أكثر من طريقة للموت

من معرفة المصادر



رواية للكاتبة : غادة عبد المنعم دار النشر: سللة أصوات - هيئة قصور الثقافة - مصر


أكثر من طريقة للموت


ربما تكون خربة هذه المرأة.. ربما لهذا هى

تشبهنى كثيرا...
                                       
                                              غادة

أشعر أننى لست أنا بالضبط, هناك شئ ما يقيدنى. أرغب أن أجرى فى الشوارع

       أن أحتضن المارة
      أن أبقى تحت المطر مبللة حتى أصاب

بالتهاب رئوى لكننى لا أفعل كل ما أفعله هو أن أختلس أوقات أجرب فيها طرقا مختلفة للموت

                                            بروفة 1


مبتدأ


عندما شاهدت البحر الأحمر لأول مرة كانت قد فاجأتنى الدورة الشهرية بدمائها, بقيت على الشط أنظر لمياه البحر التى بدت عديمة التاريخ

- كأى بحر إقليمى – جوفاء من الحنين أو الحزن .. كان أحدا لم يغرق فيها من قبل.

البحر ممتد أمامى لازوردى لكنه عند الأفق ينتهى. ليست الأرض كروية, البحر كان مسطحا وكان لابد أن ينتهى, كنت أعرف أن من يعوم حتى هناك, حتى حافة البحر, سيقع فى هوة سحيقة.

لابد وأن الوقوع من هناك, الوقوع الذى لم أجربه ولو مرة واحدة أجمل ما فى البحر

السقوط من أعلى أروع ما قد يشعر به المرء.. السقوط لأسفل

عاد لى حلم السقوط من جديد..


كان البحر متسعاً وممتداً أمامى, وجهى كما كان عندما كنت راضية عنه, أرتدى بلوزة حريرية فاتحة جداً.. ربما كانت بيضاء.. كانت مشبعة بالضوء. أشعر أننى لا أرتدى شيئاً, ربما لأن ملابسى خفيفة جداً وهفهافة, بحذاء مكشوف ومنخفض كنت أسير على البحر الذى بدأ بلا خطورة, وكان بإمكانى أن أجلس على سطحه, فلم يكن باستطاعة البحر أن يبلل ملابسى, كما لم يكن باستطاعته أن يغرقنى, لكننى كنت أحب المشى فوقه بلا هدف ولا نهاية.

بخطوة واحدة لم أكن أدرك ما تحمله لى وصلت لنهاية البحر وسقطت من فوق حافته.. كنت أدور فى الهواء كالساقية برأسى وقدميى, شعرت بالرعب للحظة وأنا أدور كالساقية, شعرت بالرعب للحظة واحدة لكننى كنت مطمئنة أن البحر لن يصيبنى بضرر.

عاد لى حلم السقوط من جديد شاهدتنى وأنا أسقط من أعلى, تمتزج داخلى مشاعر الخوف والبهجة والراحة. السقوط رائع, وإلا لماذا يذهب الناس للملاهى حيث يرتفعون ليسقطوا من جديد؟ لماذا يتحول الباراشوت لإلى رياضة أكثر شعبية؟

السقوط رائع

فى الملاهى:

سألت الرجل هل ممكن أن أترك مقبض الأمان مفتوحاً؟

أجاب بلا مبالاة بأنه يغلق أوتوماتيكيا.

الناس يصرخون والسفينة تتأرجح فى الهواء ثم تنقلب.


استمتعت بموجة الرعب اللذيذ التى كانت تعترينى كلى. حاولت التركيز لأستطيع مشاهدة الأرض وأنا معلقة فى الهواء بالمقلوب, لكن السفينة لم تثبت للحظة لأتيقن وأثبت الرؤية, تركت نفسى للهاجس الذى استلبنى تماما, أن ألقى بنفسى من أعلى أختبرت حاجز الأمان لكنه للأسف, كما قال الرجل – كان مثبتا تماما.

حكاية

زارها الوميض الذى يظهر فى جانب عينها اليسرى زارها كثيرا هذا الصيف ولم يغادرها إلا بعدما اصطحب معه جنينها الأول. كنت بنتا هذا الجنين الذى بقى معها ما يقرب من شهر, لكنها كانت مستريحة بعدما أخذ الوميض والجنين بعضهما ورحلا. كانت تدوخ كثيرا وتصحو فى منتصف ليل الشتاء تنفض الغطاء عنها, وترتعش من نوبات حرارة تجتاحها, هذه المسكينة الملعونة بالوميض, يظهر بين الحين والآخر فى جانب عينها اليسرى ويرحل بعدما يأخذ منها شيئا.

كان مثبتا تماما – كما قال الرجل – ولم يكن أمامى سوى العودة للبيت لأدور بين الريسبشن الطويل الرمادى وحجرة النوم المكدسة بالبنى.


عندما كانت تتصاعد من الموكيت البلاستيكى الرمادى حيوانات ضئيلة تعانى من الموت عطشا فى صحراء الموكيت المشبعة برطوبة صيفية خانقة فتحت البلكونة ونظرت للشارع أسفلى, ومن الدور السادس انتابتنى دوخة قليلة (وغشلقة) وامتلكنى الهاجس من جديد.

إنها اللحظة الأولى فقط التى سأقاوم فيها رغبتى فى عدم الاستسلام. لن أمسك بسور البلكونة بإصرار لأن الإصرار قد يعوق حركتى لأسفل. سأمسك بالهواء الذى يعلو السور وأترك جسدى يتخفف من الجاذبية الأرضية, يتأرجح فى الهواء ثم تصير حركته متماسكة ونابعة من تماسكه, يتغلب على التصاقه بالأرض وبحركة واحدة يختفى التراخى الذى يمنع محاولات السقوط وتتغلب وحدة الجسد, يدور دورته الأولى فى الهواء كصوفى يقابل ربه بخفة فى أولى مرات الحضرة..

لحظة الخفة التى لا يساويها شئ.. اللحظة التى تنقضى سريعا, تتبدد, ويحل الرعب محلها. بعد ثلاث دورات أنتبه إلى أن بإمكانى الإمساك بحبال الغسيل قبل أن يداهمنى الألم الذى صرت أخشاه, فى هذه اللحظة فقط. لكنه فاجأنى بعد أن انزلقت ولم أستطع الإمساك بشئ. ألم رهيب فى كل مكان من جسدى, ألم حاد فى رأسى.

كانت فى أحلامها تتعثر فى حبال الغسيل. تمسك بها لحظة ثم تتهاوى معها بعدما تكون قد التفت بها كمومياء.. لم تتعثر فى الحبال ولم تسقط كمومياء: سقطت مبعثرة الأطراف.

