الفرق بين المراجعتين ل"مبسوط السرخسي - الجزء الثاني2"

من معرفة المصادر

ط
(Removing all content from page)
سطر 1: سطر 1:
  
==  [ 98 ] ==
 
الوتر والشفع الواحد لا يتجزأ فالتزام بعضه التزام لكله. وان دخل يريد الوتر ولم يكن أوتر وقد فاتته ركعتان مع الامام وهو في الركعة الاخيرة فأوتر معهم أو أدركهم ركوعا فركع معهم ثم قام فقضاهما فليس عليه أن يقنت فيما يقضى قال لانه يقضى أول صلاته وقد بينا هذا الاصل في كتاب الصلاة انه في حكم القنوت يجعل ما أدرك مع الامام آخر صلاته لان القنوت لم يشرع مكررا في وتر واحد فلو جعلنا ما أتى به مع الامام أول صلاته كان يقنت فيما يقضى فيؤدى إلى تكرار القنوت وكذلك ان أدركهم في الركوع لانه مدرك لهذه الركعة وهى محل للقنوت فيجعل ادراكه محل القنوت مع الامام بمنزلة قنوته مع الامام. رجل افتتح المغرب فصلى منها ركعة ثم ظن أنه لم يكن افتتح الصلاة فجدد التكبير وصلى ثلاث ركعات مستقبلات قال يجزئه لانه بقى في صلاته الاولى لانه نوى ايجاد الموجود ونية الايجاد في الموجود لغو فلما صلى ركعتين فقد تمت فريضة ثم كانت الركعة الثالثة نفلا له لانه اشتغل بها بعد اكمال الفريضة ولو كان صلى ركعتين والمسألة بحالها لم تجز صلاته لانه بقى بعد تجديد التكبير في صلاته الاولى فلما صلى ركعة كان عليه أن يقعد ولم يفعل حتى صلى ركعة أخرى فكان قد اشتغل بالنفل قبل اكمال الفريضة وذلك مفسد لصلاته. ولو اقتدى بالامام في المغرب بنية التطوع فصلى منها ركعة وفاتته ركعتين ثم رعف فانطلق فتوضأ وقد أدرك أول الركعة يعنى نام خلف الامام حتى صلى ركعتين ثم أحدث فتوضأ ثم جاء وقد فرغ الامام فعليه أن يصلى ركعة بغير قراءة ويقعد ثم يصلى ركعة بغير قراءة ويقعد لانه لاحق في هاتين الركعتين فيصليهما بغير قراءة ثم يصلى ركعة بقراءة ويقعد لانه ليس بتبع للامام في الركعة الرابعة فانها لم تكن على إمامه ولكنها نفل مقصود في حقه فعليه ان يصليها بقراءة وفيما كان تبعا للامام عليه ان يؤديه كما أداه الامام ولهذا قلنا يقعد في الثالثة كما قعد الامام. رجل افتتح الصلاة مع الامام فنام خلفه حتي فرغ الامام ثم انتبه وقد كان الامام ترك سجدة من الركعة الاولى فقضاها في الثانية ولم يقعد في الثانية مقدار التشهد ساهيا ثم علم الرجل كيف صنع الامام قال يتبعه ويصلى بغير قراءة لانه قد أدرك أول الصلاة مع الامام والتزم الاقتداء به فكان هو مقتديا بالامام فيما يأتي به وليس على المقتدى قراءة ويسجد في موضعها من الركعة الاولى لان الامام قضى تلك السجدة فالتحقت بمحلها وصار كانه أداها في موضعها ولا يقعد
 
 
[ 99 ]
 
مقدار التشهد في الركعة الثانية عندنا وقال زفر رحمه الله تعالى يقعد لان الامام لما استتم قائما انما لم يعد إلى القعود لما فيه من ترك الفريضة لاداء السنة وذلك المعنى غير موجود في حق هذا الرجل فعليه أن يأتي بالقعدة كما كان ذلك على الامام قبل أن يقوم إلى الثالثة وقاس بالسجدة فانه يأتي بها في موضعها كما كان على الامام أن يأتي بها ولكنا نقول هو في الحكم كانه خلف الامام ومن كان خلف الامام تسقط عنه القعدة الاولى بسقوطها عن الامام ألا ترى ان الامام لو قام إلى الثالثة ساهيا ولم يقم القوم كان عليهم أن يتبعوه ولا يأتون بتلك القعدة فكذلك هذا الرجل وبه فارق السجدة فان تلك السجدة ما سقطت عن الامام بالترك ولهذا قضاها وقد سقطت القعدة عن الامام ألا ترى أنه لا يقضيها فتسقط عن المقتدى. ولو نام خلف الامام حتى صلى ركعة ثم رعف فقدمه فانه لا ينبغى له أن يتقدم لان غيره أقدر على اتمام صلاة الامام منه فهو أولى بأن يكون خليفة له وان فعل جاز لانه شريك الامام في الصلاة فيصلح أن يكون خليفة له ثم ينبغى له أن يشير إلى القوم لينتظروه حتى يقضى الركعة التي نام فيها لانه لا حق فيبدأ بالاول فالاول فان لم يفعل ولكن صلى بهم بقية صلاة الامام ثم أخذ بيد رجل فقدمه حتى سلم بهم وقام هو فقضى ركعته جاز عندنا خلافا لزفر رحمه الله تعالى وهو بناء على الاصل الذى بينا في الصلاة ان مراعاة الترتيب في أعمال صلاة واحدة ليست بركن عندنا وعنده ركن وان بدأ بالتى نام فيها فاتبعه القوم فصلاته تامة لانه في حق نفسه كالمنفرد وصلاة من ائتم به فاسدة لانهم صلوا ركعة قبل أن يصليها امامهم فان امامهم مشغول بالركعة التى أدوها هم مع الاول وهم قد صلوا ركعة أخرى وذلك مفسد لصلاتهم. ولو أن رجلا قال لله على أن أصلى ركعتين فاقتدى فيهما بمتطوع لم يجزه عن الركعتين لان المنذور واجب عليه قبل الشروع فيه والتطوع ليس بواجب وصلاة المقتدى بناء على صلاة الامام وبناء القوى على الضعيف لا يجوز بمنزلة المفترض يقتدى بالمتطوع وهذا بخلاف ما إذا قال والله لا صلين ركعتين فاداهما خلف متطوع فان ذلك يجزيه لانه بيمينه ما وجب عليه الصلاة فكان هو في الاداء متطوعا وان كان ببربه في يمينه الا ترى ان البر في اليمين يحصل بما هو حرام لا يجوز التزامه بخلاف النذر والذى يوضح الفرق انه لو قال لله على أن أصلى ركعتين اليوم فلم يفعل كان عليه قضاؤهما. ولو قال والله لا صلين اليوم ركعتين فلم يفعل حتى مضي اليوم لم يكن عليه قضاؤهما فبهذا يتضح
 
 
[ 100 ]
 
الفرق. ولو ان مسافرا ومقيما نسيا صلاة فأم أحدهما صاحبه بعد ما تذكرا فان أم المسافر المقيم جاز وان أم المقيم المسافر لم تجز صلاة المسافر وقد بينا هذا الفرق في كتاب الصلاة ان اقتداء المقيم بالمسافر يجوز بعد خروج الوقت كما يجوز في الوقت لان فرضه لا يتغير بالاقتداء. واقتداء المسافر بالمقيم يجوز في الوقت ولايجوز بعد خروج الوقت لان فرضه يتغير بالاقتداء. ولو أن رجلا صلى مع الامام الفجر فجعل يركع معه ويسجد قبله فعليه أن يسجد سجدتين وصلاته تامة لانه لما سجد قبله ورفع رأسه قبل أن يسجد الامام لم يعتد بهذه السجدة فلما سجد الامام وسجد الرجل ينوى الثانية كانت هذه هي السجدة الاولى في حقه فانما صلى مع الامام ركعتين وترك من كل ركعة سجدة فعليه أن يسجد سجدتين وليس مراده من هذه المسألة أنه سجد قبل الامام ثم سجد الامام قبل أن يرفع هو رأسه لان هناك لا يلزمه قضاء شئ فان الامام لما أدركه في آخر السجدة فقد وجدت المشاركة بينهما في هذه السجدة وليس مراده أنه سجد سجدتين جميعا ورفع رأسه منهما قبل أن يسجد الامام لانه حينئذ لا تجوز صلاته باداء السجدتين فانه في الحقيقة يكون مصليا ركعة فانما عليه أن يصلى أخرى فعرفنا أن مراده مابينا. ولو صلى ركعة وترك منها سجدة ثم صلى ركعة أخرى بسجدتين فهما لهذه الركعة لان الركعة تتقيد بالسجدة الواحدة فقد سجد للركعة الثانية في أوانها فيكون سجوده عن الركعة الثانية وسجدة الركعة الاولى صارت في حكم القضاء لفوات محلها فلا تتأدى بدون النية فان طاف بالبيت أسبوعا ثم صلى ركعتين عند طلوع الشمس أو بعد ما تغيرت الشمس لم يجزئه عندنا عن ركعتي الطواف خلافا للشافعي رضى الله تعالى عنه لحديث جبير بن مطعم رضى الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا تمنعوا أحدا يطوف بهذا البيت أي ساعة شاء من ليل أو نهار وليصل لكل أسبوع ركعتين ولكنا نستدل بحديث معوذ بن عفراء رضى الله عنه فاته طاف بعد العصر أسبوعا ثم لم يصل فقيل له في ذلك فقال نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصلاة في هذه الساعة. وعن أبى سعيد الخدرى رضى الله عنه انه طاف بعد العصر اسبوعا فقال عطاء ارمقوا صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم هل يصلى فرمقوه فلم يصل حتى غربت الشمس. وعن عمر رضى الله تعالى عنه أنه طاف بعد صلاة الفجر اسبوعا ثم خرج من مكة فلما كان بذى طوى وارتفعت الشمس صلى ركعتين ثم قال ركعتان مكان ركعتين ولان ركعتي الطواف تجب بسبب من
 
 
[ 101 ]
 
جهة العبد فهي كالمنذورة وقد بينا أن المنذورة لا تؤدى بعد الفجر قبل طلوع الشمس ولا بعد العصر قبل غروب الشمس وتأويل حديث جبير وليصل كل أسبوع ركعتين في الاوقات التى لا تكره الصلاة فيها. رجل صلى ركعتين تطوعا ثم اقتدى به رجل ثم رعف فانطلق يتوضأ فصلى امامه ركعة أخرى ثم تكلم الذى أحدث فصلى هذا الامام تمام ست ركعات فعلى الرجل الداخل معه أن يقضى أربع ركعات لانه اقتدى بالامام في الشفع الثاني فيصير ملتزما لهذا الشفع والشفع الاول الذى أداه الامام بهذه التحريمة فعليه قضاء الشفعين ثم هو قد أفسد الاقتداء قبل قيام الامام إلى الشفع الثالث وانما يلزمه الشفع الثالث بالقيام إليه كما لو لم يكن اماما له حين قام إليها لم يكن عليه قضاؤها. ولو أن رجلين افتتحا الصلاة معا ينوى كل واحد منهما أن يكون اماما لصاحبه فصلاتهما تامة لان الامام في حق نفسه كالمنفرد فان صلاته لا تنبنى على صلاة غيره فنية كل واحد منهم للامامة ونيته الانفراد سواء وان نوى كل واحد منهما أن يأتم بصاحبه فصلاتهما فاسدة لان كل واحد منهما نوى الاقتداء عند الشروع ونيته الاقتداء بالمقتدى لا تصح ألا ترى أن المسبوق إذا قام إلى قضاء ما فات فاقتدى به انسان لم يصح اقتداؤه وهذا لان المقتدى تبع ويستحيل أن يكون كل واحد منهما تبعا لصاحبه في صلاة واحدة فلهذا تفسد صلاتهما ثم ذكر مسألة المغمى عليه وقد بيناها في كتاب الصلاة وفرق بين الاغماء والنوم فان النوم لا يسقط القضاء وان كان أكثر من يوم وليلة لان النائم في حكم القضاء كالمنتبه ألا ترى أنه إذا نبه انتبه بخلاف المغمى عليه وجعل الجنون كالاغماء فقال إذا جن يوما وليلة أو أقل فعليه قضاء الصلوات وإذا جن أكثر من يوم وليلة فليس عليه قضاء الصلوات وهذا لان الجنون يعجزه عن فهم الخطاب مع بقاء الاهلية للفرض ألا ترى أن فرضه المؤدى يبقى على حاله يعنى حجة الاسلام والصلاة المؤداة حتى لو أفاق قبل مضى الوقت لم يكن عليه اعادة الصلاة فعرفنا أن الجنون إذا قصر فهو كالاغماء فان كان يوما وليلة أو أقل كان عليه قضاء الصلوات وقد ظن بعض أصحابنا أن الجنون إذا استوعب وقت صلاة كاملة لم يكن عليه قضاؤها بخلاف الاغماء قالوا لان الجنون يزيل العقل ألا ترى أن من قال جن رسول الله صلى الله عليه وسلم في شئ من عمره كفر وقد أغمى عليه في مرضه ولكن الاصح أنه في حكم الصلاة لا فرق بين الجنون والاغماء كما نص عليه ههنا. رجل نسى صلاتين من يومين
 
 
[ 102 ]
 
