حسنا ومع ذلك يريد أن يمكث في الطريق القذرة والمطر وخطر اللصوص ، قولوا لي أيها الإخوة هل هذا العالم وطننا ؟ لا البتة فان الإنسان الأول طرد إلى العالم منفيا ، فهو يكابد فيه عقوبة خطئه ، أيمكن أن يوجد منفي لا يبالي بالعودة إلى وطنه الغني وقد وجد نفسه في الفاقة ؟ ، حقا إن العقل لينكر ذلك ولكن الإختبار يثبته بالبرهان ، لأن محبي العالم لا يفكرون في الموت ، بل عندما يكلمهم عنه أحد لا يصغون إلى كلامه .   الفصل الأربعون بعد المائة      صدقوني أيها القوم أني جئت إلى العالم بامتياز لم يعط إلى بشر حتى أنه  لم يعط لرسول الله لأن إلهنا لم يخلق الإنسان ليبقيه في العالم بل ليضعه في الجنة ، ومن المحقق أن من لا أمل له أن ينال شيئا من الرومانيين لأنهم من شريعة غريبة عنه لا يريد أن يترك وطنه وكل ما عنده ويذهب ليتوطن رومية على أن لا يعود ، ويكون ميله إلى ذلك أقل جدا إذا هو أغاظ قيصر ، فالحق أقول لكم أنه هكذا يكون وسليمان نبي الله يصرح معي : ( ما أمر ذكراك أيها الموت للذين يتنعمون في ثروتهم )، إني لا أقول هذا لأن علي أن أموت الآن ، وإني عالم باني سأحيا إلى نحو منتهى العالم ، ولكن أكلمكم بهذا لكي تتعلموا كيف تموتون ، لعمر الله إذا أسيء عمل شيء ولو مرة دل على أنه لابد من التمرن عليه إذا أريد اتقانه ، أرأيتم كيف تتمرن الجنود في زمن السلم بعضهم مع بعض كأنهم يتحاربون ؟ ، وكيف يتاح لمن يتعلم كيف يحسن الموت أن يموت ميتة صالحة ، قال النبي داود : ( ثمين في نظر الرب موت الطاهرين ) ، أتدرون لماذا ؟، إني أفيدكم ، إنه لما كانت الأشياء النادرة ثمينة وكان موت الذين يحسنون الموت نادرا كان ثمينا في نظر الله خالقنا ، فمن المؤكد أنه متى شرع المرء في أمر لا يريد أن ينجزه فقط ولكنه يكدح حتى يكون لغرضه نتيجة حسنة ، يا لك من رجل شقي يفضل سراويلاته على نفسه ، لأنه عندما يفصل القماش يقيسه جيدا قبل تفصيله ومتى فصله خاطه بإعتناء ، أما حياته التي ولدت لتموت ـ إذ لا يموت إلا من يولد ـ فلماذا لا يقيسها الإنسان بالموت ؟ ، أرأيتم البنائين كيف لا يضعون حجرا إلا والأساس نصب عيونهم فيقيسونه ليروا إذا كان مستقيما لكيلا يسقط الجدار ؟ ، يا له من رجل تعيس لأن بنيان حياته سيتهدم شر تهدم لأنه لا ينظر إلى أساس الموت . الفصل الحادي والأربعون بعد المائة      قولوا لي كيف يولد الإنسان متى ولد ؟ ، حقا إنه ولد عريانا ، وأي جدوى متى وسِّد ميتا تحت الثرى ؟ ، ليس سوى خرقة يلف بها وهذا هو الجزاء الذي يعطيه إياه العالم ، فإذا كان يجب في كل عمل أن تكون الوسيلة على نسبة البداية والنهاية ليمكن إيصال العمل إلى نهاية حسنة فما عسى أن تكون نهاية الإنسان الذي يشتهي الثروة العالمية ؟ ، إنه ليموت كما يقول داود نبي الله : ( إن الخاطئ ليموتن شر ميتة ) ، إذا حاول خياط أن يدخل جذوعا في سم إبرة بدلا من خيط فما يكون مصير عمله ، إنه ليحاول عبثا وجيرانه يزدرون به ، فالإنسان لا يرى أنه فاعل هذا على الدوام وهو يجمع الخيرات الأرضية ، لأن الموت هو الإبرة التي لا يمكن إدخال جذوع الخيرات الأرضية في سمها ، ومع ذلك فهو بجنونه يحاول على الدوام أن يفلح في عمله ولكن عبثا ، ومن لا يصدق هذا في كلامي فليتفرس في القبور لأنه هناك يجد الحق ، فمتى أراد أن يبرز في الحكمة على من سواه في خوف فليطالع كتاب القبر ، لأنه هناك يجد التعليم الحقيقي لخلاصه ، فإنه متى رأى أن جسد الإنسان يحفظ ليكون طعاما للديدان تعلَّم أن يحذر العالم والجسد والحس ، قولوا لي إذا كان هناك طريق على حال يكون إذا سار معها المرء في الوسط سار آمنا فإذا سار على الجانبين شج رأسه ، فماذا تقولون إذا رأيتم الناس يختصمون ويتبارون ليكونوا أقرب إلى الجانب ويقتلوا أنفسهم ؟ ، ما أشد ما يكون عجبكم ! حقا إنكم تقولون : إنهم لمعتوهون ومجانين وإنهم إذا لم يكونوا مجانين فإنما هم بائسون ، أجاب التلاميذ : إن ذلك لصحيح ، حينئذ بكى يسوع وقال : إن عشاق العالم إنما هم لكذلك ، لأنهم لو عاشوا بحسب العقل الذي اتخذ موضعا متوسطا في الإنسان لإتبعوا شريعة الله وخلصوا من الموت الأبدي ، ولكنهم جنُّوا وأصبحوا أعداءا عتاة لأنفسهم لأنهم يتبعون الجسد والعالم مجتهدين في أن يعيش كل منهم أشد غطرسة وفجورا من الآخر . الفصل الثاني والأربعون بعد المائة     لما رأى يهوذا الخائن أن يسوع قد هرب يئس من أن يصير عظيما في العالم ، لأنه كان يحمل كيس يسوع حيث كان يحفظ فيه كل ما كان يعطى له حبا في الله ، فهو قد رجا أن يصير يسوع ملكا على إسرائيل وأنه هو نفسه يصبح رجلا عزيزا ، فلما فقد هذا الرجاء قال في نفسه : لو كان هذا الرجل نبيا لعرف أني أختلس نقوده ولكان حنق وطردني من خدمته إذ يعلم أني لا أؤمن به ، ولو كان حكيما لما هرب من المجد الذي يريد الله أن يعطيه إياه ، فالأجدر بي إذاً أن أتفق مع رؤساء الكهنة والكتبة والفريسيين ونرى كيف أسلمه إلى أيديهم فبهذا أتمكن من تحصيل شيء من النفع ، فبعد أن عقد النية أخبر الكتبة والفريسيين عما حدث في نايين ، فتشاوروا مع رئيس الكهنة قائلين : ( ماذا نفعل لو صار هذا الرجل ملكا ؟ ، حقا إن ذلك يكون وبالا علينا فإنه يريد أن يصلح عبادة الله على حسب السنة القديمة ، لأنه لا يقدر أن يبطل تقاليدنا ، فكيف يكون مصيرنا تحت سلطان رجل هكذا ؟ ، حقا إننا نهلك نحن وأولادنا لأننا إذا طردنا من وظيفتنا اضطررنا أن نستعطي خبزنا ، أما الآن فالحمد لله لنا ملك ووال أجنبيان عن شريعتنا ولا يباليان بشريعتنا كما لا نبالي نحن بشريعتهم ، ولذلك نقدر أن نفعل كل ما نريد ، فإن أخطأنا فإن إلهنا رحيم يمكن استرضاؤه بالضحية والصوم ، ولكن إذا صار هذا الرجل ملكا فلن يسترضى إلا إذا رأى عبادة الله كما كتب موسى ، وأنكى من ذلك أنه يقول أن مسيا لا يأتي من نسل داود (( كما قال لنا أحد تلاميذه الأخصـاء )) بل يقول أنه يأتي من نسل اسماعيل ، وأن الموعد صنع بإسماعيل لا بإسحاق ، فماذا يكون الثمر إذا تركنا هذا الإنسان يعيش ؟ ، من المؤكد أن الإسماعليين يصيرون ذوي وجاهة عند الرومانيين فيعطونهم بلادنا ملكا ، وهكذا يصير إسرائيل عرضة للعبودية كما كان قديما ) ، فلما سمع رئيس الكهنة هذا الرأي أجاب إنه يجب أن يتفق مع هيرودس والوالي ، لأن الشعب كثير الميل إليه حتى أنه لا يمكننا إجراء شيء بدون الجند ، وإن شاء الله نتمكن بواسطة الجند من القيام بهذا العمل ، فبعد أن تشاوروا فيما بينهم على إمساكه ليلا متى رضي الوالي وهيرودس بذلك . الفصل الثالث والأربعون بعد المائة     وجاء حينئذ بمشيئة الله كل التلاميذ إلى دمشق ، وتظاهر في ذلك اليوم يهوذا الخائن أكثر من غيره بمكابدة الحزن على غياب يسوع ، لذلك قال يسوع : ليحذر كل أحد من يحاول بدون سبب أن يقيم لك دلائل الحب ، وأخذ الله بصيرتنا حتى لا نعلم لأي غرض قال هذا ، وبعد مجيء كل التلاميذ قال يسوع : لنرجع إلى الجليل لأن ملاك الله (( قال ؟ )) لي أنه يجب علي أن أذهب إلى هناك ، وعليه جاء يسوع إلى الناصرة في صباح يوم سبت ، فلما تبين الأهالي أنه يسوع أحب كل أحد أن يراه ، حتى أن عشارا اسمه زكا كان قصير القامة بحيث لا يقدر أن يرى يسوع مع كثرة الجمع فتسلق جميزة حتى رأسها ، وتربص هناك حتى يمر يسوع في ذلك المكان وهو ذاهب إلى المجمع ، فلما بلغ يسوع ذلك الموضع رفع عينيه وقال : انزل يا زكا لأني سأقيم في بيتك ، فنـزل الرجل وقبَّله بفرح وصنع وليمة عظيمة ، فتذمر الفريسيون قائلين لتلاميذ يسوع : لماذا ذهب معلمكم ليأكل مع عشارين وخطاة ؟ ، أجاب يسوع : لأي سبب يذهب الطبيب إلى بيت المريض ؟ ، قولوا لي أقل لكم لماذا ذهبت إلى هناك ، أجابوا : ليشفي المرض ، أجاب يسوع : فقد قلتم الحق فإنه لا حاجة بالأصحاء إلى طبيب بل المرضى فقط . الفصل الرابع والأربعون بعد المائة     لعمر الله الذي تقف نفسي في حضرته أن الله يرسل أنبياءه وخدامه إلى العالم ليتوب الخطاة ، ولا يرسلهم لأجل الأبرار لأنه ليس بهم حاجة إلى التوبة كما أنه لا حاجة بمن كان نظيفا إلى الحمام ، ولكن الحق أقول لكم لو كنتم فريسيين حقيقيين لسررتم بدخولي على الخطاة لخلاصهم ، قولوا لي أتعرفون منشأكم ولماذا ابتدأ العالم يقبل الفريسيين ؟ ، إني لأقول لكم أنكم لا تعرفونه ، فأصيخوا لإستماع كلامي ، إن أخنوخ خليل الله الذي صار مع الله بالحق غير مكترث بالعالم نقل إلى الفردوس ، وهو يقيم هناك إلى الدينونة ( لأنه متى اقتربت نهاية العالم يرجع إلى العالم مع إيليا وآخر ) ، فلما علم الناس بذلك شرعوا يطلبون الله خالقهم طمعا في الفردوس ، لأن معنى الفردوس بالحرف في لغة الكنعانيين (( يطلب الله )) ، لأنه هناك ابتدأ هذا الاسم على سبيل الاستهزاء بالصالحين ، لأن الكنعانيين كانوا منغمسين في عبادة الأصنام التي هي عبادة أيد بشرية ، وعليه كان الكنعانيون عندما يرون أحدا ممن كان منفصلا من شعبنا عن العالم ليخدم الله قالوا سخرية فريس أي (( يطلب الله )) ، كأنهم يقولون أيها المجنون ليس لك تماثيل من أصنام فإنك تعبد الريح فانظر إلى عقباك واعبد آلهتنا ، فقال يسوع : الحق أقول لكم أن كل قديسي الله وأنبيائه كانوا فريسيين لا بالإسم مثلكم بل بالفعل نفسه ، لأنهم في كل أعمالهم طلبوا الله خالقهم وهجروا مدنهم ومقتنياتهم حبا في الله فباعوها وأعطوها للفقراء حبا في الله . الفصل الخامس والأربعون بعد المائة     لعمر الله لقد كان في زمن إيليا خليل الله ونبيه إثنا عشر جبلا يقطنها سبعة عشر ألف فريسي ، ولم يكن بين هذا العدد الغفير منبوذ واحد بل كانوا جميعا مختاري الله ، أما الآن وفي إسرائيل أكثر من مائة ألف فريسي فعسى أن شاء الله أن يوجد بين كل ألف مختار واحد ، فأجاب الفريسيون بحنق : أنحن إذا جميعا منبوذون وتجعل ديانتنا منبوذة ؟ ، أجاب يسوع : إني لا أحسب ديانة الفريسيين الحقيقيين منبوذة بل ممدوحة وإني مستعد أن أموت لأجلها ، ولكن تعالوا ننظر هل أنتم فريسيون ؟ ، إن إيليا خليل الله كتب إجابة لتضرع تلميذه اليشع كتيبا أودع فيه الحكمة البشرية مع شريعة الله أبينا ، فتحير الفريسيون لما سمعوا اسم كتاب إيليا لأنهم عرفوا بتقليداتهم أن لا أحد حفظ هذا التعليم ، لذلك أرادوا أن ينصرفوا بحجة أشغال يجب قضاؤها ، حينئذ قال يسوع : لو كنتم فريسيين لتركتم كل شغل ولاحظتم هذا لأن الفريسي إنما يطلب الله وحده ، لذلك تأخروا بإرتباك ليصغوا إلى يسوع الذي عاد فقال ، ( إيليا عبد الله ) لأنه هكذا يبتدئ الكتيب ( يكتب هذا لجميع الذين يبتغون أن يسيروا مع الله خالقهم ، إن من يحب أن يتعلم كثيرا يخاف الله قليلا ، لأن من يخاف الله يقنع بأن يعرف ما يريده الله فقط ، إن من يطلب كلاما مزوقا لا يطلب الله الذي لا يفعل إلا توبيخ خطايانا ، على من يشتهون أن يطلبوا الله أن يحكموا إقفال أبواب بيتهم وشبابيكه ، لأن السيد لا يرضى أن يوجد خارج بيته حيث لا يحب ، فاحرسوا مشاعركم واحرسوا قلبكم لأن الله لا يوجد خارجا عنا في هذا العالم الذي يكرهه ، على من يريدون أن يعملوا أعمالا صالحة أن يلاحظوا أنفسهم لأنه لا يجدي المرء نفعا أن يربح كل العالم ويخسر نفسه ، على من يريدون تعليم الآخرين أن يعيشوا أفضل من الآخرين لأنه لا يستفاد شيء ممن يعرف أقل منا نحن ، فكيف إذاً يصلح الخاطئ حياته وهو يسمع من هو شر منه يعلمه . على من يطلبون الله أن يهرب من محادثة البشر ، لأن موسى لما كان وحده على جبل سينا وجد الله وكلمه كما يكلم الخليل خليله ، على من يطلبون الله أن يخرجوا مرة كل ثلاثين يوما إلى حيث يكون أهل العالم ، لأنه يمكن أن يعمل في يوم واحد أعمال سنتين من خصوص شغل الذي يطلب الله ، عليه متى تكلم أن لا ينظر إلا إلى قدميه ، عليه متى تكلم أن لا يقول إلا ما كان ضروريا ، عليهم متى أكلوا أن يقوموا عن المائدة وهم دون الشبع ، مفكرين كل يوم أنهم لا يبلغون اليوم التالي ، وصارفين وقتهم كما يتنفس المرء ، ليكن ثوب واحد من جلد الحيوانات كافيا ، على كتلة التراب أن تنام على الأديم ، ليكف كل ليلة ساعتان من النوم ، عليه أن لا يبغض أحدا إلا نفسه ، عليهم أن يكونوا واقفين أثناء الصلاة بخوف كأنهم أمام الدينونة الآتية فافعلوا إذاً هذا في خدمة الله مع الشريعة التي أعطاكم إياها الله على يد موسى ، لأنه بهذه الطريقة تجدون الله ، وأنكم ستشعرون في كل زمان ومكان أنكم في الله وأن الله فيكم ، هذا كتيب إيليا أيها الفريسيون لذلك أعود فأقول لكم لو كنتم فريسيين لسررتم بدخولي هنا لأن الله يرحم الخطاة . الفصل السادس والأربعون بعد المائة     فقال حينئذ زكا : يا سيد انظر فاني أعطى حبا في الله أربعة أضعاف ما أخذت بالربا ، حينئذ قال يسوع : اليوم حصل خلاص لهذا البيت ، حقا حقا إن كثيرين من العشارين والزواني والخطاة سيمضون إلى ملكوت الله ، وسيمضي الذين يحسبون أنفسهم أبرارا إلى اللهب الأبدية ، فلما سمع الفريسيون هذا انصرفوا حانقين ، ثم قال يسوع للذين تحولوا إلى التوبة ولتلاميذه : كان لأب ابنان فقال أصغرهما : ( يا أبت أعطني نصيبي من المال ) فأعطاه أبوه إياه ، فلما أخذ نصيبه انصرف وذهب إلى كورة بعيدة حيث بذر كل ماله على الزانيات بإسراف ، فحدث بعد ذلك جوع شديد في تلك الكورة حتى إن الرجل التعيس ذهب ليخدم أحد الأهالي فجعله راعيا للخنازير في ملكه ، وكان وهو يرعاها يخفف جوعه بأكل ثمر البلوط مع الخنازير ، ولكنه لما رجع إلى نفسه قال : ( كم في بيت أبي من سعة العيش وأنا أهلك هنا جوعا ، لذلك فلأقم ولأذهب إلى أبي وأقل له : ( يا أبت أخطأت في السماء إليك فاجعلني كأحد خدمك ) ، فذهب المسكين وحدث أن أباه رآه قادما من بعيد فتحنن عليه فذهب لملاقاته ولما وصل إليه عانقه وقبله ، فانحنى الإبن أمام أبيه قائلا : ( يا أبت لقد أخطأت في السماء إليك فاجعلني كأحد خدمك لأني لست مستحقا أن أدعى ابنك ) ، أجاب الأب : ( لا تقل يا بني هكذا فأنت ابني ولا أسمح أن تكون عبدا لي ) ، ثم دعا خدمه وقال: ( أخرجوا الحلل وألبسوا ابني إياها وأعطوه سراويل جديدة ، اجعلوا الخاتم في إصبعه ، واذبحوا حالا العجل المسمن فنطرب ، لأن ابني هذا كان ميتا فعاش وكان ضالا فوجد ) . الفصل السابع والأربعون بعد المائة     وبينما كانوا يطربون في البيت وإذا بالبكر جاء إلى البيت ، فلما سمعهم يطربون في الداخل تعجب ، فدعا أحد الخدم وسأله لماذا كانوا في مثل هذا الطرب ، أجاب الخادم : (لقد جاء أخوك فذبح له أبوك العجل المسمن وهم في طرب ) ، فلما سمع البكر هذا تغيظ غيظا شديدا ولم يدخل البيت ، فخرج أبوه إليه وقال له : ( يا بني لقد جاء أخوك فتعال إذا وافرح معه ) ، أجاب الإبن بغيظ : ( لقد خدمتك خير خدمة فلم تعطني قط حملا لأفرح مع أصدقائي ، ولكن لما جاء هذا الخسيس الذي انصرف عنك مبذرا نصيبه كله على الزانيات ذبحت العجل المسمن ) ، أجاب الأب : ( يا بني أنت معي في كل حين وكل مالي فهو لك ولكن هذا كان ميتا فعاش وكان ضالا فوجد ) ، فازداد الكبير غضبا وقال : ( اذهب وفز فاني لا آكل على مائدة زناة ) ، وانصرف عن أبيه دون أن يأخذ قطعة واحدة من النقود ، ثم قال يسوع : لعمر الله هكذا يكون فرح بين ملائكة الله بخاطئ واحد يتوب ، ولما أكلوا انصرف لأنه يريد أن يذهب إلى اليهودية ، فقال من ثم التلاميذ : يا معلم لا تذهب إلى اليهودية لأننا نعلم أن الفريسيين قد ائتمروا مع رئيس الكهنة بك ، أجاب يسوع: إني علمت بذلك قبل أن فعلوه ، ولكن لا أخاف لأنهم لا يقدرون أن يفعلوا شيئا مضادا لمشيئة الله فليفعلوا كل ما يرغبون ، فإني لا أخافهم بل أخاف الله . الفصل الثامن والأربعون بعد المائة     ألا قولوا لي هل فريسيو اليوم فريسيون ؟ ، هل هم خدم الله ؟ ، لا لا البتة ، بل الحق أقول لكم أنه لا يوجد هنا على الأرض شر من أن يستر الإنسان نفسه بالعلم ووشاح الدين ليخفي خبثه ، إني أقص عليكم مثالا واحدا من فريسي الزمان القديم لكي تعرفوا الحاضرين منهم ، بعد سفر إيليا تشتت شمل طائفة الفريسيين بسبب الاضطهاد العظيم من عبدة الأصنام ، لأنه ذبح في زمن إيليا نفسه في سنة واحدة عشرة آلاف نبي ونيف من الفريسيين الحقيقيين ، فذهب فريسيان إلى الجبال ليقطنا هناك ، ولبث أحدهما خمس عشرة سنة لا يعرف شيئا عن جاره مع أن أحدهما كان على بعد ساعة واحدة عن الآخر ، فانظروا إذا كانا طفيليين ، فحدث في هذه الجبال قيظ فشرعا من ثم كلاهما يفتشان على ماء فالتقيا ، فقال هناك الأكبر منهما ـ لأنه كان من عادتهم أن يتكلم الأكبر قبل كل أحد غيره وإذا تكلم شاب قبل شيخ حسبوا ذلك خطيئة كبرى ـ : ( أين تسكن أيها الأخ ؟ ) ، فأجاب مشيرا بإصبعه إلى المسكن : ( ههنا أسكن ) لأنهما كانا قريبين من مسكن الأصغر ، فقال الأكبر : ( لعلك أتيت لما قتل أخاب أنبياء الله ؟ ) ، أجاب الأصغر: ( إنه لكذلك ) ، قـال الأكبر : ( أتعلم أيها الأخ من هو الملك على إسـرائيل الآن ؟ ) ، فأجاب الأصغر: ( إن الله هو ملك إسرائيل لأن عبدة الأصنام ليسوا ملوكا بل مضطهدين لإسرائيل ) ، قال الأكبر : ( إن هذا صحيح ولكن أردت أن أقول من هو الذي يضطهد إسرائيل الآن ) ، أجاب الأصغر: ( إن خطايا إسرائيل تضطهد إسرائيل لأنهم لو لم يخطئوا لم يسلط الله على إسرائيل العظماء عبدة الأصنام ، فقال حينئذ الأكبر : ( من هو ذلك العظيم الكافر الذي أرسله الله لتأديب إسرائيل ) ؟ أجاب الأصغر : (كيف يمكن أن أعرف وأنا لم أر إنسانا مدة هذه الخمس عشرة سنة سواك وأجهل القراءة فلا ترسل إلي رسائل ؟ ) ، قال الأكبر : ( ما أجد جلود الغنم التي عليك فإذا كنت لم تر إنسانا فمن أعطاك إياها ؟ ) . الفصل التاسع والأربعون بعد المائة     أجاب الأصغر : ( إن من حفظ ثياب شعب إسرائيل جديدة أربعين سنة في البرية حفظ جلودي كما ترى ، حينئذ لاحظ الأكبر أن الأصغر كان أكبر منه لأنه كان أكمل منه لأنه كان كل سنة يختلط بالناس ، ولذلك قال لكي يظفر بمحادثته : ( أيها الأخ إنك لا تعرف القراءة وأنا أعرف القراءة وعندي في بيتي مزامير داود ، فتعال إذا لأعطيك كل يوم قراءة وأوضح لك ما يقول داود ) ، أجاب الأصغر: ( لنذهب الآن ) ، قال الأكبر : ( أيها الأخ إنني منذ يومين لم أشرب ماء فلنفتش إذاً على قليل من الماء ) ، قال الأصغر : ( أيها الأخ منذ شهرين لم أشرب ماء فلنذهب إذا ونرى ماذا يقول الله على لسان نبيه داود ، إن الله لقادر على أن يعطينا ماء ) ، فعادوا من ثم إلى مسكن الأكبر فوجدوا على بابه ينبوعا من ماء عذب ، قال الأكبر : ( إنك أيها الأخ قدوس الله لأنه من أجلك قد أعطى هذا الينبوع ) ، أجاب الأصغر : ( إنك أيها الأخ تقول هذا تواضعا ، ولكن من المؤكد أنه لو فعل الله هذا من أجلي لكان صنع ينبوعا قريبا من مسكني حتى لا أنصرف للتفتيش عليه ، فإني اعترف لك بأني أخطأت إليك لما قلت أنك منذ يومين لم تشرب وكنت تفتش على الماء ، أما أنا فإني بقيت شهرين دون شرب ولذلك شعرت بإعجاب فيّ كأني أفضل منك ) ، قال الأكبر : ( أيها الأخ إنك قلت الصحيح ولذلك لم تخطئ ) ، قال الأصغر : ( إنك قد نسيت أيها الأخ ما قال أبونا إيليا أن من يطلب الله يجب أن يحكم على نفسه فقط ، ومن المؤكد أنه قال هذا لا لنعرفه بل لنعمل به ) ، وبعد أن لاحظ الأكبر سنا صدق وبرارة رفيقه قال : ( إنه لصحيح غفر لك إلهنا )، وبعد أن هذا أخذ المزامير وقرأ ما يقول أبونا داود : ( إني أضع حارسا لفمي حتى لا يميل قلبي إلى كلمات الإثم منتحلا عذرا عن خطاياي ) ، وهنا ألقى الشيخ خطابا على اللسان وانصرف الأصغر ، فلبثا من ثم خمس عشرة سنة أخرى حتى التقيا لأن الأصغر غيّر مسكنه ، لذلك عندما عاد الأكبر فلقيه قال : ( لماذا لم ترجع أيها الأخ إلى مسكني ؟ ) ، أجاب الأصغر : ( لأني لم أتعلم جيدا حتى الآن ما قلته لي ) ، فقـال الأكبر : ( كيف يمكن ذلك وقد مرت الآن خمس عشرة سنة ) ، أجاب الأصغر : ( أما الكلمات فقد تعلمتها في ساعة واحدة ولم أنسها قط ولكني حتى الآن لم أحفظها ، فما الفائدة من أن يتعلم المرء كثيرا جدا ولا يحفظه ؟ ، إن الله لا يطلب أن تكون بصيرتنا جيدة بل قلبنا ، وهكذا لا يسألنا في يوم الدينونة عما تعلمنا بل عما عملنا ) . الفصل المائة والخمسون     أجاب الأكبر : ( لا تقل هكذا أيها الأخ لأنك إنما تحتقر المعرفة التي يريد الله أن تعتبر ) ، أجاب الأصغر : ( فكيف أتكلم إذاً حتى لا أقع في الخطيئة ، لأن كلمتك صادقة وكلمتي أيضا ، أقول إذا أن من يعرف وصايا الله المكتوبة في الشريعة يجب عليه العمل بهذه أولا إذا أحب أن يتعلم بعد ذلك أكثر ، وليكن كل ما يتعلمه الإنسان للعمل لا لمجرد العلم به ، أجاب الأكبر : ( قل لي أيها الأخ مع من تكلمت لتعلم أنك لم تتعلم كل ما قلته ؟ ) ، أجاب الأصغر : ( إني أتكلم أيها الأخ مع نفسي ، إني أضع كل يوم نفسي أمام دينونة الله لأعطي حسابا عن نفسي ، وأشعر على الدوام في داخلي بمن يوبخ ذنوبي ) ، قال الأكبر : ( ما هي ذنوبك أيها الأخ الذي هو كامل ؟ ) ، أجاب الأصغر : ( لا تقل هذا لأني واقف بين ذنبين كبيرين ، الأول أني لا أعرف نفسي إني أعظم الخطاة ، الثاني لا أرغب في مجاهدة النفس لذلك أكثر من الآخرين ) ، أجاب الأكبر : (كيف تعلم أنك أعظم الخطاة إذا كنت أكمل الناس ؟ ) أجاب الأصغر : ( إن الكلمة الأولى التي قالها لي معلمي عندما لبست لباس الفريسيين هي أنه يجب علي أن أفكر في خير غيري وفي إثمي فإذا فعلت هذا عرفت أنني أعظم الخطاة ) ، قال الأكبر : ( في خير من وذنب من تفكر وأنت على هذه الجبال فإنه لا يوجد بشر هنا ؟ ) ، أجاب الأصغر : ( يجب على أن أفكر في طاعة الشمس والسيارات ، لأنها تعبد خالقها أفضل مني ، ولكني أحكم عليها إما لأنها لا تعطي نورا كما أرغب أو لأن حرارتها أكثر مما ينبغي أو لأنه يوجد مطر أقل أو أكثر مما تحتاج الأرض ) ، فلما سمع الأكبر هذا قال : ( أيها الأخ أين تعلمت هذا التعليم ؟ ) ، فإني أنا الآن ابن تسعين سنة صرفت منها خمسا وسبعين سنة وأنا فريسي ؟ ) أجاب الأصغر : ( أيها الأخ انك تقول هذا تواضعا لأنك قدوس الله ، ولكن أجيبك بأن الله خالقنا لا ينظر إلى الوقت بل ينظر إلى القلب ، لذلك لما كان داود ابن خمس عشرة سنة وهو أصغر إخوته الستة انتخبه إسرائيل ملكا وصار نبي الله ربنا . الفصل الحادي والخمسون بعد المائة     وقال يسوع لتلاميذه : لقد كان الرجل فريسيا حقيقيا ، وإن شاء الله أمكنا أن نأخذه يوم الدين صديقا لنا ، ثم دخل يسوع إلى سفينة وأسف تلاميذه لأنهم نسوا أن يحضروا خبزا ، فانتهرهم يسوع قائلا : احذروا من خمير فريسي يومنا لأن خميرة صغيرة تخمر كيلة من الدقيق ، حينئذ قال التلاميذ بعضهم لبعض : أي خمير معنا إذ لم يكن معنا خبز ؟ ، فقال يسوع : يا قليلي الإيمان أنسيتم إذا ما فعل الله في نايين حيث لم يكن أدنى دليل على الحنطة ؟ ، وكم عدد الذين أكلوا وشبعوا من خمسة أرغفة وسمكتين ؟ ، إن خمير الفريسي هو عدم الإيمان بالله بل قد أفسد إسرائيل ، لأن السذج لما كانوا أميين يفعلون ما يرون الفريسيين يفعلونه لأنهم يحسبونهم أطهارا ، أتعلمون ما هو الفريسي الحقيقي ؟ ، هو زيت الطبيعة البشرية ، لأن الزيت كما يطفو فوق كل سائل هكذا تطفو جودة كل فريسي حقيقي فوق كل صلاح بشري ، هو كتاب حي يمنحه الله للعالم ، كل ما يقوله أو يفعله إنما هو بحسب شريعة الله ، فمن يفعل كما يفعل فهو يحفظ شريعة الله ، إن الفريسي الحقيقي ملح لا يدع الجسد البشري ينتن بالخطيئة ، لأن كل من يراه يتوب إنه نور ينير طريق السائح لأن كل من يتأمل فقره مع توبته يرى أنه لا يجب علينا في هذا العالم أن نغلق قلوبنا ، ولكن من يجعل الزيت زنخا ويفسد الكتاب ويجعل الملح منتنا ويطفئ النور فهذا الرجل فريسي كاذب ، فإذا كنتم لا تريدون أن تهلكوا فاحذروا أن تفعلوا كما يفعل الفريسيون اليوم . الفصل الثاني والخمسون بعد المائة     فلما جاء يسوع إلى أورشليم ودخل الهيكل يوم سبت اقترب الجنود ليجربوه ويأخذوه ، وقالوا : يا معلم أيجوز إصلاء الحرب ؟ ، أجاب يسوع : إن ديننا يخبرنا أن حياتنا حرب عوان على الأرض ، قال الجنود : أفتريد إذاً أن تحولنا إلى دينك أو تريد أن نترك جم الآلهة ( فإن لرومية وحدها ثمانية وعشرين ألف إله منظور ) وأن نتبع إلهك الأحد ، ولما كان لا يرى فهو لا يعلم أين مقره ، وقد لا يكون سوى باطل ، أجاب يسوع : لو كنت خلقتكم كما خلقكم إلهنا لحاولت تغييركم ، أجابوا : إذا كان لا يعلم أين إلهك فكيف خلقنا ؟ ، أرنا إلهك نكن يهودا ، فقال حينئذ يسوع : لو كان لكم عيون لأريتكم إياه ولكن لما كنتم عميانا فلست بقادر على أن أريكم إياه ، أجاب الجنود : حقا لا بد أن يكون الإكرام الذي يقدمه لك الشعب قد سلبك عقلك لأن لكل منا عينين في رأسه وأنت تقول أننا عميان ، أجاب يسوع : إن العيون الجسدية لا تبصر إلا الكثيف والخارجي ، فلا تقدرون من ثم إلا على رؤية آلهتكم الخشبية والفضية والذهبية التي لا تقدر أن تفعل شيئا ، أما نحن أهل يهوذا فلنا عيون روحية هي خوف إلهنا ودينه ، ولذلك لا يمكن لنا رؤية إلهنا في كل مكان ، أجاب الجنود : احذر كيف تتكلم لأنك إذا صببت احتقارا على آلهتنا سلمناك إلى يد هيرودس الذي ينتقم لآلهتنا القادرة على كل شيء . أجاب يسوع : إن كانت قادرة على كل شيء كما تقولون فعفوا لأني سأعبدها ، ففرح الجنود لما سمعوا هذا وأخذوا يمجدون أصنامهم ، فقال حينئذ يسوع : لا حاجة بنا هنا إلى الكلام بل إلى الأعمال ، فاطلبوا لذلك من آلهتكم أن تخلق ذبابة واحدة فأعبدها ، فراع الجنود سماع هذا ولم يدروا ما يقولون ، فقال من ثم يسوع : إذا كانت لا تقدر أن تصنع ذبابة واحدة جديدة فاني لا أترك لأجلها ذلك الإله الذي خلق كل شيء بكلمة واحدة الذي مجرد اسمه يروع جيوشا ، أجاب الجنود : لنرى هذا لأننا نريد أن نأخذك وأرادوا أن يمدوا أيديهم إلى يسوع ، فقال حينئذ يسوع : (( ادوناي صباءوت ! )) ، ففي الحال تدحرجت الجنود من الهيكل كما يدحرج المرء براميل من خشب غسلت لتملأ ثانية خمرا ، فكانوا يلتطمون بالأرض تارة برأسهم وطورا بأرجلهم وذلك دون أن يمسهم أحد ، فارتاعوا وأسرعوا إلى الهرب ولم يعودوا يروا في اليهودية قط . الفصل الثالث والخمسون بعد المائة     فتذمر الكهنة والفريسيون فيما بينهم ، وقالوا لقد أوتي حكمة بعل وعشتاروت فهو إنما فعل هذا بقوة الشيطان ، ففتح يسوع فاه وقال : لقد أمر إلهنا أن لا نسرق قريبنا ، ولكن قد انتهكت حرمة هذه الوصية حتى أنها ملأت العالم خطيئة لا تغفر كما تغفر الخطايا الأخرى ، لأنه إذا ندب المرء الخطايا الأخرى ولم يعد إلى ارتكابها فيما بعد وصام مع الصلاة والتصدق صفح إلهنا القدير الرحيم ، ولكن هذه الخطيئة من نوع لا يمكن غفرانه إلا  إذا ردّ ما أخذ ظلما ، فقال حينئذ أحد الكتبة : كيف ملأت السرقة العالم كله خطيئة ؟ ، حقا إنه لا يوجد الآن بنعمة الله سوى النزر القليل من اللصوص وهم لا يجرءون على الظهور لأن الجنود تشنقهم حالا ، أجاب يسوع : من لا يعرف الأموال لا يقدرون أن يعرفوا اللصوص ، بل أقول لكم الحق أن كثيرين يسرقون وهم لا يدرون ما يفعلون ، ولذلك كانوا أعظم خطيئة من الآخرين لأن المرض الذي لا يعرف لا يشفى ، فدنا حينئذ الفريسيون من يسوع وقالوا : يا معلم إذا كنت أنت وحدك في إسرائيل تعرف الحق فعلمنا ، فأجاب يسوع : إني لا أقول أني أنا وحدي في إسرائيل أعرف الحق لأن هذه اللفظة (( وحدك )) تختص بالله وحده لا بغيره ، لأنه هو الحق الذي وحده يعرف الحق ، فإذا قلت هكذا صرت لصا أعظم لأني أكون قد سرقت مجد الله، وإن قلت أني وحدي عرفت الله وقعت في جهل أعظم من الجميع ، وعليه فإنكم قد ارتكبتم خطيئة فظيعة بقولكم أني وحدي أعرف الحق ، ثم أقول إنكم إذا قلتم هذا لتجربوني فخطيئتكم أعظم مرتين ، فلما رأى يسوع أن الجميع صمتوا عاد : مع أني لست الوحيد في إسرائيل الذي يعرف الحق فإني وحدي أتكلم ، فأصيخوا السمع لي لأنكم قد سألتموني ، إن كل المخلوقات خاصة بالخالق حتى أنه لا يحق لشيء أن يدعي شيئا ، وعليه فإن النفس والحس والجسد والوقت والمال والمجد جميعها ملك الله ، فإذا لم يقبلها الإنسان كما يريد الله أصبح لصا ، وكذلك إذا صرفها مخالفا لما يريده الله فهو أيضا لص ، لذلك أقول لكم لعمر الله الذي تقف نفسي في حضرته إنكم عندما تسوفون قائلين : سأفعل غدا كذا سأقول كذا سأذهب إلى الموضع الفلاني دون أن تقولوا إن شاء الله فأنتم لصوص ، وتكونون أعظم لصوصية إذا صرفتم أفضل وقتكم في مرضاة أنفسكم دون مرضاة الله بل تصرفون أرداه في خدمة الله ، لأنتم إذاً بالحق لصوص ، كل من يرتكب الخطيئة مهما كان زيه فهو لص ، لأنه يسرق النفس والوقت وحياته التي يجب أن تخدم الله ويعطيها للشيطان عدو الله . الفصل الرابع والخمسون بعد المائة     فالرجل الذي له شرف وحياة ومال إذا سرقت أمواله شنق السارق وإذا أخذت حياته قطع رأس القاتل ، وهو عدل الله لأن الله أمر بذلك ، ولكن متى أخذ شرف قريب فلماذا لا يصلب السارق ؟ ، هل المال أفضل من الشرف ؟ ، أأمر الله مثلا أن من يقاص بأخذ المال ومن يأخذ الحياة مع المال يقاص ولكن من يأخذ الشرف يسرح ! ، لا لا البتة ، لأن آباءنا بسبب تذمرهم لم يدخلوا أرض الموعد بل ابناؤهم ، ولهذه الخطيئة قتلت الأفاعي نحو سبعين ألفا من شعبنا ، لعمر الله الذي تقف نفسي في حضرته أن من يسرق الشرف يستحق عقوبة أعظم ممن يسرق رجلا ماله وحياته ، ومن يصغي إلى المتذمر فهو مذنب أيضا لأن أحدهما يقبل الشيطان بلسانه والآخر من أذنيه ، فلما سمع الفريسيون هذا احتدموا غيظا لأنهم لم يقدروا أن يخطئوا خطابه ، فدنا حينئذ أحد العلماء من يسوع : أيها المعلم الصالح قل لي لماذا لم يهب الله أبوينا حنطة وثمرا ، فإنه إذا كان يعلم أنه لا بد من سقوطهما فمن المؤكد أنه كان يجب أن يسمح لهما بالحنطة أو أن لا يرياها ، أجاب يسوع : إنك أيها الرجل تدعوني صالحا ولكنك تخطئ لأن الله وحده هو الصالح ، وإنك لأكثر خطأ في سؤالك لماذا لا يفعل الله حسب دماغك ، ولكن أجيبك عن كل شيء ، فأفيدك إذاً أن الله خالقنا لا يوفق في عمله نفسه لنا ، لذلك لا يجوز للمخلوق أن يطلب طريقه وراحته بل بالحري مجد الله خالقه ليعتمد المخلوق على الخالق لا الخالق على المخلوق ، لعمر الله الذي تقف نفسي في حضرته لو وهب الله كل شيء لما عرف الإنسان نفسه أنه عبد الله ولكان حسب نفسه سيد الفردوس ، لذلك نهاه الله المبارك إلى الأبد ، الحق أقول لكم أن كل من كان نور عينيه جليا يرى كل شيء جليا يستخرج من الظلمة نفسها نورا ، ولكن الأعمى لا يفعل هكذا ، لذلك أقول لو لم يخطئ الإنسان لما علمت أنا ولا أنت رحمة الله وبره ، ولو خلق الله الإنسان غير قادر على الخطيئة لكان ندا لله في ذلك الأمر ، لذلك خلق الله المبارك الإنسان صالحا وبارا ولكنه حر أن يفعل ما يريد من حيث حياته وخلاصه لنفسه أو لعنته ، فلما سمع العالم هذا اندهش وانصرف مرتبكا . الفصل الخامس والخمسون بعد المائة     حينئذ دعا رئيس الكهنة سرا كاهنين شيخين وأرسلهم إلى يسوع الذي كان قد خرج من الهيكل وكان جالسا في رواق سليمان منتظرا ليصلي صلاة الظهيرة ، وكان بجانبه تلاميذه مع جم غفير من الشعب ، فاقترب الكاهنان من يسوع وقالا : لماذا أكل الإنسان حنطة وثمرا ؟ ، هل أراد الله أن يأكلهما أم لا ؟ ، وإنما قالا هذا ليجرباه ، لأنه لو قال : أن الله أراد ذلك لأجابا : لماذا نهى عنها ؟ ، وإذا قال : أن الله لم يرد ذلك يقولان : أن للإنسان قوة أعظم من الله لأنه يعمل ضد إرادة الله ، أجاب يسوع : إن سؤالكما كطريق في جبل ذو جرف عن اليمين وعن اليسار ولكن أسير في الوسط ، فلما سمع الكاهنان ذلك تحيرا لأنهما أدركا أن يسوع قد فهم قلبيهما ، ثم قال يسوع : لما كان كل إنسان محتاجا كان يعمل كل شيء لأجل منفعته ، ولكن الله الذي لا يحتاج إلى شيء عمل بحسب مشيئته ، لذلك لما خلق الإنسان خلقه حرا ليعلم أن ليس لله حاجة إليه ، كما يفعل الملك الذي يعطى حرية لعبيده ليظهر ثروته وليكون عبيده أشد حبا له ، إذاً قد خلق الله الإنسان حرا لكي يكون أشد حبا لخالقه وليعرف جوده ، لأن الله وهو قادر على كل شيء غير محتاج إلى الإنسان فإنه إذ خلقه بقدرته على كل شيء تركه حرا بجوده على طريقة يمكنه معها مقاومة الشر وفعل الخير ، وإن الله على قدرته على منع الخطيئة لم يرد أن يضاد جوده ( إذ ليس عند الله تضاد ) فلما عملت قدرته على كل شيء وجوده ( عملهما ) في الإنسان لم يقاوم الخطيئة في الإنسان لكي تعمل في الإنسان رحمة الله وبره ، وآية صدقي هي أن أقول لكما أن رئيس الكهنة قد أرسلكما لتجرباني وهذا هو ثمر كهنوته ، فانصرف الشيخان وقصا كل شيء على رئيس الكهنة الذي قال : إن وراء ظهر هذا الشخص الشيطان الذي يلقنه كل شيء ، لأنه يطمح إلى ملكية إسرائيل ، ولكن الأمر في ذلك لله . الفصل السادس والخمسون بعد المائة     ولما اجتاز يسوع من الهيكل بعد أن صلى صلاة الظهيرة وجد أكمها ، فسأله تلاميذه قائلين : أيها المعلم من أخطأ في هذا الإنسان حتى ولد أعمى أبوه أم أمه ؟ ، أجاب يسوع : لا أبوه أخطأ فيه ولا أمه ، ولكن الله خلقه هكذا شهادة للإنجيل ، وبعد أن دعا الأكمة إليه تفل على الأرض وصنع طينا ووضعه على عيني الأكمه ، وقال له : اذهب إلى بركة سلوام واغتسل ، فذهب الأكمه ولما اغتسل أبصر ، فبينما كان راجعا إلى البيت قال كثيرون من الذين التقوا به : لو كان هذا الرجل أعمى لقلت بكل تأكيد أنه هو الذي كان يجلس على الباب الجميل من الهيكل ، وقال آخرون : إنه هو ولكن كيف أبصر ؟ ، فسألوه قائلين : هل أنت الأكمه الذي كان يجلس على الباب الجميل من الهيكل ؟ ، أجاب : إني أنا هو ولماذا ؟ ، قالوا : كيف نلت بصرك ؟ ، أجاب : إن رجلا صنع طينا تافلا على الأرض ووضع هذا الطين على عيني ؟ ، وقال لي : اذهب واغتسل في بركة سلوام ، فذهبت واغتسلت فصرت الآن أبصر ، تبارك إله إسرائيل ، ولما عاد الرجل الذي كان أكمه إلى الباب الجميل من الهيكل امتلأت أورشليم كلها بالخبـر ، لذلك أحضر إلى رئيس الكهنة الذي كان يأتمر مع الكهنة والفريسيين على يسوع فسأله رئيس الكهنة قائلا : هل ولدت أعمى أيها الرجل ؟ ، أجاب : نعم ، فقال رئيس الكهنة : ألا فأعط مجدا لله وأخبرنا أي نبي ظهر لك في الحلم وأنالك نورا ؟ ، أهو أبونا إبراهيم أم موسى خادم الله أم نبي آخر ؟ ، لأن غيرهم لا يقدر أن يفعل شيئا نظير هذا ؟ فأجاب الرجل الذي ولد أعمى: إني لم أر في حلم ولم يشفني لا إبراهيم ولا موسى ولا نبي آخر ؟ ، ولكن بينا أنا جالس على باب الهيكل أدناني رجل إليه ، وبعد أن صنع طينا من تراب بتفله وضع بعضا من ذلك الطين على عيني وأرسلني إلى بركة سلوام لأغتسل ، فذهبت واغتسلت وعدت بنور عيني ، فسأله رئيس الكهنة عن اسم ذلك الرجل ، فأجاب الرجل الذي ولد أعمى : إنه لم يذكر لي اسمه ، ولكن رجلا رآه ناداني وقال : اذهب واغتسل كما قال ذلك الرجل ، لأن يسوع الناصري نبي إله إسرائيل وقدوسه ، فقال حينئذ رئيس الكهنة : لعله أبرأك اليوم أي السبت ؟ ، أجاب الأعمى : انه أبرأني اليوم ، فقال رئيس الكهنة : انظروا الآن كيف أن هذا الرجل خاطئ لأنه لا يحفظ السبت ! . الفصل السابع والخمسون بعد المائة     أجاب الأعمى: لست أعلم أخاطئ هو أم لا، إنما أعلم هذا هو أني أعمى فأراني ، فلم يصدق الفريسيون هذا ، لذلك قالوا لرئيس الكهنة : أرسل وادع أباه وأمه لأنهما يقولان لنا الصدق ، فدعوا أبا الرجل الأكمه وأمه ، فلما حضرا سألهما رئيس الكهنة قائلا : هل هذا الرجل ابنكما ؟ ، أجابا : إنه ابننا حقا ، فقال حينئذ رئيس الكهنة : يقول أنه ولد أعمى والآن يبصر فكيف حدث هذا الشيء ؟ ، أجاب أبو الرجل الذي ولد أعمى وأمه : إنه ولد حقا أعمى ولكن لا نعلم كيف نال النور ، هو كامل السن اسألوه يقل لكم الصدق ، فصرفوهما وعاد الرئيس فقال للرجل الذي ولد أعمى : أعط مجد لله وقل الصدق ـ وكان أبو الرجل وأمه خائفين أن يتكلما ، لأنه صدر أمر من مجلس الشيوخ الروماني أنه لا يجوز لإنسان أن يتحزب ليسوع نبي اليهود وإلا فالعقاب الموت ، وهو أمر استصدره الوالي ، لذلك قالا : هو كامل السن اسألوه ـ فقال حينئذ رئيس الكهنة للرجل الذي ولد أعمى أعط مجدا لله قل الصدق لأننا نعلم أن هذا الرجل الذي تقول أنه شفاك خاطئ ، أجاب الرجل الذي ولد أعمى : لست أعلم أخاطئ هو إنما أعلم هذا أني كنت لا أبصر فأنارني ، ومن المؤكد أنه منذ ابتداء العالم حتى هذه الساعة لم ينر أكمه ، والله لا يصيخ السمع إلى الخطاة ، قال الفريسيون : ماذا فعل لما أنارك ، حينئذ تعجب الرجل الذي ولد أعمى من عدم إيمانهم وقال : لقد أخبرتكم فلماذا تسألونني أيضا ، أتريدون أنتم أن تصيروا تلاميذ له ؟ ، فوبخه حينئذ رئيس الكهنة قائلا : إنك ولدت بجملتك في الخطيئة أفتريد أن تعلمنا ؟ ، أغرب وصر أنت تلميذا لهذا الرجل ، أما نحن فإننا تلاميذ موسى ونعلم أن الله كلم موسى ، أما هذا الرجل فلا نعلم من أين هو ، فأخرجوه من المجمع والهيكل ونهوه عن الصلاة مع الطاهرين بين إسرائيل . الفصل الثامن والخمسون بعد المائة     وذهب الرجل الذي ولد أعمى ليجد يسوع ، فعزاه قائلا : إنك لم تبارك في زمن ما كما أنت الآن ، لأنك مبارك من إلهنا الذي تكلم على لسان داود أبينا ونبيه في أخلاء العالم قائلا : ( هم يلعنون وأنا أبارك ) ، وقال على لسان ميخا النبي : ( إني ألعن بركتك ) ، لأن التراب لا يضاد الهواء ولا الماء النار ولا النور الظلام ولا البرد الحرارة ولا المحبة البغضاء كما تضاد إرادة الله إرادة العالم ، فسأله لذلك التلاميذ قائلين : ما أعظم كلامك أيها السيد ، فقل لنا المعنى لأننا حتى الآن لم نفهم ، أجاب يسوع : متى عرفتم العالم ترون أني قلت الحق ، وهكذا ستعرفون الحق في كل نبي ، فاعلموا إذا أن هناك ثلاثة أنواع من العوالم متضمنة في اسم واحد ، الأول يشير إلى السموات والأرض مع الماء والهواء والنار وكل الأشياء التي هي دون الإنسان فيتبع هذا العالم في كل شيء إرادة الله كما يقول داود : ( لقد أعطاها الله أمرا لا تتعداه ) ، الثاني يشير إلى كل بشر كما أن بيت فلان لا يشير إلى الجدران بل إلى الأسرة ، فهذا العالم يحب الله أيضا ، لأنهم بالطبيعة يتوقون إلى الله قدر ما يستطيع كل أحد بحسب الطبيعة إلى الله وإن ضلوا في طلب الله ، أفتعلمون لماذا يتوق الجميع إلى الله ؟ ، لأنهم لا يتوقون جميعا إلى صلاح غير متناه بدون أدنى شر ، وهذا هو الله وحده ، لذلك أرسل الله الرحيم أنبياءه إلى هذا العالم لخلاصه ، أما الثالث فهو حال سقوط الإنسان في الخطيئة التي تحولت إلى شريعة مضادة خالق العالم ، فهذا يصيِّر الإنسان نظير الشياطين أعداء الله ، فماذا تظنون ـ وهذا العالم يكرهه الله كرها شديدا ـ فما مصير الأنبياء لو أحبوا هذا العالم ؟ ، حقا إن الله ليأخذ منهم نبوتهم ، وماذا أقول ؟ ، لعمر الله الذي تقف نفسي في حضرته لو خامر رسول الله حب هذا العالم الشرير متى جاء إليه لأخذ الله منه بالتأكيد كل ما وهبه عند خلقه وجعله منبوذا ، لأن الله بهذا المقدار مضاد للعالم . الفصل التاسع والخمسون بعد المائة      أجاب التلاميذ : يا معلم إن كلامك لعظيم جدا فارحمنا لأننا لا نفهمه ، قال يسوع : أيخيل لكم أن الله قد خلق رسوله ليكون ندا له يريد أن يجعل نفسه مساويا لله ؟ ، كلا ثم كلا ، بل عبده الصالح الذي لا يريد مالا يريده الله ، إنكم لا تقدرون أن تفقهوا هذا لأنكم لا تعرفون ما هي الخطيئة ، فأصيخوا السمع لكلامي ، الحق الحق أقول لكم أن الخطيئة لا يمكن أن تنشأ في إنسان إلا مضادة لله ، إذ ليست الخطيئة إلا ما لا يريده الله ، فإن كل ما يريده أجنبي عن الخطيئة ، فلو اضطهدني رؤساء الكهنة والكهنة مع الفريسيين لأن شعب إسرائيل دعاني إلها لفعلوا شيئا يرضى به الله ولكافأهم الله ، ولكن الله مقتهم لأنهم يضطهدونني لسبب مضاد وهو أنهم لا يريدون أن أقول الحق ، وكم قد أفسدوا بتقليدهم كتاب موسى وكتاب داود نبي الله وخليليه وإنهم لهذا يكرهونني ويودون موتي ، إن موسى قتل ناسا وأخاب قتل ناسا قولوا لي أيعد هذا قتلا من كليهما ؟ ، لا البتة ، لأن موسى قتل الناس ليبيد عبادة الأصنام وليبقي على عبادة الإله الحقيقي ، ولكن أخاب قتل ناسا ليبيد عبادة الإله الحقيقي وليبقي على عبادة الأصنام ، لذلك تحول قتل موسى للناس ضحية على حين تحول قتل أخاب تدنيسا ، فإن ذات العمل الواحد أحدث نتيجتين متضادتين ، لعمر الله الذي تقف نفسي في حضرته لو كلم الشيطان الملائكة ليرى كيف أحبوا الله لما رذله الله، ولكنه منبوذ لأنه حاول أن يبعدهم عن الله ، حينئذ أجاب الذي يكتب : فكيف يجب إذا أن يفهم ما قيل في ميخا النبي بشأن الكذب الذي أمر الله الأنبياء الكذبة أن يتفوهوا به كما هو مكتوب في كتاب ملوك إسرائيل ؟ ، أجاب يسوع : اتل يا برنابا بالاختصار كل ما حدث لترى الحق جليا . الفصل الستون بعد المائة     حينئذ قال الذي يكتب : إن دانيال النبي لما وصف تاريخ ملوك إسرائيل وطغاتهم كتب هكذا : ( إتحد ملك إسرائيل مع ملك يهوذا ليحاربا بني بلعال ( أي المنبوذين ) الذين كانوا العمونيين ، ولما كان يهوشافاط ملك يهوذا وأخاب ملك إسرائيل جالسين كلاهما على عرش في السامرة وقف أمامهم أربع مائة نبي كذاب ، فقالوا لملك إسرائيل : ( اصعد ضد العمونيين لأن الله سيدفعهم إلى يديك وستبدد عمون ) ، حينئذ قال يهوشافاط : ( هل يوجد نبي هنا لإله آبائنا ؟ ) ، أجاب أخاب : ( يوجد واحد فقط وهو شرير لأنه دائما يتنبأ بالشر عليّ ، ولقد وضعته في السجن ) ـ وهو إنما قال (( يوجد واحد فقط )) لأن كل الذين وجدوا قتلوا بأمر أخاب ، حتى أن الأنبياء كما قلت يا معلم هربوا إلى رؤوس الجبال حيث لا يسكن بشر ـ ، حينئذ قال يهوشافاط : ( احضره إلى هنا ولنر ما يقول ) ، لذلك أمر أخاب أن يحضر ميخا إلى هنا ، فأتى بقود في رجليه ووجهه مضطرب كشخص يعيش بين الموت والحياة ، فسأله قائلا : ( تكلم يا ميخا باسم الله أنصعد ضد العمونيين أيدفع الله مدنهم إلى أيدينا ؟ ) ، أجاب ميخا : (اصعد اصعد لأنك ستصعد مفلحا وتنزل أشد فرحا ! ) ، حينئذ أطرى الأنبياء الكذبة ميخا قائلين : ( إنه نبي صادق لله ) وكسروا القيود من رجليه . أما يهوشافاط الذي يخاف إلهنا ولم يحن ركبتيه قط للأصنام فسأل ميخا قائلا : ( قل الحق يا ميخا إكراما لإله آبائنا كما رأيت عقبى هذه الحرب ) ، أجاب ميخا : ( إني لأخشى وجهك يا يهوشافاط لذلك أقول لك أني رأيت شعب إسرائيل كغنم لا راعي لها ) ، حينئذ قال أخاب مبتسما ليهوشافاط : ( لقد أخبرتك أن هذا الرجل لا يتنبأ إلا بسوء ولكنك لم تصدق ذلك ) ، فقال حينئذ كلاهما : (كيف تعلم هذا يا ميخا ؟ ) ، أجاب ميخا : (( خيل لي أن قد التأمت ندوة من الملائكة في حضرة الله ، وسمعت الله يقول هكذا : ( من يغوي أخاب ليصعد ضد عمون ويقتل ) ، فقـال واحد شيئا وقـال آخر شيئا آخر ، ثم أتى ملاك فقـال : ( يا رب أنا أحارب أخاب فأذهب إلى أنبيائه الكذبة وألقي كذبا في أفواههم وهكذا يصعد ويقتل ) ، فلما سمع الله هذا قال : ( اذهب وافعل هكذا فإنك تفلح ) )) ، فحنق حينئذ الأنبياء الكذبة ، فصفع رئيسهم خد ميخا قـائلا : ( يا منبوذ الله متى عبر لك ملاك الحق من عندنا وجاء إليك ، قل لنا متى جاء إلينا الملاك الذي حمل الكذب ؟ ) ، أجاب ميخا : ( إنك ستعرف متى هربت من بيت إلى بيت خوفا من القتل أنك قد أغويت ملكك ) ، فتغيظ حينئذ أخاب وقال : ( أمسكوا ميخا وضعوا القيود التي كانت في رجليه على عنقه واقتصروه على خبز الشعير والماء إلى حين عودتي ، لأني لا أعرف الآن بأية ميتة أنكل به ) ، فصعدوا وتم الأمر حسب كلمة ميخا ، لأن ملك العمونيين قال لخدمه : ( احذروا أن تحاربوا ملك يهوذا أو عظماء إسرائيل بل اقتلوا عدوي أخاب ملك إسرائيل )) ، حينئذ قال يسوع قف هنا لأنه يكفي هذا لغرضنا . الفصل الحادي والستون بعد المائة     فقال يسوع : أسمعتم كل شيء ؟ ، أجاب التلاميذ : نعم يا سيد ، فقال من ثم يسوع : إن الكذب خطيئة ولكن القتل خطيئة أعظم ، لأن الكذب خطيئة تختص بالذي يتكلم ، ولكن القتل على كونه يختص بالذي يرتكبه هو يهلك أيضا أعز شيء لله هنا على الأرض أي الإنسان ، ويمكن مداواة الكذب بقول ضد ما قد قيل على حين لا دواء للقتل لأنه ليس بممكن منح الميت حياة ، قولوا لي إذاً هل أخطأ موسى عبد الله بقتل كل الذين قتلهم ؟ ، أجاب التلاميذ : حاشى لله حاشى لله أن يكون موسى قد أخطأ بطاعته لله الذي أمره ، فقال حينئذ يسوع : وأنا أقول حاشى لله أن يكون قد أخطأ ذلك الملاك الذي خدع أنبياء أخاب الكذبة بالكذب ، لأنه كما أن الله يقبل قتل الناس ذبيحة فهكذا قبل الكذب حمدا ، الحق أقول لكم كما يغلط الطفل الذي يصنع حذاءه بقياس ( رجلي ) جبار هكذا يغلط من يجعل الله خاضعا للشريعة كما أنه هو نفسه خاضع لها من حيث هو إنسان ، فمتى اعتقدتم أن الخطيئة أنما هي ما لا يريده الله تجدون حينئذ الحق كما قلت لكم ، وعليه لما كان الله غير مركب وغير متغير فهو أيضا غير قادر أن يريد وأن لا يريد الشيء الواحد ، لأنه بذلك يصير تضاد في نفسه يترتب عليه ألم ولا يكون مباركا إلى ما لا نهاية له ، أجاب فيلبس : ولكن كيف يجب فهم قول النبي عاموس أنه لا يوجد شر في المدينة لم يصنعه الله ؟ ، أجاب يسوع : انظر الآن يا فيلبس ما أشد خطر الاعتماد على الحرف كما يفعل الفريسيون الذين قد انتحلوا لأنفسهم اصطفاء الله للمختارين على طريقة يستنتجون منها فعلا أن الله غير بار وأنه خادع وكاذب ومبغض للدينونة ( التي ستحل بهم ) . لذلك أقول أن عاموس نبي الله يتكلم هنا عن الشر الذي يسميه العالم شرا ، لأنه لو استعمل لغة الأبرار لما فهمه العالم لأن كل البلايا حسنة إما حسنة لأنها تظهر الشر الذي فعلناه ، وإما حسنة لأنها تمنعنا عن ارتكاب الشر ، وإما حسنة لأنها تعرف الإنسان حال هذه الحياة لكي نحب ونتوق إلى الحياة الأبدية ، فلو قال النبي عاموس : ( ليس في المدينة من خير إلا كان الله صانعه ) لكان ذلك وسيلة لقنوط المصابين متى رأوا أنفسهم في المحن والخطاة في سعة من العيش ، وأنكى من ذلك أنه متى صدق كثيرون أن للشيطان سلطة على الإنسان خافوا الشيطان وخدموه تخلصا من البلايا ، فلذلك فعل عاموس ما يفعله الترجمان الروماني الذي لا ينظر في كلامه كأنه يتكلم في حضرة رئيس الكهنة بل ينظر إلى إرادة مصلحة اليهودي الذي لا يعرف التكلم باللسان العبراني . الفصل الثاني والستون بعد المائة     لو قال عاموس : (( ليس في المدينة من خير إلا كان الله صانعه )) لكان لعمر الله الذي تقف نفسي في حضرته قد ارتكب خطأ فاحشا ، لأن العالم لا يرى خيرا سوى الظلم والخطايا التي تصنع في سبيل الباطل ، وعليه يكون الناس أشد توغلا في الإثم لأنهم يعتقدون أنه لا يوجد خطيئة أو شر لم يصنعه الله وهو أمر تتزلزل لسماعه الأرض ، وبعد أن قال يسوع هذا حصل توا زلزال عظيم إلى حد سقط معه كل أحد كأنه ميت ، فأنهضهم يسوع قائلا : انظروا الآن إذا كنت قد قلت لكم الحق ، فليكفكم هذا إذاً ، أنه لما قال عاموس (( إن الله صنع شرا في المدينة )) مكلما العالم فهو إنما تكلم عن البلايا التي لا يسميها شر إلا الخطاة ، ولنأت الآن على ذكر ما سبق الاصطفاء الذين تريدون أن تعرفوه والذي سأكلمكم عنه غدا على مقربة من الأردن على الجانب الآخر إن شاء الله . الفصل الثالث والستون بعد المائة     وذهب يسوع مع تلاميذه إلى البرية وراء الأردن ، فلما انقضت صلاة الظهيرة جلس بجانب نخلة وجلس تلاميذه تحت ظل النخلة ، حينئذ قال يسوع : أيها الإخوة إن سبق الاصطفاء لسر عظيم حتى أني أقول لكم الحق أنه لا يعلمه جليا إلا إنسان واحد فقط ، وهو الذي تتطلع إليه الأمم الذي تتجلى له أسرار الله تجليا فطوبى للذين سيصيخون السمع إلى كلامه متى جاء إلى العالم ، لأن الله سيظللهم كما تظللنا هذه النخلة ، بلى إنه كما تقينا هذه الشجرة حرارة الشمس المتلظية هكذا تقي رحمة الله المؤمنين بذلك الإسم من الشيطان ، أجاب التلاميذ : يا معلم من عسى أن يكون ذلك الرجل الذي تتكلم عنه الذي سيأتي إلى العالم ؟ ، أجاب يسوع بابتهاج قلب : إنه محمد رسول الله ، ومتى جاء إلى العالم فسيكون ذريعة للأعمال الصالحة بين البشر بالرحمة الغزيرة التي يأتي بها ،كما يجعل المطر الأرض تعطي ثمرا بعد انقطاع المطر زمنا طويلا ، فهو غمامة بيضاء ملأى برحمة الله وهو رحمة ينثرها الله رذاذا على المؤمنين كالغيث . الفصل الرابع والستون بعد المائة     إني أشرح لكم الآن ذلك النزر القليل الذي وهبني الله معرفته بشأن سبق هذا الاصطفاء نفسه ، يزعم الفريسيون أن كل شيء قدر على طريقة لا يمكن معها لمن كان مختارا أن يصير منبوذا ، ومن كان منبوذا لا يتسنى له بأية وسيلة كانت أن يصير مختارا ، وأنه كما أن الله قدّر أن يكون عمل الصلاح هو الصراط الذي يسير فيه المختارون إلى الخلاص هكذا قدر أن تكون الخطيئة هي الطريق الذي يسير فيه المنبوذون إلى الهلاك ، لعن اللسان الذي نطق بهذا واليد التي سطرته لأن هذا إنما هو اعتقاد الشيطان ، فيمكن للمرء على هذا أن يعرف شاكلة فريسيي هذا العصر لأنهم خدمة الشيطان الأمناء ، فماذا يمكن أن يكون معنى سبق اصطفاء سوى أنه إرادة مطلقة تجعل للشيء غاية وسيلة الوصول إليها في يد المرء ، فإنه بدون وسيلة لا يمكن لأحد تعيين غاية ، فكيف يتسنى لأحد تقدير بناء بيت وهو لا يعوزه الحجر والنقود ليصرفها فقط بل يعوزه موطئ القدم من الأرض ، لا أحد البتة ، فسبق الإصطفاء لا يكون شريعة الله بالأولى إذا استلزم سلب حرية الإرادة التي وهبها الله للإنسان بمحض جوده فمن المؤكد أننا نكون إذ ذاك آخذين في إثبات مكرهة لا سبق اصطفاء ، أما كون الإنسان حرا فواضح من كتاب موسى لأن إلهنا عندما أعطى الشريعة على جبل سينا قال هكذا : ( ليست وصيتي في السماء لكي تتخذ لك عذرا قائلا : من يذهب ليحضر لنا وصية الله ؟ ، ومن يا ترى يعطينا قوة لنحفظها ؟ ، ولا هي وراء البحر لكي تعد نفسك كما تقدم ، بل وصيتي قريبة من قلبك حتى أنك تحفظها متى شئت ) ، قولوا لي لو أمر هيرودس شيخا أن يعود يافعا ومريضا أن يعود صحيحا ثم إذا هما لم يفعلا ذلك أمر بقتلهما أفيكون هذا عدلا ؟ ، أجاب التلاميذ : لو أمر هيرودس بهذا لكان أعظم ظالم وكافر ، حينئذ تنهد يسوع وقال : أيها الإخوة ما هذه إلا ثمار التقاليد البشرية ، لأنه بقولهما أن الله قدّر فقضى على المنبوذ بطريقة لا يمكن معها أن يصير مختارا يجدفون على الله كأنه طاغ وظالم ، لأنه يأمر الخاطئ أن يخطئ وإذا أخطأ أن يتوب ، على أن هذا القدر ينزع من الخاطئ القدرة على ترك الخطيئة فيسلبه التوبة بالمرة . الفصل الخامس والستون بعد المائة     ولكن اسمعوا ما يقول الله على لسان يوئيل النبي : ( لعمري ( يقول ) إلهكم لا أريد موت الخاطئ بل أود أن يتحول إلى التوبة ) ، أيقدر الله إذاً ما لا يريده ؟ ، تأملوا ما يقول الله وما يقول فريسيو الزمن الحاضر ، يقول الله أيضا على لسان النبي إشعيا : ( دعوت فلم تصغوا إلي ) ، وما أكثر ما دعا الله ، فاسمعوا ما يقول على لسان هذا النبي نفسه : ( بسطت يدي طول النهار إلى شعب لا يصدقني بل يناقضني ) ، فإذا قال فريسيونا أن المنبوذ لا يقدر أن يصير مختارا فهل يقولون سوى أن الله يستهزئ بالبشر كما لو استهزأ بأعمى يريه شيئا أبيض وكما لو استهزأ بأصم يكلمه في أذنيه ؟ ، أما كون المختار يمكن أن ينبذ فتأملوا ما يقول إلهنا على لسان حزقيال النبي : ( يقول الله لعمري إذا رجع البار عن بره وارتكب الفواحش فإنه يهلك ولا أذكر فيما بعد شيئا من بره فإن بره سيخذله أمامي فلا ينجيه وهو متكل عليه ) ، أما نداء المنبوذين فماذا يقول الله فيه على لسان هوشع سوى هذا : ( إنى ادعوا شعبا غير مختار فأدعوهم مختارين ) ، إن الله صادق ولا يمكن أن يكذب وإن الله لما كان هو الحق فهو يقول الحق ، ولكن فريسيي الوقت الحاضر يناقضون الله كل المناقضة بتعليمهم . الفصل السادس والستون بعد المائة     أجاب اندراوس : ولكن كيف يجب أن يفهم ما قال الله لموسى من أنه يرحّم من يَرحم ويقسِّي من يقسو ؟ ، أجاب يسوع : إنما يقول الله هذا لكيلا يعتقد الإنسان أنه خلص بفضيلته ، بل ليدرك أن الحياة ورحمة الله قد منحهما له الله من جوده ، ويقوله ليتجنب البشر الذهاب إلى أنه يوجد آلهة أخرى سواه ، فإذا هو قسِّى فرعون فإنما فعله لأنه نكل بشعبنا وحاول أن يبغي عليه بإبادة كل الأطفال الذكور من إسرائيل حتى كاد موسى يخسر حياته ، وعليه أقول لكم حقا أن أساس القدر إنما هو شريعة الله وحرية الإرادة البشرية ، بل لو قدّر الله أن يخلص العالم كله حتى لا يهلك أحد لما أراد أن يفعل ذلك ، لكيلا يجرد الإنسان من الحرية التي يحفظها له ليكبت الشيطان حتى يكون لهذه الطينة التي امتهنها الروح ( الشيطان ) ـ وإن أخطأت كما فعل الروح ـ قدرة على التوبة والذهاب للسكن في ذلك الموضع الذي طرد منه الروح ، فأقول أن إلهنا يريد أن يتبع برحمته حرية إرادة الإنسان ، ولا يريد أن يترك بقدرته غير المتناهية المخلوق ، هكذا لا يقدر أحد في يوم الدين أن يعتذر عن خطاياه ، لأنه يتضح له حينئذ كم فعل الله لتجديده وكم وكم قد دعاه إلى التوبة . الفصل السابع والستون بعد المائة     وعليه فإذا كانت أفكاركم لا تطمئن لهذا ووددتم أن تقولوا أيضا : (( لماذا هكذا )) فإني أوضح لكم (( لماذا )) ، وهو هذا : قولوا لي لماذا لا يمكن الحجر أن يستقر على سطح الماء مع أن الأرض برمتها مستقرة على سطح الماء ؟ ، قولوا لي لماذا كان التراب والهواء والماء والنار متحدة بالإنسان ومحفوظة على وفاق ؟ مع أن الماء يطفئ النار والتراب يهرب من الهواء حتى أنه لا يقدر أحد أن يؤلف بينها ، فإذا كنتم إذاً لا تفقهون هذا ـ بل إن كل البشر من حيث هم بشر لا يقدرون أن يفقهوه ـ فكيف يفقهون أن الله خلق الكون من لا شيء بكلمة واحدة ؟ ، كيف يفقهون أزلية الله ؟ ، حقا لا يتاح لهم أبدا أن يفقهوا هذا ، لأنه لما كان الإنسان محدودا ويدخل في تركيبه الجسد الذي هو كما يقول النبي سليمان قابل للفساد يضغط النفس ولما كانت أعمال الله مناسبة لله فكيف يمكن للإنسان إدراكها ؟ ، فلما رأى إشعيا نبي الله هذا صرخ قائلا : ( حقا إنك لإله محتجب ) ، ويقول عن رسول الله كيف خلقه الله : ( أما جيله فمن يصفه ؟ ) ، ويقول عن عمل الله : ( من كان مشيره فيه ) ، لذلك يقول الله للطبيعة البشرية : (كما تعلو السماء عن الأرض هكذا تعلو طرقي عن طريقكم وأفكاركم ) ، لذلك أقول لكم أن كيفية القدر غير واضحة للإنسان وإن كان ثبوته حقيقيا كما قلت لكم ، أفيجب إذاً على الإنسان أن ينكر الواقع لأنه لا يقدر أن يعرف كيفيته ؟ ، حقا إني لم أجد أحدا يرفض الصحة وإن لم يمكن أدراك كيفيتها ، لأني لا أدري حتى الآن كيف يشفي الله المرض بواسطة لمسي . الفصل الثامن والستون بعد المائة     حينئذ قال التلاميذ : حقا إن الله تكلم على لسانك لأنه لم يتكلم إنسان قط كما تتكلم ، أجاب يسوع : صدقوني إنه لما اختارني الله ليرسلني إلى بيت إسرائيل أعطاني كتابا يشبه مرآة نقية نزلت إلى قلبي حتى أن كل ما أقول يصدر عن ذلك الكتاب ، ومتى انتهى صدور ذلك الكتاب من فمي أصعد عن العالم ، أجاب بطرس : يا معلم هل ما تتكلم به مكتوب في ذلك الكتاب ؟ ، أجاب يسوع : إن كل ما أقول لمعرفة الله ولخدمة الله ولمعرفة الإنسان ولخلاص الجنس البشري إنما هو جميعه صار من ذلك الكتاب هو إنجيلي ، قال بطرس : أمكتوب فيه مجد الجنة ؟ . الفصل التاسع والستون بعد المائة     أجاب يسوع : أصيخوا السمع أشرح لكم كيفية الجنة وكيف أن الأطهار والمؤمنين يقيمون هناك إلى غير نهاية ، وهذه بركة من أعظم بركات الجنة لأن كل شيء مهما كان عظيما إذا كان له نهاية يصير صغيرا بل لا شيء ، فالجنة هي البيت الذي يخزن فيه الله مسراته التي هي عظيمة جدا ، حتى أن الأرض التي تدوسها أقدام الأطهار والمباركين ثمينة جدا بحيث أن درهما منها أثمن من ألف عالم ، ولقد رأى هذه المسرات أبونا داود نبي الله ، فإن الله أراه إياها إذ يسر له أن يبصر مجد الجنة ، ولذلك لما عاد إلى نفسه غطى عينيه بكلتا يديه وقال باكيا : ( لا تنظري فيما بعد إلى هذا العالم يا عيني لأن كل شيء فيه باطل وليس فيه شيء جيد ) ، ولقد قـال عن هذه المسرات إشعيا النبي : ( لم تر عينا إنسان ولم تسمع أذناه ولم يدرك قلب بشر ما أعده الله للذين يحبونه ) ، أتعلمون لماذا لم يروا ولم يسمعوا ولم يدركوا هذه المسرات ؟ لأنهم ما داموا عائشين هنا في الأسفل فهم ليسوا أهلا لمشاهدة مثل هذه الأشياء ، ولذلك أخبركم أن أبانا داود على كونه قد رآها حقا لم يرها بعينين بشريتين ، لأن الله أخذ نفسه إليه وهكذا لما صار متحدا مع الله رآها بنور إلهي ، لعمر الله الذي تقف نفسي في حضرته لما كانت مسرات الجنة غير متناهية وكان الإنسان متناهيا فلا يقدر الإنسان أن يعيها كما أن جرة صغيرة لا تقدر أن تعي البحر ، انظروا ما أجمل العالم في زمن الصيف حين تحمل كل الأشيـاء ثمرا ؟ ، حتى أن الفلاح نفسه يثمل من الحبور بالحصاد الذي أتى فيجعل الأودية والجبال ترجع غناءه ، لأنه يحب أعماله كل الحب ، ألا فارفعوا إذاً قلبكم هكذا إلى الجنة حيث تثمر كل الأشياء ثمارا على قدر الذي حرثها ، لعمر الله إن هذا كاف لمعرفة الجنة من حيث أن الله خلق الجنة بيتا لمسراته ، ألا تظنون أنه يكون للجودة غير المحدودة بالقياس أشيـاء غير محدودة في الجودة ؟ ، أو أنه يكون للجمال الذي يقاس أشياء جمالها يفوق القياس ؟ ، احذروا فإنكم تضلون كثيرا إذا كنتم تظنون أنها ليست عنده .   الفصل السبعون بعد المائة     يقول الله هكذا للرجل الذي يعبده بإخلاص : ( اعرف أعمالك وأنك تعمل لي ، لعمري أنا الأبدي إن حبك لا يزيد على جودي ، فإنك تعبدني إلها خالقا لك عالما أنك صنعي ، ولا تطلب مني شيئا سوى النعمة والرحمة لإخلاصك في عبادتي لأنك لا تضع حدا لعبادتي إذ ترغب أن تعبدني أبدا ، هكذا أفعل أنا فإني أجزيك كأنك إله وند لي ، لأني لا أضع في يديك خيرات الجنة فقط بل أعطيك نفسي هبة ، وكما أنك تريد أن تكون عبدي دائما اجعل أجرتك إلى الأبد ) . الفصل الحادي والسبعون بعد المائة     قال يسوع لتلاميذه : ما هو ظنكم في الجنة ؟ ، هل يوجد عقل يدرك مثل ذلك الغنى والمسرات ؟ ، فعلى الإنسان الذي يريد أن يعرف ما يريد الله أن يعطي لعبيده أن تكون معرفته عظيمة على قدر معرفة الله ، إذا قدم هيرودس هدية لأحد شرفائه الأخصاء أتدرون بأية طريقة يقدمها ؟ ، أجاب يوحنا : لقد رأيت ذلك مرتين وأؤكد أن عشر ما يعطيه يكون فيه الكفاية لفقير ، قال يسوع : ولكن لو قدم فقير لهيرودس فماذا يعطيه ؟ ، أجاب يوحنا : فلسا أو فلسين ، قال يسوع : فليكن هذا كتابكم الذي تطالعون فيه لأجل معرفة الجنة ، لأن كل ما أعطى الله للإنسان في هذا العالم الحاضر لجسده هو كما لو أعطى هيرودس فلسا لفقير ، ولكن ما يعطيه الله للجسد والنفس في الفردوس هو كما لو أعطى هيرودس كل ما عنده بل حياته لأحد خدمه . الفصل الثاني والسبعون بعد المائة     يقول الله لمن يحبه ويعبده بإخلاص هكذا : ( يا عبدي اذهب وتأمل رمال البحر ما أكثرها ، فإذا أعطاك البحر حبة رمل واحدة ألا يظهر لك أن ذلك قليل ؟ ، بلى البتة ، لعمري أنا خالقك أن كل ما أعطيت لكل عظماء وملوك الأرض لأقل من حبة رمل يعطيك إياها البحر في جنب ما أعطيك إياه في الجنة ) .   الفصل الثالث والسبعون بعد المائة     قال يسوع : تأملوا إذاً خيرات الجنة ، أنه لو أعطى الله للإنسان في هذا العالم أوقية من سعة العيش فسيعطيه في الجنة ألف ألف حمل ، تأملوا مقدار الثمار التي في هذا العالم ومقدار الأزهار ومقدار الأشياء التي تخدم الإنسان ، لعمر الله الذي تقف نفسي في حضرته كما يزيد رمل البحر على الحبة التي يأخذها منه آخذ يزيد تين الجنة في جودته ومقداره على نوع التين الذي نأكله هنا ، وقس عليه كل شيء آخر في الجنة ، ولكن أقول لكم أيضا أنه كما أن الجبل من ذهب واللآلئ هو أثمن من ظل نملة هكذا تكون مسرات الجنة أعظم قيمة من مسرات العظماء والملوك التي كانت وستكون لهم دينونة الله حين ينقضي العالم ، قال بطرس : أيذهب جسدنا الذي لنا الآن إلى الجنة ؟ ، أجاب يسوع : احذر يا بطرس من أن تصير صدوقيا فإن الصدوقيين يقولون أن الجسد لا يقوم أيضا وأنه لا توجد ملائكة ، لذلك حرم على جسدهم وروحهم الدخول في الجنة وهم محرومون من كل خدمة الملائكة في هذا العالم ، أنسيتم أيوب النبي وخليل الله كيف يقول : ( أعلم أن إلهي حي وأني سأقوم في اليوم الأخير بجسدي و سأرى بعيني الله مخلصي ) ؟ ، ولكن صدقوني أن جسدنا هذا يتطهر على كيفية لا يكون له معها خاصة واحدة من خصائصه الحاضرة ، لأنه سيتطهر من كل شهوة شريرة ، وسيعيده الله إلى الحال التي كان عليها آدم قبل أن أخطأ ، رجلان يخدمان سيدا واحدا في عمل واحد ، أحدهما يقتصر على النظر في العمل وإصدار الأوامر والثاني يقوم بكل ما يأمره به الأول ، أقول أترون من العدل أن يخص السيد بالجزاء من ينظر و يأمر فقط ويطرد من بيته من أنهك نفسه في العمل ؟ ، لا البتة ، فكيف يحتمل عدل الله هذا ؟ ، إن نفس الإنسان وجسده وحسه تخدم الله ، فالنفس تنظر وتأمر بالخدمة فقط لأن النفس لما كانت لا تأكل خبزا فهي لا تصوم ولا تمشي ولا تشعر بالبرد أو الحر ولا تمرض ولا تقتل لأنها خالدة ، وهي لا تكابد شيئا من الآلام الجسدية التي يكابدها الجسد بفعل العناصر ، فأقول هل من العدل إذاً أن تذهب النفس وحدها إلى الجنة دون الجسد الذي أنهك نفسه بهذا المقدار في خدمة الله ؟ ، قال بطرس : يا معلم لما كان الجسد هو الذي حمل النفس على الخطيئة فلا ينبغي أن يوضع في الجنة ، أجاب يسوع : كيف يخطئ الجسد بدون النفس ، حقا إن هذا محال ، فإذا نزعت رحمة الله من الجسد قضيت على النفس بالجحيم . الفصل الرابع والسبعون بعد المائة     لعمر الله الذي تقف نفسي في حضرته أن الله يعد الخاطئ برحمته قائلا : ( أقسم بنفسي أن الساعة التي يندب فيها الخاطئ خطيئته هي التي أنسى فيها إثمه إلى الأبد ) ، فأي شيء يأكل إذاً أطعمة الجنة إذا كان الجسد لا يذهب إلى هناك ؟ ، هل النفس ؟ لا البتة لأنها روح ، أجاب بطرس : أيأكل إذا المباركون في الفردوس ؟ ولكن كيف يبرز الطعام دون نجاسة ؟ ، أجاب يسوع : أي بركة ينالها الجسم إذا لم يأكل ولم يشرب ؟ ، من المؤكد أنه من اللائق أن يكون التمجيد بالنسبة إلى الشيء الممجد ، ولكنك تخطئ يا بطرس في ظنك أن طعاما كهذا يبرز نجاسة ، لأن الجسم في الوقت الحاضر يأكل أطعمة قابلة للفساد ولهذا يحصل الفساد ، ولكن الجسم يكون في الجنة غير قابل للفساد وغير قابل للألم وخالدا وخاليا من كل شقاء ، والأطعمة التي لا عيب فيها لا تحدث أدنى فساد . الفصل الخامس والسبعون بعد المائة     هكذا يقول الله على لسان إشعيا النبي ساكبا ازدراء على المنبوذين : ( يجلس خدمي على مائدتي في بيتي ويتلذذون بإبتهاج مع حبور ومع صوت الأعواد والأراغن ولا أدعهم يحتاجون شيئا ما ، أما أنتم أعدائي فتطرحون خارجا عني حيث تموتون في الشقاء وكل خادم لي يمتهنكم ) . الفصل السادس والسبعون بعد المائة     قال يسوع لتلاميذه : ماذا يجدي نفعا قوله يتلذذون ، حقا إن الله يتكلم جليا ، ولكن ما فائدة الأنهر الأربعة من السائل الثمين في الجنة مع ثمار وافرة جدا ؟ ، فمن المؤكد أن الله لا يأكل والملائكة لا تأكل والنفس لا تأكل والحس لا يأكل بل الجسد الذي هو جسمنا ، فمجد الجنة هو طعام الجسد ، أما النفس والحس فلهما الله ومحادثة الملائكة والأرواح المباركة ، وأما ذلك المجد فسيوضحه بأجلى بيان رسول الله الذي هو أدرى بالأشياء من كل مخلوق لأن الله قد خلق كل شيء حبا فيه ، قال برتولوماوس : يا معلم أيكون مجد الجنة لكل واحد على السواء ؟ ، فإذا كان على السواء فهو ليس من العدل ، وإذا لم يكن على السواء فالأصغر يحسد الأعظم ، أجاب يسوع : لا يكون على السواء لأن الله عادل ، وسيكون كل أحد قنوعا إذ لا حسد هناك ، قل لي يا برتولوماوس يوجد سيد عنده كثيرون من الخدمة ويلبس جميع خدمه هؤلاء لباسا واحدا ، أيحزن إذا الغلمان اللابسون لباس الغلمان لأنه ليس لهم ثياب البالغين ؟ ، بل بالعكس لو أراد البالغون أن يلبسوهم ثيابهم الكبيرة لتغيَّظوا لأنه لما لم تكن الأثواب موافقة لحجمهم يزعمون أنهم سخرية ، فارفع إذاً يا برتولوماوس قلبك لله في الجنة فترى أن للجميع مجدا واحدا ومع أنه يكون كثيرا لواحد وقليلا للآخر فهو لا يولد شيئا من الحسد . الفصل السابع والسبعون بعد المائة     حينئذ قال من يكتب : يا معلم أللجنة نور من الشمس كما لهذا العالم ؟ ، أجاب يسوع : هكذا قال لي الله يا برنابا : ( إن للعالم الذي تسكنون فيه أيها البشر الخطاة الشمس والقمر والنجوم تزينه لفائدتكم وحبوركم ، لأني لأجل هذا خلقتها ، أتحسبون إذاً أن البيت الذي يسكن فيه المؤمنون بي لا يكون أفضل ؟ ، حقا إنكم تخطئون في هذا الحسبان ، لأني أنا إلهكم هو شمس الجنة ورسولي هو القمر الذي يستمد مني كل شيء ، والنجوم أنبيائي الذين قد بشروكم بشيء ، فكما أخذ المؤمنون بي كلمتي من أنبيائي ( هنا ) سينالون كذلك مسرة وحبورا بواسطتهم في جنة مسراتي ؟ . الفصل الثامن والسبعون بعد المائة     ثم قال يسوع : ليكفكم هذا في معرفة الجنة ، فعاد من ثم برتولوماوس وقال : يا معلم كن طويل الأناة عليّ إذا سألتك مسألة ، قال يسوع : قل ما تريد ؟ ، قال برتولوماوس : حقا إن الجنة لواسعة لأنه إذا كان فيها خيرات عظيمة هذا مقدارها فلا بد أن تكون واسعة ، أجاب يسوع : إن الجنة واسعة جدا حتى أنه لا يقدر أحد أن يقيسها ، الحق أقول لك أن السموات تسع موضوعة بينها السيارات التي تبعد إحداها عن الأخرى مسيرة رجل خمس مائة سنة ، وكذلك الأرض على مسيرة خمس مائة سنة من السماء الأولى ، ولكن قف عند قياس السماء الأولى التي تزيد عن الأرض برمتها كما تزيد الأرض عن حبة رمل ، وهكذا تزيد السماء الثانية عن الأولى والثالثة عن الثانية وهلم جرا حتى السماء الأخيرة كل منها تزيد عما يليها ، والحق أقول لكم أن الجنة أكبر من الأرض برمتها والسموات برمتها كما أن الأرض برمتها أكبر من حبة رمل ، فقال حينئذ بطرس : يا معلم لا بد أن تكون الجنة أكبر من الله لأن الله يرى داخلها ، أجاب يسوع : صه يا بطرس لأنك تجدف على غير هدى . الفصل التاسع والسبعون بعد المائة     حينئذ جاء الملاك جبريل ليسوع ، وأراه مرآة براقة كالشمس ، رأى فيها هذه الكلمات مكتوبة : ( لعمري أنا الأبدي ، كما أن الجنة أكبر من السموات برمتها والأرض وكما أن الأرض برمتها أكبر من حبة رمل هكذا أنا أكبر من الجنة ، بل أكثر كثيرا من ذلك عدد حبوب رمل البحر وقطرات الماء في البحر وعشب الأرض وأوراق الأشجار وجلود الحيوانات ، بل أكثر من ذلك كثيرا عدد حبوب الرمل التي تملأ السموات والجنة بل أكثر ) ، حينئذ قال يسوع : لنسجد لإلهنا المبارك إلى الأبد ، فطأطأوا من ثم رؤوسهم مائة مرة وعفَّروا الأرض بوجوههم في الصلاة ، ولما انتهت الصلاة دعا يسوع بطرس وأخبره هو وكل التلاميذ بما رأى ، وقال لبطرس : إن نفسك التي هي أعظم من الأرض برمتها ترى بعين واحدة الشمس التي هي أكبر من الأرض بألوف من المرار ، فأجاب بطرس : إن ذلك لصحيح ، فقال حينئذ يسوع : هكذا ترى الله خالقك بواسطة الجنة ، وبعد أن قال يسوع هذا شكر الله ربنا مصليا لأجل بيت إسرائيل والمدينة المقدسة ، فأجـاب كل واحد : ليكن كذلك يا رب . الفصل الثمانون بعد المائة     ولما كان يسوع ذات يوم في رواق سليمان دنا منه أحد ( فرقة ) الكتبة وهو أحد الذين يخطبون في الشعب ، وقال له : يا معلم لقد خطبت في هذا الشعب مرارا عديدة وفي خاطري آية من الكتاب أشكل علي فهمها ، أجاب يسوع : وما هي ؟ ، قال الكاتب : هي ما قاله الله لإبراهيم أبينا : ( إني أكون جزاءك العظيم ) فكيف يستحق الإنسان هذا الجزاء ، فتهلل حينئذ يسوع بالروح وقال : حقا إنك لست بعيدا عن ملكوت الله ، أصخ السمع إلي لأني أفيدك معنى هذا التعليم ، لما كان الله غير محدود والإنسان محدودا لم يستحق الإنسان الله فهل هذا موضوع ريبتك أيها الأخ ؟ ، أجاب الكاتب باكيا : يا سيد إنك تعرف قلبي ، تكلم إذاً لأن نفسي تروم أن تسمع صوتك ، فقال حينئذ يسوع : لعمر الله أن الإنسان لا يستحق النفس القليل الذي يأخذه كل دقيقة ، فلما سمع الكاتب هذا كاد يجن وانذهل كذلك التلاميذ لأنهم ذكروا ما قال يسوع أنهم مهما أعطوا في حب الله يأخذون مائة ضعف ، حينئذ قال : لو أقرضكم أحد مائة قطعة من الذهب فصرفتم هذه القطع أفتقولون لذلك الإنسان : إني أعطيك ورقة كرمة عفنة فأعطني بها بيتك لأني أستحقه ؟ ، أجاب الكاتب : لا يا سيدي لأنه يجب عليه أن يدفع ما عليه ثم عليه إذا أراد شيئا أن يعطي أشياء جيدة ولكن ما نفع ورقة فاسدة ؟ . الفصل الحادي والثمانون بعد المائة     أجاب يسوع : لقد قلت حسنا أيها الأخ ، فقل لي من خلق الإنسان من لا شيء ؟ ، من المؤكد أنه هو الله الذي وهبه العالم برمته لمنفعته ، ولكن الإنسان قد صرفه كله بارتكاب الخطيئة ، لأنه بسبب الخطيئة انقلب العالم ضدا للإنسان ، وليس للإنسان في شقائه شيء يعطيه لله سوى أعمال أفسدتها الخطيئة ، لأنه بإرتكابه الخطيئة كل يوم يفسد عمله ، لذلك يقـول إشعيا النبي : ( إن برنا هو كخرقة حائض ) ، فكيف يكون للإنسان استحقاق وهو غير قادر على الترضية ؟ ، لعل الإنسان لا يخطئ ؟ ، من المؤكد أن إلهنا يقول على لسان نبيه داود : ( إن الصدّيق يسقط سبع مرات في اليوم ) ، فكم يسقط الفاجر إذاً ؟ ، وإذا كان برنا فاسدا فكم يكون فجورنا ممقوتا ؟ ، لعمر الله أنه لا يوجد شيء يجب على الإنسان الإعراض عنه كهذا القول (( إني استحق )) ، ليعرف الإنسان أيها الأخ عمل يديه فيرى توا استحقاقه ، حقا إن كل عمل صالح يصدر عن الإنسان لا يفعله الإنسان بل إنما يفعله الله فيه ، لأن وجوده من الله الذي خلقه ، أما ما يفعله الإنسان فهو أن يخالف خالقه ويرتكب الخطيئة التي لا يستحق عليها جزاءا بل عذابا . الفصل الثاني والثمانون بعد المائة     لم يخلق الله الإنسان كما قلت فقط بل خلقه كاملا ، ولقد أعطاه ملاكين ليحرساه ، وبعث له الأنبياء ، ومنحه الشريعة ، ومنحه الإيمان ، وينقذه كل دقيقة من الشيطان ، ويريد أن يهبه الجنة ، بل أكثر من ذلك فإن الله يريد أن يعطى نفسه للإنسان ، فتأملوا إذاً فيما إذا كان الدين عظيما ، فلمحو هذه وجب عليكم أن تكونوا أنتم قد خلقتم الإنسان من العدم ، وأن تكونوا قد خلقتم أنبياء بعدد ما بعث الله مع ( خلق ) عالم وجنة ، بل أكثر من ذلك مع خلق إله عظيم وجواد كإلهنا ، وأن تهبوها برمتها لله ، فبهذا يمحى الدين ويبقى عليكم فرض تقديم الشكر لله فقط ، ولكن لما كنتم غير قادرين على خلق ذبابة واحدة ولما كان لا يوجد إلا إله واحد وهو سيد كل الأشياء فكيف تقدرون أن تمحوا دينكم ؟ ، حقا إن أقرضكم أحد مائة قطعة من الذهب وجب عليكم أن تردوا مائة قطعة من الذهب ، وعليه فإن معنى هذا أيها الأخ هو أنه لما كان الله سيد الجنة وكل شيء يقدر أن يقول كل ما يشاء ويهب كل ما يشاء ، لذلك لما قال لإبراهيم : ( إني أكون جزاءك العظيم ) لم يقدر إبراهيم أن يقول ( الله جزائي ) بل ( الله هبتي وديني ) ، لذلك يجب عليك أيها الأخ عندما تخطب في الشعب أن تفسر هذه الآية هكذا : ( إن الله يهب الإنسان كذا وكذا من الأشياء إذا عمل الإنسان حسنا ، متى كلمك الله أيها الإنسان وقال : ( إنك يا عبدي قد عملت حسنا حبا فيّ فأي جزاء تطلبه مني أنا إلهك ؟ ) ، فأجب أنت : ( لما كنت يا رب عمل يديك فلا يليق أن يكون فيّ خطيئة وهو ما يحبه الشيطان ، فارحم يا رب لأجل مجدك أعمال يديك . فإذا قـال الله : ( قد عفوت عنك وأريد الآن أن أجزيك ) فأجب : ( يا رب أنا أستحق العقوبة لما فعلته وأنت تستحق لما فعلته أن تمجد فعاقبني يا رب على ما فعلت وخلِّص ما قد صنعت ) ، فإذا قال الله : ( ما هو العقاب الذي تراه معادلا لخطيئتك ؟ ) فأجب أنت : ( يا رب بقدر ما سيكابده كل المنبوذين ) ، فإذا قال الله : ( لـِمَ تطلب يا عبدي الأمين عقوبة عظيمة كهذه ؟ ) فأجب أنت : ( لو أخذ كل منهم على قدر ما أخذت لكانوا أشد إخلاصا مني في خدمتك ) ، فإذا قال الله : ( متى تريد أن تصيبك هذه العقوبة وكم تكون مدتها ؟ ) فأجب أنت : ( الآن وإلى غير نهاية ) ، لعمر الله الذي تقف نفسي في حضرته أن رجلا كهذا يكون مرضيا لله أكثر من كل ملائكته الأطهار ، لأن الله يحب الإتضاع الحقيقي ويكره الكبرياء ؟ ، حينئذ شكر الكاتب يسوع وقال له : يا سيدي لنذهب إلى بيت خادمك لأن خادمك يقدم لك وللتلاميذ طعاما ، فأجاب يسوع : إني أذهب الآن إلى هناك متى وعدتني أن تدعوني أخا لا سيدا وتقول أنك أخي لا خادمي فوعد الرجل وذهب يسوع إلى بيته . الفصل الثالث والثمانون بعد المائة     وبينما كانوا جالسين على الطعام قال الكاتب : يا معلم قلت أن الله يحب الإتضاع الحقيقي ، فقل لنا ما هو وكيف يكون حقيقيا أو كذبا ، أجاب يسوع : الحق أقول لكم أن من لا يصير كطفل صغير لا يدخل ملكوت السماء ، تعجب كل أحد لسماع هذا ، وقال كل للآخر : كيف يمكن لمن كان ابن ثلاثين وأربعين سنة أن يصير ولدا ؟ حقا إن هذا لقول عويص ، أجاب يسوع : لعمر الله الذي تقف نفسي في حضرته أن كلامي لحق ، إني قلت لكم أنه يجب على الإنسان أن يصير كطفل صغير لأن هذا هو الإتضاع الحقيقي ، فإنكم لو سألتم ولدا صغيرا : ( من صنع ثيابك ) يجيب ( أبي ) ، وإذا سألتموه ( لمن البيت الذي هو فيه ؟ ) يقول ( بيت أبي ) ، وإذا سألتموه ( من يعطيك لتأكل ؟ ) يجيب : ( أبي ) ، وإذا قلتم : ( من علمك المشي والتكلم ؟ ) يجيب : ( أبي ) ، ولكن إذا قلتم له : ( من شجّ جبهتك فإن جبهتك معصوبة ؟ ) يجيب : ( سقطت فشججت رأسي ) ، وإذا قـلتم له : ( فلماذا وقعت ؟ ) يجيب : ( ألا ترون أني صغير حتى لا قوة لي على المشي والإسراع كالبالغ حتى أنه يجب أن يأخذ أبي بيدي إذا كنت أمشي بثبات قدم ، ولكن تركني أبي هنيهة لأتعلم المشي جيدا فأحببت أن أسرع فسقطت ) ، وإذا قلتم : ( وماذا قال أبوك ؟ ) يجيب: ( لماذا لم تمش ببطء أنظر أن لا تترك في المستقبل جانبي ) . الفصل الرابع والثمانون بعد المائة     قال يسوع : قولوا لي أهذا صحيح ؟ ، فأجاب التلاميذ والكاتب : إنه لصحيح كل الصحة ، فقال حينئذ يسوع : إن من يشهد بالله بإخلاص قلب أن الله منشئ كل صلاح وأنه هو نفسه منشئ الخطيئة يكون متضعا ، ولكن من يتكلم بلسانه كما يتكلم الولد ويناقضه بالعمل فهو بالتأكيد ذو تواضع كاذب وكبرياء حقيقية ، إن الكبرياء تكون في أوجها متى استخدمت الأشياء الوضعية لكيلا توبخها الناس وتمتهنها ، فالإتضاع الحقيقي هو مسكنة النفس التي يعرف بها الإنسان نفسه بالحقيقة ، ولكن الصفة الكاذبة إنما هي ضبابة من الجحيم تجعل بصيرة النفس مظلمة بحيث ينسب الإنسان إلى الله ما يجب عليه أن ينسبه إلى نفسه ، وعليه فإن الرجل ذا الإتضاع الكاذب يقول أنه متوغل في الخطيئة ولكن إذا قال له أحد أنه خاطئ ثار حنقه عليه واضطهده ، ذو الإتضاع الكاذب يقول أن الله أعطاه كل ماله ولكنه هو من جهة لم ينعس بل عمل أعمالا صالحة ، فقـولوا لي أيها الإخوة كيف يسير فريسيو الزمن الحاضر ؟ ، أجاب الكاتب باكيا : يا معلم إن لفريسيي الزمن الحاضر ثياب الفريسيين وإسمهم وما في قلوبهم وأعمالهم سوى كنعانيين ، ويا ليتهم لم يغتصبوا اسما كهذا فإنهم حينئذ لا يخدعون البسطاء ، أيها الزمن القديم كم عاملتنا بقسوة إذ أخذت منا الفريسيين الحقيقيين وتركت لنا الكاذبين . الفصل الخامس والثمانون بعد المائة     أجاب يسوع : أيها الأخ ليس الزمن هو الذي فعل هذا بل بالحري العالم الشرير ، لأن خدمة الله بالحق تمكن في كل زمن ، ولكن الناس يصيرون   أردياء بالاختلاط بالعالم أي بالعوائد الرديئة في كل زمن ، ألا تعلم أن جحيزي خادم اليسع النبي لما كذب وأورث سيده الخجل أخذ نقود نعمان السرياني وثوبه ، ومع ذلك كان لأليسع عدد وافر من الفريسيين جعله الله يتنبأ لهم ، الحق أقول لك أنه قد بلغ من ميل الناس لعمل الشر ومن إغراء العالم لهم بذلك ومن إغواء الشيطان إياهم على الشر مبلغا يعرض معه فريسيو الزمن الحاضر عن كل عمل صالح وكل قدوة طاهرة ، وإن لفي مثال جحيزي كفاية لهم ليكونوا منبوذين من الله ، أجاب الكاتب : إن ذلك لصحيح ، فقال من ثم يسوع : أريد أن تقص علي مثال حجي وهوشع نبي الله لنرى الفريسي الحقيقي ، أجاب الكاتب : ماذا أقول يا معلم حقا إن كثيرين لا يصدقون مع أنه مكتوب في دانيال النبي ولكن إطاعة لك أقص الحقيقة ، ] كان حجي ابن خمس عشرة سنة عندما خرج من عند أناثوث ليخدم عوبديا النبي بعد أن باع إرثه ووهبه للفقراء ، أما عوبديا الشيخ الذي عرف اتضاع حجي فاستعمله بمثابة كتاب يعلم به تلاميذه ، فلذلك كان يكثر من تقديم الأثواب والأطعمة الفاخرة له ، ولكن حجي كان دائما يرد الرسول قائلا : ( اذهب وعد إلى البيت لأنك قد ارتكبت خطأ ، أفيرسل لي عوبديا أشياء كهذه ؟ ، لا البتة لأنه يعرف أني لا أصلح لشيء بل إنما أرتكب الخطيئة ) ، ومتى كان عند عوبديا شيء رديء أعطاه لمن ولي حجي لكي يراه فكان إذا رآه حجي يقول في نفسه : ( ها هو ذا عوبديا قد نسيني بلا ريب لأن هذا الشيء لا يصلح إلا لي لأني شر من الجميع ، ومهما كان الشيء رديئا فمتى أخذته من عوبديا الذي منحني الله إياه على يديه صار كنزا ) . الفصل السادس والثمانون بعد المائة     ومتى أراد عوبديا أن يعلم أحدا كيف يصلي دعا حجي وقال : اتل الآن صلاتك ليسمع كل أحد كلامك ، فيقول حجي : ( أيها الرب إله إسرائيل انظر إلى عبدك الذي يدعوك لأنك قد خلقته ، أيها الرب الإله البار اذكر برك وقاص خطايا عبدك لكي لا أنجس عملك ، أبي وإلهي إني لا أقدر أن أسألك المسرات التي تهبها لعبيدك المخلصين لأني لا أفعل شيئا إلا الخطايا ، فإذا أنزلت يا رب بأحد عبيدك سقما فاذكرني أنا ) ، ثم قال الكاتب وكان متى فعل حجي هذا أحبه الله حتى أن الله كان يعطي النبوة لكل من وقف بجانبه ، ولم يكن حجي يطلب شيئا فيمنعه الله عنه . الفصل السابع والثمانون بعد المائة     ولما قال الكاتب الصالح هذا بكى كما يبكي النوتي إذا رأى سفينته قد تحطمت وقال : كان هوشع لما ذهب ليخدم الله أميرا لسبط نفتالي وكان له من العمر أربع عشرة سنة ، وبعد أن باع إرثه ووهبه الفقراء ذهب ليكون تلميذاً لحجي ، وكان هوشع مشغوفا بالصدقة حتى أنه كلما طلب منه شيء يقول: ( أيها الأخ إن الله منحني هذا لك فاقبله ) ، فلم يبق له لهذا السبب سوى ثوبين فقط أي صدرة من مسح ورداء من جلد ، وكان قد باع كما قلت إرثه وأعطاه للفقراء لأنه بدون هذا لا يجوز لأحد أن يسمى فريسيا ، وكان عند هوشع كتاب موسى وكان يطالعه برغبة شديدة ، فقال له حجي يوما ما : ( من أخذ منك كل مالك ؟ ) ، أجاب : ( كتاب موسى ) ، وحدث أن تلميذ أحد الأنبياء المجاورين أحب أن يذهب إلى أورشليم ولم يكن له رداء ، فلما سمع بتصدق هوشع ذهب ليراه وقال له : ( أيها الأخ إني أريد أن أذهب إلى أورشليم لأقوم بتقديم ذبيحة لإلهنا ولكن ليس لي رداء فلا أدري ماذا أفعل ) ، فلما سمع هوشع قال : ( عفوا أيها الأخ فإني قد ارتكبت خطيئة عظيمة إليك ، لأن الله قد أعطاني رداءا لكي أعطيك إياه فنسيت ، فاقبله الآن وصل إلى الله لأجلي ) ، فصدّق الرجل هذا وقبل رداء هوشع وانصرف ، ولما ذهب هوشع إلى بيت حجي قال حجي : ( من أخذ رداءك ؟ ) أجاب هوشع : ( كتاب موسى ) ، فسّر حجي كثيرا من سماع هذا لأنه أدرك صلاح هوشع ، وحدث أن اللصوص سلبوا فقيرا وتركوه عريانا ، فلما رآه هوشع نزع صدرته وأعطاها للعريان ولم يبق له سوى فرصة صغيرة من جلد الماعز على سوأته ، فلما لم يأت إلى حجي ظن حجي الصالح أن هوشع مريض ، فذهب مع تلميذين ليراه فوجده ملفوفا بأوراق من النخل ، فقال حينئذ حجي : ( قل لي الآن لماذا لم تزرني ؟ ) ، أجاب هوشع : ( إن كتاب موسى قد أخذ صدرتي فخشيت أن آتي إلى هناك بدون صدرة ) ، فأعطاه هناك حجي صدرة أخرى ، وحدث أن شابا رأى هوشع يطالع كتاب موسى فبكى وقال : ( أنا أيضا أود القراءة لو كان لي كتاب ) ، فلما سمع هوشع هذا أعطاه الكتاب قائلا : ( أيها الأخ إن هذا الكتاب لك لأن الله أعطاني إياه لكي أعطيه من يرغب في كتاب باكيا ) ، فصدّقه الرجل وأخذ الكتاب ) . الفصل الثامن والثمانون بعد المائة     وكان تلميذ لحجي على مقربة من هوشع ، فأراد أن يرى هل كان كتابه مكتوبا صحيحا ، فذهب ليزوره وقال له : ( أيها الأخ خذ كتابك ولننظر هل هو مطابق لكتابي ؟ ) ، فأجاب هوشع : ( لقد أخذ مني ) ، فقـال التلميذ : ( من أخذه منك ؟ ) ، أجاب هوشع : ( كتاب موسى ) ، فلما سمع الآخر هذا ذهب إلى حجي وقال له : ( إن هوشع قد جنّ لأنه يقول أن كتاب موسى قد أخذ منه كتاب موسى ) ، أجاب حجي : ( يا ليتني كنت مجنونا مثله وكان كل المجانين نظير هوشع ) ، وشن لصوص سوريا الغارة على أرض اليهودية ، فأسروا ابن أرملة فقيرة كانت تسكن على مقربة من جبل الكرمل حيث كان الأنبياء والفريسيون يقيمون ، فاتفق حينئذ أن هوشع كان ذاهبا ليقطع حطبا فالتقى بالمرأة وهي باكية ، فشرع من ثم يبكي حالا ، لأنه كان متى رأى ضاحكا ضحك ومتى رأى باكيا بكى ، فسأل حينئذ هوشع المرأة عن سبب بكائها فأخبرته بكل شيء ، فقال حينئذ هوشع : ( تعالي أيتها الأخت لأن الله يريد أن يعطيك ابنك ) ، فذهبا كلاهما إلى جرون حيث باع هوشع نفسه وأعطى النقود للأرملة التي لم تعلم كيف حصل عليها فقبلتها وافتدت ابنها ، والذي اشترى هوشع أخذه إلى أورشليم حيث كان له منزل وهو لا يعرف هوشع ، فلما رأى حجي أنه لا يمكن العثور على هوشع لبث كاسف البال ، فأخبره من ثم ملاك الله كيف أنه قد أخذ عبدا إلى أورشليم ، فلما علم هذا حجي الصالح بكى لبعاد هوشع كما تبكي الأم لبعاد ابنها ، وبعد أن دعا تلميذين ذهب إلى أورشليم ، فصادف بمشيئة الله عند مدخل المدينة هوشع وكان محملا خبزا ليأخذه إلى الفعلة في كرم سيده ، فلما استبانه حجي قال : ( يا بني كيف هجرت أباك الشيخ الذي ينشدك نائحا ؟ ) ، أجـاب هوشع : ( يا أبتاه لقد شريت ) ، فقال حينئذ حجي بحنق : ( من هو ذلك الرديء الذي باعك ؟ ) ، فأجاب هوشع : (غُفر لك يا أبتاه لأن الذي باعني صالح بحيث لو لم يكن في العالم لما صار أحد طاهرا ) ، فقال حجي : ( فمن هو إذا ) ، أجاب هوشع : ( إنه كتاب موسى يا أبتاه ) ، فوقف حينئذ حجي الصالح كمن فقد عقله وقال : ( ليت كتاب موسى يبيعني أنا أيضا مع أولادي كما باعك ! ) ، وذهب حجي مع هوشع إلى بيت سيده الذي قال لما رأى حجي : ( تبارك إلهنا الذي أرسل نبيه إلى بيتي ) وأسرع ليقبل يده ، فقال حينئذ حجي : ( قبل أيها الأخ يد عبدك الذي ابتعته لأنه خير مني ) ، وأخبره بكل ما جرى ، فمن ثم أعتق السيد هوشع [ ثم قال الكاتب ، وهذا كل ما تبتغي أيها المعلم . الفصل التاسع والثمانون بعد المائة     فقال حينئذ يسوع : إن هذا لصدق لأن الله قد أكده لي ، ولتقف الشمس ولا تتحرك برهة اثنتي عشر ساعة ! لكي يؤمن كل أحد أن هذا صدق ، وهكذا حدث فأفضى إلى هلع أورشليم واليهودية كلها ، وقال يسوع للكاتب : ماذا عساك أن تطلب مني أيها الأخ وعندك مثل هذه المعرفة ، لعمر الله إن في هذا كفاية لخلاص الإنسان لأن اتضاع حجي وتصدق هوشع يكملان العمل بالشريعة برمتها و( كتب ) الأنبياء برمتها ، قل لي أيها الأخ أخَطر في بالك لما أتيت لتسألني في الهيكل أن الله قد بعثني لأبيد الشريعة والأنبياء ؟ ، من المؤكد أن الله لا يفعل هذا لأنه غير متغير ، فإن ما فرضه الله طريقا لخلاص الإنسان هو ما أمر الأنبياء بالقول به ، لعمر الله الذي تقف نفسي في حضرته لو لم يفسد كتاب موسى مع كتاب أبينا داود بالتقاليد البشرية للفريسيين الكذبة والفقهاء لما أعطاني الله كلمته ، ولكن لماذا أتكلم عن كتاب موسى وكتاب داود ؟ ، فقد فسدت كل نبوة حتى أنه لا يطلب اليوم شيء لأن الله أمر به بل ينظر الناس إذا كان الفقهاء يقولون به والفريسيون يحفظونه كأن الله على ضلال والبشر لا يضلون ، فويل لهذا الجيل الكافر لأنهم سيحملون تبعة دم كل نبي وصدّيق مع دم زكريا بن برخيا الذي قتلوه بين الهيكل والمذبح ، أي نبي لم يضطهدوه ؟ ، أي صدّيق تركوه يموت حتف أنفه ؟ ، لم يكادوا يتركوا واحدا ، وهم يطلبون الآن أن يقتلوني ، يفاخرون بأنهم أبناء إبراهيم وأن لهم الهيكل الجميل ملكا ، لعمر الله إنهم أولاد الشيطان فلذلك ينفذون إرادته ، ولذلك سيتهدم الهيكل مع المدينة المقدسة تهدما لا يبقى معه حجر على حجر من الهيكل . الفصل التسعون بعد المائة     قل لي أيها الأخ وأنت الفقيه المتضلع من الشريعة بأي ضُرِب موعد مسيا لأبينا إبراهيم ؟ أبإسحاق أم بإسماعيل ؟ ، أجاب الكاتب : يا معلم أخشى أن أخبرك عن هذا بسبب عقاب الموت ، حينئذ قال يسوع : إني آسف أيها الأخ أني أتيت لآكل خبزا في بيتك لأنك تحب هذه الحياة الحاضرة أكثر من الله خالقك ، ولهذا السبب تخشى أن تخسر حياتك ولكن لا تخشى أن تخسر الإيمان والحياة الأبدية التي تضيع متى تكلم اللسان عكس ما يعرف القلب من شريعة الله ، حينئذ بكى الكاتب الصالح وقال : يا معلم لو عرفت كيف أثمر لكنت قد بشرت مرارا كثيرة بما أعرضت عن ذكره لئلا يحصل شغب في الشعب ، أجاب يسوع : يجب عليك أن لا تحترم الشعب ولا العالم كله ولا الأطهار كلهم ولا الملائكة كلهم إذا أغضبوا الله ، فخيـرا أن يهلك ( العالم ) كله من أن تغضب الله خالقك ، ولا تحفظه في الخطيئة ، لأن الخطيئة تهلك ولا تحفظ ، أما الله فقدير على خلق عوالم عدد رمال البحر بل أكثر . الفصل الحادي والتسعون بعد المائة     حينئذ قال الكاتب : عفوا يا معلم لأني قد أخطأت ، قال يسوع : الله يغفر لك لأنك إليه قد أخطأت ، فقال من ثم الكاتب : لقد رأيت كتيبا قديما مكتوبا بيد موسى ويشوع ( الذي أوقف الشمس كما قد فعلت ) خادمي ونبيي الله ، وهو كتاب موسى الحقيقي ، ففيه مكتوب أن إسماعيل هو أب لمسيا وإسحاق أب لرسول مسيا ، وهكذا يقول الكتاب أن موسى قال : ( أيها الرب إله إسرائيل القدير الرحيم أظهر لعبدك في سناء مجدك ) ، فأراه الله من ثم رسوله على ذراعي إسماعيل وإسماعيل على ذراعي ابراهيم ، ووقف على مقربة من إسماعيل إسحاق وكان على ذراعيه طفل يشير بإصبعه إلى رسول الله قائلا : ( هذا هو الذي لأجله خلق الله كل شيء ) ، فصرخ من ثم موسى بفرح : ( يا إسماعيل إن في ذراعيك العالم كله والجنة ، أذكرني أنا عبد الله لأجد نعمة في نظر الله بسبب ابنك الذي لأجله صنع الله كل شيء ) . الفصل الثاني والتسعون بعد المائة     لا يوجد في ذلك الكتاب أن الله يأكل لحم المواشي أو الغنم ، لا يوجد في ذلك الكتاب أن الله قد حصر رحمته في إسرائيل فقط ، بل أن الله يرحم كل إنسان يطلب الله خالقه بالحق ، لم أتمكن من قراءة هذا الكتاب كله لأن رئيس الكهنة الذي كنت في مكتبته نهاني قائلا أن ( إسماعيليا قد كتبه ) ، فقال حينئذ يسوع : انظر أن لا تعود أبدا فتحجز الحق لأنه بالإيمان بمسيا سيعطي الله الخلاص للبشر ولن يخلص أحد بدونه ، وأتم هنا يسوع حديثه   وبينما كانوا على الطعام إذا بمريم التي بكت عند قدمي يسوع قد دخلت إلى بيت نيقوديموس ( هذا هو اسم الكاتب ) ، ووضعت نفسها باكية عند قدمي يسوع قائلة : يا سيد إن لخادمك الذي بسببك وجد رحمة من الله أختا وأخا منطرحا مريضا في خطر الموت ، أجاب يسوع : أين بيتك ، قولي لي لأني أجيء لأضرع إلى الله لأجل صحته ، أجابت مريم : بيت عنيا هو ( بيت ) أختي وأخي لأن سكني أنا المجدل فأخي في بيت عنيا ، قال يسوع للمرأة اذهبي تواً إلى بيت أخيك وانتظريني هناك لأني أجيء لأشفيه ، ولا تخافي فإنه لا يموت ، فانصرفت المرأة ولما ذهبت إلى بيت عنيا وجدت أخاها قد مات في ذلك اليوم ، فوضعوه في ضريح آبائهم . الفصل الثالث والتسعون بعد المائة    ولبث يسوع يومين في بيت نيقوديموس ، ومضى في اليوم الثالث إلى بيت عنيا ، ولما قرب من المدينة أرسل أمامه اثنين من تلاميذه ليخبروا مريم بقدومه ، فخرجت مسرعة من المدينة ، ولما وجدت يسوع قالت باكية : لقد قلت يا سيد أن أخي لا يموت وقد صار له الآن أربعة أيام وهو دفين ، يا ليتك جئت قبل أن أدعوك لأنك لو فعلت لما مات ، وأجاب يسوع : إن أخاك ليس بميت بل هو راقد لذلك جئت لأوقظه ، أجابت مريم باكية : يا سيد إنه يستيقظ من هذا الرقاد يوم الدينونة متى نفخ ملاك الله ببوقه ، أجاب يسوع : صدقيني يا مريم أنه سيقوم قبل ذلك اليوم لأن الله قد أعطاني قوة على رقاده ، والحق أقول لك أنه ليس بميت فإن الميت إنما هو من يموت دون أن يجد رحمة من الله ، فرجعت مريم مسرعة لتخبر أختها مرتا بمجيء يسوع ، وكان قد اجتمع عند موت لعازر جم غفير من اليهود من أورشليم وكثيرون من الكتبة والفريسيين . ​فلما سمعت مرتا من أختها عن مجيء يسوع قامت على عجل وأسرعت إلى الخارج ، فتبعها جمهور من اليهود والكتبة والفريسيين ليعزّوها لأنهم حسبوا أنها ذاهبة إلى القبر لتبكي أخاها ، فلما بلغت مرتا المكان الذي كان قد كلم فيه يسوع مريم قالت باكية : يا سيد ليتك كنت هنا لأنك لو كنت لم يمت أخي ، ثم وصلت مريم باكية ، فسكب من ثم يسوع العبرات وقال متنهدا : أين وضعتموه ؟ ، أجابوا : تعال وانظر ، فقال الفريسيون فيما بينهم : لماذا سمح هذا الرجل الذي أحيا ابن الأرملة في نايين أن يموت هذا الرجل بعد أن قال أنه لا يموت ؟ ، ولما وصل يسوع القبر حيث كان كل أحد يبكي قال : لا تبكوا لأن لعازر راقد وقد أتيت لأوقظه ، فقال الفريسيون فيما بينهم : ليتك ترقد أنت هذا الرقاد ! ، حينئذ قال يسوع : إن ساعتي لما تأت ، ولكن متى جاءت أرقد كذلك ثم أوقظ سريعا ، ثم قال يسوع أيضا : ارفعوا الحجر عن القبر ، قالت مرتا : يا سيد لقد أنتن لأن له أربعة أيام وهو ميت ، قال يسوع : إذا لماذا جئت إلى هنا يا مرتا ألا تؤمنين بأني أوقظه ؟ ، قالت مرتا : أعلم أنك قدوس الله الذي أرسلك إلى هذا العالم ، ثم رفع يسوع يديه إلى السماء وقال : أيها الرب إله إبراهيم وإسماعيل وإسحاق وإله آبائنا ارحم مصاب هاتين المرأتين وأعط مجدا لإسمك المقدس ، ولما أجاب كل واحد : آمين قال يسوع بصوت عال : لعازر هلم خارجا ، فقام على إثر ذلك الميت ، وقال يسوع لتلاميذه : حلّوه ، لأنه كان مربوطا بثياب القبر مع منديل على وجهه كما اعتاد آباؤنا أن يدفنوا ( موتاهم ) ، فآمن بيسوع جم غفير من اليهود وبعض الفريسيين لأن الآية كانت عظيمة ، وانصرف الذين لبثوا بدون إيمان وذهبوا إلى أورشليم وأخبروا رئيس الكهنة بقيامة لعازر وأن كثيرين صاروا ناصريين ، لأنهم هكذا كان يدعون الذين حملوا على التوبة بواسطة كلمة الله التي بشر بها يسوع .   الفصل الرابع والتسعون بعد المائة     فتشاور الكتبة والفريسيون مع رئيس الكهنة ليقتلوا لعازر ، لأن كثيرين رفضوا تقاليدهم وآمنوا بكلمة يسوع لأن آية لعازر كانت عظيمة إذ أن لعازر حدّث الشعب وأكل وشرب ، ولكن لما كان قويا وله أتباع في أورشليم وممتلكا مع أختيه المجدل وبيت عنيا لم يعرفوا ماذا يفعلون ، ودخل يسوع بيت لعازر في بيت عنيا فخدمته مرتا ومريم ، وكانت مريم ذات يوم جالسة عند قدمي يسوع مصغية إلى كلامه ، فقالت مرتا ليسوع : ألا ترى يا سيد أن أختي لا تهتم بك ولا تحضر ما يجب أن تأكله أنت وتلاميذك ؟ ، أجـاب يسوع : مرتا مرتا تبصري في ما يجب أن تفعلي لأن مريم قد اختارت نصيبا لن ينزع منها إلى الأبد ، وجلس يسوع على المائدة مع جم غفير من الذين آمنوا به ، وتكلم قائلا : أيها الإخوة لم يبق لي معكم سوى هنيهة من الزمن لأنه اقترب الزمن الذي يجب فيه أن أنصرف من العالم ، لذلك أذكركم بكلام الله الذي كلم به حزقيال النبي قائلا : ( لعمري أنا إلهكم الأبدي أن النفس التي تخطئ تموت ولكن إذا تاب الخاطئ لا يموت بل يحيا ) ، وعليه فإن الموت الحاضر ليس بموت بل نهاية موت طويل ، كما أن الجسد متى انفصل عن الحس في غيبوبة فليس له ميزة على الميت والمدفون ـ وإن كانت فيه النفس ـ سوى أن المدفون ينتظر الله ليقيمه والفاقد الشعور ينتظر عود الحس ، فانظروا إذاً الحياة الحاضرة التي هي موت إذ لا شعور لها بالله . الفصل الخامس والتسعون بعد المائة     من يؤمن بي لا يموت أبديا ، لأنهم بواسطة كلمتي يعرفون الله فيهم ولذلك يتممون خلاصهم ، ما الموت سوى عمل تعمله الطبيعة بأمر الله كما لو كان أحد ممسكا عصفورا مربوطا وأمسك الخيط في يده ، فإذا أراد الرأس انفلات العصفور فماذا يفعل ؟ ، من المؤكد أنه بالطبع يأمر اليد بالانفتاح فينفلت العصفور تواً ، إن نفسنا ما لبث الإنسان تحت حماية الله هي كما يقول النبي داود ( كعصفور أفلت من شرك الصياد ) ، وحياتنا كخيط تربط فيه النفس إلى جسد الإنسان وحسه ، فمتى أراد الله وأمر الطبيعة أن تنفتح انتهت الحياة وانفلتت النفس إلى أيدي الملائكة الذين عينهم الله لقبض النفوس ، لذلك لا يجب على الأصدقاء أن يبكوا متى مات صديق لأن إلهنا أراد ذلك ، بل ليبك بدون انقطاع متى أخطأ لأن النفس تموت إذ تنفصل عن الله ( وهو ) الحياة الحقيقية ، فإذا كان الجسد بدون اتحاده مع النفس مخيفا فإن النفس تكون أشد هولا بدون اتحادها مع الله الذي يجملها ويحييها بنعمته ورحمته ، ولما قال يسوع هذا شكر الله ، فقال حينئذ لعازر : يا سيد هذا البيت لله خالقي مع كل ما أعطي لعهدتي لأجل خدمة الفقراء ، فإذا كنت فقيرا وكان لك عدد كثير من التلاميذ تعال واسكن هنا متى شئت وما شئت ، فإن خادم الله يخدمك كما يجب حبا في الله . الفصل السادس والتسعون بعد المائة     لما سمع يسوع هذا سُرّ وقال : انظروا الآن ما أطيب الموت ، إن لعازر مات مرة فقط وقد تعلم تعليما لا يعرفه أحكم البشر في العالم الذي شاخوا بين الكتب ، يا ليت كل إنسان يموت مرة فقط ويعود للعالم مثل لعازر ليتعلموا كيف يحيون ، أجاب يوحنا : يا معلم أيؤذن لي أن أتكلم كلمة ؟ ، أجاب يسوع : قل ألفا لأنه كما يجب على الإنسان أن يصرف أمواله في خدمة الله هكذا يجب عليه أن يصرف التعليم ، بل يكون هذا أشد وجوبا عليه لأن للكلمة قوة على أن تحمل نفسا على التوبة على حين أن الأموال لا تقدر أن ترد الحياة للميت ، وعليه فإن من له قدرة على مساعدة فقير ثم لم يساعده حتى مات الفقير جوعا فهو قاتل ، ولكن القاتل الأكبر هو من يقدر بكلمة الله تحويل الخاطئ للتوبة ولم يحوله بل يقف كما يقول الله ككلب أبكم ، ففي مثل هؤلاء يقول الله : ( أيها العبد الخائن منك أطلب نفس الخاطئ الذي يهلك لأنك كتمت كلمتي عنه ) ، فعلى أية حال إذاً يكون الكتبة والفريسيون الذين معهم المفتاح ولا يدخلون بل يمنعون الذين يريدون الدخول في الحياة الأبدية ؟ ، تستأذنِّي يا يوحنا أن تتكلم كلمة وأنت قد أصغيت إلى مائة ألف كلمة من كلامي ، الحق أقول لك أنه يجب عليّ أن أصغي لك عشرة أضعاف ما أصغيت إلي ، وكل من لا يصغي إلى غيره فهو يخطئ كلما تكلم ، لأنه يجب أن نعامل الآخرين بما نرغب فيه لأنفسنا وأن لا نعمل للآخرين مالا نود وصوله إلينا ، حينئذ قال يوحنا : يا معلم لماذا لم ينعم الله على الناس بأن يموتوا مرة ثم يرجعوا كما فعل لعازر ليتعلموا أن يعرفوا أنفسهم وخالقهم ؟ .   الفصل السابع والتسعون بعد المائة     أجاب يسوع : ما قولك يا يوحنا في رب بيت أعطى أحد خدمه فأسا صحيحة ليقطع غابة حجبت منظر بيته ، ولكن الفاعل نسي الفأس وقـال : ( لو أعطاني السيد فأسا قديمة لقطعت الغابة بسهولة ) ، قل لي يا يوحنا ماذا قال السيد ؟ ، حقا إنه حنق وأخذ الفأس القديمة وضربه على الرأس قـائلا : ( أيها الغبي الخبيث لقد أعطيتك فأسا تقطع بها الغابة بدون كد ، أفتطلب الآن هذا الفأس التي يضطر معها المرء إلى كد عظيم وكل ما يقطع بها يذهب سدى ولا ينفع لشيء ؟ ، إني أريد أن تقطع الخشب على طريقة يكون معها عملك حسنا ) ، أليس هذا بصحيح ؟ ، أجاب يوحنا : إنه لصحيح كل الصحة ، حينئذ قال يسوع : يقول الله ( لعمري أنا الأبدي أني أعطيت فأسا جيد لكل إنسان وهي منظر دفن الميت ، فمن استعمل هذه الفأس جيدا أزالوا غابة الخطيئة من قلوبهم بدون ألم ، فهم لذلك ينالون نعمتي ورحمتي وأجزيهم الحياة الأبدية بأعمالهم الصالحة ، ولكن من ينسى أنه فان مع أنه يرى المرة بعد المرة غيره يموت فيقول : ( لو أتيح لي رؤية الحياة الأخرى لعملت أعمال صالحة ) فإن غضبي يحل عليه ولأضربنه بالموت حتى لا ينال خيرا فيما بعد ) ، ثم قال يسوع : يا يوحنا ما أعظم مزية من يتعلم من سقوط الآخرين كيف يقف على رجليه . الفصل الثامن والتسعون بعد المائة     حينئذ قال لعازر : يا معلم الحق أقول لك أني لا أقدر أن أدرك العقوبة التي يستحقها من يرى المرة بعد المرة الموتى تحمل إلى القبر ولا يخاف الله خالقنا ، فإن مثل هذا لأجل الأشياء العالمية التي يجب عليه تركها بالمرة يغضب خالقه الذي منحه كل شيء ، فقال حينئذ يسوع لتلاميذه : تدعونني معلما وتعملون حسنا لأن الله يعلمكم بلساني ، ولكن كيف تدعون لعازر ؟ ، حقا إنه هنا لمعلم كل المعلمين الذين يبثون تعليما في هذا العالم ، نعم إنني علمتكم كيف يجب أن تعيشوا حسنا ، وأما لعازر فيعلمكم كيف تموتون حسنا ، لعمر الله أنه نال موهبة النبوة فأصغوا إذاً لكلامه الذي هو حق ويجب أن تكونوا أشد إصغاء إليه بالأحرى لأن المعيشة الجيدة عبث إذا مات الإنسان ميتة رديئة ، قال لعازر : يا معلم أشكر لك أنك تجعل الحق يقدر قدره لذلك يعطيك الله أجرا عظيما ، حينئذ قال الذي يكتب هذا : يا معلم كيف يقول لعازر الحق بقوله لك ( ستنال أجرا ) مع أنك قلت لنيقوديموس إن الإنسان لا يستحق شيئا سوى العقوبة ؟ ، أفيقاصك الله إذا ؟ ، أجاب يسوع : عساني أن أنال من الله قصاصا في هذا العالم لأني لم أخدمه بإخلاص كما كان يجب علي أن أفعل ، ولكن الله أحبني برحمته حتى أن كل عقوبة رفعت عني بحيث أني أعذب في شخص آخر ، فإني كنت أهلا للقصاص لأن البشر دعوني إلها ، ولكن لما كنت قد اعترفت لا بأني لست إلها ، فقط كما هو الحق بل قد اعترفت أيضا أني لست مسيا فقد رفع الله لذلك العقوبة عني ، وسيجعل شريرا يكابدها بإسمي حتى لا يبقى منها لي سوى العار ، لذلك أقول لك يا برناباي أنه متى تكلم إنسان عما سيهبه الله لقريبه فليقل أن قريبه يستأهله ، ولكن لينظر متى تكلم عما سيعطيه الله إياه أن يقول : إن الله سيهب لي ، ولينظر جيدا أن لا يقول ( إني استأهل ) ، لأن الله يسر أن يمنح رحمته لعبيده متى اعترفوا أنهم يستأهلون الجحيم لأجل خطاياهم . الفصل التاسع والتسعون بعد المائة     إن الله لغني برحمته حتى أن دمعة واحدة ممن ينوح لإغضابه الله تطفئ الجحيم كله بالرحمة العظيمة التي يمده الله بها على أن مياه ألف بحر ـ لو وجدت ـ لا تكفي لإطفاء شرارة من لهيب الجحيم ، فلذلك يريد الله خذلا للشيطان وإظهارا لجوده هو أن يحسب في حضرة رحمة كل عمل صالح أجرا لعبده المخلص ، ويحب منه أن يقول عن قريبه هكذا ، أما الإنسان في خاصة نفسه فعليه أن يحذر من قول ( لي أجر ) لأنه يدان الفصل المائتان     حينئذ التفت يسوع إلى لعازر وقال : يجب علي أيها الأخ أن أمكث في العالم هنيهة ، فمتى كنت على مقربة من بيتك لا أذهب إلى محل آخر قط لأنك تخدمني لا حبا فيّ بل حبا في الله ، وكان فصح اليهود قريبا لذلك قال يسوع لتلاميذه : لنذهب إلى أورشليم لنأكل حمل الفصح ، وأرسل بطرس ويوحنا إلى المدينة قائلا : تجدان أتانا بجانب باب المدينة مع جحش ، فحلاها وأتيا بها إلى هنا لأنه يجب أن أركبها إلى أورشليم ، فإذا سألكما أحد قـائلا : ( لماذا تحلانها ؟ ) فقولا لهم : المعلم محتاج إليها ، فيسمحان لكما بإحضارها ، فذهب التلميذان فوجدا كل ما قال لهما يسوع عنه ، فأحضرا الأتان والجحش ، فوضع التلميذان رداءيهما على الجحش وركب يسوع ، وحدث أنه لما سمع أهل أورشليم أن يسوع الناصري آت فرح الناس مع أطفـالهم متشوقين لرؤية يسوع ، حاملين في أيديهم أغصـان النخل والزيتون مرنميـن ( تبـارك الآتي النبأ بإسم الله مرحبا بإبن داود ) ، فلما بلغ يسوع المدينة فرش الناس ثيابهم تحت أرجل الأتان مرنمين : ( تبارك الآتي النبأ بإسم الرب الإله مرحبا بابن داود ) ، فوبخ الفريسيون يسوع قائلين : ألا ترى ما يقول هؤلاء ؟ مُرهم أن يسكتوا ، حينئذ قال يسوع : لعمر الله الذي تقف نفسي في حضرته لو سكت هؤلاء لصرخت الحجارة بكفر الأشرار الأردياء ، ولما قال يسوع هذا صرخت حجارة أورشليم كلها بصوت عظيم : تبارك الآتي إلينا بإسم الرب الإله ، ومع ذلك أصر الفريسيون على عدم إيمانهم ، وبعد أن التأموا ائتمروا ليتسقطوه بكلامه . الفصل الأول بعد المائتين     وبعد أن دخل يسوع الهيكل أحضر إليه الكتبة والفريسيون امرأة أخذت في زنى ، وقالوا فيما بينهم : إذا خلصها فذلك مضاد لشريعة موسى فيكون عندنا مذنبا وإذا دانها فذلك مضاد لتعليمه لأنه يبشر الرحمة ، فتقدموا إلى يسوع وقالوا : يا معلم لقد وجدنا هذه المرأة وهي تزني ، وقد أمر موسى أن ( مثل هذه ) ترجم ، فماذا تقول أنت ؟ ، فانحنى من ثم يسوع وصنع بإصبعه مرآة على الأرض رأى فيها كل إثمه ، ولما ظلوا يلحون بالجواب انتصب يسوع وقال مشيرا بإصبعه إلى المرآة : من كان منكم بلا خطيئة فليكن أول راجم لها ، ثم عاد فانحنى مقلبا المرآة ، فلما رأى القوم هذا خرجوا واحدا فواحدا مبتدئين من الشيوخ لأنهم خجلوا أن يروا رجسهم ، ولما انتصب يسوع ولم ير أحدا سوى المرأة قال : أيتها المرأة أين الذين دانوك ؟ ، فأجابت المرأة باكية : يا سيد قد انصرفوا فإذا صفحت عني فإني لعمر الله لا أخطئ فيما بعد ، حينئذ قال يسوع : تبارك الله ، اذهبي في طريقك بسلام ولا تخطئي فيما بعد لأن الله لم يرسلني لأدينك ، حينئذ اجتمع الكتبة والفريسيون فقال لهم يسوع : قولوا لي لو كان لأحدكم مائة خروف وأضاع واحدا منها ألا ينشده تاركا التسعة والتسعين ؟ ، ومتى وجدته ألا تضعه على منكبيك ، وبعد أن تدعو الجيران تقول لهم : ( افرحوا معي لأني وجدت الخروف الذي فقدته ) ، حقا إنك تفعل هكذا ، ألا قولوا لي أيحب الله الإنسان أقل من ذلك وهو لأجله قد خلق العالم ؟ ، لعمر الله هكذا يكون فرح في حضرة ملائكة الله بخاطئ واحد يتوب لأن الخطاة يظهرون رحمة الله . الفصل الثاني بعد المائتين     قولوا لي من هو أشد حبا للطبيب أألذين لم يمرضوا مطلقا أم الذين شفاهم الطبيب من أمراض خطرة ؟ ، قال له الفريسيون : وكيف يحب الصحيح الطبيب ؟ حقا إنما يحبه لأنه ليس بمريض ولما لم تكن له معرفة بالمرض لا يحب الطبيب إلا قليلا ، حينئذ تكلم يسوع بحدة الروح قائلا : لعمر الله أن لسانكم يدين كبرياءكم ، لأن الخاطئ التائب يحب إلهنا أكثر من البار لأنه يعرف رحمة الله العظيمة له ، لأنه ليس للبار معرفة برحمة الله ، لذلك يكون الفرح عند ملائكة الله بخاطئ واحد يتوب أكثر من تسعة وتسعين بارا ، أين الأبرار في زمننا ؟ ، لعمر الله الذي تقف نفسي بحضرته أن عدد الأبرار غير الأبرار لعظيم ، لأن حالهم شبيهة بحال الشيطان ، أجاب الكتبة والفريسيون : إننا خطاة لذلك يرحمنا الله ، وهم إنما قالوا هذه ليجربوه ، لأن الكتبة والفريسيون يحسبون أكبر إهانة أن يدعوا خطاة ، فقال حينئذ يسوع : إني أخشى أن تكونوا أبرارا غير أبرار ، فإنكم إذا كنتم قد أخطأتم وتنكرون خطيئتكم داعين أنفسكم أبرارا فأنتم غير أبرار ، وإذا كنتم تحسبون أنفسكم في قلوبكم أبرارا وتقولون بلسانكم أنكم خطاة فتكونون إذا أبرارا غير أبرار مرتين ، فلما سمع الكتبة والفريسيون هذا تحيروا وانصرفوا تاركين يسوع وتلاميذه في سلام فذهبوا إلى بيت سمعان الأبرص الذي كان أبرأه من البرص ، فجمع الأهلون المرضى إلى بيت سمعان وضرعوا إلى يسوع لإبراء المرضى ، حينئذ قال يسوع وهو عالم أن ساعته قد اقتربت : ادعوا المرضى ما بلغوا لأن الله رحيم وقادر على شفائهم ، أجابوا : لا نعلم أنه يوجد مرضى آخرون هنا في أورشليم ، أجاب يسوع باكيا : يا أورشليم يا إسرائيل إني أبكي عليك لأنك لا تعرفين ( يوم ) حسابك ، فإني أحببت أن أضمك إلى محبة الله خالقك كما تضم الدجاجة فراخها تحت جناحيها فلم تريدي ، لذلك يقول الله لك هكذا . الفصل الثالث بعد المائتين     ( أيتها المدينة القاسية القلب المرتكسة العقل لقد أرسلت إليك عبدي لكي يحولك إلى قلبك فتتوبين ، ولكنك يا مدينة البلبلة قد نسيت كل ما أنزلت بمصر وبفرعون حبا فيك يا إسرائيل ، ستبكين مرارا عديدة ليبرئ عبدي جسمك من المرض وأنت تطلبين أن تقتلي عبدي لأنه يطلب أن يشفي نفسك من الخطيئة ، أتبقين إذاً وحدك دون عقوبة مني ؟ ، أتعيشين إذاً إلى الأبد ، أو ينقذك كبرياؤك من يدي ؟ ، لا البتة ، لأني سأحمل عليك بأمراء وجيش ، فيحيطون بك بقوة ، وسأسلمك إلى أيديهم على كيفية تهبط بها        كبرياؤك إلى الجحيم ، لا أصفح عن الشيوخ ولا الأرامل ، لا أصفح عن الأطفال ، بل أسلمكم جميعا للجوع والسيف والسخرية ، والهيكل الذي كنت أنظر إليه برحمة إياه أدمر مع المدينة ، حتى تصيروا رواية وسخرية ومثلا بين الأمم ، وهكذا يحل غضبي عليك وحنقي لا يهجع ) . الفصل الرابع بعد المائتين     وبعد أن قال يسوع هذا عاد فقال : ألا تعلمون أنه يوجد مرضى آخرون ؟ ، لعمر الله أن أصحاء النفس في أورشليم لأقل من مرضى الجسد ، ولكي تعرفوا الحق أقول لكم : أيها المرضى لينصرف بإسم الله مرضكم عنكم ، ولما قال هذا شفوا حالا ، وبكى القوم لما سمعوا عن غضب الله على أورشليم وضرعوا لأجل الرحمة ، فقال حينئذ يسوع : يقول الله ( إذا بكت أورشليم على خطاياها وجاهدت نفسها سائرة في طريقي فلا أذكر آثامها فيما بعد ولا ألحق بها شيئا من البلية التي ذكرتها ، ولكن أورشليم تبكي على دمارها لا على إهانتها لي التي بها جدفت على اسمي بين الأمم ، لذلك زاد حنقي احتداما ، لعمري أنا الأبدي لو صلى لأجل هذا الشعب أيوب إبراهيم وصموئيل وداود ودانيال وموسى عبيدي لا يسكن غضبي على أورشليم ) ، وبعد أن قال يسوع هذا دخل البيت وظل كل أحد خائفا . الفصل الخامس بعد المائتين     وبينما كان يسوع على العشاء مع تلاميذه في بيت سمعان الأبرص إذا بمريم أخت لعازر قد دخلت البيت ، ثم كسرت إناءا وسكبت الطيب على رأس يسوع وثوبه ، فلما رأى هذا يهوذا الخائن أراد أن يمنع مريم من القيام بعمل كهذا قائلا : اذهبي وبيعي الطيب وأحضري النقود لكي أعطيها للفقراء ، قال يسوع : لماذا تمنعها ؟ دعها فإن الفقراء معكم دائما أما أنا فلست معكم دائما ، أجاب يهوذا : يا معلم كان يمكن أن يباع هذا الطيب بثلاث مائة قطعة من النقود ، فانظر إذاً كم فقير يمكن مساعدته به ، أجاب يسوع : يا يهوذا إني لعارف قلبك فاصبر إعطك الكل ، فأكل كل أحد بخوف ، وحزن التلاميذ لأنهم عرفوا أن يسوع سينصرف عنهم قريبا ، ولكن يهوذا حنق لأنه علم أنه خاسر ثلاثين قطعة من النقود لأجل الطيب الذي لم يبع ، لأنه كان يختلس العشر من كل ما كان يعطى ليسوع ، فذهب ليرى رئيس الكهنة الذي كان مجتمعا في مجلس مشورة من الكهنة والكتبة والفريسيين ، فكلمهم يهوذا قائلا : ماذا تعطوني وأنا أسلم إلى أيديكم يسوع الذي يريد أن يجعل نفسه ملكا على إسرائيل ؟ ، أجابوا : ألا كيف تسلمه إلى يدنا ، أجاب يهوذا : متى علمت أنه يذهب إلى خارج المدينة ليصلي أخبركم وأدلكم على الموضع الذي يوجد فيه ، لأنه لا يمكن القبض عليه في المدينة بدون فتنة ، أجاب رئيس الكهنة : إذا سلمته ليدنا نعطيك ثلاثين قطعة من الذهب وسترى كيف أعاملك بالحسنى . الفصل السادس بعد المائتين     ولما جاء النهار صعد يسوع إلى الهيكل مع جم غفير من الشعب ، فاقترب منه رئيس الكهنة قائلا : قل لي يا يسوع أنسيت كل ما كنت قد اعترفت به من أنك لست الله ولا ابن الله ولا مسيا ؟ ، أجاب يسوع : لا البتة لم أنس ، لأن هذا هو الاعتراف الذي أشهد به أمام كرسي دينونة الله يوم الدينونة ، لأن كل ما كتب في كتاب موسى صحيح كل الصحة فإن الله خالقنا أحد وأنا عبد الله وأرغب في خدمة رسول الله الذي تسمونه مسيا ، قال رئيس الكهنة : فما المراد إذاً من المجيء إلى الهيكل بهذا الجم الغفير ؟ ، لعلك تريد أن تجعل نفسك ملكا على إسرائيل ؟ ، احذر من أن يحل بك خطر ، أجاب يسوع : لو طلبت مجدي ورغبت نصيبي في العالم لما هربت لما أراد أهل نايين أن يجعلوني ملكا ، حقا صدقني إني لست أطلب شيئا في هذا العالم ، حينئذ قال رئيس الكهنة : نحب أن نعرف شيئا عن مسيا ، حينئذ اجتمع الكهنة والكتبة والفريسيون نطاقا حول يسوع ، أجاب يسوع : ما هو ذلك الشيء الذي تريدون أن تعرفوه عن مسيا ؟ لعله الكذب ؟ ، حقا إني لا أقول لك الكذب ، لأني لو كنت قلت الكذبة لعبدتني أنت والكتبة والفريسيون مع كل إسرائيل ، ولكن تبغضونني وتطلبون أن تقتلوني لأني أقول لكم الحق ، قال رئيس الكهنة : نعلم الآن أن وراء ظهرك شيطانا ، لأنك سامري ولا تحترم كاهن الله .     الفصل السابع بعد المائتين     أجاب يسوع : لعمر الله ليس وراء ظهري شيطان ولكن أطلب أن أخرج الشيطان ، فلهذا السبب يثير الشيطان عليّ العالم ، لأني لست من هذا العالم ، بل أطلب أن يمجد الله الذي أرسلني إلى العالم ، فأصيخوا السمع لي أخبركم بمن وراء ظهره الشيطان ، لعمر الله الذي تقف نفسي في حضرته أن من يعمل بحسب إرادة الشيطان فالشيطان وراء ظهره وقد وضع عليه لجام إرادته ويديره أنى شاء حاملا إياه على الإسراع إلى كل إثم ، كما أن اسم الثوب يختلف باختلاف صاحبه وهو هو الثوب نفسه هكذا البشر يختلفون على كونهم من مادة واحدة بسبب أعمال الذي يعمل في الإنسان ، إذا كنت قد أخطأت ( كما أعلم ذلك ) فلماذا لم توبخوني كأخ بدلا من أن تبغضوني كعدو ؟ ، حقا إن أعضاء الجسد تتعاون متى كانت متحدة بالرأس وأن ما انفصل منها عن الرأس فلا يغيثه ، لأن يدي الجسد لا تشعران بألم رجلي جسد آخر بل برجلي الجسد الذي هي متحدة به ، لعمر الله الذي تقف نفسي في حضرته أن من يخاف ويحب الله خالقه يرحم من يرحمه الله الذي هو رأسه ، ولما كان الله لا يريد موت الخاطئ بل يمهل كل أحد للتوبة فلو كنتم من ذلك الجسد الذي أنا متحد فيه لكنتم لعمر الله تساعدونني لأعمل بحسب ( مشيئة ) رأسي . الفصل الثامن بعد المائتين     إذا كنت أفعل الإثم وبخوني يحببكم الله لأنكم تكونون عاملين بحسب إرادته ، ولكن إذا لم يقدر أحد أن يوبخني على خطيئة فذلك دليل على أنكم لستم أبناء ابراهيم كما تدعون أنفسكم ، ولا أنتم متحدون بذلك الرأس الذي كان ابراهيم متحدا به ، لعمر الله أن ابراهيم أحب الله بحيث أنه لم يكتف بتحطيم الأصنام الباطلة تحطيما ولا بهجر أبيه وأمه ولكنه كان يريد أن يذبح ابنه طاعة لله ، أجاب رئيس الكهنة : إنما أسألك هذا ولا أطلب قتلك فقل لنا من كان ابن إبراهيم هذا ؟ ، أجاب يسوع : إن غيرة شرفك يا الله تؤججني ولا أقدر أن اسكت ، الحق أقول أن ابن إبراهيم هو إسماعيل الذي يجب أن يأتي من سلالته مسيا الموعود به إبراهيم أن به تتبارك كل قبائل الأرض ، فلما سمع هذا رئيس الكهنة حنق وصرخ : لنرجم الفاجر لأنه إسماعيلي وقد جدف على موسى وعلى شريعة الله . فأخذ من ثم كل من الكتبة والفريسيين مع شيوخ الشعب حجارة ليرجموا يسوع فاختفى عن أعينهم وخرج من الهيكل ، ثم إنهم بسبب شدة رغبتهم في قتل يسوع أعماهم الحنق والبغضاء فضرب بعضهم بعضا حتى مات ألف رجل ودنسوا الهيكل المقدس ، أما التلاميذ والمؤمنون الذين رأوا يسوع خارج من الهيكل ( لأنه لم يكن محتجبا عنهم ) فتبعوه إلى بيت سمعان ، فجاء من ثم نيقوديموس إلى هناك وأشار على يسوع أن يخرج من أورشليم إلى ما وراء جدول قدرون قائلا : يا سيد إن لي بستانا وبيتا وراء جدول قدرون ، فأضرع إليك إذاً أن تذهب إلى هناك مع بعض تلاميذك ، وأن تبقى هناك إلى أن يزول حقد الكهنة ، لأني أقدم لك كل ما يلزم ، وأنتم يا جمهور التلاميذ امكثوا هنا في بيت سمعان وفي بيتي لأن الله يعول الجميع ، ففعل يسوع هكذا ورغب في أن يكون معه الذين دعوا أولا رسلا فقط . الفصل التاسع بعد المائتين     وفي هذا الوقت بينما كانت العذراء مريم أم يسوع منتصبة في الصلاة زارها جبريل ، وقص عليها اضطهاد ابنها قائلا : لا تخافي يا مريم لأن الله سيحميه من العالم ، فانطلقت مريم من الناصرة باكية وجاءت إلى أورشليم إلى بيت مريم سالومة أختها تطلب ابنها ، ولكن لما كان قد اعتزل سرا وراء جدول قدرون لم يعد في استطاعتها أن تراه أيضا في هذا العالم إلا بعد ذلك العار إذ أحضره إليها بأمر الله الملاك جبريل مع الملائكة ميخائيل ورفائيل وأوريل . الفصل العاشر بعد المائتين     ولما هدأ الاضطراب في الهيكل بإنصراف يسوع صعد رئيس الكهنة ، وبعد أن أومأ بيديه للصمت قال : ماذا نفعل أيها الإخوة ؟ ألا ترون أنه قد أضل العالم كله بعمله الشيطاني ؟ ، فإذا لم يكن ساحرا فكيف اختفى الآن ، فحقا إنه لو كان طاهرا ونبيا لما جدف على الله وعلى موسى خادمه وعلى مسيا الذي هو أمل إسرائيل ، وماذا أقول ؟ ، فلقد جدف على طغمة كهنتنا برمتها ، فالحق أقول لكم أنه إذا لم يزل من العالم تدنس إسرائيل ودفعنا الله إلى الأمم ، انظروا الآن كيف قد تدنس هذا الهيكل المقدس بسببه ، وتكلم رئيس الكهنة بطريقة أعرض لأجلها كثيرون عن يسوع ، فتحول بذلك الإضطهاد السري إلى إضطهاد علني ، حتى أن رئيس الكهنة ذهب بنفسه إلى هيرودس وإلى الوالي الروماني متهما يسوع بأنه رغب في أن يجعل نفسه ملكا على إسرائيل ، وكان عندهم على هذا شهود زور ، فالتأم من ثم مجلس عام ضد يسوع لأن أمر الرومانيين أخافهم ، ذلك أن مجلس الشيوخ الروماني أرسل أمرين بشأن يسوع ، يتوعد في أحدهما بالموت من يدعو يسوع الناصري نبي اليهود الله ، ويتوعد في الآخر بالموت من يشاغب في شأن يسوع الناصري نبي اليهود ، فلهذا السبب وقع الشقاق فيما بينهم ، فرغب بعضهم في أن يعودوا فيكتبوا إلى رومية يشكون يسوع . وقال آخرون أنه يجب أن يتركوا يسوع وشأنه غاضين النظر عما قال كأنه معتوه ، وأورد آخرون الآيات العظيمة التي فعلها ، فأمر رئيس الكهنة بأن لا يتفوه أحد بكلمة دفاع عن يسوع إلا كان تحت طائلة الحرم ، ثم كلم هيرودس والوالي قائلا : كيفما كانت الحال فان بين أيدينا معضلة ، لأننا إذا قتلنا هذا الخاطئ خالفنا أمر قيصر ، وإن تركناه حيا وجعل نفسه ملكا فكيف يكون المآل ؟ ، فوقف حينئذ هيرودس وهدد الوالي قائلا : احذر من أن يكون عطفك على ذلك الرجل باعثا على ثورة هذه البلاد ، لأني أتهمك بالعصيان أمام قيصر ، حينئذ خاف الوالي مجلس الشيوخ وصالح هيرودس وكانا قبل هذا قد أبغض أحدهما الآخر إلى الموت ، واتحدا معا على إماتة يسوع وقالا لرئيس الكهنة : متى علمت أين الأثيم فأرسل إلينا نعطك جنودا ، وقد عمل هذا لتتم نبوءة داود الذي أنبأ بيسوع نبي إسرائيل قائلا : ( اتحد أمراء الأرض وملوكها على قدوس إسرائيل لأنه نادى بخلاص العالم ) ، وعليه فقد حدث تفتيش عام في ذلك اليوم على يسوع في أورشليم كلها . الفصل الحادي عشر بعد المائتين     ولما كان يسوع في بيت نيقوديموس وراء جدول قدرون عزى تلاميذه قائلا : لقد دنت الساعة التي أنطلق فيها من هذا العالم ، تعزوا ولا تحزنوا لأنني حيث أمضي لا أشعر بمحنة ، أتكونون أخلائي لو حزنتم لحسن حالي ؟ لا البتة بل بالحري أعداء ، إذا سر العالم فاحزنوا ، لأن مسرة العالم تنقلب بكاء ، أما حزنكم فسيتحول فرحا ، ولن ينزع فرحكم منكم أحد ، لأن العالم بأسره لا يقدر أن ينزع الفرح الذي يشعر به القلب بالله خالقه ، وانظروا أن لا تنسوا الكلام الذي كلمكم الله به على لساني ، كونوا شهودي على كل من يفسد الشهادة التي قد شهدتها بإنجيلي على العالم وعلى عشاق العالم . الفصل الثاني عشر بعد المائتين     ثم رفع يديه إلى الرب وصلى قائلا : أيها الرب إلهنا إله إبراهيم وإله إسماعيل وإسحاق إله آبائنا ارحم من أعطيتني وخلصهم من العالم ، لا أقول خذهم من العالم لأنه من الضروري أن يشهدوا على الذين يفسدون إنجيلي ، ولكن أضرع إليك أن تحفظهم من الشرير ، حتى يحضروا معي يوم الدينونة يشهدوا على العالم وعلى بيت إسرائيل الذي أفسد عهدك ، أيها الرب الإله القدير الغيور الذي ينتقم في عبادة الأصنام من أبناء الآباء عبدة الأصنام حتى الجيل الرابع إلعن إلى الأبد كل من يفسد إنجيلي الذي أعطيتني عندما يكتبون أني ابنك ، لأني أنا الطين والتراب خادم خدمك ولم أحسب نفسي قط خادما صالحا لك ، لأني لا أقدر أن أكافأك على ما أعطيتني لأن كل الأشياء لك ، أيها الرب الإله الرحيم الذي تظهر رحمة إلى ألف جيل للذين يخافونك ارحم الذين يؤمنون بالكلام الذي أعطيتني إياه ، لأن كلمتك التي تكلمتها هي حقيقة كما أنك أنت الإله الحقيقي لأنها كلمتك أنت ، فإني أتكلم دائما كمن يقرأ ولا يقدر أن يقرأ إلا ما هو مكتوب في الكتاب الذي يقرؤه ، هكذا قلت ما قد أعطيتني إياه . أيها الرب الإله المخلص خلص من قد أعطيتني لكيلا يقدر الشيطان أن يفعل شيئا ضدهم ، ولا تخلصهم هم فقط بل كل من يؤمن لهم ، أيها الرب الجواد والغني في الرحمة امنح خادمك أن يكون بين أمة رسولك يوم الدين ، وليس أنا فقط بل كل من قد أعطيتني مع سائر الذين سيؤمنون بي بواسطة بشيرهم ، وافعل هذا يا رب لأجل ذاتك حتى لا يفاخر الشيطان يا رب ، أيها الرب الإله الذي بعنايتك تقدم كل الضروريات لشعبك إسرائيل اذكر قبائل الأرض كلها التي قد وعدت أن تباركها برسولك الذي لأجله خلقت العالم ، ارحم العالم وعجل بإرسال رسولك لكي يُسلب الشيطان عدوك مملكته ، وبعد أن فرغ يسوع من هذا قال ثلاث مرار : ليكن هذا أيها الرب العظيم الرحيم ، فأجابوا كلهم باكين : ليكن هكذا ليكن هكذا ، خلا يهوذا لأنه لم يؤمن بشيء . الفصل الثالث عشر بعد المائتين     ولما جاء يوم أكل الحمل أرسل نيقوديموس الحمل سرا إلى البستان ليسوع وتلاميذه ، مخبرا بكل ما أمر به هيرودس والوالي ورئيس الكهنة، فتهلل من ثم يسوع قائلا : تبارك اسمك القدوس يا رب لأنك لم تفرزني من عدد خدمتك الذين اضطهدهم وقتلهم العالم ، أشكرك يا إلهي لأنك قد أتممت عملك ، ثم التفت إلى يهوذا وقال له : يا صديق لماذا تتأخر ؟ ، إن وقتي قد دنا فاذهب وافعل ما يجب أن تفعله ، فظن التلاميذ أن يسوع أرسل يهوذا يشتري شيئا ليوم الفصح ، ولكن يسوع عرف أن يهوذا كان على وشك تسليمه ، ولذلك قال هكذا لأنه كان يحب الانصراف من العالم ، أجاب يهوذا : تمهل عليّ يا سيد حتى آكل ثم أذهب ، فقال يسوع : لنأكل لأني اشتهيت جدا أن آكل هذا الحمل قبل أن أنصرف عنكم . ثم قام وأخذ منشفة ومنطق حقويه ، ثم وضع ماء في طست وشرع يغسل أرجل تلاميذه ، فابتدأ يسوع بيهوذا وانتهى ببطرس ، فقال بطرس : يا سيد أتغسل رجلي ؟ ، أجاب يسوع : أن ما أفعله لا تفهمه الآن ولكن ستعلمه فيما بعد ، أجاب بطرس : لن تغسل رجلي أبدا ، حينئذ نهض يسوع وقال : أنت لا تأتي بصحبتي في يوم الدينونة ، أجاب بطرس : لا تغسل رجلي فقط بل يدي ورأسي ، فبعد غسل التلاميذ وجلوسهم على المائدة ليأكلوا قال يسوع : لقد غسلتكم ولكن مع ذلك لستم كلكم طاهرين ، لأن ماء البحر لا يطهِّر من لا يصدّقني ، قال هذا يسوع لأنه علم من سيسلمه ، فحزن التلاميذ لهذه الكلمات ، فقال يسوع أيضا : الحق أقول لكم أن واحدا منكم سيسلمني فأباع كخروف ، ولكن ويل له لأنه سيتم كل ما قال داود أبونا عنه أنه ( سيسقط في الهوة التي أعدها للآخرين ) ، فنظر من ثم التلاميذ بعضهم إلى بعض قائلين بحزن : من سيكون الخائن ؟ ، فقال حينئذ يهوذا: أأنا هو يا معلم ؟ ، أجاب يسوع : لقد قلت لي من هو الذي سيسلمني ، أما الأحد عشر رسولا فلم يسمعوه ، فلما أكل الحمل ركب الشيطان ظهر يهوذا فخرج من البيت ويسوع يقول أيضا : أسرع بفعل ما أنت فاعل . الفصل الرابع عشر بعد المائتين     وخرج يسوع من البيت ومال إلى البستان ليصلي فجثا على ركبتيه مائة مرة معفرا وجهه كعادته في الصلاة ، ولما كان يهوذا يعرف الموضع الذي كان يسوع مع تلاميذه ذهب لرئيس الكهنة ، وقال: إذا أعطيتني ما وعدت به أسلم هذه الليلة ليدك يسوع الذي تطلبونه ، لأنه منفرد مع أحد عشر رفيقا ، أجاب رئيس الكهنة : كم تطلب ؟ ، قال يهوذا : ثلاثين قطعة من الذهب ، فحينئذ عدّ له رئيس الكهنة النقود فورا ، وأرسل فريسيا إلى الوالي وهيرودس ليحضر جنودا ، فأعطياه كتيبة منها لأنهما خافا الشعب ، فأخذوا من ثم أسلحتهم وخرجوا من أورشليم بالمشاعل والمصابيح على العصي . الفصل الخامس عشر بعد المائتين     ولما دنت الجنود مع يهوذا من المحل الذي كان فيه يسوع سمع يسوع دنو جم غفير ، فلذلك انسحب إلى البيت خائفا ، وكان الأحد عشر نياما ، فلما رأى الله الخطر على عبده أمر جبريل وميخائيل ورفائيل وأوريل سفراءه أن يأخذوا يسوع من العالم ، فجاء الملائكة الأطهار وأخذوا يسوع من النافذة المشرفة على الجنوب ، فحملوه ووضعوه في السماء الثالثة في صحبة الملائكة التي تسبح الله إلى الأبد . الفصل السادس عشر بعد المائتين    ودخل يهوذا بعنف إلى الغرفة التي أصعد منها يسوع ، وكان التلاميذ كلهم نياما ، فأتى الله العجيب بأمر عجيب ، فتغير يهوذا في النطق وفي الوجه فصار شبها بيسوع حتى أننا اعتقدنا أنه يسوع ، أما هو فبعد أن أيقظنا أخذ يفتش لينظر أين كان المعلم ، لذلك تعجبنا وأجبنا : أنت يا سيد هو معلمنا ، أنسيتنا الآن ؟ ، أما هو فقال متبسما : هل أنتم أغبياء حتى لا تعرفون يهوذا الإسخريوطي ، وبينما كان يقول هذا دخلت الجنود وألقوا أيديهم على يهوذا لأنه كان شبيها بيسوع من كل وجه ، أما نحن فلما سمعنا قول يهوذا ورأينا جمهور الجنود هربنا كالمجانين ، ويوحنا الذي كان ملتفا بملحفة من الكتان استيقظ وهرب ، ولما أمسكه جندي بملحفة الكتان ترك ملحفة الكتان وهرب عريانا ، لأن الله سمع دعاء يسوع وخلص الأحد عشر من الشر . الفصل السابع عشر بعد المائتين     فأخذ الجنود يهوذا وأوثقوه ساخرين منه , لأنه أنكر وهو صادق أنه هو يسوع , فقال الجنود مستهزئين به : يا سيدي لا تخف لأننا قد أتينا لنجعلك ملكا على إسرائيل , وإنما أوثقناك لأننا نعلم انك ترفض المملكة , أجاب يهوذا :لعلكم جننتم , إنكم أتيتم بسلاح ومصابيح لتأخذوا يسوع الناصري كأنه لص أفتوثقونني أنا الذي أرشدتكم لتجعلوني ملكا ! ، حينئذ خان الجنود صبرهم وشرعوا يمتهنون يهوذا بضربات ورفسات وقادوه بحنق إلى أورشليم ، وتبع يوحنا وبطرس الجنود عن بعد ، وأكدا للذي يكتب أنهما شاهدا كل التحري الذي تحراه بشأن يهوذا رئيس الكهنة ومجلس الفريسيين الذين اجتمعوا ليقتلوا يسوع ، فتكلم من ثمّ يهوذا كلمات جنون كثيرة ، حتى أن كل واحد أغرق في الضحك معتقدا أنه بالحقيقة يسوع وأنه يتظاهر بالجنون خوفا من الموت ، لذلك عصب الكتبة عينيه بعصابة ، وقالوا له مستهزئين : يا يسوع نبي الناصريين ( فإنهم هكذا كانوا يدعون المؤمنين بيسوع ) قل لنا من ضربك ، ولطموه وبصقوا في وجهه ، ولما أصبح الصباح التأم المجلس الكبير للكتبة وشيوخ الشعب ، وطلب رئيس الكهنة مع الفريسيين شاهد زور على يهوذا معتقدين أنه يسوع فلم يجدوا مطلبهم ، ولماذا أقول أن رؤساء الكهنة اعتقدوا أن يهوذا يسوع ؟ ، بل التلاميذ كلهم مع الذي يكتب اعتقدوا ذلك ، بل أكثر من ذلك أن أم يسوع العذراء المسكينة مع أقاربه وأصدقائه اعتقدوا ذلك ، حتى أن حزن كل واحد كان يفوق التصديق . لعمر الله أن الذي يكتب نسي كل ما قاله يسوع : من أنه يرفع من العالم وأن شخصا آخر سيعذب بإسمه وأنه لا يموت إلا وشك نهاية العالم ، لذلك ذهب ( الذي يكتب ) مع أم يسوع ومع يوحنا إلى الصليب ، فأمر رئيس الكهنة أن يؤتى بيسوع موثقا أمامه ، وسأله عن تلاميذه وعن تعليمه ، فلم يجب يهوذا بشيء في الموضوع كأن جن ، حينئذ استحلفه رئيس الكهنة بإله إسرائيل الحي أن يقول له الحق ، أجاب يهوذا : لقد قلت لكم أني يهوذا الإسخريوطي الذي وعد أن يسلم إلى أيديكم يسوع الناصري ، أما أنتم فلا أدري بأي حيلة قد جننتم ، لأنكم تريدون بكل وسيلة أن أكون أنا يسوع ، أجاب رئيس الكهنة : أيها الضال المضل لقد ضللت كل إسرائيل بتعليمك وآياتك الكاذبة مبتدئا من الجليل حتى أورشليم هنا ، أفيخيل لك الآن أن تنجو من العقاب الذي تستحقه والذي أنت أهل له بالتظاهر بالجنون ؟ ، لعمر الله أنك لا تنجو منه ، وبعد أن قال هذا أمر خدمه أن يوسعوه لطما ورفسا لكي يعود عقله إلى رأسه ، ولقد أصابه من الاستهزاء على يد خدم رئيس الكهنة ما يفوق التصديق ، لأنهم اخترعوا أساليب جديدة بغيرة ليفكهوا المجلس ، فألبسوه لباس مشعوذ وأوسعوه ضربا بأيديهم وأرجلهم حتى أن الكنعانيين أنفسهم لو رأوا ذلك المنظر لتحننوا عليه ، ولكن قست قلوب رؤساء الكهنة والفريسيين وشيوخ الشعب على يسوع إلى حد سرّوا معه أن يروه معاملا هذه المعاملة معتقدين أن يهوذا هو بالحقيقة يسوع . ثم قادوه بعد ذلك موثقا إلى الوالي الذي كان يحب يسوع سرا ، ولما كان يظن أن يهوذا هو يسوع أدخله غرفته وكلمه سائلا إياه لأي سبب قد سلمه رؤساء الكهنة والشعب إلى يديه ، أجاب يهوذا : لو قلت لك الحق لما صدقتني لأنك قد تكون مخدوعا كما خدع الكهنة والفريسيون ، أجاب الوالي ( ظانا انه أراد أن يتكلم عن الشريعة ) : ألا تعلم أني لست يهوديا ؟ ، ولكن الكهنة وشيوخ الشعب قد سلموك ليدي ، فقل لنا الحق لكي أفعل ما هو عدل ، لأن لي سلطانا أن أطلقك وأن آمر بقتلك ، أجاب يهوذا : صدقني يا سيد أنك إذا أمرت بقتلي ترتكب ظلما كبيرا لأنك تقتل بريئا ، لأني أنا يهوذا الإسخريوطي لا يسوع الذي هو ساحر فحولني هكذا بسحره ، فلما سمع الوالي هذا تعجب كثيرا حتى أنه طلب أن يطلق سراحه ، لذلك خرج الوالي وقال متبسما : من جهة واحدة على الأقل لا يستحق هذا الإنسان الموت بل الشفقة ، ثم قال الوالي : إن هذا الإنسان يقول أنه ليس يسوع بل يهوذا الذي قاد الجنود ليأخذوا يسوع ، ويقول أن يسوع الجليلي قد حوله هكذا بسحره ، فإذا كان هذا صدقا يكون قتله ظلما كبيرا لأنه يكون بريئا ، ولكن إذا كان هو يسوع وينكر أنه هو فمن المؤكد أنه قد فقد عقله ويكون من الظلم قتل مجنون ، حينئذ صرخ رؤساء الكهنة وشيوخ الشعب مع الكتبة والفريسيين بصخب قائلين : إنه يسوع الناصري فإننا نعرفه ، لأنه لو لم يكن هو المجرم لما أسلمناه ليديك ، وليس هو بمجنون بل بالحري خبيث لأنه بحيلته هذه يطلب أن ينجو من أيدينا ، وإذا نجا تكون الفتنة التي يثيرها شرا من الأولى . ​أما بيلاطس ( وهو اسم الوالي ) فلكي يتخلص من هذه الدعوى قال : إنه جليلي وهيرودس هو ملك الجليل ، فليس من حقي الحكم في هذه الدعوى ، فخذوه إلى هيرودس ، فقادوا يهوذا إلى هيرودس الذي طالما تمنى أن يذهب يسوع إلى بيته ، ولكن يسوع لم يرد قط أن يذهب إلى بيته ، لأن هيرودس كان من الأمم وعبد الآلهة الباطلة الكاذبة عائشا بحسب عوائد الأمم النجسة ، فلما قيد يهوذا إلى هناك سأله هيرودس عن أشياء كثيرة لم يحسن يهوذا الإجابة عنها منكرا أنه هو يسوع ، حينئذ سخر به هيرودس مع بلاطه كله وأمر أن يلبس ثوبا أبيض كما يلبس الحمقى ، ورده إلى بيلاطس قائلا له : لا تقصر في إعطاء العدل بيت إسرائيل ، وكتب هيرودس هذا لأن رؤساء الكهنة والكتبة والفريسيين أعطوه مبلغا كبيرا من النقود ، فلما علم الوالي من أحد خدم هيرودس أن الأمر هكذا تظاهر بأنه يريد أن يطلق سراح يهوذا طمعا في نيل شيء من النقود ، فأمر عبيده الذين دفع لهم الكتبة ( نقودا ) ليقتلوه أن يجلدوه ولكن الله الذي قدر العواقب أبقى يهوذا للصليب ليكابد ذلك الموت الهائل الذي كان أسلم إليه آخر ، فلم يسمح بموت يهوذا تحت الجلد مع أن الجنود جلدوه بشدة سال معها جسمه دما ، ولذلك ألبسوه ثوبا قديما من الأرجوان تهكما قائلين : يليق بملكنا الجديد أن يلبس حلة ويتوج ، فجمعوا شوكا وصنعوا إكليلا شبيها بأكاليل الذهب والحجارة الكريمة التي يضعها الملوك على رؤوسهم ، ووضعوا إكليل الشوك على رأس يهوذا ، ووضعوا في يده قصبة كصولجان وأجلسوه في مكان عال ، ومر من أمامه الجنود حانين رؤوسهم تهكما مؤدين له السلام كأنه ملك اليهود ، وبسطوا أيديهم لينالوا الهبات التي اعتاد إعطاءها الملوك الجدد ، فلما لم ينالوا شيئا ضربوا يهوذا قائلين : كيف تكون إذا متوجا أيها الملك إذا كنت لا تهب الجنود والخدم ؟ .  ​فلما رأى رؤساء الكهنة مع الكتبة والفريسيين أن يهوذا لم يمت من الجلد ولما كانوا يخافون أن يطلق بيلاطس سراحه أعطوا هبة من النقود للوالي فتناولها وأسلم يهوذا للكتبة والفريسيين كأنه مجرم يستحق الموت ، وحكموا بالصلب على لصين معه ، فقادوه إلى جبل الجمجمة حيث اعتادوا شنق المجرمين وهناك صلبوه عريانا مبالغة في تحقيره ، ولم يفعل يهوذا شيئا سوى الصراخ : ( يا الله لماذا تركتني فإن المجرم قد نجا أما أنا فأموت ظلما ) .  ​الحق أقول أن صوت يهوذا ووجهه وشخصه بلغت من الشبه بيسوع أن اعتقد تلاميذه والمؤمنون به كافة أنه هو يسوع ، لذلك خرج بعضهم من تعليم يسوع معتقدين أن يسوع كان نبيا كاذبا وأنه إنما فعل الآيات التي فعلها بصناعة السحر، لأن يسوع قال أنه لا يموت إلى وشك انقضاء العالم ، لأنه سيؤخذ في ذلك الوقت من العالم ، فالذين ثبتوا راسخين في تعليم يسوع حاق بهم الحزن إذ رأوا من يموت شبيها بيسوع كل الشبه حتى أنهم لم يذكروا ما قاله يسوع ، وهكذا ذهبوا في صحبة أم يسوع إلى جبل الجمجمة ، ولم يقتصروا على حضور موت يهوذا باكين على الدوام بل حصلوا بواسطة نيقوديموس ويوسف الابار يماثيائي من الوالي على جسد يهوذا ليدفنوه ، فأنزلوه من ثم عن الصليب ببكاء لا يصدقه أحد ، ودفنوه في القبر الجديد ليوسف بعد أن ضمخوه بمائة رطل من الطيوب .   الفصل الثامن عشر بعد المائتين     ورجع كل إلى بيته ، ومضى الذي يكتب ويوحنا ويعقوب وأخوه مع أم يسوع إلى الناصرة ، أما التلاميذ الذين لم يخافوا الله فذهبوا ليلا وسرقوا جسد يهوذا وخبأوه وأشاعوا أن يسوع قام ، فحدث بسبب هذا اضطراب ، فأمر رئيس الكهنة أن لا يتكلم أحد عن يسوع الناصري وإلا كان تحت عقوبة الحرم ، فحصل اضطهاد عظيم فرجم وضرب ونفي من البلاد كثيرون لأنهم لم يلازموا الصمت في هذا الأمر ، وبلغ الخبر الناصرة كيف أن يسوع أحد أهالي مدينتهم قام بعد أن مات على الصليب ، فضرع الذي يكتب إلى أم يسوع أن ترضى فتكف عن البكاء لأن ابنها قام فلما سمعت العذراء مريم هذا قـالت باكية : لنذهب إلى أورشليم لننشد ابني ، فإني إذا رأيته مت قريرة العين . الفصل التاسع عشر بعد المائتين     فعادت العذراء إلى أورشليم مع الذي يكتب ويعقوب ويوحنا في اليوم الذي صدر فيه أمر رئيس الكهنة ، ثم إن العذراء التي كانت تخاف الله أوصت الساكنين معها أن ينسوا ابنها مع أنها عرفت أن أمر رئيس الكهنة ظلم ، وما كان أشد انفعال كل أحد ! ، والله الذي يبلو قلوب البشر يعلم أننا فنيِنَا بين الأسى على موت يهوذا الذي كنا نحسبه يسوع معلمنا وبين الشوق إلى رؤيته قائما ، وصعد الملائكة الذين كانوا حراسا على مريم إلى السماء الثالثة حيث كان يسوع في صحبة الملائكة وقصوا عليه كل شيء ، لذلك ضرع يسوع إلى الله أن يأذن له بأن يرى أمه وتلاميذه ، فأمر حينئذ الرحمن ملائكته الأربعة المقربين الذين هم جبريل وميخائيل ورافائيل وأوريل أن يحملوا يسوع إلى بيت أمه ، وأن يحرسوه هناك مدة ثلاثة أيام متوالية ، وأن لا يسمحوا لأحد أن يراه خلا الذين آمنوا بتعليمه . فجاء يسوع محفوفا بالسناء إلى الغرفة التي أقامت فيها مريم العذراء مع أختيها ومرتا ومريم المجدلية ولعازر والذي يكتب ويوحنا ويعقوب وبطرس ، فخرّوا من الهلع كأنهم أموات ، فأنهض يسوع أمه والآخرين عن الأرض قائلا : لا تخافوا لأني أنا يسوع ، ولا تبكوا فإني حي لا ميت ، فلبث كل منهم زمنا طويلا كالمخبول لحضور يسوع ، لأنهم اعتقدوا اعتقادا تاما بأن يسوع مات ، فقالت حينئذ العذراء باكية : قل لي يا نبي لماذا سمح الله بموتك ملحقا العار بأقربائك أخلائك وملحقا العار بتعليمك ؟ وقد أعطاك قوة على إحياء الموتى ، فإن كل من يحبك كان كميت . الفصل العشرون بعد المائتين     أجاب يسوع معانقا أمه : صدقيني يا أماه لأني أقول لك بالحق أني لم أمت قط ، لأن الله قد حفظني إلى قرب انقضاء العالم ، ولما قال هذا رغب إلى الملائكة الأربعة أن يظهروا ويشهدوا كيف كان الأمر ، فظهر من ثم الملائكة كأربع شموس متألقة حتى أن كل أحد خرّ من الهلع ثانية كأنه ميت ، فأعطى حينئذ يسوع الملائكة أربع ملاء من كتان ليستروا بها أنفسهم لتتمكن أمه ورفاقها من رؤيتهم وسماعهم يتكلمون ، وبعد أن أنهض كل واحد منهم عزاهم قائلا : إن هؤلاء هم سفراء الله ، جبريل الذي يعلن أسرار الله ، وميخائيل الذي يحارب أعداء الله ، ورافائيل الذي يقبض أرواح الميتين ، وأوريل الذي ينادي إلى دينونة الله في اليوم الآخر ، ثم قص الملائكة الأربعة على العذراء كيف أن الله أرسل إلى يسوع وغيَّر ( صورة ) يهوذا ليكابد العذاب الذي باع له آخر . حينئذ قال الذي يكتب : يا معلم أيجوز لي أن أسألك الآن كما كان يجوز عندما كنت مقيما معنا ؟ ، أجاب يسوع : سل ما شئت يا برنابا أجبك ، فقال حينئذ الذي يكتب : يا معلم إذا كان الله رحيما فلماذا عذبنا بهذا المقدار بما جعلنا نعتقد أنك كنت ميتا ؟ ، ولقد بكتك أمك حتى أشرفت على الموت ، وسمح الله أن يقع عليك عار القتل بين اللصوص على جبل الجمجمة وأنت قدوس الله ، أجاب يسوع : صدقني يا برنابا أن الله يعاقب على كل خطيئة مهما كانت طفيفة عقابا عظيما لأن الله يغضب من الخطيئة ، فلذلك لما كانت أمي وتلاميذي الأمناء الذين كانوا معي أحبوني قليلا حبا عالميا أراد الله البر أن يعاقب على هذا الحب بالحزن الحاضر حتى لا يعاقب عليه بلهب الجحيم ، فلما كان الناس قد دعوني الله وابن الله على أني كنت بريئا في العالم أراد الله أن يهزأ الناس بي في هذا العالم بموت يهوذا معتقدين أنني أنا الذي مت على الصليب لكيلا تهزأ الشياطين بي في يوم الدينونة ، وسيبقى هذا إلى أن يأتي محمد رسول الله الذي متى جاء كشف هذا الخداع للذين يؤمنون بشريعة الله ، وبعد أن تكلم يسوع بهذا قال : إنك لعادل أيها الرب إلهنا لأن لك وحدك الإكرام والمجد بدون نهاية . الفصل الحادي والعشرون بعد المائتين     والتفت يسوع إلى الذي يكتب وقال : يا برنابا عليك أن تكتب إنجيلي حتما وما حدث في شأني مدة وجودي في العالم ، واكتب أيضا ما حلّ بيهوذا ليزول انخداع المؤمنين ويصدق كل أحد الحق ، حينئذ أجاب الذي يكتب : إني لفاعل ذلك إن شاء الله يا معلم ، ولكن لا أعلم ما حدث ليهوذا لأني لم أر كل شيء ، أجاب يسوع : ههنا يوحنا وبطرس اللذان قد عاينا كل شيء فهما يخبرانك بكل ما حدث ، ثم أوصانا يسوع أن ندعو تلاميذه المخلصين ليروه ، فجمع حينئذ يعقوب ويوحنا التلاميذ السبعة مع نيقوديموس ويوسف وكثيرين آخرين من الإثنين والسبعين وأكلوا مـع يسوع ، وفي اليوم الثالث قال يسوع : اذهبوا مع أمي إلى جبل الزيتون ، لأنني أصعد من هناك أيضا إلى السماء ، وسترون من يحملني ، فذهب الجميع خلا خمسة وعشرين من التلاميذ الإثنين والسبعين الذين كانوا قد هربوا إلى دمشق من الخوف ، وبينما كان الجميع وقوفا للصلاة جاء يسوع وقت الظهيرة مع جم غفير من الملائكة الذين كانوا يسبحون الله ، فطاروا فرقا من سناء وجهه فخروا على وجوههم إلى الأرض . ولكن يسوع أنهضهم وعزاهم قائلا : لا تخافوا أنا معلمكم ، ووبخ كثيرين من الذين اعتقدوا أنه مات وقام قائلا : أتحسبونني أنا والله كاذبين ؟ ، لأن الله وهبني أن أعيش حتى قبيل انقضاء العالم كما قد قلت لكم ، الحق أقول لكم أني لم أمت بل يهوذا الخائن ، احذروا لأن الشيطان سيحاول جهده أن يخدعكم ، ولكن كونوا شهودي في كل إسرائيل وفي العالم كله لكل الأشياء التي رأيتموها وسمعتموها ، وبعد أن قال هذا صلى لله لأجل خلاص المؤمنين وتجديد الخطاة ، فلما انتهت الصلاة عانق أمه قائلا : سلام لك يا أمي ، توكلي على الله الذي خلقك وخلقني ، وبعد أن قال هذا التفت إلى تلاميذه قائلا : لتكن نعمة الله ورحمته معكم ، ثم حملته الملائكة الأربعة أمام أعينهم إلى السماء . الفصل الثاني والعشرون بعد المائتين     وبعد أن انطلق يسوع تفرقت التلاميذ في أنحاء إسرائيل والعالم المختلفة ، أمام الحق المكروه من الشيطان فقد اضطهده الباطل كما هي الحال دائما ، فإن فريقا من الأشرار المدعين أنهم تلاميذ بشروا بأن يسوع مات ولن يقوم ، وآخرون بشروا بأنه مات بالحقيقة ثم قام ، وآخرون بشروا ولا يزالون يبشرون بأن يسوع هو ابن الله وقد خدع في عدادهم بولص ، أما نحن فإنما نبشر بما كتبت الذين يخافون الله ليخلصوا في اليوم الأخير لدينونة الله آمين .