فى سبتمبر من عام ما كانت قد تزوجت لأنها يجب – كما كانت تعتقد فى لحظتها – أن تنتقل لمرحلة جديدة من حياتها, كانت قد سئمت المشى فى الشوارع لساعات طويلة مع حبيب ما, والزيارات المنزلية المحاطة بكثير من الحيطة والحذر, ثم ترتيبات الزواج التى تنتهى دائما

بالفشل المرة تلو الأخرى. كانت قد ملت من تكرار كل شئ: العلاقات العاطفية المعقدة, علاقات العمل المعقدة والكثير من الوقت المهدر والفشل تلو الفشل. كانت ترغب فى تنفس هواء مختلف.

بعدها بثلاث سنين فى يونيو من عام آخر كان الجنين, طفلى, قد مات منذ شهور ولم أكن أفكر فيه على الإطلاق ولا فى موته, كنت قد كففت عن حلم اليقظة الذى يراودنى بموت والده, وكنت مرهفة ولا أشعر بشئ, كنت كأننى متحجرة, متحجرة تماما, لم أكن أشعر أننى جميلة. مرهفة جدا وأحيا بالكاد.


                                           بروفة 2

الشقة مظلمة والشبابيك مفتحة, لا أحد فى البيت سواها, كانت متعبة ومستلقية فى حجرتها وداخلها رعب ما تحاول تحجيمه ولا تفلح, هاجس يؤكد أنها ستموت الليلة, لن يعرف أحد ستبقى جثتها حتى تتحلل, سيـأتى الزبال ويطرق الباب صباحا ولن يجد أحداً, سيمر يومان حتى يأتى ثانية ويطرق الباب ثم يسأل الجيران: - هل السيدة مسافرة؟ ويخبرهم أنه يشم رائحة تحلل. بعدها سيتابع الجيران الموقف. يومان آخران ثم يتصلون بالبوليس عندما تكون الرائحة قد انتشرت وبدأت فى إزعاجهم. كانت تشاهد كل هذا فى مشاهد منفصلة تتصدرها صورتها, الجثة, وهى نائمة على


السرير, ورائحتها.. رائحتها هى بعدما تبدأ فى التحلل. بخوف حقيقى فكرت أن تتصل بشخص ما ليأتى ويبقى معها خوفا من أن تجن من كثرة التفكير فى الموت والمصير الذى لا تعرفه. أى مصير التفكير فيه أكثر راحة من التفكير فى الغناء وصعوبة تخيله. وسط هواجس مصيرها التى تجذبها لأماكن كثيرة متنافرة استبعدت أن تموت تاركة نفسها لشخص سينشغل تماما بعد لحظات من موتها فى مواجهة رعب التفكير فى البقاء وحيدا مع جثة طوال الليل, أو كيفية مواجهة الناس بها فى الصباح. فكرت أن تحمل بطاقاتها وكارنيهات عملها وتذهب للسهر فى واحد من المقاهى اللتى تفتح حتى الصباح. سيتولون هم الاتصال بالبوليس حاملين ضغينة أقل لها. كانت تدرك أنها تحاول التملص من مصيرها الشخصى, تحاول التلهى عن التفكير فيه, لذا قررت فى النهاية أن تبعد كل هذه الاقتراحات, إذا كان يجب أن تموت فعليها أن تستمتع بكل

لحظة فى توقعاتها ومحاولتها لمجابهة أفكارها ورعبها الخاص.

قالت لنفسها ثم فى النهاية فهذه الليلة لن تطول لأكثر من ليلة واحدة, وربما تكون الليلة الأهم.

الحلم الذى طاردها أسبوعا

كانت جثة الرجل فى بيتنا, رجال ونساء كثيرون يتوافدون على البيت أشعر أنهم يتذرعون برؤية الجثة ليبقو. أبى الذى لإندهاشى أشعر أنه يرحب بوجود الجثة, دون أن يعبأ بخوفى يطلب منى أن أنام على السرير نفسه, لا أعرف كيف أتخلص من طلبه, أضطر للنوم منكمشة على طرف السرير وأنا مرتعبة من تحركات الجثة فى اتجاهى طوال الليل. فى الصباح تصحو الجثة لتتكلم ويدخل الجيران الذين يشبهون

المتشردين فى أحد الأفلام الإنجليزية ليشاهدوا الجثة ذات الوجه الشمعى المتقشر. تستغل الجثة الفرصة وتبدأ فى رواية أكاذيبها عن القبلات والأحضان التى كانت بيننا طوال الليل.

فى سبتمبر من عام ما كنت قد مللت فكرة إقامة علاقة حب, المشى فى الشوارع الكف فى الكف, كلمات الحب الأولى التى تتشابه فى كل العلاقات, والمحاولات الأولى لمسك اليد والقبلة الأولى, والمشاجرات التافهة بين الحبيبين وكيف تتلف الأعصاب. كل تلك التفاهات التى يغالى فيها الأحباء الصغار, لأنهم لا يدركون قمية الحب. كنت أعتقد أن الحصول على الحب سهل ومتاح فى كل وقت, ربما لهذا كنت قد سئمت الحب وعلاقاته الخطرة, وآثرت السلامة فى علاقة آمنة بعيدة عن رغبات الحب القوية وكراهياته وكشوف الأخطاء الضخمة التى يحملها الأحباء لبعضهم اعتقدت

أننى لو حققت ذلك الأمان فإننى أأمل فى نعومة الاستقرار وشبكات العلاقات الاجتماعية القوية ورضاء الجسد, كانت هذه هى خيوط العنكبوت التى أفرزتها حول نفسى لأشل حركتى تماما.

بروفة 3


كان نائما بالداخل وكنت قد بكيت كثيرا.. كثيرا جدا حتى لم يعد لدى قدرة على البكاء. قال: لا تبك.. لا تهددينى. سببته كثيرا.. كثيرا جدا. لم أحتمل هذه الصفافة: أن يتخيل أننى أبكى لأستدر تعاطفه.سببته وضربنا بعضينا فى موجات هستيرية.