وهو لا يدرى أي صلاتين هما فعليه اعادة صلاة يومين أخذا بالاحتياط وليس عليه مراعاة الترتيب في القضاء لان ما لزمه قضاؤها اكثر من ست صلوات فيسقط مراعاة الترتيب للكثرة وكذلك لو نسى صلاة من يوم وهو لا يدرى أيها هي أو نسى سجدة من صلاة وعلى قول سفيان الثوري رضى الله عنه يعيد الفجر والمغرب ثم يصلى أربع ركعات بنية ما عليه وعلى قول محمد بن مقاتل رحمه الله تعالى يصلى أربع ركعات بثلاث قعدات وهذا ليس بصحيح عندنا لان تعين النية في القضاء شرط للجواز والصلوات وان اتفقت في أعداد الركعات فهى مختلفة في الاحكام لان اقتداء من يصلى الظهر بمن يصلى العصر لا يجوز فلا يتحقق تعيين النية فيما يقول محمد بن مقاتل رحمه الله تعالى ولا فيما يقول سفيان رضى الله عنه فلهذا ألزمناه قضاء صلاة يوم وليلة. ولو أن رجلا أم قوما شهرين ثم قال قد كان في ثوبي قذر فعلى القوم أن يصدقوه ويعيدوا صلاتهم لانه أخبر بأمر من أمور الدين وخبر الواحد في أمر الدين حجة يجب العمل بها إلا أن يكون ما جنا فحينئذ لا يصدق لان خبره في أمور الدين غير مقبول إذا كان ما جنا والذى يسبق إلى الاوهام انه يكذب في خبره على قصد الاضرار بالقوم لمعني دخله من جهتهم والماجن هو الفاسق فان المجون نوع جنون وهو ان لا يبالى بما يقول ويفعل فتكون أعماله على نهج أعمال المجانين وكان شيخنا الامام رضى الله عنه يقول الماجن هو الذى يدعى سبب نبت وهو الذى يلبس قباطاق (1) ويتمندل بمنديل خيش ويطوف في السكك ينظر في الغرف ان النساء ينظرن إليه أم لا. ولو طلعت الشمس وهو في خلال صلاة الفجر ثم قهقه قبل ان يسلم فليس عليه وضوء لصلاة أخرى اما على قول محمد رحمه الله تعالى فلانه صار خارجا بطلوع الشمس وهو احدى الروايتين عن أبى حنيفة رضى الله عنه وفى الرواية الاخرى وان لم يصر خارجا من أصل التحريمة فقد فسدت صلاته بطلوع الشمس لانه لا يجوز أداء النفل في هذا الوقت كما لا يجوز أداء الفرض فالضحك في هذه الحالة دون الضحك في صلاة الجنازة فلا يجعل حدثا وعلى قياس قول أبى يوسف رحمه الله تعالى يلزمه الوضوء خصوصا على الرواية التى رويت عنه ان يصبر حتى تطلع الشمس ثم يتم الفريضة فعلى هذه الرواية لا يشكل ان ضحكه صادف حرمة صلاة مطلقة فكان حدثا. ولو افتتح التطوع
 
 
(1) قوله سبب نبت هكذا في نسخة وفى نسخة أخرى بنت سبب فليحرر وقوله قباطاق لعله القباطي وهي الثياب المشهورة اه‍ مصححه
 
 
[ 103 ]
 
حين طلعت الشمس ثم أفسدها متعمدا ثم قضاها حين احمرت الشمس أجزأه الا على قول زفر رحمه الله تعالى فانه يقول لما أفسدها فقد لزمه قضاؤها وصار ذلك دينا في ذمته فلا يسقط بالاداء في الوقت المكروه بمنزلة المنذورة التى شرع فيها في وقت مكروه ولكنا نقول لو أداها حين افتتحها لم يكن عليه شئ آخر فكذلك إذا قضاها في مثل ذلك الوقت لم يلزمه شئ آخر لان القضاء بصفة الاداء فهو والمؤدى حين شرع فيه سواء وقد بينا نظائره في كتاب الصلاة والله أعلم بالصواب * (باب صلاة المسافر) * رجل صلى بمسافرين ومقيمين ركعتين وقعد قدر التشهد ثم قام بعض من خلفه من المسافرين فتكلموا ثم نوى الامام الاقامة فعليه ان يتم صلاته لان نيته حصلت في حرمة الصلاة وعلى من خلفه من المسافرين إتمام الصلاة أيضا لانهم صاروا مقيمين في هذه الصلاة تبعا لامامهم ومن تكلم منهم في صلاته فصلاته تامة لانه خرج من حرمتها في وقت لو خرج امامهم منها كانت صلاته تامة وانما كان يلزمهم صلاة المقيمين باعتبار التبعية ومن تكلم منهم فقد خرج من ان يكون تبعا للامام قبل أن يتغير فرض الامام ومن تكلم منهم بعد ما نوى الامام الاقامة فسدت صلاته بمنزلة مالو تكلم الامام في هذه الحالة وهذا لان فرضه تغير بنية لامام الاقامة فيكون هو متكلما في وسط الصلاة فان قام بعض من خلفه من المقيمين فقرأ وركع وسجد ثم نوى الامام الاقامة فهذا الرجل خارج من صلاته يتم بقية الصلاة وحده لانه استحكم انفراده حين قيد الركعة بالسجدة قبل ان ينوي الامام الاقامة فان عاد إلى متابعته في الرابعة فسدت صلاته لانه اقتدي به بعد ما استحكم انفراده وان كان قد قرأ وركع ولم يسجد حتى نوى الامام الاقامة فعليه ان يعود إلى متابعته لانه لم يستحكم انفراده بمجرد القيام والركوع فكان كغيره ممن لم يقم بعد من المقيمين فعليه ان يتابع الامام في اتمام الصلاة فان لم يفعل ولكنه سجد فصلاته فاسدة لانه انفرد في موضع كان عليه الاقتداء فيه ومن اقتدى في موضع كان عليه الانفراد أو انفرد في موضع كان عليه الاقتداء فيه فسدت صلاته وانما قلنا ان انفراده انما استحكم بتقييده الركعة بالسجدة لان ما دون الركعة يحتمل الرفض والركعة الكاملة لا تحتمله ولان زيادة ما دون الركعة لا يفسد الصلاة
 
 
[ 104 ]
 
وزيادة الركعة الكاملة يفسدها فان الركعة الكاملة إذا لم يحتسب بها من الفريضة كانت نافلة وخلط النفل بالفرض قبل اكمال الفرض مفسد للصلاة فان كان الامام لم يقرأ في الاوليين ثم تكلم بعض من خلفه بعد ما قعد قدر التشهد فصلاة من تكلم فاسدة لان الامام لو تكلم في هذه الحالة كانت صلاته فاسدة ويقوم الامام فيتم ما بقى من صلاته ويقرأ في الاخريين في قول أبى حنيفة رضى الله عنه وأبى يوسف رضي الله عنه وفي قول محمد وزفر رحمهما الله تعالى صلاته وصلاة من خلفه فاسدة لان عندهما ظهر المسافر كفجر المقيم فترك القراءة فيهما أو في احداهما يفسد صلاته على وجه لا يمكن تصحيحه وفى قول ابى حنيفة وأبى يوسف رحمهما الله تعالى يتوقف حكم الفساد بتوقف حال فريضته فان فرضه في الوقت بعرض التغيير بنية الاقامة قاذا نوى الاقامة في الانتهاء يجعل ذلك كنيته في الابتداء وترك القراءة في الاوليين من المقيم لا يكون مفسدا لصلاته حتى إذا قرأ في الاخريين كانت صلاته تامة فكذلك هنا وهو بناء على الاصل الذى بينا ان بمجرد ترك القراءة لا يخرج عن حرمة الصلاة عندهما فان كان بعض من خلفه من المقيمين قام فقرأ وركع وسجد ثم نوى الامام الاقامة فصلاة هذا الرجل فاسدة لانه استحكم انفراده قبل تمام صلاة الامام في حال لو تكلم فيه الامام كانت صلاته فاسدة وان كان قرأ وركع ولم يسجد حتى نوى الامام الاقامة فانه يرفض ما صنع ويعود إلى اتمام صلاته مع الامام لانه لم يستحكم انفراده بعد وهذا قياس قول أبى حنيفة وأبى يوسف رحمهما الله تعالى فان سجد بعد ما نوى الامام الاقامة فصلاته فاسدة لانه انفرد في موضع كان عليه الاقتداء فيه. ولو ان مسافرا صلى ركعتين بغير قراءة فظن بعد ما قعد قدر التشهد أنه انما صلى ركعة فقام وقرأ وركع ثم رفع رأسه ثم نوى الاقامة فانه يعيد القراءة والركوع ويمضى في صلاته وان سجد قبل ان ينوى الاقامة فصلاته فاسدة وكذلك ان سجد بعد نية الاقامة قبل أن يعيد القراءة والركوع لان ما دون الركعة يحتمل الرفض فان نوى الاقامة قبل أن يسجد صار هذا ونية الاقامة قبل أن يقوم إلى الثالثة سواء فان كان سجد فهذه الركعة نافلة في حقه لا تحتمل الرفض واشتغاله بالنفل قبل اكمال الفرض مفسد لصلاته وكذلك ان سجد بعد النية لان بهذه السجدة يتقيد ما أدى من الركعة وهى نافلة والنفل لا ينوب عن الفرض وان كان هو اعاد القراءة والركوع
 
 
[ 105 ]
 
فقد صار رافضا لما زاد مؤديا للفرض فتجوز صلاته في قول أبى حنيفة وأبى يوسف رحمهما الله تعالى وان كان قرأ في الاوليين وقعد قدر التشهد ثم قام فقرأ وركع وسجد ثم نوى الاقامة فقد استحكم خروجه من الفرض بتقييد الركعة بالسجدة فلا يتغير فرضه بنية الاقامة ولكنه متنفل بركعة فيضيف إليها ركعة أخرى ليكون شفعا وان كان ركع ولم يسجد حتى نوى الاقامة فانه يعيد الركوع لان فرضه تغير بهذه النية على ما بينا انه لا يستحكم خروجه من الفرض ما لم يقيد الركعة بالسجدة فعليه اعادة القيام والركوع لان ما أدي كان نافلة والقيام والركوع فرض في كل ركعة وفى الكتاب ذكر اعادة الركوع خاصة لانه انما يركع عن قيام وفرض القيام انما يتأدى بأدنى ما يتناوله الاسم وان لم يعد فصلاته فاسدة لترك القيام والركوع في الفريضة واداء النافلة قبل اكمال الفريضة فان لم يقعد في الركعتين حتى قام ساهيا ثم نوى الاقامة فانه يمضى على قيامه ولا يعود إلى القعدة لانه صار مقيما في هذه الصلاة والمقيم بعد ما قام إلى الثالثة ساهيا لا يعود إلى القعدة لما فيه من العود من الفرض إلى السنة فان كان عاد إلى القعدة قبل أن ينوى الاقامة ثم نواها قبل اتمام التشهد فانه يتم التشهد لانه قبل نية الاقامة العود مستحق عليه وانما تغير فرضه بنية الاقامة وهو قاعد فعليه أن يتم التشهد ثم يقوم لاتمام صلاته. مسافر اقتدى بمقيم فعليه أن يصلى أربعا لانه التزم متابعة الامام بالاقتداء به فان تكلم صلى ركعتين لانه مسافر على حاله وانما كان يلزمه الاتمام لاجل المتابعة وقد زال ذلك حين تكلم وهذا بخلاف مالو اقتدى به بنية النفل ثم تكلم فانه يلزمه قضاء أربع ركعات لان هناك بالشروع يكون ملتزما صلاة الامام وصلاة الامام أربع ركعات وهنا بالشروع ما قصد التزام شى ء وانما قصد إسقاط الفرض عن ذمته وتغير فرضه حكما للمتابعة فإذا انعدمت صار كأنه لم يشرع في صلاته أصلا. ولو نام هذا المسافر خلف المقيم حتى دخل وقت العصر فعليه أن يصلى اربعا لانه لاحق واللاحق في حكم المقتدى فان تكلم صلى ركعتين وكذلك ان نوى الاقامة بعد ما تكلم لانه بالكلام يخرج عن متابعة الامام فتبقى نية الاقامة منه بعد خروج الوقت وذلك لا يغير فرضه * فان قيل هذا إذا كان الواجب عليه عند خروج الوقت ركعتين وهنا الواجب عليه عند خروج الوقت أربع ركعات * قلنا نعم ولكن وجوب الاربع عليه عند خروج الوقت كان من المتابعة وقد انعدم ذلك حين تكلم فكان هذا وما لو خرج الوقت
 
 
[ 106 ]
 