أصبح رأسى شبه مشلول, وجسدى كله يوجعنى, رقبتى متصلبة, وجلدى المخربش والمكلوم فى أكثر من مكان ناشفاً كأنه قد تم تمليحه وتجفيفه جيدا بعد دفنه فى الرمل لعدة أيام. أنفى متورم من البكاء, ولا أعرف كيف أتنفس. أعانى بشدة مع اللحظات التى تمر ببطء شديد دون أن تنقضى أو أتحسن. لا أحتمل التنفس ولا الشعور بجسدى ثقيلا. دقات قلبى متسارعة وأنا مشدودة كلى وكأننى سأتشقق الآن. رأسى أبيض لا أفكر فى شئ سوى التخلص من حالتى الراهنة, ولا يستطيع النوم إنقاذى من هذا الصباح الأصفر. فكرت أن ألقى بنفسى من البلكونة أو أن أتناول كل الحبوب التى تملأ أدراج الثلاجة فى محاولة للانتحار, لكننى لم أحتمل فكرة الألم, ليس الآن فأنا أطفو فوق سقف احتمالى. تذكرت أنه يحتفظ بتمويل شهر من البانجو فى درج المكتب, أفرغت كل ما فى الزجاجة, حاولت أكله يابساً لكننى لم أستطع. كان فمى وحلقى جافين. أفرغت محتويات

البرطمان فى الكنكة وقليلا من الماء خمنت أن طعمه سيكون منفرا لذا أضفت قليلا من الشاى, ساعدتنى سخونة السائل على بلعه بصعوبة. من مكانى على الأرض ركنت رأسى بجوار قائمة الكنبة وانتظرت أن يأتينى أيهما: النوم أو الموت. ببطء اسعتدت قدرتى على التنفس واختفى هذا الثقل الذى كان يكتم على جسدى, كنت أغيب فى مكان ما والألم يتلاشى وصدرى يتحرك مسافة كبيرة مع الشهيق والزفير ودقات صدرى تخفت وتنسحب بهدوء, أحاول أن أفتح عينى لكنهما تغلقان ربما الآن أنام أو أموت بنعومة شديدة.. أنسحب.

ما كان يتردد فى أحلامها قبل أن تصحو:


  هناك عند البوابة يتشكل الزمن لضفدع لا يريد

الدخول, ولا ييريد اقحام نفسه فى تلك الحياة التى تنتظره.. هناك.. الضفدع الذى لم يكن لونه يختلف كثيرا عن لون زمنه.


هاهى تجلس تنتظر كرخام مبقع بواقى الأشياء الرومانتيكية السخيفة لتكمل المشهد, المشهد الذى ربما لن يكتمل أبدا. بينما الآخرون يتابعون برغبة حقيقية اقصاء تلك الرومانتيكية العتيقة

جلد الوجه الذى تعرض للكثير من الإصابات فى الفترة القصيرة الماضية فقد الكثير من نضارته وقدرته الشابة على الإغراء.. متى يمكننى كسر الدولاب القمئ والرحيل.


الفيل العجوز وحيدا وراء القمرة فى شتائه الخاص.. يرغب لو يستطيع الكلام مع الطفل

الصغير الذى يخربش الحائط من الجهة المقابلة بقطعة حجر راسما أشياء مسطحة قبيل كل ظهيرة.


الأوضاع المسرحية التى أصبحت تتخذينها لتظهرى تعجبك تضايقك قليلا امرأة مثلك اعتادت تلقى الكثير من الاهتمام كيف تمتص هكذا دون موسيقى جنائزية صارخة.


كم هى عذبة الأنفلونزا حيث يمكنك عناق الوسائد والأغطية دون الحرص على التخفف من مظاهر طفولة محرومة.


كانت تتحرك هناك كامرأة محظوظة من نساء اللذة. تضع مكياجا مناسبا, وشعرا مجعدا تتدلى منه خصلة. كان من المفروض أن تضمه قبل أن ينفش ويتمرد. جلباب رجالى مكسر بنصف كم وفتحة صدر مثلتثة وأرضية نظيفة لا تكسوها أفرشة سوى بقع ماء تزينها وضعت لترطيب المنزل. كامرة لذة مأجورة تعيش فى بسط نسبى يمكنها من أخذ أجازة عقب حادث يتكرر كثيرا فى المهنة حتى أصبح كأحد متاعبها. كانت تتحرك والكدمات تغطى وجهها وتزيد من طفولته بشكل مدهش. ولأن وجهها كان معها منذ الأمس وهو منتفخ هكذا فقد اعتادته تماما بخديه اللذين استعادا انتفاخى الطفولة فصار وجهها لولا هذه الألوان المختلطة يشبه ذاك الذى فقدته إبان التاسعة عشر.

ساعتان أو ثلاث هى كل ما نمته, ثم صحوت لا أفكر فى شئ أى شئ وكأننى قد تركت حمولا كثيرة فى مكان بعيد.


كنت قد تزوجت لرغبة عارمة فى التغيير, ومقاومة اهدار الوقت دون انجاز ما أو تغير ما كنت قد مارت الجنس كاملا معه لأول مرة فى حياتى, وكنت قد منحته ما اعتبرته منحة خاصة عديمة المعنى. وبينما كان يتساءل مندهشا عن السبب, كان مدركا دون أن يعترف بذلك علانية, كان يعرف أننى أحاول تبديد غشاء العذرية هذا دون سبب واضح, لأن السهر على صيانته والمحافظة عليه طوال تلك السنين الماضية ما كان له من معنى على الإطلاق.

                                             بروفة له

حلم يقظة واحد هو ما كان يسيطر على: أقيده فى كرسيه المفضل ودون أى مقاومة منه أشعل فيه النار. كان من المهم ألا يقاوم, والأهم أن يدرك أنه بينما كان يستسلم لى كنت أنا أقيده, وبلا مشاعر كنت أصب عليه البنزين. وبينما يبدأ هو فى الرعب كنت أوقد فيه النار وأنا أنظر إليه نظرة لا تحمل داخلها أى معنى أو كلمات. ثم ليس من المهم أن يحترق بعدها. المهم أن يتبخر وجوده تماما.

لم أعد أحتمل أيا من تعليقاته السخيفة ولا كلماته التى تستفزنى. أثور بشدة. بداخلى نار

ما تكاد تخمد حتى يلقى عليها الكيروسين. أصل لحالة هيستيرية – أصبحت هى القاعدة الآن – بسرعة غريبة بمجرد بدئه فى استفزازى , ثم أعانى بعد كل نزاع من آلام غريبة, آلام حادة فى القولون. وفجأة تبدأ دقات قلبى فى الشارع, وتجتاحنى موجة حرارة تنتشر فى جسدى كله, لا أستطيع الكلام معها وتتساقط دموع لا معنى لها من عينى, أحصل على الهواء بصعوبة كأننى أغرق. بغير سبب تنتابنى هذه الحالة وكأنها الوجه الوحيد لخروج مشاعر ما, مشاعر ما عادت تتفجر من أجل شئ ولا تتفاعل مع أحد, المشاعر التى كانت من المفروض أن تحل محل التبلد الذى انتابنى تجاه الآخرين, تجاه آلامهم التى صارت لا تعنينى, وحياتهم, والحياة كلها.

حلم

كانت سيدة العواطف التى تشبه العذراء هى آلهة الحب. وكان الكاهن الذى يشبه قسيساً قد طلب منها أو أمرها وبمنتهى التهذيب أن تقضى بعض الوقت فى سجن المعبد, حيث يعيش ضمن المساجين إله صينى قديم, قزم قد أحبها, لم يقل لها شئ, لكنها كانت تعرف لأنها كانت تستطيع أن تعرف كل شئ. كان الإله القزم مكاوما فى أحد الأركان عندما شاهد إلهة العاطفة تتجلى له. وعندما تجسدت تماما أمامه خطا تجاهها وأمسك بذراعيها برفق وهو يتأملها, ثم أغلق عينيه وهَم بضمها لكنه فوجئ بأنها تتبخر وبأن حجرة السجن تمتلئ بالماء ثم تتحول إلى بحر وأن رئتيه تمتلئان بالماء. وعندما يستسلم للغرق يخرج الماء من رئتيه ويشاهد ظل الكاهن وهو يغادر البحر الذى عاد ليتحول من جديد لحجرته فى المعبد.

لماذا لا يجد الواحد رغم الازدياد المستمر فى عدد من لا يهتمون به من يتركه ليؤذى نفسه.

كنت أعتقد أننى أحب النباتات الصغيرة, لكننى فى الفترة الأخيرة لاحظت أننى أعاملها بعدم اهتمام متزايد حتى أننى أقول لنفسى – أحيانا - ربما أنا لا أحب النباتات, ربما أحب مكان أصص الزرع كما وضعها هو على سور البلكونة. كانت أول ما فكرت فى شرائه بعد الزواج, لكن علاقتى بها خفتت يوما بعد آخر, ربما لأنه كان يوما بعد يوم يعتبرها نباتاته ويمنح نفسه أهم حزء فى مسئولية الاهتمام بها, لم يزعجنى استحواذه عليها لكنه أفقدنى الرغبة فى الاقتراب منها, حتى أننى كنت أنساها لأسابيع, وأستمع بعدم اهتمام لتحذيره لى بعدم الاقتراب منها عندما يضطر للسفر, وإن كنت أجدها فرصة للقيام بتجاربى معها: تغذيتها بقليل من اللبن والشاى أو القهوة وبعض السكر. كان يكتشف تجاربى أحيانا ويؤنبنى عليها مما دفعنى لمزيد من الابتعاد وكثير من الحرص على عدم ترك آثار ورائى تدل على تجارب جديدة. استمرت علاقتى مع أصص الزرع الموضوعة على سور البلكونة تتلخص فى التجريب والابتعاد سريعا حتى تلك الليلة. كانت الأصص موضوعة فى مكانها الصيفى فى بلكونة حجرة النوم – فى الشتاء توضع فى الصباح قليلا فى بلكونة المطبخ لتأخذ بعضا من الشمس الصباحية. الوقت ليلا, لم يكن هو موجودا, كنت أقف فى البلكونة أفكر فى شئ ما ربما كان شيئا مبهما لأننى كنت أنظر عاليا للفرجة التى يتخللها الهواء بين العمارات ليرتفع لأعلى تجاه الأفق, ولما مللت من مخاطبة هذا الشئ المبهم التفت لحائط البلكونة الحانبى. كانت ظلال النباتات التى تحيا فى الأصص تتحرك على حائط البلكونة ووجدتها وهو الشئ الغريب تحاورنى, وما أدهشنى تماما

أننى كنت أفهمها جيدا, كنت أفهمها وكان هناك رابطا غير مرئى بين دواخلنا. لم أستطع ترجمة ما يدور للغة حوار بشرى, لكن لحظة المشاركة الأولى هذه كانت أعمق من مجرد حوار هامشى, كانت وكأنها تمتد لصداقة طويلة. صرنا فيما بعد أصدقاء أنا وظلال النباتات التى تسكن الأصص. كنا ننتهز فرصة وجوده بالخارج لندير حوارنا الودود, لكن الغريب حقا أن تلك الصداقة لم تدفعنى لمزيد من الاهتمام بالنباتات.

الهروب

الشتاء قادم. أحب الشتاء. أرجو أن أستمتع بشتاء هذا العام. كان شتاء العام الماضى مظلماً, لم يكن خافت الإضاءة كما أحب بل كان يميل لاصفرار غامق مثل لون الهواء فى هذه المنطقة تحت الجبل. كان على احتمال نقاشات لا جدوى منها. التمسك برأيى والابتسام بسخرية لمعرفتى المسبقة لما سيتطور له الأمر, ومشاهدة نفس الأحداث تتكرر المرة بعد الأخرى, يفلت زمامه بعد خمس دقائق من كل نقاش, يبدأ فى التحرك فى اتجاهى, إذا نبهته أنه قام فى اتجاهى سيتعلل بالقيام لأى شئ وعند الجملة التالية سيبدأ هجومه على, سيمسك وجهى, أبعده, أبعده, فيغرس أصابعه فى وجهى راغبا أن أنهى الحوار بالطريقة التى تبديه منتصرا, أبعده وأزداد تمسكا برأيى فيشد شعرى, أبعده بعنف, وأسبه, فيعضنى فى وجهى, يمسك رأسى ويرطمه فى الحائط, أصرخ وأستمر فى

سبه – كنت أحافظ فى البداية على مستوى

صوتى منخفضا لكننى اكتشفت أن الصوت العالى الذى يصل حتى أسماع الجيران طريقة لإرهابه تساعدنى قليلا فى الانتقام منه – أسبه وأحاول التمكن منه لضربه, يحاول سد فمى بيده حتى لا يسمع الجيران سبابى, أنظر

إليه نظرة الاحتقار التى اعتادها منى. سيتركنى بعد صراع يستمر لساعة منهكة وبعد

أقل من نصف ساعة سيكون قد استعاد بعض

قدرته وتذكر نظرة الاحتقار التى علت وجهى. سيستفزنى من جديد لنبدأ جولة جديدة. لن ينام الجيران هذه الليلة. سأضيف هذه الليلة لمجموع الليالى التى بدأت منذ الشتاء الماضى.


حر هذا العام, الذى كان شديدا جدا, قد بدأ يخفت وبدأت سحب قليلة تظهر فى السماء. الخريف يستأذن على استحياء ليهدئ بجوه القاهرة, المدينة التى تحترق فى صيف كل عام, وتنتظر الخريف بصبر لترتاح قليلا.