قبل شروعه في الصلاة سواء قلا يتغير فرضه بنية الاقامة. ولو أن امرأة سافرت مع زوجها فنوى هو أن يقيم في موضع خمسة عشر يوما فعليها أن تصلى أربعا وان لم تنو الاقامة ولو أنها نوت الاقامة دون الزوج كان عليها أن تصلى ركعتين لانها تابعة للزوج في السفر والاقامة قال الله تعالى أسكنوهن من حيث سكنتم. وقال الله تعالى الرجال قوامون على النساء وانما يعتبر تغير النية ممن هو أصل دون من هو تبع لان ثبوت الحكم في التبع بثبوته في الاصل ومن أصحابنا من يقول هذا إذا كانت قد استوفت صداقها فان لم تكن استوفت صدافها ولم يدخل بها الزوج فانه تعتبر نيتها لان لها أن تحبس نفسها لاستيفاء الصداق فلا تخرج مع زوجها وان كان قد دخل بها فعلى الخلاف المعروف في ثبوت حق الحبس لها لاستيفاء الصداق وقيل بل هو قولهم جميعا لانه وان كان لها أن تحبس نفسها فما لم تحبس كانت تابعة لزوجها وانما وضع ال‍ مسألة فيما إذا نوت الاقامة أو السفر من غير ان قصدت حبس نفسها عن زوجها وعلى هذا حكم كل تبع مع أصله كالعبد مع سيده والاجير للخدمة مع المستأجر والجندى مع السلطان انما يعتبر نية الاقامة والسفر ممن هو أصل دون التبع وان كان الزوج أو السيد خلى بين المرأة والعبد وبين النية الآن تعتبر نيتهما لانهما صارا أصلين بهذه التخلية ما لم يرجع الزوج والسيد عنها (قال) كوفي خرج يريد مكة فلما انتهى إلى الحيرة توضأ وافتتح الصلاة ثم رعف فنوى الرجوع إلى الكوفة ثم أصاب الماء في مكانه فتوضأ صلى أربعا لانه لما نوى الرجوع إلى وطنه الاصلى وهو في فناء وطنه فقد صار رافضا لسفره والتحق بالمقيم في هذه الصلاة فعليه ان يصلى أربعا وكذلك ان تكلم لانه صار مقيما بنيته الاولى في هذا المكان فلا يصير مسافرا ما لم يرتحل منه وان لم يتكلم ولكن قيل له ان أمامك ماء على رأس غلوة فمشى إليه فتوضأ فانه يصلى أربعا لانه قد لزمه الاتمام بنيته الاولى ولانه بالتوجه أمامه لا يصير مسافرا بعد ما صار مقيما لان السفر عمل وحرمة الصلاة تمنعه من مباشرة عمل ليس من أعمال صلاته بخلاف نية الاقامة فانه ترك للسفر وهو يحصل بمجرد النية فحرمة الصلاة لا تمنع منه فان تكلم بعد ما مشى أمامه صلى ركعتين لانه خرج عن حرمة الصلاة وهو منشئ للسفر بمشيه بعد ما خرج من حرمة الصلاة. ولو أن خراسانيا أوطن الكوفة سنة فعليه أن يصلى أربعا لانه نوى الاقامة في موضعها وهذا وطن مستعار له وقد بينا في كتاب الصلاة أن الاوطان ثلاثة فعلى ذلك الاصل بنى هذه المسائل فقال ان خرج هذا
 
 
[ 107 ]
 
الخراساني مع كوفى إلى مكة فلما انتهيا إلى الحيرة نويا الاقامة بالقادسية شهرا فعلى الكوفى أن يصلى أربعا والخراساني يصلى ركعتين حتى يدخل القادسية على نيته لان وطن الكوفى بالكوفة وطن أصلى فلا ينتقض بالخروج منه على قصد السفر فانما نوى الاقامة في فناء وطنه الاصلى لان القادسية على مرحلتين من الكوفة فصار هو مقيما من ساعته ووطن الخراساني بالكوفة كان مستعارا فانتقض بالخروج من الكوفه على قصد السفر فهو مسافر نوى الاقامة في موضع فما لم يدخل ذلك الموضع لا يصير مقيما فإذا دخلا القادسية صليا أربعا حتى يخرجا منها إلى مكة. فان بدالهما أن لا يقيما بالقادسية بعد نيتهما الاولى وهما بالحيرة بعد فان الكوفي يصلى أربعا والخراساني يصلى ركعتين لان الكوفي مقيم بنيته الاولى في هذا الموضع فلا يصير مسافرا برفض النية ما لم يخرج منها وان شخصا من ذلك الموضع صليا ركعتين وان نويا من الحيرة ان يخرجا إلى خراسان ويمران بالكوفة فالخراساني يصلى ركعتين والكوفي يصلى أربعا لانه عزم على الرجوع إلى وطنه الاصلى وبينه وبين وطنه دون مسيرة سفر فيصير مقيما في الحال حتى يخرج من الكوفة إلى خراسان. وان نويا الذهاب إلى خراسان ولا يمران بالكوفة صليا ركعتين لان الكوفى لم يعزم على الرجوع إلى وطنه فهو ماض على سفره يصلى ركعتين كالخراساني. وأن خرج الكوفى والخراساني يريدان قصر ابن هبيرة وهو على ليلتين من الكوفة صليا أربعا لانهما لم يعزما على السفر من الكوفة فان أدنى مدة السفر ثلاثة أيام فان بدا لهما أن يقيما بالقصر خمسة عشر يوما ثم يمضيان إلى بغداد صليا أربعا لان من القصر إلى بغداد دون مدة السفر فان بدا لهما الرجوع من بغداد إلى الكوفة ويمران بالقصر فالخراساني يصلى أربعا والكوفي يصلى ركعتين لان وطن الخراساني بالقصر كان وطنا مستعارا فانتقض به وطنه بالكوفة وصار وطنه القصر وقد عزم على الرجوع إلى وطنه وبينه وبين وطنه دون مسيرة سفر فيصلى أربعا واما وطن الكوفى بالقصر فكان وطن السكنى لانه في فناء وطنه الاصلى ولا يكون له وطنا مستعارا في فناء وطنه الاصلى فان لوطن الاصلى ينقض الوطن المستعار لانه فوقه ووطن السكنى ينتقض بالخروج منه لاعلى قصد السفر فالتحق هو بعد ما وصل إلى بغداد بمن لم يدخل القصر فإذا عزم على الرجوع إلى وطنه فقد أنشأ سفرا من بغداد إلى الكوفة. وان كانا أوطنا ببغداد خمسة عشر يوما ثم بدا لهما الرجوع صليا جميعا ركعتين لان وطن
 
 
[ 108 ]
 
الخراساني بالقصر قد انتقض بمثله وهو وطنه ببغداد وان لم يكونا نويا الاقامة بالقصر ولا ببغداد فإذا خرجا من بغداد إلى الكوفة صليا ركعتين لان وطنهما بالقصر كان وطن السكنى وقد انتقض بالخروج منه. ولو أن كوفيا باع داره وخرج مع عياله يريد أن يوطن مكة فلما انتهى إلى الثعلبية بدا له أن يوطن خراسان فمر بالكوفة صلى أربعا لان الوطن الاصلى لا ينقضه الا وطن أصلى مثله ولم يظهر له وطن أصلى في موضع آخر فكانت الكوفة وطنا له فيصلى بها أربعا فان كان أتى مكة ودخلها على عزيمته ثم بدا له أن يرجع إلى خراسان فمر بالكوفة صلى ركعتين لانه لما دخل مكة بأهله وثقله على قصد التوطن بها صار ذلك وطنا أصليا له وانتقض وطنه بالكوفة ألا ترى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان متوطنا بمكة فلما توطن بالمدينة انتقض وطنه بمكة حتى لما دخلها قال أتموا يا أهل مكة صلاتكم فانا قوم سفر فان بدا له أن يرجع إلى اليمن ويمر بمكة صلى أربعا لانها صارت وطنا أصليا له ولم يتخذ بعدها وطنا آخر. ولو أن كوفيا قدم مكة في عيد الاضحى يريد الحج ويريد أن يقيم بمكة سنة فانه يصلى ركعتين حتى يخرج من منى لانه على عزم الخروج منها إلى منى وعرفات فلا يصير مقيما بهذا الدخول حتى يرجع من منى الا أن يكون حين أتاها كان بينه وبين يوم التروية خمسة عشر يوما أو أكثر فحينئذ يصير مقيما ثم بالخروج إلى منى وعرفات لا يصير مسافرا وان بدا له قبل أن يرجع إلى منى أن ينصرف إلى الكوفة بعد ما قضى حجه صلى ركعتين بمكة في المسألة الاولى لانه بعد الرجوع من منى ما دخلها على عزم الاقامة فلا يصير مقيما وان كان انما بدا له هذا بعد ما رجع من منى صلى أربعا حتى يخرج من مكة يريد سفرا لانه صار مقيما بها حين دخلها على عزم الاقامة. ولو أن خراسانيا أوطن الكوفة والحيرة عشرين يوما صلى ركعتين لانه نوى الاقامة في الموضعين وانما تعتبر نية الاقامة في موضع واحد الا أن يكون نوى أن يكون بالليل بالحيرة وبالنهار بالكوفة فحينئذ يصير مقيما إذا انتهى إلى الحيرة لان موضع اقامة المرء حيث يبيت فيه ألا ترى انك تسأل السوقى أين يقيم فيقول في محلة كذا ويشير إلى مبيته وان كان هو بالنهار يكون في السوق. ولو أن كوفيا خرج حاجا ثم رجع إلى الحيرة فنوى بها الاقامة صلى أربعا فان بدا له أن يخرج إلى مكة فلما انتهى إلى النجف وهو على رأس فرسخين بدا له أن يرجع إلى الكوفة فانه يصلى ركعتين ما لم يدخل الكوفة لان الحيرة كانت وطن السكنى
 
 
[ 109 ]
 
في حقه فانتقض بالخروج منها والتحق بمن لم يدخلها وكذلك لو بدا له أن يرجع إلى الحيرة فانه يصلى ركعتين وان كان هو على أقل من يوم من أهله لانه ماض على سفره ما لم يدخل الكوفة فان وطنه بالحيرة كان وطن السكنى. ولو أن كوفيين خرج احدهما من أهله يريد مكة وأقبل الآخر من الشام يريد الكوفة فالتقيا بالحيرة وقد حضرت الصلاة فافتتحا الصلاة ثم رعفا فأقبلا يريدان الكوفة ثم أصابا ماء قبل أن ينتهيا الى بنيان الكوفة فالذي خرج من الكوفة يصلى أربعا والذى أقبل من الشام يصلى ركعتين لان الذى أقبل من الشام ماض على سفره ما لم يدخل الكوفة والذى خرج عزم على الرجوع إلى وطنه الاصلى الذى خرج منه فصار مقيما في الحال فلهذا صلى أربعا وان كانا دخلا الكوفة فتوضيا صليا أربعا لان الذى أقبل من الشام بدخوله إلى وطنه الاصلى صار مقيما فان كانا مقتديين بمسافر فدخلا الكوفة قبل أن يفرغ امامهما صليا أربعا لان حالهما معتبر بحال امامهما ولو دخل امامهما وطنه في هذه الحالة صلى أربعا وان كان فرغ امامهما من صلاته وقد أحدثا فدخلا الكوفة صلى كل واحد منهما ركعتين لانهما مقتديان به وامامهما لو صار مقيما في هذه الحالة لم يتغير فرضه فكذلك لا يتغير فرضهما وان تكلما صليا أربعا لان حكم المتابعة قد انقطع حين تكلما وقد دخلا وطنهما الاصلى فكانا مقيمين فيه يصليان أربعا (قال) اللاحق إذا نوى الاقامة بعد فراغ الامام لم يتغير فرضه بخلاف المسبوق لان اللاحق في حكم المقتدى فيكون تبعا للامام والامام لو نوى الاقامة في هذه الحالة لم يتغير فرضه والمسبوق في حكم المنفرد ولو نوى اللاحق الاقامة قبل فراغ الامام تغير فرضه لان امامه لو نوى الاقامة في هذه الحالة تغير فرضه وان تكلم اللاحق بعد ما نوى الاقامة بعد فراغ الامام في المسألة الاولى تغير فرضه لانه خرج من حكم المتابعة فصار أصلا ونية الاقامة في الوقت ممن هو أصل يكون مغيرا للفرض. ولو أن الامام المسافر سبقه الحدث فأخذ بيد رجل ثم نوى الاقامة صلى بهم أربعا لانه بمجرد الاخذ بيده لم تتحول الامامة عنه البتة فانما نوى الاقامة وهو امام فتغير فرضه وفرض القوم ولو أخذ بيد مقيم فقدمه لم يتغير فرض المسافرين فإذا أتم بهم المقيم الصلاة وقعد في الركعتين وقرأ في الاوليين جازت صلاته وصلاة المسافرين لانهم اشتغلوا بالنفل بعد أداء الفرض فاما صلاة غيره من المقيمين ففاسدة لانهم اقتدوا في موضع كان عليهم الانفراد فيه وان لم يقرأ هذا الخليفة في الركعة
 
 
[ 110 ]
 