أصحو منذ أسبوع تقريبا على نسيم بارد يخبط فى ظهرى. أترك باب البلكونة مفتوحاً لأتقى حر الليل. فى كل مرة عندما يلمس النسيم ظهرى كنت أصحو وفى داخلى تكتمل أمنية ما, أمنية صغيرة وتافهة لكنها كانت تكتسب روعة وأنا أحلم بها بينما أكون مازلت داخل نعومة الفراش. أحلم بكوب من الشاى باللبن والجلوس لتناوله بجوار النافذة, الخروج للتمشية والعودة بلبن وخبز ساخن وفاكهة

لكنه كان موجود وكان نزاعهم المستمر قد خربها تماما حتى أنها ما كانت تملك القدرة

للإقدام على تحقيق أمنياتها الصغيرة, كانت

قدرتها على الاعتناء بنفسها قد خفتت لأقل حد, وكان هناك حاجز يمنع ائتلافها مع نفسها.

صحوت اليوم مبكرة, كان خارج البيت. لديه موعد فى السابعة, لذا نهضت من الفراش بمجرد صحوى, ولم أؤجل نهوضى ساعة فأخرى ككل يوم. أعددت كوب الشاى باللبن وبشهية قوية أعددت نفسى لارتشافه نقطة نقطة فى مكانى المحبب أمام النافذة. فكرت لماذا لا أهرب اليوم. أرتدى بلوزة قصيرة جدا وبنطلوناً ضيقاً جدا وأحمل أوراقى فى حقيبة على ظهرى, وأرحل. لكننى كنت أعانى من قور ذاتى, ولم يكن معى من الأموال ما يكفى لأختفى تماما فى مكان ما لا يصلنى فيه أحد.

يوما ما سأذهب لأعيش وحيدة على شاطئ مهجور. يا إلهى.. ليت شاطئا واحدا ينتظرنى.


                                     بروفة 4

ربما مت فى أى من المرات السابقة, لكننى لا أعرف متى حدث أن مت بالضبط. هذا غير أننى كنت دائمة الاعتقاد – مع خوف مضمر – بأننى سأموت بسرطان الرحم جاءنى هذا الاعتقاد بعد مرحلة الخوف من بتر أشفارى وإلقائى كجثة جرداء فى مكان بارد, والذى أعقبته سلسلة من الانتحارات على مراحل متباعدة, ثلاث منها فى ثلاث سنين من زواج غريب ومدمر لحد بعيد. كانت أفكارى تدور بشكل رئيسى عن الموت, الانتحار وإماتة الآخر, والسرطان.

أنا لم أستعمله أبدا. وجوده كان عديم الجدوى. لم أحصد منه سوى أوقات من الاحتقان والمغص. كانت هناك أيضا ساعات من المتعة التى تصاحب فشله الشهرى فى أداء مهمته.. رائحة الدم التى تشبه فى قوتها رائحة الحناء, والبلل الدافئ, وما يصبه على الجسد من رغبة فى الإسترخاء والنوم. لم أنجب أبدا, أيعنى هذا أن هذا الرحم لم يوضع فى جسدى سوى لموتى؟

هالتنى آلية الطبيب وهو يخبرنى بأن العملية سهلة واستئصال الرحم بما يحمله من سرطان ينجح غالبا فى وقف انتشاره فى الجسد. هالتنى تلك القدرة المهنية على اتخاذ القرار المناسب للأخرين, ووضعهم ضمن نمط من الحالات المتكررة والحكم عليهم ضمن السياق باستخدام نسبية حقيقية. كان واثقا من فكرته التى أعتقد أنها بديهية, أن التدخل بالبتر أفضل من ترك الجسم ليتآكل ذاتيا, وربما ما زاد من ثقته أن العضو المرشح

للتر عضو داخلى ولن يعطل ولا يمنع إمكانية الحياة بعد بتره. لكن فى رأسى كانت تدور أفكار أخرى.. مثلا أننى فى كل الحالات سأموت فى يوم ما, أننى لا أضمن عدم انتشاره فى أماكن أخرى بعد البتر, كم ستكلفى نفسيا سلسلة من

البتر والعلاج الشاق.

لماذا لم يفكر أننى سأرفض ببساطة وأفضل احتمال الآلام ثم الموت؟ ربما سيفكر حينئذ فى أننى مهووسة دينية تزيد التطهر بالألم. سأقول له إن فكرة التطهر بالألم غير موجودة فى دينى, سيبتسم من سذاجتى ويؤكد أنها

فكرة إنسانية لدى كل البشر.

لا أعرف لماذا تسيطر على كثيرا فكرة أننى قد أموت مصابة بسرطان الرحم؟ كلما أمعنت التفكير أقرر أننى إذا ما أصبت به فلن أستأصل رحمى.


موت الآخرين


أنا أحب الموت لى معه ألفة طويلة لكنى لا أحب الجنازات الطويلة.

لى صديق أصيب بالسرطان. فكرت كثيرا أن أذهب لزيارته ثم خفت أن تتسلل من ملامحى ونبرة صوتى بعض الشفقة. مات منذ أيام. بكيت لساعة عندما مر أمامى شخص يشبهه تماما, لكننى لم أشارك فى جنازته. استمرت جنازته ستة أشهر. بدأت باحتفالية كبرى عندما اكتشفوا احتضاره. كان نائما على فراشه بالمستشفى يستسلم واحتفاليات موته تملأ الجرائد

والمجلات الأدبية المتخصصة وامتدت أيضا للبرامج التليفزيونية. كان احتفالاً مهيباً طويلاً لموت شخص لم يمت بعد, وكان الاحتفال ينز فى كل مكان عن شفقة موشاة بالواجب وبعض الذنب لأن الكثيرين لم يمنحوه ما كان يجب أن يحصل عليه بينما كان مازال حيا. ربما لهذا استولوا ببساطة على أيامه الأخيرة هذه ليمنحوه جنازة طويلة يطهرون بها أنفسهم ويغتصبون بها ما بقى له من أوقات. الغريب أنه كان مستسلما على ما يبدو لجنازته الطويلة حتى أننى أذكر أنه شارك فيها بنفسه.

كيف نشاهد الموت فى رءوسنا

صديقاى ماتا منذ سنوات. لم يتعد عمر الأول العشرين بقليل. لم أكن قد رأيته منذ عامين عندما أخبرونى بموته. بزغت صورته فجأة فى رأسى كاملة ثم بدأت تتحول لمربعات صغيرة تتبدد فى الفضاء المحيط

بها, هكذا, مات فى رأسى, لكن لحظة موته الحقيقية جاءت فيما بعد, عندما أعدت تدوين أرقام تليفونات أصدقائى فى الإندكس الجديد وكان علىّ ألا أعيد كتابة اسمه, لحظتها فقط أدركت أنه تبدد إلى الأبد. موت الآخر كان أكثر حميمية: قالوا لى صباحا وأنا أدخل إلى مكتبى: مات. كان على أن أقاوم الهبوط الحاد الذى أصابنى. نمت لساعات وأنا أشعر بأن موته نوعا من انتفاء العدل. ثم أخيرا لحق الخيال بحادثة موته. سمعتهم يرددون أحداث الموت بالتفصيل: يقع وسط مباراة كرة القدم, الجسد مازال ساخنا, يأخذونه غير مصدقين إلى المستشفى لإسعافه, لكنه

يموت.

تخيلت الحادثة تماما: جهاز كهربائى فى أوج نشاطه يحترق نتيجة اشتداد التيار..!

كنت كآلة بخارية أصابها عطب ما, امتلأت بالبخار ولم تتحرك مما دفع البخار داخلها للضغط والضغط بلا نهاية وهى تزمجر وتزمجر دون أن تدور, كنت على وشك الانفجار.

بيتى بيت من هذه البيوت التى تشعرك بالحنين, وبأن لها جمالها الدافئ الخاص الذى يتميز ببعض الحزن. إنك تعرفها من قبل, تعرفها جيدا وتفضلها فى بساطتها هذه المتهالكة على أى بيت آخر شديد الأناقة وباعث على الغربة.

أنت تعرف هذه البيوت, فدائما ما يشدك شيئا ما لتلك البيوت القديمة التى تشعرك أنه بغير قدمها هذا لن تكون بنفس البهاء ولا التأثير عليك. بيت مواجه للبحر, قديم ومنحول, وقعت


فى حبه على الفور, أخذنى جمال الطلاء المقشر وشكل العمارة العتيق والقطع المتآكلة من المحار, الجبس المخربش والألوان الباهتة والمتربة قليلا. بيت يستمد تأثيره من الأزمان التى مرت عليه, واحد من الأشياء القديمة زات التأثير العميق, تلك التى تحمل خيالات أصحابها, خيالات لا تكف عن الدوران داخلها, شخصياتهم, وأذواقهم, وآثار أقدامهم, وربما نقاط من الملح ترسبت من عرقهم فى يوم حار جدا على درابزين السلم, أو على الجدران بعد متعة تركتهم منهكين. إنها أشياء نشعر بها ونحن نحتضن البيوت القديمة بأعيننا. أعجبنى البيت جدا. ربما آخرون فى أماكن أخرى يحلمون بأماكنهم المشتهاة, ذات ألوان حية, بأراضى واسعة خضراء, وشمس مشرقة, بينما أقع أنا مباشرة فى فتنة أماكن رطبة ومتربة قليلا ذات ألوان باهتة وقديمة, مزنوقة أمام البحر, بينها وبينه شارع ضيق, والسماء

فوقها مضببة قليلا. أماكن فى مدينة قديمة, قديمة أكثر من اللازم.

كانت الشقة كلها ليست إلا جزءا مقتطعا ومفصولا بحائط من شقة كبيرة من طراز الأربعينات, حائط اغتصب جزءا ليصنع منه شقة صغيرة جدا ورائقة, تتكون من حجرة وحمام وطرقة صغيرة موضوع بها سخان طعام كهربائى وثلاجة إيديال سبع أقدام قديمة جدا لكنها تعمل على رغم الصدأ الذى يغطى أجزاء كثيرة من غلافها الخارجى, طلاء قديم ومتساقط والحمام لا يحوى سوى نصف متر من القيشانى حول الحوض ودش معلق فى سقفه. وفى الحجرة أثاث هو الآخر من طراز قديم ومتآكل, سرير نحاسى قديم بمرآة مطفأة لم تعد تظهر شيئا, بيضاوية تتوسط ظهره, بجواره سجادة صغيرة متهالكة وأمامه دولاب صغير من الخشب به مرآة طويلة مكسورة من أسفل,

وبجوار السرير منضدة بلاستيكية صغيرة فوقها راديو, نظرت له فقال البواب لى إنه يعمل ثم فتح لى باب البلكونة المربعة: متر واحد يطل على البحر.

تمشيت على البحر. جلست على أحد المقاهى المطلة عليه أتأمله وأختلس النظر للجالسين حولى. شعرت أننى أملكهم فى حالتهم هذه بنفس الصورة التى هم عليها وكأننى أوقف الزمن للحظة أعرفهم فيها تماما بهمومهم الصغيرة, مشاكل الأبناء والأزواج ولحظات الجنس الفاشلة, وأوهام عن الذات تنكشف فجأة وتترك المرء بلا سند يعانى من كآباته الصغيرة. ظللت حتى مر الغروب وأنا منتشية بوحدتى وتحررى وصمتى, ثم عدت. فى طريقى اشتريت خبزا ومعلبات وجبنا وشايا ولبنا ونسكافيه وبناً وقليلاً من البخور, أحبه ولم أشتره منذ فترة. هذا كله ما أحتاجه.


البحر يأتى حتى حجرتى طوال الليل. صوت الموج مرتفع والمطر أيضا. الأيام الماضية كانت نوة, كان البحر هائجا يقذف أمواجه فتص قطراته حتى البلكونة, ويجف ملحه على أرضيتها. المطر ينز بقوة وكأنه سيبقى هكذا طوال العام. أغلقت البلكونة جيدا. كومت قطعة قماش وحشرتها أسفل بابها حتى لا يتسرب الماء إلى داخل الحجرة. كنت أسفل البطانية مرتدية أكثر من بلوفر وشعلة الوابور بجوارى – اشتريته منذ بدأ الشتاء لأغلى عليه مياها للشاى. أشعلت سيجارة, وأغنية قديمة لأم كلثوم كانت تأتى من الراديو, أغنية بصوتها الذى يشعرنى أننى فى بيتى تماما ومتدفئة, لست قلقة من أى شئ ولا حتى ضياع الوقت. هل يمكن للمرء أن يكون أكثر سعادة من ذلك؟


هذا هو البيت الذى قررت أن أهرب إليه فى أى لحظة قادمة. لم أشاهده أبدا, لكن الشهور التى مرت وأنا أفكر فيه, أحلم به, جعلت منه حقيقة فى ذهنى, بيتى الذى لا يعرفه غيرى.