الثانية فسدت صلاته وصلاة القوم لانه قائم مقام الاول والاول لو ترك القراءة في هذه الحالة فسدت صلاته وصلاة جميع القوم. ولو أن أمة افتتحت الصلاة بغير قناع فرعفت فذهبت لتتوضأ فاعتقت أو كانت أم ولد فمات سيدها فأخذتا القناع من ساعتيهما قبل أن تعود إلى مكان الصلاة جازت صلاتهما استحسانا وفى القياس عليهما استقبال الصلاة وفيه قياسان كلاهما في كتاب الصلاة أحدهما أن فرض التقنع لما لزمهما في خلال الصلاة أوجب استقبال الصلاة كالعارى لو وجد ثوبا في خلال الصلاة والثانى انهما لما رعفتا وهما في حرمة الصلاة بعد فكأنهما في مكان الصلاة فإذا تركتا التقنع ساعة فسدت صلاتهما وفى الاستحسان قال هذا الفرض لم يكن عليهما في أول الصلاة وانما لزمهما في خلال الصلاة وقد أتيا به بخلاف العريان فهناك فرض الستر كان واجبا عليه في أول الصلاة ولكنه كان معذورا للعجز والثانى انهما بعد سبق الحدث وان كانتا في حرمه الصلاة فهما غير مشغولتين باداء اعمال الصلاة فإذا أخرتا التقنع فلم يوجد منهما أداء شئ من الصلاة مكشوفتى العورة بخلاف ما إذا رجعتا إلى مكان الصلاة ثم تقنعتا فقد وجد هناك أداء جزء من الصلاة مكشوفتى العورة وهو القيام فيكون ذلك مفسدا لصلاتيهما وهذا نظير ما ذكر في كتاب الصلاة ان من سبقه الحدث فذهب ليتوضأ إذا لم يجد ماء فتيمم ثم وجد ماء قبل أن يعود إلى مكان الصلاة فتوضأ لم تفسد صلاته استحسانا ولو عاد إلى مكان الصلاة فتوضأ لم تفسد صلاته استحسانا ولو عاد إلى مكان الصلاة بطهارة التيمم ثم وجد ماء فعليه استقبال الصلاة رجل صلى بالقوم الظهر ركعتين في مصر أو قرية وهم لا يدرون أمسافر هو أم مقيم فصلاة القوم فاسدة سواء كانوا مقيمين أو مسافرين لان الظاهر من حال من كان في موضع الاقامة انه مقيم والبناء على الظاهر واجب حتى تبين خلافه الا ترى ان من كان في دار الحرب إذا لم يعرف حاله يجعل من أهل دار الحرب بخلاف من كان في دار الاسلام فانه يجعل من المسلمين إذا لم يعرف حاله وان كان هذا الامام مقيما باعتبار الظاهر فسدت صلاته وصلاة جميع القوم حين سلم على رأس الركعتين وذهب فان سألوه فأخبرهم أنه مسافر جازت صلاة القوم ان كانوا مسافرين أو مقيمين فأتموا صلاتهم بعد فراغه لانه أخبر بما هو من أمور الدين وبما لا يعرف الا من جهته فيجب قبول خبره في ذلك والله أعلم بالصواب
 
 
[ 111 ]
 
* (باب السهو) * (قال) رضى الله عنه رجل أم قوما فنسى ان يتشهد حتى قام إلى الثالثة فعلى القوم أن يقوموا معه لانهم تبع له وقد جاء في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قام من الثانية إلى الثالثة ولم يقعد فسبحوا به فسبح بهم حتى قاموا وان الامام تشهد فنسى بعض من خلفه التشهد حتى قاموا جميعا فعلى من لم يتشهد ان يعود فيتشهد ثم يتبع امامه وان خاف ان تفوته الركعة الثالثة لانه تبع لامامه فيلزمه أن يتشهد بطريق المتابعة وهذا بخلاف المنفرد لان التشهد الاول في حقه سنة وبعد ما اشتغل بفرض القيام لا يعود إلى السنة وهنا التشهد فرض عليه بحكم المتابعة وهذا بخلاف ما إذا أدرك الامام في السجود فلم يسجد معه السجدتين فانه يقضى السجدة الثانية ما لم يخف فوت ركعة أخرى فان خاف فوت ذلك تركها لان هناك هو يقضى تلك الركعة بسجدتيها فعليه أن يشتغل باحراز الركعة الاخرى إذا خاف فوتها وهنا لا يقضى هذا التشهد بعد هذا فعليه أن يأتي به ثم يتبع امامه بمنزلة الذى نام خلف الامام إذا انتبه فانه يأتي بما يأتي به الامام وان سها هذا المقتدى في الركعة الرابعة عن التشهد حين سلم الامام ثم قهقه فعليه الوضوء لصلاة أخرى ومراده أنه سها عن قراءة التشهد لا عن القعدة لانه إذا لم يقعد حتى سلم الامام ثم قهقه هو فعليه استقبال الصلاة وهذا لان القعدة الاخيرة ركن فتركها يفسد الصلاة فأما قراءة التشهد واجب فهو لا يصير خارجا بسلام الامام إذا بقى عليه واجب فضحكه يكون مصادفا حرمة الصلاة فعليه الوضوء لصلاة أخرى لكن لا يلزمه استقبال الصلاة لان ترك الواجب لا يفسد صلاته. ولو أن اماما سلم ناسيا وعليه سجدة صلبية ثم اقتدى به رجل صح الاقتداء لان الامام بسلام السهو لم يصر خارجا من الصلاة فان ذهب الامام ولم يسجد فسدت صلاة المقتدى كما فسدت صلاة الامام وان سجد الامام سجد الرجل معه ثم قام إلى قضاء ما سبقه به فان قيد الركعة بالسجدة قبل أن يسجد الامام فسدت صلاته لانه يتعذر عليه العود إلى متابعته بعد أن صلى ركعة كاملة فقد انفرد في موضع كان عليه الاقتداء فيه. وان كانت السجدة التى تركها الامام سجدة تلاوة وقد قيد هذا الرجل ركعته بالسجدة قبل أن يعود الامام إليها ففي رواية هذا الكتاب قال صلاته تامة ولا يعود إلى متابعته وفى رواية كتاب الصلاة يقول صلاته فاسدة. وجه تلك الرواية ان العود إلى سجدة التلاوة ينقض القعدة كالعود إلى السجدة الصلبية فكان هذا
 
 
[ 112 ]
 
المسبوق قيد ركعته بالسجدة قبل قعود الامام وذلك مفسد لصلاته. وجه هذه الرواية انه انفرد في موضع لو تكلم فيه امامه كانت صلاته تامة فلا يكون ذلك مفسدا لصلاته بخلاف ما إذا كانت السجدة التى تذكرها سجدة صلبية وهذا لان انتقاض القعدة في حق الامام انما كان بالعود إلى سجدة التلاوة وقد صار هذا المقتدى خارجا عن متابعته قبل ذلك فلا يؤثر ذلك في حقه كالامام إذا ارتد بعد السلام حتى بطلت صلاته ولم تبطل صلاة القوم. ولو صلى بقوم الظهر يوم الجمعة ثم راح الامام إلى الجمعة فأدركها انقلب ما أدى نفلا في حقه وبقى فرضا في حق القوم على ما كان وان تذكر الامام سجود السهو واقتدى به هذا الرجل قبل أن يعود إليها ففى صحة اقتدائه خلاف معروف بيناه في كتاب الصلاة. وان كان قد اقتدى به قبل أن يسلم ثم قام وقيد ركعته بالسجدة قبل أن يعود الامام إلى سجدة السهو جازت صلاته ولم يعد إلى متابعته بعد ذلك لان عود الامام إلى السهو يرفع السلام ولا ينقض القعدة ولو نسى سجدة من صلب الصلاة وسجدة من تلاوته حتى سلم فان كان ناسيا لهما لم تفسد صلاته لانه سلم ساهيا وذلك غير مفسد لصلاته فيعود ويسجد السجدة الصلبية ثم سجدة التلاوة وان كان ذاكرا لاحداهما فصلاته فاسدة أما إذا كان ذاكرا للصلبية فسلامه قطع للصلاة لانه تعمد السلام وعليه ركن من أركان الصلاة وان كان ذاكرا للتلاوة ناسيا للصلبية فكذلك في ظاهر الرواية وعن أبي يوسف رحمه الله تعالى ان صلاته لا تفسد ههنا حين سلم فهو غير ذاكر لما بقى عليه من ركن الصلاة وفى ظاهر الرواية يقول سلامه هذا قطع لصلاته لانه سلم وهو ذاكر لواجب من واجبات الصلاة محله قبل السلام فيكون سلامه قطعا لا نهاية وبعد قطع الصلاة لا يمكنه أن يبني عليها يوضحه انه لو نسى فأتى بالصلبية فلا بد أن يأتي بسجدة التلاوة أيضا وقد كان ذاكرا لها حين سلم فلا يمكنه أن يأتي بها. وعلى هذا أيضا لو سلم وعليه سجدة صلبية وقراءة التشهد الاخير وهو ذاكر لهما أو لاحداهما فصلاته فاسدة فلو سلم وعليه سجدة تلاوة وقراءة التشهد وهو ذاكر لهما أو لاحداهما كان سلامه قاطعا أيضا حتى لا يمكنه أن يأتي بهما ولكن لا تفسد صلاته لانه لم يبق عليه شئ من أركانها. فان سها الامام في صلاته فسجد للسهو ثم اقتدى به رجل في القعدة التى بعدها صح اقتداؤه لان الامام في حرمة الصلاة بعد وليس على الرجل سجود السهو فيما يقضى لانه ماسها وانما يلزمه متابعة الامام فيما أدرك الامام فيه
 
 
[ 113 ]
 
وهو لم يدركه في هاتين السجدتين فلا تلزمه بحكم المتابعة * ثم ذكر ما ذا جهر الامام فيما يخافت فيه أو خافت فيما يجهر فيه قال هنا إذا جهر فيما يخافت فيه فعليه السهو قل ذلك أو كثر وان خافت فيما يجهر فيه فكان ذلك في أكثر الفاتحة أو في ثلاث آيات من غيرها فعليه السهو وفيما دون ذلك لا يلزمه السهو وقد بينا اختلاف الروايات في هذه المسألة في كتاب الصلاة. ولو أن اماما نسى أن يقرأ في الاوليين ثم اقتدى به رجل ثم رعف الامام فقدم هذا الرجل فعليه ان يقرأ في الاخريين لانه قائم مقام الامام الاول وان قرأ فيهما ثم فيهما ثم تأخر وقدم من أدرك أول الصلاة وقام هو لاتمام صلاته فعليه أن يقضي الركعتين بقراءة حتى إذا ترك القراءة فيهما أو في احداهما فسدت صلاته لانه في الاخريين كان خليفة الامام الاول فتلتحق قراءته بمحلها بمنزلة مالو قرأ الامام الاول ولا يتأدى بذلك فرض القراءة في حقه وهو فيما يتم مسبوق فعليه أن يقضي بقراءة. ومن عليه سهو وتكبير وتلبية بدأ بالسهو ثم بالتكبير ثم بالتلبية لان السهو مؤدى في حرمة الصلاة بدليل أنه يسلم بعده والتكبير مؤدى في فور الصلاة لا في حرمتها فلهذا لا يسلم بعده والتلبية تؤدى لا في حرمة الصلاة ولا في فورها فيؤخرها فان سلم في خلال صلاته ساهيا ثم كبر ثم تذكر أتم صلاته وأعاد التكبير ولو لبى ثم تذكر استقبل الصلاة لان التكبير ذكر فلا تفسد به الصلاة والتلبية كلام فانه اجابة للداعى فيكون من جنس الكلام ومن تكلم ساهيا في خلال صلاته فسدت صلاته. ثم خروج الوقت قبل سجود السهو في كل موضع لو كان في خلال الصلاة كان مفسدا لصلاته فانه يسقط عنه سجود السهو أيضا نحو طلوع الشمس أو خروج وقت الظهر في صلاة الجمعة أو تغير الشمس في حق من يقضى فائتة عليه وفى كل موضع لو كان ذلك في خلال الصلاة لم يمنعه من اتمام الصلاة فذلك لا يمنعه من سجود السهو أيضا نحو دخول وقت العصر في حق من يصلى الظهر. ولو قرأ الفاتحة ثم ركع ساهيا ثم رفع رأسه فقرأ سورة ثم ركع فاقتدى به رجل في الركوع الثاني فهو مدرك للركعة لان المعتد به هو الركوع الثاني والاول حصل قبل أوانه لان الركوع ما كان بعد قراءة الفاتحة والسورة ولو كان قرأ الفاتحة والسورة ثم ظن بعد ما رفع رأسه من الركوع أنه لم يقرأ فقرأ وركع الثاني فأدرك رجل معه الركوع الثاني لم يكن مدركا للركعة لان المعتد به هو الركوع الاول فانه حصل في أوانه والركوع الثاني وقع مكررا فلا يكون معتدا به. ولو صلى من الظهر ركعة وترك سجدة ثم قام فقرأ وركع
 
 
[ 114 ]
 
وسجد ثلاث سجدات فالسجدة الثالثة لا تكون من الركعة الاولى الا بالنية لان الركعة تتفيد بالسجدة الواحدة وقد صارت السجدة المتروكة في حكم الدين حين صلى بعدها ركعة تامة فلا تتأدى بدون نية القضاء بخلاف ما إذا لم يركع في الثانية حتى سجد فانه يقع عما عليه ولا يحتاج إلى النية لان محل تلك السجدة لم يفت ولم يأت محل الثانية. فلو سها عن سجدة من الركعة الاولى حتى صلى الثانية وقام ساهيا قبل أن يتشهد ثم تذكر فسجد تلك السجدة لم يقعد بعدها ولكنه يقوم لانه لما أدى تلك السجدة فقد التحقت بمحلها وهى الركعة الاولى ويبقى هو في حكم القائم إلى الركعة الثالثة قبل أن يقعد فلا يعود للقعدة. وان كان ترك من الثانية أيضا سجدة والمسألة بحالها فانه يأتي بالسجدتين ثم يقعد لان السجدة الاولى تلتحق بمحلها من الركعة الاولى والسجدة الثانية تلتحق بمحلها من الركعة الثانية وبعدها أوان القعدة فعليه أن يقعد وهذا لان الثانية في حكم العين بعد إذ لم يصل بعدها ركعة وكانت مؤداة في محلها وارتفض ما أدى من القيام به فكأنه لم يقم إلى الثالثة فيتشهد ثم يقوم. وكذلك لو كان تشهد فانه يعيد التشهد لان بالعود إلى السجدة المتروكة من الركعة الثانية انتقض تشهده كما انتقض قيامه ثم ذكر المسألة المعروفة التى بيناها في كتاب الصلاة وهى الخمس امامية الا انه أجاب هنا في المسبوقين ان الامام الخامس يسجد السجدة الاولى ويسجد معه جميع القوم والائمة الاربعة وفي كتاب الصلاة يقول لا يسجد معه الامام الاول لانه قد أتى بتلك الركعة وانما بقى له هذه السجدة منها فاما غيره من الائمة فعليهم قضاء هذه الركعة بسجدتيها فلا يتابعونه فيها وفى هذه الرواية قال على المسبوق متابعة الامام فيما أدركه معه وان كان يقضى ذلك إذا قام إلى القضاء بمنزلة مالو أدرك الامام في السجود واقتدى به فانه يتابعه في السجدتين وان كان عليه قضاء ركعة يسجد بعد فراغ الامام. ولو قرأ سجدة في وسط السورة ثم أتم السورة ثم ركع بعد وسجد ينوى التلاوة فان هذه السجدة تكون من صلب الصلاة ولا تكون من التلاوة لانها صارت في حكم الدين فلا تؤدى بغيرها بخلاف ما إذا ركع وسجد في موضع التلاوة لانها في حكم العين فتجعل مؤداة بغيرها لحصول المقصود بمنزلة مالو أراد دخول مكة وأحرم بحجة الاسلام فذلك يجزئه عما يلزمه لدخول مكة ولو دخل مكة بغير أحرام ثم بعد ما تحولت السنة خرج وأحرم بحجة الاسلام فانه لا ينوب هذا عما يلزمه لدخول مكة لانه صار في حكم الدين ثم اللفظ المذكور
 
 
[ 115 ]
 
هنا دليل على أنه إذا ركع وسجد في موضع التلاوة فان السجدة التى بعد الركوع هي التى تنوب عن سجدة التلاوة دون الركوع وقد بينا اختلاف المشايخ في هذا الفصل وأقسام هذه المسألة في كتاب الصلاة. ولو أن اماما صلى ركعة بغير قراءة ثم قام فقرأ وركع وسجد سجدة وقام فقرأ وركع ثم تذكر فعل فانه ينحط فيسجد ويتشهد لان السجدة التى بقيت عليه من الركعة الثانية في حكم العين فانه لم يقيد الركعة الثالثة بالسجدة فيسجدها ويرتفض ما أدي بعدها فلهذا يتشهد ثم يقوم فيقرأ لانه لم يقرأ في الركعة الاولى فعليه ان يقرأ في الركعة الثالثة فان اعتد بذلك الركوع وسجد ثلاث سجدات لم يجزه ذلك لان الركعة الثالثة لما أداها بسجدتيها فقد فات محل السجود من الركعة الثانية فلا يتأدى الا بالنية ولم ينوها فلا تجزئه صلاته إذا لم يقض تلك السجدة والله الموفق والهادي للصواب * (باب الحدث) * (قال) رضى الله عنه ولو أن اماما صلى بقوم ركعتين من الظهر ثم اقتدى به رجل ثم أحدث الامام فقدمه فظن الرجل أنه صلى ثلاث ركعات فصلى بهم ركعة أخرى ثم تأخر فاخذ بيد رجل ممن ادرك أول الصلاة فسلم بهم فصلاتهم جميعا فاسدة لان الامام الثاني استخلف في غير موضعه. ولو أن الاول استخلف في غير موضعه من غير عذر كان ذلك مفسدا لصلاته وصلاة القوم فكذلك الثاني إذا فعل ذلك وان كان ظن أنه انما صلى ركعة فصلي ثلاث ركعات ولم يقعد في رابعة الامام فصلاتهم أيضا فاسدة لانه قائم مقام الاول والاول لو قام إلى الخامسة قبل أن يقعد وقيد الركعة بالسجدة فسدت صلاته وصلاة جميع القوم فكذلك الثاني. ولو أن اماما أحدث فتقدم رجلان ممن خلفه ونوى كل واحد منهما أن يكون اماما فائتم بكل واحد منهما طائفة فصلاة الذى أئتم به الاكثر من القوم تامة وصلاة الآخرين فاسدة لان هذه صلاة افتتحت بامام فلا يمكن اتمامها بامامين والاقل لا يزاحم الاكثر فالامام هو الذى ائتم به أكثر القوم وبما ذكر هنا تبين انه لا معتبر بما قاله بعض مشايخنا أنه إذا ائتم بكل واحد منهما طائفة أنه تفسد صلاة الفريقين ولا عبرة بالاقل والاكثر بعد أن وجد جمع متفق عليه مع كل واحد منهما فانه نص هنا على الترجيح بالكثرة وهو أصل في الفقه فان للاكثر حكم الكمال والذى ائتم به أكثر القوم في حكم مالو أئتم به
 
 
[ 116 ]
 
جميع القوم وان لم تزد بعض الطائفة على بعض فصلاتهم فاسدة لانه لا ترجيح لاحد الفريقين ولا وجه لتصحيح صلاة الفريقين لان الصلاة التى افتتحت بامام لا يمكن اتمامها بامامين. ولو قدم الامام رجلا قبل ان يخرج من المسجد وتقدم آخر وائتم بكل واحد منهما طائفة من القوم فهذا والاول سواء لان الذي تقدم بنفسه قبل خروج الامام في حكم من قدمه الامام إذا اقتدى به القوم فان الامام انما يستخلف لاصلاح صلاتهم ولهم أن يشتغلوا باصلاح صلاتهم كما يكون ذلك للامام واقتداء القوم بمن تقدم بمنزلة تقديم الامام اياه ألا ترى ان اجتماع الناس على رجل بمنزلة استخلاف الامام الاعظم اياه في حكم ثبوت الامامة له. ولو أن رجلا أم رجلين في مسجد فأحدث فقدم احدهما ثم أحدث الثاني فخرج ونوى الثالث ان يكون اماما فهذا لا معتبر به فانه متعين للامامة سواء نوى أو لم ينو تحولت الامامة إليه فان أحدث فخرج من المسجد قبل أن يعود أحد الاولين فسدت صلاتهما لانه لم يبق لهما امام في المسجد ولم تفسد صلاته لانه في حق نفسه كالمنفرد ولو لم يخرج من المسجد حتى استقبله الرجلان ثم خرج قبل أن يستخلف أحدهما وقبل أن يتقدم أحدهما فصلاة الرجلين فاسدة لانه ليس أحدهما بتحول الامامة إليه باولى من الآخر وان تقدم أحدهما للامامة أو قدمه الامام ثم خرج فصلاتهم جميعا تامة لان الامامة قد تحولت إلى من قدمه الامام أو تقدم بنفسه فلم يخل مكان الامامة عن الامام. ولو أن رجلا أم قوما في المسجد والمسجد ملآن وصف خارج من المسجد متصل بهم يصلون فأحدث وأخذ بيد رجل ممن هو خارج المسجد فقدمه فصلاتهم جميعا فاسدة وهو قول أبي حنيفة وأبى يوسف رحمهما الله تعالى فاما على قول محمد وزفر رحمهما الله تعالى فصلاتهم تامة قال لان الصفوف متصلة وبحكم اتصال الصفوف تصير الامكنة المختلفة كمكان واحد ألا ترى أنهم إذا كانوا يصلون في الصحراء فاستخلف الامام من آخر الصفوف قبل أن يجازوها صح الاستخلاف ولم تفسد صلاتهم بتأخير الاستخلاف إلى آخر الصفوف فكذلك إذا كان الامام في المسجد والدليل عليه أن القوم الذين هم خارج المسجد صح اقتداؤهم بالامام وانما صح اقتداؤهم به لان الموضع الذين هم فيه بمنزلة المسجد في حكم الصلاة فكذلك في حكم الاستخلاف وهذا لان الاستخلاف انما يكون لا صلاح صلاة القوم وحاجة الذين هم خارج المسجد إلى ذلك كحاجة الذين هم في المسجد ألا ترى أنه قبل أن يخرج من المسجد لو أشار إلى بعض من كان خارج المسجد حتى دخل فتقدم كان استخلافه صحيحا
 
 
[ 117 ]
 
فكذلك أذا خرج إليه فقدمه قبل أن يجاوز الصفوف فقلنا بان استخلافه يكون صحيحا. وجه قولهما ان الامام خرج من المسجد قبل الاستخلاف وذلك مفسد لصلاة القوم كما لو لم تكن الصفوف متصلة خارج المسجد وتحقيق هذا الكلام أن القياس أن تفسد صلاته بترك الاستخلاف من أول الصفوف وان كان في المسجد لخلو موضع الامامة وهو المحراب عن الامام ولكن تركنا هذا القياس مادام الامام في المسجد لان جميع المسجد في حكم مكان واحد ولهذا صح اقتداء من وقف في آخر المسجد بالامام وان لم تكن الصفوف متصلة بينه وبين الامام وهذا المعنى لا يوجد خارج المسجد لان ذلك لم يجعل في حكم المسجد فأخذنا فيه بالقياس وانما جعلنا ذلك في حكم صحة الاقتداء بمنزلة المسجد لاجل الضرورة ألا ترى أنه في غير موضع الضرورة وهو ما إذا لم يكن المسجد ملآنا لا يجعل كذلك حتى لا يصح اقتداؤهم بالامام فكذلك في حكم الاستخلاف لا ضرورة لانه يتمكن من الاستخلاف في المسجد وهذا بخلاف ما إذا كانوا يصلون في الصحراء لان تلك الامكنة قبل افتتاح الصلاة فيها لم تكن في حكم مكان واحد وانما صارت كذلك باتصال الصفوف فالمواضع التي فيها الصفوف متصلة تكون بمنزلة المسجد وههنا المسجد في حكم مكان واحد بدون اتصال الصفوف. ألا ترى ان الامام لو جاوز الصفوف قبل أن يستخلف وهو في المسجد بعد ثم استخلف كان استخلافه صحيحا فلما كان فيما يرجع إلى تصحيح صلاتهم يعتبر المسجد ههنا ولا يعتبر اتصال الصفوف فكذلك فيما يرجع إلى فساد صلاتهم ولو أن رجلا صلى ركعة وهو امام وليس خلفه أحد ثم جاء قوم واقتدوا به وأحدث ثم أخذ بيد رجل منهم فقدمه وقد كان سها قال يتم هذا بقية صلاة الامام الاول فانه قائم مقامه ثم يتأخر فيقضون ما فاتهم وحدانا لانهم مسبوقون في ذلك فإذا فرغوا سجدوا للسهو ولا يسجدون عند اتمام صلاة الامام لان موضع سجود السهو بعد السلام وليس هنا مدرك لاول الصلاة حتى يسلم بهم فلهذا لا يسجدون للسهو حتى يفرغوا من قضاء ما عليهم فإذا سلموا سجدوا للسهو بمنزلة المسبوق إذا لم يتابع الامام في سجود السهو حتى يفرغ من قضاء ما عليه فانه يسجد للسهو استحسانا فهذا مثله. ولو أن رجلا صلى مع الامام ركعة ثم رعف فذهب وتوضأ وقد فرغ الامام من صلاته ثم صلى هذا في منزله ما بقى من صلاته قال يجزئه لانه لم يوجد منه الا ترك المشي في الصلاة وذلك لا يضره * فان قيل كيف
 
 
[ 118 ]
 
يستقيم هذا واللاحق في حكم المقتدي فيما يتم فإذا كان بينه وبين الامام ما يمنع صحة الاقتداء به من طريق أو نهر ينبغي أن لا تجوز صلاته * قلنا نعم هو فيما يؤدى من الافعال بمنزلة المقتدى ولكن الامام قد خرج من حرمة الصلاة فكيف يراعى ترتيب المقام بينه وبين من خرج من الصلاة وربما خرج أو أحدث أو نام وان كان الامام لم يفرغ من صلاته بعد فصلاة هذا الرجل فاسدة إذا كان أمام لامام أو كان بينه وبين الامام ما يمنع صحة الاقتداء به الا أن يكون بيته بجنب المسجد بحيث لو اقتدى به من بيته يكون اقتداؤه صحيحا فحينئذ يجوز له أن يؤدى بقية تلك الصلاة في بيته لان البقاء على الشئ أيسر من الابتداء وان كان يجوز اقتداؤه بالامام ابتداء وهو في هذا الموضع إذا كان المسجد ملآنا فلان يجوز له اتمام الصلاة في هذا الموضع مع الامام كان أولى والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب واليه المرجع والمآب * (باب الجمعة) * (قال) رضى الله عنه وإذا سجد الامام في الركعة الاولى من الجمعة فلم يستطع بعض من خلفه أن يسجد لكثرة الزحام حتى قام الامام في الثانية فقرأ وركع وهذا الرجل معه يريد اتباعه في الثانية فسجد معه قال هذه السجدة للثانية لانه نوى بها متابعة الامام فسجدة الامام للركعة الثانية فنيته متابعة الامام بمنزلة نيته أن يسجد للثانية فيقيد الركوع الثاني بالسجدة ولم يتقيد الركوع الاول بها وكل ركوع لم يعقبه سجود فانه لا يعتد به فعليه قضاء الركعة الاولى بركوعها وسجودها ولا يقرأ فيها لانه مدرك لاول الصلاة ولا يتابع الامام في التشهد ولكن يقوم فيقضى ركعة لانه لاحق فهو بمنزلة النائم خلف الامام إذا انتبه ومراعاة الترتيب في ركعات صلاة واحدة ليست بركن فلا يضره هذا التقديم والتأخير وان لم يركع يتبعه في الثانية ولكنه سجد معه ينوى اتباعه لم تجزه هذه السجدة لواحدة من الركعتين لانه نواها للثانية حين نوى متابعة الامام وشرط جوازها للثانية تقدم الركوع فان الركوع افتتاح للسجود ولم يوجد فلا يمكن تجويزها للاولى لانه قصد متابعة الامام فيها وان انحط للسجدة على نية متابعة الامام فسجد قبله ثم أدركه الامام فيها فهذا يجزئه من الركعة الاولى لان نية المتابعة لا تكون نية لسجدة الركعة الثانية فان الامام اشتغل
 