أجلس أضع يدى أسفل ذقنى وأحلم به وأنا أقيده فى الكرسى, أصب عليه البنزين وأشعل فيه النار, أصبح هذا المشهد هو المسيطر على ذهنى, بمجرد أن يغادر البيت يعود المشهد لذهنى من جديد, أوقد فيه النار وأقف ليشاهدنى وأنا أشاهده وهو يحترق. جسد المرأة كم هو نظيف, لا يبقى عليه ولا فى ذاكرته أحد, يمر عليه من يمر ولا يتبقى من أيهم شئ, لهذا هو لا يخون أبدا, فقط هو مزعج لصاحبته بنسيانه المستمر.

صداع فى رأسى يصيبنى باحساس القرف والضيق. لم أستطع النوم بالأمس مما اضطرنى لخلع ملابسى – النوم عارية طريقة مضمونة لجلب النوم – ولكننى حتى بعد ذلك لم أنم سوى بصعوبة.


                                      موت صغير

صحوت اليوم, وكان نزول الدم قد صار غزيرا. كنت داخل دوار, لكننى حاولت التغلب عليه وعلى رغبتى فى البقاء بالبيت وذهبت للطبيب


كتلة من نسيج دموى انزلقت منى, وكنت طوال الشهر الماضى أشاهد الحلم نفسه فى نومى, أو أستعيده بقشعريرة وأنا متيقظة.

كتل ضخمة يتعدى قطرها العشرين سنتيمترا من الإسفنج الميت للتو تسقط من رحمى تتلوها كتل أخرى ودماء. شئ مقزز جدا, من أين أتت بكل هذه الأنسجة لأفرغها من داخلى وكيف مازلت أعيش وأنا أنزف كل هذه الدماء, والأهم أين كانت تختبئ هذه الكتل كلها.. ترى إلى متى سأعيش لو استمر هذا النزيف, ثم هل مازال لدى رحم؟ ألم يسقط ضمن هذه الأشياء؟ كم مرة تردد هذا السؤال قبل أن أصحو منزعجة من النوم.

لم يمر ذهاب الطفل بهدوء, أكثر من شهرين من النزيف المستمر والألم الحاد, ربما كان يعرف أن أمه لا تهتم به كثيرا لذا أراد أن يترك

ذكرى, ترك عطبا دائما قبل رحيله الموشى بحجرة العمليات واندهاش الأطباء من استمرارى على قيد الحياة, والألم الطويل الممتد, ثم هذا العطب الدائم فى جسدى.

فيما بعد احتل هذا الطفل مكانته فى السماء, صديق تربطنى به وشائج قربى بعيدة, صديق ليس له من العمر سوى شهر واحد هو كل عمره, كائن لا تحيط بموته أى أساطير خاصة.. ربما لو قابلته مرة فى السماء لن أتعرف عليه.

الغروب, هذه اللحظة النادرة فى اليوم, اللحظة التى تفجر فى الداخل خيمة من الأحاسيس المبهمة الحزينة, تحيرك وتدفعك لتغليف هذه الحيرة وقذفها لأعلى لتبقى بعيدة على الإمساك.


الآن أشعر بإنهاك شديد, ليس الشعور العادى بالإنهاك, إنهاك غير مؤلم.. عيناى تميلان للانغلاق قليلا وجسدى كله يحتاج للراحة, وشعور بالانسجام وسعادة خافتة, ربما لأننى أخيرا تخلصت من الآلام التى استمرت طوال الشهرين الماضيين فى الحمل والإجهاض.

النوم صنو الموت الحميم, فى عمقها تنعم براحة غريبة.

تحت اللحاف مصابة بالبرد محتمية بدفء الفراش, وذكريات الحب ونومه السهل, صور لى تتقافز إلى ذاكرتى, مرتدية كمبلزون أسود قصيرا, أغوص فى رعشات هادئة تصحبنى حتى النوم.

حاولت كثيرا استدعاء هذا النوم اللذيذ أثناء نومى بجواره كان هناك الإحساس بالدفء والخدر الذى يؤدى للنوم ولم يكن هناك ذاك الشعور بأنك تسقط فى النوم من ارتفاع عال مارا بهوات, كلما انزلقت لأسفل اتسعت أمامك بؤرة أحلام تمر منها لتدخل بؤرة أخرى, تغوص وأنت مصاحب باحساس لطيف, أنك تنزلق فى سائل الأحلام الكثيف والأحلام تتقافذ لأعلى أثناء سقوطك.

كانت الأيام الماضية الأصعب, كنت أعانى من درجة التحجر البالغة التى وصلت لها, اختفى الكره العنيف والرفض الهائج, وبقى عدم الاحتمال العميق. لم أعد أحتمل البيت, بيته, ولا وجودى فيه, ولا عودتى له بعد يوم عمل, ولم أعد أحتمل وجوه هو فيه واللحظة التى

يفتح فيها باب البيت ليدخل. منذ ثلاثة شهور

تقريبا وأنا أعيش على جرعات متساوية من

الكحول كل يوم لأتمكن من السيطرة على هذا الرفض المستقر الثقيل.

فى الصالة علقت صورة لامرأة فى الموت بعد أن قطعت شريانها, ربما لأؤكد لنفسى أن الموت لا يحتاج سوى لإرادة.

منذ سنين أحاول إتباع القواعد البسيطة التى تعود بالفائدة دون أن أقصد اتباع عكسها تماما.

أن تصبح وحيدا يعنى أن تصبح حرا تماما.

أن تكون لك حجرتك الخاصة يعنى أن لا أحد يمكنه اقحام نفسه عليك, دون أن تدين بالمشاركة لشخص ما بإمكانه دخول حجرتك وقتما يشاء.

هكذا كان عليها أن تختار الموت

كانت تتحرك فى مساحة الستين مترا, فى هامش ضيق من الفراغ, كانت تبحث عن دفء ما لكن المكان كان أكثر ضيقا من أن يمنح دفئا متسعا.

                    قائمة كوابيس لا تنفض


كان قزما يرتدى جاكيتا طويلا من الكاروهات الصفراء, وكارفان صفراء عريضة, وكنت أعتقد أننى تزوجته. وقفت أمامه أتأمله كثيرا مندهشة, وكنت أدارى نفورا يخرج فى دفقات من جسدى شفقة أن يدرك نفورى منه, ثم بدأ يبكى ويتمسح فى ملابسى كطفل. حاولت كبح نفورى ومددت يدى لأخفف عنه. صعد لينام على حجرى, ولا أعرف من أين تدفقت تلك الأمومة عليه منى, كان ينام على ساقى.. صحوت أتساءل وأنا لم أصح بعد: هل أنا متزوجة منه حقا؟ وكان النفور مازال طاغيا يدمر وسن اللحظات الأولى من الصحو.