 
[ 119 ]
 
بها وانما يتابع الامام فيما أداه الامام أو هو فيه فانما أدى الامام سجدة الركعة الاولى فنيته هذه بمنزلة نية السجدة للركعة الاولى ويرتفض ركوعه الثاني فعليه أن يقضى الركعة الثانية بركوع وزعم بعض مشايخنا أن جواب هذا الفصل فيما إذا لم يركع مع الامام الثانية (قال) رضي الله عنه والصحيح عندي أنه سواء ركع معه أو لم يركع إذا سجد قبله فان سجوده للركعة الاولى وكذلك لو سجد بعد ما رفع الامام رأسه من الركوع ينوى اتباعه في الثانية كانت للاولى وان سجد مع الامام في الثانية ينوى الاولى فهي للاولى أيضا لانه لم يقصد متابعة الامام وانما قصد أداء ما سبقه الامام به وله ما نوى وان كان ركع في الثانية وسجد ينوي اتباعه وهو ساجد فهى الثانية وبقوله هو ساجد تبين ان الصحيح من الجواب فيما سجد قبله أنها للاولى سواء ركع أولم يركع. ولو أن اماما كبر يوم الجمعة ومعه قوم متوضؤن فلم يكبروا معه حتى دخل قوم المسجد فأحدث هؤلاء وكبر الذين دخلوا فصلاتهم تامة لان الامام حين كبر كان مستجمعا لشرائط الجمعة فان من شرط الجمعة الجماعة والقوم الذين كانوا معه قد كانوا مستعدين للجمعة فانعقدت تحريمته للجمعة ثم مشاركة الفريق الآخر معه ومشاركة الفريق الاول أن لو كبروا معه سواء فان أحدث الذين كانوا معه قبل ان يجئ أولئك ثم جاؤا فكبروا قبل ان يخرج هؤلاء من المسجد فصلاتهم تامة أيضا لان الذين أحدثوا لو وجدوا الماء في المسجد فتوضؤا واقتدوا به كانت صلاتهم تامة فكذلك الفريق الثاني وهذا لان سبق الحدث لما كان لا ينافى صفة الامامة عن الامام مادام في المسجد لا ينافى الاستعداد للجمعة عن القوم ماداموا في المسجد وان كانوا على غير وضوء فكبر الامام ثم جاء قوم آخرون فدخلوا معه فعليه أن يستقبل بهم التكبير والا لم يجزه لانه حين كبر لم يكن مستجمعا جميع شرائط الجمعة فان نصاب الجماعة لايتم في الجمعة بالمحدثين فانعقدت تحريمته للظهر ثم لا تتحول إلى الجمعة باقتداء القوم به ما لم يجدد التكبير ولو أن أميرا قدم والوالي الاول يخطب فاستمع الخطبة والاول لا يعلم به ثم تقدم الاول فأدى الفرض فصلاتهم تامة لان الاول لا ينعزل ما لم يعلم بقدوم الثاني فانما صلى بهم وهو امام وان كان الاول قد علم بقدوم هذا فان أمره الآخر أن يعتزل الصلاة لم تجزهم صلاتهم لانه كما علم بالعزل صار كغيره من الرعية وان تقدم الثاني فصلى الجمعة لم يجزهم الا أن يعيد الخطبة لان الثاني لما نهي الاول عن الصلاة صار هو كغيره من الرعية
 
 
[ 120 ]
 
فلا يعتد بخطبته والثاني لم يخطب ومن شرط الجمعة الخطبة وان كان الثاني أمره بان يمضى في خطبته ففعل ثم تقدم الآخر فصلى بهم أجزأهم لان خطبة الاول بأمر الثاني كخطبة الثاني بنفسه وهذا إذا كان الثاني شهد خطبة الاول فان لم يشهد لم تجزئهم الجمعة لان شرط الجمعة انعدم في حق الثاني حين لم يشهد الخطبة الا أن يأمر الاول بأن يصلى أو تقدم الاول واقتدى به الثاني يكون ذلك منه دليل الرضا بامامته ودليل الرضا كصريح الرضا فيجزيهم حينئذ لان من افتتح الجمعة كان مستجمعا لشرائطها. ولو ان أميرا فتح أبواب القصر وأمر المؤذن فأذن فجمع بالناس في قصره فانه يجزيهم والمراد من فتح أبواب القصر الاذن للعامة بالدخول وقد أدى الجمعة وهو مستجمع لشرائطها ولكنه مسئ فيما صنع لان الموضع المعد لاقامة الجمعة فيه المسجد وقد جفا ذلك الموضع وفى فعله نوع ترفع حيث لم يخرج من قصره إلى المسجد ففعله هذا مخالف فعل السلف فكان مسيئا في ذلك وان لم يفتح باب قصره ولم يأذن للناس بالدخول وصلى بحشمه ومواليه لم يجزهم لان من شرط الجمعة الاذن العام ولم يوجد وانما جعلنا الاذن العام شرطا لانه مأمور بأن يصلى الجمعة بأهل المصر فان موضع اقامة الجمعة فيه المصر وإذا لم يفتح باب قصره ولم يأذن للناس بالدخول لم يكن مصليا بأهل المصر وانما جعلنا السلطان شرطا في الجمعة لثلا يفوت بعض أهل المصر على البعض صلاة الجمعة لذلك لا يكون للسلطان ان يفوت الجمعة على أهل المصر فلهذا شرطنا الاذن العام في ذلك. ولو أمر الامير انسانا فصلى بالناس الجمعة في المسجد الجامع وانطلق في حاجة له ثم دخل المصر في بعض المساجد فصلى الجمعة قال يجزئ أهل المسجد الجامع لان خليفته مستجمع لشرائط الجمعة وقد صلى بأهل المصر ولا يجزئه صلاته الا أن يكون علم الناس بذلك بان أذن لهم أذنا عاما في الصلاة معه فحينئذ يجوز لانه لا يكون مستجمعا شرائط الجمعة الا بذلك (قال) وهذا اقامة الجمعة في موضعين واختلفت الروايات في اقامة الجمعة في موضعين في مصر واحد فالصحيح من قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى أنه يجوز اقامة الجمعة في مصر واحد في موضعين وأكثر من ذلك وعن أبى يوسف رحمه الله تعالى فيه روايتان في احدى الروايتين تجوز في موضعين ولايجوز في أكثر من ذلك وفي الرواية الاخرى لا يجوز اقامة الجمعة في مصر واحد في موضعين الا أن يكون في وسط المصر نهر عظيم كما هو ببغداد فحينئذ يكون كل ؟ ؟ حكم مصر على حدة
 
 
[ 121 ]
 
ووجه هذه الرواية أن في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم والخلفاء بعده فتحت الامصار ولم يتخذ أحد منهم في كل مصر أكثر من مسجد واحد لاقامة الجمعة ولو جاز اقامتها في موضعين جاز في أكثر من ذلك فيؤدى إلى القول بأن يصلى أهل كل مسجد في مسجدهم وأحد لا يقول بذلك وفي تجويز اقامة الجمعة في موضعين في مصر واحد تقليل الجماعة واقامة الجمعة من أعلام الدين فلا يجوز القول بما يؤدى إلى تقليلها. ووجه الرواية الاخرى أن المصر قد يكون متباعد الجوانب فيشق على الشيوخ والضعفاء التحول من جانب إلى جانب لاقامة الجمعة فلدفع هذه العسر جوزنا اقامتها في موضعين والاصل فيه حديث علي رضى الله عنه حين خرج يوم العيد إلى الجبانة استخلف من يصلى بالضعفة في المسجد الجامع وما ثبت بالضروة يتقدر بقدرها وهذه الضرورة ترتفع بتجويزها في موضعين فلا نجوزها في أكثر من ذلك وجه قول أبى حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى قول النبي صلى الله عليه وسلم لا جمعة ولا تشريق الا في مصر جامع فانما شرط لاقامة الجمعة المصر الواحد وهذا الشرط في حق كل فريق ولان الحرج مدفوع وفى القول بأنه لا تجوز اقامتها الا في موضع واحد معنى الحرج ومعنى تهييج الفتنة فقد يكون بين أهل مصر واحد اختلاف على وجه لو اجتمعوا في موضع كان ذلك سببا لتهييج الفتنة وقد أمرنا بتسكينها فلهذا جوزنا اقامتها في موضعين وأكثر من ذلك ولو خرج الامام يوم الجمعة إلى الاستسقاء وخرج معه ناس كثير وخلف انسانا فصلى بهم في المسجد الجامع وصلى هو بمن معه الجمعة في الجبانة وهو على غلوة من المصر فصلاة الفريقين جائزة لان فناء المصر في حكم جوف المصر فكان هذا وما لو صلى الامام في جوف المصر سواء ثم المصر كما يشترط لاقامة الجمعة يشترط لاقامة صلاة العيد وهو انما يؤدى في الجبانة على غلوة من المصر أو أكثر من ذلك فكذلك تجوز اقامة الجمعة في مثل هذا الموضع * فان قيل أليس في حق المسافر هذا الموضع في حكم المفازة لا في حكم جوف المصر حتى ان من خرج من أهل هذا المصر على نية السفر يصلى صلاة المسافرين في هذا الموضع ومن قدم مسافرا من أهل هذا المصر فانتهى إلى هذا الموضع صلى صلاة المسافرين أيضا فكذلك في حق اقامة الجمعة ينبغى أن يجعل هذا الموضع بمنزلة المفازة قلنا فناء المصر موضع معد لحوائج أهل المصر باقامتهم في المصر لا باقامتهم في فنائها وانما يتغير فرض المسافر بالاقامة فيعتبر فيه موضع الاقامة وهو ما بين الابنية وأما اقامة صلاة الجمعة والعيدين
 
 
[ 122 ]
 
من حوائج أهل المصر وهذا موضع معد لذلك فيجعل في حق هذا الحكم فناء المصر كجوف المصر. رجل صلى الظهر في منزله يوم الجمعة ثم راح إلى الجمعة قد بينا هذه المسألة بفصولها في كتاب الصلاة والذى زاد هنا حرف واحد وهو ما إذا كان خروجه من أهله بعد فراغ الامام من الجماعة وأجاب بانه لا ينتقض ظهره ومعنى هذا انه إذا كان سعى في داره قبل فراغ الامام من الجمعة ففرغ منها قبل أن يخرج هو من باب داره فانه لا يرتفض ظهره بالاتفاق لان أبا حنيفة رحمه الله تعالى جعل السعي إلى الجمعة على الخصوص بمنزلة ادراك الجمعة في ارتفاض الظهر وسعيه في داره لا يكون في الجمعة على الخصوص وانما سعيه إلى الجمعة على الخصوص بعد خروجه من باب داره ولم يوجد ذلك حين خرج بعد فراغ الامام من الجمعة. ولو أحدث الامام بعد ما دخل في الصلاة فتقدم رجل وأتم الصلاة بالقوم أجزأهم بمنزلة مالو قدمه الامام وقد بينا هذا في سائر الصلوات أن تقدم بعض القوم كتقديم الامام لحاجتهم إلى أصلاح الصلاة وهذا المعنى موجود في الجمعة بل أظهر فان هنا لو فسدت صلاتهم لم يقدروا على استقبالها بأنفسهم بخلاف سائر الصلوات وهذا بخلاف مالو أحدث الامام قبل ان يدخل في الصلاة فتقدم رجل من العوام من غير أن يقدمه الامام فانه لا يجزيهم لان المتقدم هنا يحتاج إلى افتتاح الجمعة ولا يصح افتتاح الجمعة ممن لا يكون مستجمعا لشرائطها ومن شرائطها السلطان فلهذا لا يجزيهم الا أن يكون المتقدم ذا سلطان فأما في الاول فحاجة المتقدم إلى البناء على الصلاة ولا يعتبر استجماع الشرائط في حق من بنى على الصلاة وهو نظير مالو قدم الامام رجلا لم يشهد الخطبة فان كان ذلك بعد الشروع في الصلاة صح نقديمه وان كان قبل الشروع فيها لم يصح تقديمه. يوضحه أن الامام حين افتتح بهم الجمعة فقد صار مستعينا بهم فيما يعجز هو عن اقامته بنفسه وذلك دلالة الاذن منه لكل واحد من القوم في التقدم لاتمام الصلاة عند سبق الحدث وهذا المعنى لا يوجد قبل دخوله في الصلاة فلا يكون تقدمه باذن الامام ولو ان الامام قدم رجلا لم يشهد الخطبة قبل ان يدخل في الصلاة لم يجز له ان يصلى بهم الجمعة لانه غير مستجمع لشرائطها فان قدم هذا المقدم غيره ممن شهد الخطبة فصلى بهم الجمعة قال هنا يجزيهم لانه مستجمع لشرائط الجمعة وفى غير هذا الموضع لا يجزيهم وهو الاصح لان الاستخلاف انما يصح ممن يملك اقامة الجمعة بنفسه والذى لم يشهد الخطبة
 
 
[ 123 ]
 
لا يملك اقامتها بنفسه فهو نظير مالو قدم صبيا أو امرأة فقدم هذا المقدم غيره وان كان الامام انما قدم من لم يشهد الخطبة بعد ما دخل في الصلاة أجزأهم لان خليفته يبنى على صلاته واستجماع الشرائط غير معتبر في البناء ولانه لما صح تحرمه للجمعة التحق بمن شهد الخطبة في الحكم وهذا هو الاصح وقد قال ان تكلم هذا المقدم استقبل بهم الجمعة وهو يحتاج الآن إلى افتتاح الجمعة فعرفنا أن المعنى الصحيح ما قلنا انه لما صح تحرمه للجمعة صار هو بمنزلة من شهد الخطبة في الحكم والله أعلم * (باب صلاة العيدين) * (قال) رضي الله عنه ولو ان رجلا أدرك الركعة الثانية من العيد مع الامام فكبر ثم رعف فتوضأ ثم جاء وقد صلى الامام قال يقوم مقدار القراءة ثم يكبر ثلاثا ثم يركع بالرابعة وهذا لانه لاحق في الركعة الثانية مسبوق في الركعة الاولى فانما يبدأ بما هو لاحق فيه وهى الركعة الثانية فيقضيها بغير قراءة والذى قال انه يقوم مقدار القراءة على طريق الاستحباب فأما فرض القيام فيتأدى بأدنى ما يتناوله الاسم فإذا فرغ من هذه الركعة قام فقضى الركعة الاولى بقراءة لانه مسبوق فيها ثم ذكر ههنا أنه يبدأ بالقراءة فيها ثم بالتكبير وذكر بعد هذا هذه المسألة في الكتاب وقال يبدأ بالتكبير ثم بالقراءة ففيها روايتان كلاهما في صفحة واحدة فالرواية التى قال يبدأ فيها بالتكبير جواب القياس لانه انما يقضى ما فاته فيقضيه كما فاته والرواية التى قال يبدأ فيها بالقراءة جواب الاستحسان وهو أظهر الروايات على ما ذكره في كتاب الصلاة والجامع والزيادات والسير الكبير وقد بينا وجوه هذا في كتاب الصلاة. وإذا صلى الرجل مع الامام في العيد ركعة ثم تكلم فلا قضاء عليه في قول أبى حنيفة رحمه الله تعالى ولم يذكر قولهما في الكتاب وقد ذكرنا في بعض النوادر أن عليه قضاء ركعتين في قول أبى يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى وجه قولهما أنه بالشروع التزم أداء ركعتين ولو التزم ذلك بالنذر كان عليه اداؤهما فكذلك إذا التزم ذلك بالشروع وقياسا بسائر الصلوات وأبو حنيفة رحمه الله تعالى يقول هو بالشروع ما قصد أداء شئ ليس عليه وانما قصد اقامة ما هو من اعلام الدين وذلك مستحق على جماعة المسلمين فكان هذا في المعنى بمنزلة الشروع في أداء الفريضة وذلك لا يلزمه شيئا ليس
 
 
[ 124 ]
 
عليه فكذلك هذا الشروع والمعنى أنه قصد الاسقاط لا الالتزام. ألا ترى أن من شرع في صلاة الجمعة مع الامام ثم تكلم لم يلزمه الا ما يلزمه قبل الشروع وهو أداء الظهر فكذلك هنا. يوضحه أنا لو أوجبنا عليه القضاء فاما أن يقضى مع التكبيرات أو بدون التكبيرات ولا يمكنه أن يقضى مع التكبيرات لان ذلك غير مشروع الا في صلاة العيد والمنفرد لا يتمكن من أداء صلاة العيد ولا يجوز أن يقضيه بدون التكبيرات لان القضاء بصفة الاداء وردوا هذه المسألة إلى الخلاف الذى بينا في كتاب الصوم أن من شرع في صوم يوم النحر ثم أفسده لم يلزمه القضاء في قول أبى حنيفة رحمه الله تعالى وعندهما يلزمه قضاء يوم آخر وهذا في المعنى متقارب فان أبا حنيفة رحمه الله يقول لا يلزمه القضاء بغير صفة الاداء ولا يمكن ايجاب القضاء عليه بصفة الاداء وهما يعتبران الاصل لايجاد القضاء بدون الصفة فكذلك هنا ثم ذكر باب التكبير في أيام التشريق ولم يذكر فيه من المسائل إلا ما بينا في كتاب الصلاة وذكر باب صلاة الخوف أيضا ومسائله عين ما بينا في كتاب الصلاة الا أنه نص هنا على قول أبى يوسف رحمه الله أنه لا تجوز صلاة الخوف بصفة الذهاب والمجئ اليوم انما كان ذلك في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة وهذا القول لم يذكره في كتاب الصلاة وقد بينا المسألة هناك ثم ذكر أن الامام لو رعف في الركعة الثانية فقدم رجلا من الطائفة الثانية فانه يصلى بقية صلاة الامام ثم ينفتل هو ومن خلفه فيقومون بازاء العدو وهذا لا يشكل في حق القوم لانهم الطائفة الثانية فأوان انصرافهم من الصلاة إلى العدو عند تمام صلاة الامام فأما في حقه فنقول هو خليفة الامام في اتمام بقية صلاته وقد فعل ففيما وراء ذلك هو من جملة الطائفة الثانية فلهذا ينصرف مع الطائفة الثانية ثم يعود معهم لاتمام صلاته والله سبحانه وتعالى أعلم * (باب صلاة المريض) * (قال) ولو أن مريضا يصلى بالايماء فأم قوما يومئون وقوما يسجدون فانه تجوز صلاته وصلاة من هو في مثل حاله ولا تجوز صلاة من يسجد الا على قول زفر رحمه الله تعالى وقد بينا هذا في كتاب الصلاة أن المقتدى يبنى صلاته على صلاة الامام ويجوز بناء الضعيف على الضعيف ولا يجوز بناء القوى على الضعيف ثم فرع على هذا الاصل هنا فقال إذا كان
 
 
[ 125 ]
 
الامام مستلقيا يومئ ايماء وخلفه من يومئ مستلقيا ومن يومئ قاعدا فانه تجوز صلاته وصلاة من هو في مثل حاله ولا تجوز صلاة القاعد لما فيه من بناء القوى على الضعيف فان حال المستلقى في الايماء دون حال القاعد. ألا ترى أنه لا يجوز الايماء مستلقيا ممن يقدر على القعود في الناقلة ولا في المكتوبة وبهذا الحرف يفرق أبو حنيفة وأبو يوسف رحمهما الله تعالى بين هذا وبين اقتداء القائم بالقاعد الذى يركع ويسجد فانهما يجوزان هناك لان حال الامام قريب من حال المقتدى حكما ألا ترى انه يجوز اداء النفل قاعدا مع القدرة على القيام مع أن أبا يوسف رحمه الله تعالى ذكر في الامالى ان القياس أن لا يجوز اقتداء القائم بالقاعد وانما جوزنا ذلك بخلاف القياس بالسنة فان آخر صلاة صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم بأصحابه في المسجد كان هو قاعدا وهم خلفه قيام والمخصوص من القياس بالاثر لا يلحق به الا ما يكون في معناه من كل وجه وهذا ليس في معنى المنصوص من كل وجه على مابينا فهلذا أخذنا فيه بالقياس. ولو افتتح المكتوبة وهو صحيح مع الامام قاعدا ثم قام فلم يعد التكبير فصلاته فاسدة وكذلك لو مرض بعد ما كبر ولم يستطع القيام الا أن يعيد التكبير بعد ان يقوم أو بعد ما يعجز عن القيام لان القيام شرط عند التحرم في حق من يقدر عليه وقد انعدم ذلك فلم تنعقد تحريمته للمكتوبة الا ان يجدد التكبير لها بعد العجز وهو نظير مالو افتتح صلاة الظهر قبل زوال الشمس ثم زالت الشمس فأداها لم يجزه عن المكتوبة لانعدام شرطها وهو الوقت عند الافتتاح الا ان يجدد التكبير بعد زوال الشمس فهذا مثله والله سبحانه وتعالى أعلم * (باب الصلاة على الجنازة) * (قال) رضى الله عنه ولو أن رجلا صلى على جنازة وهو مريض قاعدا وصلى القوم معه قياما فانه يجزئهم في قول أبى حنيفة وأبى يوسف رحمهما الله تعالى ولا يجزى في قول محمد وزفر رحمهما الله تعالى لان القيام فرض في حق من يقدر عليه في صلاة الجنازة كما هو فرض في سائر المكتوبات وقد بينا اقتداء القائم بالقاعد انه على الاطلاق في سائر المكتوبات وكذلك اقتداء القائم بالقاعد في التطوعات كالقيام في شهر رمضان فانه على الخلاف فكذلك في صلاة الجنازة الا أن معنى قول محمد رحمه الله تعالى ههنا لا يجزى أنه لا يجزى
 
 
[ 126 ]
 
القوم فاما الصلاة على الجنازة فتتأدى باداء الامام وحده لان الجماعة ليست بشرط للصلاة على الجنازة والامام الذى صلى قاعدا عليها كان مريضا فجازت صلاته والصلاة على الجنازة فرض على الكفاية تسقط بأداء الواحد إذا كان هو الولى وليس للقوم ان يعيدوا بعد ذلك. ولو ان جنازة تشاجر فيها قوم أيهم يصلى عليها فوثب رجل غريب فصلى عليها وصلى معه بعض القوم فصلاتهم تامة وان أحب الاولياء أعادوا الصلاة لان حق الصلاة على الجنازة للاولياء فلا يكون لغيرهم أن يبطل حقهم وهم بمنزلة مالو صلى غير أهل المسجد المكتوبة بالجماعة في المسجد كان لاهل المسجد حق الاعادة بخلاف ما إذا صلى فيه أهل المسجد فانه ليس لغيرهم حق الاعادة بعد ذلك فان كان حين افتتح الرجل الغريب صلاة الجنازة اقتدى به بعض الاولياء فليس لمن بقى منهم حق الاعادة لان الذى اقتدى به رضى بامامته فكأنه قدمه ولكل واحد من الاولياء حق الصلاة على الجنازة كأنه ليس معه غيره لان ولايته متكاملة فإذا سقط بأداء أحدهم لم يكن للباقين حق الاعادة. وقد بينا في كتاب الصلاة جواز أداء الصلاة على الجنازة بالتيمم في المصر زاد ههنا فقال وكذلك لو كان هو بنفسه الامام وقد روى الحسن عن أبى حنيفة رحمهما الله تعالى انه لا يجوز للامام أن يصلى على الجنازة بالتيمم في المصر قال عيسى رحمه الله تعالى وهو الصحيح لان التيمم انما يجوز في حال عدم الماء فاما مع وجود الماء فلا يكون طهارة الا عند الضرورة وهو خوف الفوت وهذا لم يوجد في حق الامام الذى يكون حق الصلاة على الجنازة له لان الناس ينتظرونه ولو لم يفعلوا كان له حق اعادة الصلاة عليها فلا يجزيه الاداء بالتيمم مع وجود الماء وجه ظاهر الرواية حديث ابن عباس رضى الله عنه إذا فجئتك جنازة وأنت على غير وضوء فتيمم وصل عليها ولان الامام قد يحتاج إلى ذلك كما يحتاج إليه القوم فانه عند كثرة لزحام ربما يلحقه الحرج إذا ذهب إلى موضع الماء ليتوضأ أولا ينتظره الناس فيصلون عليها ويدفنون الميت قبل ان يفرغ هو من الطهارة ولو انتظره الناس ربما يلحقهم الحرج في ذلك فلدفع الحرج جوزنا له الاداء بالتيمم فانما التيمم انما جعل طهارة لدفع الحرج قال الله تعالى ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج الآية وفيه معني آخر في حق القوم وهو ان الصلاة على الجنازة دعاء وليست بصلاة على الحقيقة فانه ليس فيها أركان الصلاة من القيام والقراءة والركوع والسجود والطهارة شرط صلاة مطلقة فكان ينبغى أن تتأدى الصلاة
 
 
[ 127 ]
 