كتل حيوية من خلايا, مناطق مصفرة وأخرى أكثر اصفرارا تتنافر, وإحساس منفر يطفو ليكتم أنفاسى, رائحة منفرة كطعم الدم البشرى, أصحو وأنا أعرف أن خلاياى كانت تتدمر وأننى كنت أموت.


تكرر هذا المشهد حتى سئمته. شد شعرى كثيرا, وضرب رأسى فى الحائط. مصابة بصداع شديد, أقل حركة صغيرة تثير الصداع فى رأسى. المزعج أيضا هذا الغثيان والر غبة فى القئ.

طعم الدم البشرى, طعم شياط بارد, يذكرك أن الجحيم ليس نارا – كما يوصف فى الميثولجيا الشرقية – الجحيم برد له طعم الشياط. كور قبضة يده وقذفها فى وجهى. لم يكن الألم حادا حتى أن القطرات الأولى من الدم التى

تساقطت من أنفى كانت دافئة. كنت أملك من الوقت ما يتيح التفكير أنه أخيرا سينتهى النقاش وأتمكن من لومه من جديد, بينما كف هو عن لمسى منزعجا من سيل الدم الذى استمر لثلاث ساعات دون توقف. كان الدم قد ملأ ملابسى وأفسد الحذاء الجديد وترك بقعا كثيرة على الملاءة التى لها لون الكناريا اللطيف. ملأت قطراته أرضية الحمام البيضاء والبانيو وترك خطا مرسوما على الموكيت يصل ما بين الحمام والكرسى الذى استرخيت عليه فى الصالة. كنت قد استخدمت كل المناديل الموجودة. وبدأت فى فتح الكيس الثانى من فوط المطبخ الورقية. كان قد وضع الباسكيت بجوارى برفق, وكان الصعب حقا علاوة على بقعة الدم التى لم أستطع محوها أبدا من فوق الحذاء, طعم الدم, دمى فى حلقى, طعم شياط بارد مقزز, عندما لا أستطيع رده للخارج وهو يتدفق فى حلقى, عندما أضطر لبلعه. دمى مقزز جدا أكثر من دم أى شخص آخر. يفاجئنى ببرودته وكأنه ينتمى لشخص ميت, له طعم كابوس

كنت أشاهده فى طفولتى وأصحو منه شاعرة بالموت, مما يدفعنى لتحسس أختى النائمة بجوارى, وإيقاظ أبوى للتأكد أنهما على قيد الحياة, وانتظار الموت أن يمر فى حجرتى كطيف مزعج بارد كان يبدو لى ودون حتى أن أدرك كيفية وصفه كصقيع يفاجئنى فى مكان منعزل ولا أستطيع الهروب منه لأى دفء.. أى دفء, خاصة دفئى الذى يخذلنى, أن أبلع دمى ما يثير التقزز.....


كان على أن ألملم نفسى وأذهب للعمل. تنتظرنى هناك مشادة أخرى, وابتسامات على أن أدرى بها كدمة على جبينى, قصة سألفقها حول وقوعى فى الحمام, ويوم طويل قد لا أخرج منه منتصرة. لا شك لدى قدرة على الاقناع, وتدفق طبيعى للدموع فى وقت احتاجها فيه, وقدرة أخرى مناوئة على الانتصاب واقفة وفرد ظهرى ثم رسم ابتسامة نصف جامدة ذات تكوين قوى كأنها منحوتة بسائل من السخرية.


أبحث عن اسم فى الإندكس, أتصل به لأتكلم معه فى أى شئ, شئ ما لا أهمية له, لكننى بين ألا أجد.. أو لا أحد الرغبة فى الكلام معه.

أن أملك قدرى, يعنى أن يكون ضمن اختياراتى موت بلا ألم, أملك امكانية التراجع عنه هذا ما لم أجربه أبدا.

حفل صاخب, وأصدقاء كثيرون غير مملين, يا إلهى جرعة واحدة من الجن الإنجليزى أفضل بكثير.

إنهم يبحثون تحت فراشك الآن, ألن تمنحيهم شيئا, بعض الحقائق, المنسقة بطرق ملتوية, نظرات مبهمة للفضاء, بعدها تكونين قد ضللتهم تماما.


يبدو أن الضفدع قد مات مرارا, أو نام مئات الأيام

قبل أن يصحو ليجد نفسه فوق هذه البقعة الجافة من اللون الرمادى. يثير جسده وحتى القشعريرة ملمس بلاستيكى مقزز يمتد تحته إلى ما لا نهاية. لعن نفسه مرارا وهو يتذكر آخر مرة صحا فيها متمرغا فى طين رخو حتى الثمالة, وتسأءل عن سبب استيقاظه الآن من بياته الطويل. تمنى لو كان هذا كابوسا, لكنه للأسف كان كابوسا حقيقيا وممتدا منذ أيام. حاول التفكير فى شئ. ربما فى الضفادع التى يراها مغبشة فى آخر مرمى بصره لكن إرادته كانت بالكاد كافية لبقائه حيا. لذا, انقلب على ظهره ليحمى بطنه الرقيق وهو يستسلم لغيبوبة طويلة لا تشبه نومه الصيفى ولا أى موت آخر


كانت رائحة الحلبة تتصاعد بقوة وتملأ الجو, وفى الأفق سلاسل ضخمة من الأبخرة وفناطيز ضخمة من الحلبة السائلة تتبخر فى الهواء, أشجار عجيبة لا أعرف كيف نمت هكذا وهى تحيط بائع الحلبة وقطة ذابلة ومتسخة تجلس بجواره.

رائحة الصيف, شجرة من الغريزة, فى حجرة النوم يفتح حيوان الضجيج الذى بقيع داخلى فمه ويحاول الارتواء ولا يرتوى أبدا.

كنا قد انتهينا لتونا, خرج ليشعل سيجارة, ولم أستطع الانتهاء من شجار طويل مع نفسى إلا بعدما تركت بعضه يتسرب للخارج فى موجة طويلة حانقة بددت راحته وساعدتنى على احتمال الفراغ الذى ينمو داخلى.

الموت يتمشى داخل صدرى ذهابا وإيابا فى خطوط متموجة, صانعا دوامة وزارعا مساحة صدرى الجرداء برغباته الحادة.

فى نومى أشاهد رجالا كثيرين موتى, ونساء عاريات معلقات من رقابهن, وتنتابنى رغبات مجهولة فى انتهاك الفراغ, لم أكن قد صحوت من نومى الطويل المفزع بعد.


                     كتبت 1997 / 1998
                                     كتبت النسخة النهائية 1999

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

المصادر

المؤلفة غادة عبد المنعم