على الجنازة بغير طهارة بمنزلة الدعاء ولكن لكونها صلاة تسمية شرطنا فيها نوع طهارة وفى هذا المعنى لا فرق بين الامام والقوم. وعلى هذا قال لو كان جنبا في المصر تيمم وصلى عليها أيضا لانها بمنزلة الدعاء وذلك صحيح من الجنب الا أنه أمره بان يتيمم لها كما تيمم رسول الله صلى الله عليه وسلم لرد السلام في حديث معروف بيناه في الصلاة. فان تيمم وصلى على الجنازة ثم أتى بجنازة أخرى فان تمكن من أن يتوضأ فلم يفعل أعاد التيمم للصلاة على الجنازة ثانيا لانه لما تمكن من استعمال الماء فقد انتهى تيممه الاول ولو لم يتمكن من ذلك وخاف ان اشتغل بالوضوء أن تفوته الصلاة على الجنازة ثانيا فعلى قول أبى حنيفة وأبى يوسف رحمهما الله تعالى يصلى عليها بذلك التيمم وعلى قول محمد رحمه الله تعالى يعيد التيمم على كل حال لان تيممه الاول كان لحاجته إلى احراز الصلاة على الجنازة الاولى وقد حصل مقصوده بالفراغ منها فانتهى حكم ذلك التيمم ثم حدثت له حاجة جديدة إلى احراز الصلاة على الجنازة الثانية فيلزمه أن يتيمم لها لان الثابث بالضرورة يتقدر بقدر الضرورة ويتجدد بتجديدها وقاس بما لو تمكن من الوضوء بين الصلاتين وجه قولهما أن المعنى الذى لاجله جوزنا الصلاة على الجنازة الاولى بالتيمم قائم بعد وهو خوف الفوت فيبقى تيممه ببقاء المعنى بخلاف ما إذا تمكن من الطهارة بين الصلاتين. يوضحه ان التيمم بعد ما صح لا ينتقض الا بالقدرة على استعمال الماء وهو لم يقدر على استعمال الماء بالفراغ من الصلاة على الجنازة الاولى إذا كان يخاف فوت الثانية بخلاف ما إذا تمكن من الطهارة بينهما وإذا ثبت أنه غير متمكن من استعمال الماء كان فرض استعمال الماء ساقطا عنه فيكون وجود الماء وعدمه في حقه سواء. وان صلى على جنازة فكبر تكبيرة ثم جئ باخرى فوضعت إلى جنبها فان كبر الثانية ينوى الصلاة على الاولى أو عليهما أو لانية له فهو في الصلاة على الاولى على حاله يتمها ثم يستقبل الصلاة على الجنازة الثانية لانه نوى ما هو موجود وعند عدم النية يكون فعله مما هو مستحق عليه والمستحق عليه اتمام الصلاة على الاولى وان كبر ينوى الصلاة على الجنازة الثانية فهو رافض للاولى شارع في الصلاة على الجنازة الثانية لان الصلاة على كل جنازة فرض على حدة ومن كان في فريضة فكبر ينوى فريضة أخرى كان رافضا للاولى شارعا في الثانية فهذا مثله. ولو أن امرأة حائضا انقطع عنها الدم في مصر فتيممت فصلت على جنازة فان كانت أيامها عشرا فذلك يجزئها لانا تيقنا بخروجها من الحيض بمضي أيامها وانما بقي عليها الاغتسال فقط فهى بمنزلة الجنب في ذلك وكذلك
 
 
[ 128 ]
 
ان كانت أيامها دون العشر وقد مضى عليها وقت صلاة كامل بعد ما انقطع عنها الدم لانها صارت طاهرة حكما حتى وجبت الصلاة دينا في ذمتها ولهذا حل للزوج غشيانها وحكم بخروجها من العدة فأما إذا كانت أيامها دون العشر ولم يمض عليها وقت صلاة كامل فانه لا تجزئها الصلاة على الجنازة بالتيمم لانها لم تخرج من الحيض حقيقة ولا حكما ولهذا لا يحل للزوج أن يقربها ولا ينقطع حق الرجعة بنفس انقطاع الدم وإذا كانت حائضا حكما فليس للحائض أن تصلى على الجنازة الا أن تكون في سفر وهى عادمة للماء فحينئذ لها ان تتيمم بعد انقطاع الدم وتصلى على الجنازة لان التيمم في حقها بمنزلة الاغتسال في هذا المكان ولهذا يجوز لها أداء المكتوبة بالتيمم فكذلك الصلاة على الجنازة ثم هذا على أصل محمد رحمه الله تعالى ظاهر فانه يقول الرجعة تنقطع بنفس التيمم وعلى أصل أبى حنيفة وأبى يوسف رحمهما الله تعالى الرجعة وان كانت لا تنقطع بنفس التيمم ولكن التيمم طهارة بالنص في حكم الصلاة والصلاة على الجنازة دون سائر الصلوات فمن ضرورة كونه طهارة في حق سائر الصلوات أن يكون طهارة في الصلاة على الجنازة أيضا فان غسل ميت وبقى منه عضو لم يصبه الماء فكفن فانه يخرج من الكفن فيغسل ذلك الموضع ثم يكفن لان بقاء العضو الكامل في حكم الاغتسال كبقاء جميع البدن حتى لا تنقطع الرجعة إذا اغتسلت المرأة وبقى منها عضو فيكون هذا وما لو كفن قبل أن يغسل سواء وهناك يخرج من الكفن ويغسل لانه في أيديهم على حاله بعد ما كفن فلا يسقط فرض غسله بخلاف ما بعد الدفن فانه خرج من أيديهم حين أهالوا التراب عليه فيسقط فرض الغسل عنه وان كان بقى موضع أصبع أو نحو ذلك فانه لا يخرج من الكفن لاجل ذلك في قول أبى حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله تعالى وفى قول محمد رحمه الله تعالى يخرج فيغسل ذلك الموضع لان بقاء اللمعة كبقاء جميع البدن في حكم الصلاة في اغتسال الحي فكذلك في غسل الميت وهذا لان البدن في حكم الطهارة كشئ واحد فكما لا يتجزأ حكم الغسل في البدن وجوبا فكذلك لا يتجزأ سقوطا وما بقى شئ منه قل أو كثر كانوا مخاطبين بغسله وقيام الخطاب بغسله عذر لهم في الاخراج من الكفن فكان هذا ومالو علموا به من قبل التكفين سواء وأبو حنيفة وأبو يوسف رحمهما الله تعالى يقولان لا يتيقن بقيام فرض الغسل عليهم لان ذلك القدر مما يسرع إليه الجفاف فلعله وصل إليه الماء ثم جف وقد اعتبرنا هذا المعنى في حكم الرجعة فقلنا بانقطاع الرجعة عند بقاء اللمعة لهذا فكذلك في
 
 
[ 129 ]
 
حكم الاخراج من الكفن لان ذلك نوع بأس لا يجوز الاقدام عليه الا عند تحقق الضرورة. يوضحه أن ذلك القليل يتأدى فرض الغسل فيه بدون استعمال ماء جديد بأن تحول البلة من موضع آخر إليه على ماروى أن النبي صلى الله عليه وسلم اغتسل ثم رأى لمعة على بدنه فغسلها بحمة أي أخذ البلة منها فغسل تلك اللمعة فإذا ثبت أنه لا يجب عليهم استعمال ماء جديد في غسله كان هذا ومالو فرغوا من غسله سواء فلا يجوز اخراجه من الكفن بخلاف ما إذا بقى عضو أو أكثر منه. ولو خرج شئ من الميت بعد ما غسل فانه يغسل ذلك عنه على سبيل اماطة الاذى ولا يعاد غسله لان الميت لا يحدث ولا يجنب. ولو أن صبيا حمل في سفط على دابة فصلوا عليها وهو على الدابة لم تجزهم صلاتهم لانهم أمروا بالصلاة على الجنازة وهم انما صلوا على الدابة هذا استحسان وفي القياس يجوز وهو نظير القياس والاستحسان فيما إذا كان المصلى على الدابة فان في القياس يجوز لان الصلاة على الميت دعاء ودعاء الراكب والنازل سواء وفى الاستحسان لا يجوز لان الركن في الصلاة على الجنازة التكبيرات والقيام فكما لاتتأدى بدون التكبيرات لاتتأدى بدون القيام من غير عذر وإذا ثبت هذا فيما إذا كان المصلى على الدابة فكذلك إذا كان الميت على الدابة والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب * (باب الصلاة بمكة) * (قال) رضى الله عنه رجل أهل بعمرة ثم صلى مع الامام بعرفة الظهر ثم أهل بحجة ثم صلى العصر معه لم يجزه الا أن يصلى الصلاتين معه جميعا وهو مهل بالحج في قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى وذكر في اختلاف زفر ويعقوب رضى الله عنهما أن على قول زفر رضى الله عنه يجزئه وهو قول أبى حنيفة رحمه الله تعالى ففيه روايتان عن أبى حنيفة رحمه الله تعالى وهكذا عن أبى يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى فيه روايتان وجه الرواية التي قال يجوز ان التغير انما حصل في العصر من حيث انه معجل على وقته ولاتغير في الظهر لانه مؤدى في وقته فانما يشترط الاحرام بالحج فيما وقع فيه التغير ولان الاحرام بالحج شرط الجمع بين الصلاتين وانما يحصل الجمع باداء العصر دون الظهر وجه الرواية الاخرى أن من شرط صحة العصر في هذا اليوم تقديم الظهر عليه على وجه الصحة بدليل أنه لو صلى الظهر ثم العصر وكان اليوم يوم غيم ثم تبين أنه صلى الظهر قبل الزوال والعصر بعد الزوال لم يجزه
 
 
[ 130 ]
 
العصر وكذلك لو صلى الظهر ثم جدد الوضوء ثم صلى العصر ثم تبين أنه صلى الظهر بغير وضوء لم يجزه العصر فثبت أن من شرط صحة العصر تقديم الظهر عليه والاحرام بالحج شرط لاداء العصر فيشترط لاداء الظهر أيضا كالخطبة يوم الجمعة فانه لما كان من شرط صحة الجمعة تقدم الخطبة والسلطان شرط لاقامة الجمعة كان شرطا لاقامة الخطبة أيضا. يوضحه أن الجمع بين الصلاتين للحاجة إلى امتداد الوقوف وانما يحتاج إلى ذلك المحرم بالحج فيشترط الاحرام بالحج لهذا الجمع ثم الجمع انما يحصل بهما جميعا فيشترط الاحرام فيهما. ولو أن أمير الموسم جمع بمكة وهو مسافر جاز لانه فوض إليه أمر المسلمين فلا يكون هو دون القاضى وصاحب الشرط في اقامة الجمعة بمكة ولو صلى بهم بمنى لم يجزهم لانه مسافر أمر باقامة المناسك ومن أمر باقامة الجمعة وحقيقة الفرق أن مكة مصر وأهلها يحتاجون إلى اقامة الجمعة فمن كان ذا سلطان فهو يملك اقامة الجمعة مسافرا كان أو مقيما وأما أهل منى فلا يحتاجون إلى اقامة الجمعة لانه ليس عليهم ذلك فلا يكون لامير الموسم أن يقيم الجمعة بمنى فان كان أمير مكة أو أمير الحجاز أو الخليفة حج بنفسه ففي اقامة الجمعة له بمنى خلاف قد بيناه في كتاب الصلاة. فان صلى الظهر والعصر بعرفات ولم يخطب أجزأه لان هذه خطبة وعظ وتذكير وتعليم لبعض ما يحتاج إليه في ذلك الوقت فتركه لا يمنع جواز الصلاة كالخطبة في صلاة العيد بخلاف الخطبة في الجمعة فانه بمنزلة شطر الصلاة على ما قال ابن عمر رضى الله عنه وانما قصرت الجمعة لمكان الخطبة ثم ينبغي للامام أن يخطب في الحج ثلاث خطب خطبة قبل يوم التروية بيوم يخطبها بمكة بعد الظهر وخطبة بعرفات بعد زوال الشمس يوم عرفة قبل صلاة الظهر وخطبة في اليوم الثاني من أيام النحر وهو يوم القر كما روى في حديث عبد الله بن قرظ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال أفضل الايام عند الله تعالى يوم النحر ثم يوم القر يريد اليوم الثاني من أيام النحر سمى بهذا الاسم لان الحاج يقرون فيه بمنى وهذه الخطبة بعد الظهر وقال زفر رحمه الله تعالى يخطب ثلاث خطب خطبة يوم التروية وخطبة يوم عرفة وخطبة يوم النحر وما قلناه أحسن لان في يوم التروية هم يخرجون من مكة إلى منى فلا يتفرغون لسماع الخطبة فينبغي أن يخطب قبل التروية بيوم يعلمهم في هذه الخطبة الخروج من مكة إلى منى ثم من منى إلى عرفات ثم يخطب يوم عرفة يعلمهم في هذه الخطبة كيفية الوقوف بعرفات والافاضة إلى المزدلفة والوقوف بالمزدلفة والرمي والذبح
 
 
[ 131 ]
 
والحلق والرجوع إلى مكة لطواف الزيارة والسعى ثم العود إلى منى ثم يخطب في اليوم الثاني من أيام النحر يعلمهم في هذه الخطبة بقية أعمال الحج فيكون للتعليم يوم وللعمل يوم فكان هذا أحسن مما ذهب إليه زفر رحمه الله تعالى والله أعلم بالصواب * (باب السجدة) * (قال) رضى الله تعالى عنه رجل قرأ آية السجدة في مكان ثم قام فدخل مع الامام في صلاته في موضعه فقرأها الامام فسجدها وسجد هذا الرجل معه فعليه أن يسجد الاولى إذا فرغ من صلاته وفي كتاب الصلاة والجامع يقول ليس عليه أن يسجد الاولى إذا فرغ من صلاته ووجه تلك الرواية أن المتلو آية واحدة والمكان مكان واحد والمؤداة أكمل فان لها حرمتين حرمة الصلاة وحرمة التلاوة ولو كانت المؤداة مثل الاولى نابت عنها فإذا كانت أكمل من الاولى فلان تنوب عنها أولى ووجه هذه الرواية أنهما مختلفتان في الحكم فان احداهما صلاتية والاخرى ليست بصلاتية فلا تدخل احداهما في لاخرى كما لو كان المتلو آيتين وقيل انما اختلف الجواب لاختلاف الموضوع فان وضع المسألة ههنا فيما إذا أعادها الامام فيكون هذا الرجل فيما يلزمه بحكم تلاوة الامام تبعا والاولى وجبت عليه بتلاوته مقصودا فلا تتأدى بالتبع وهناك وضع المسألة فيما إذا قام فدخل في الصلاة بنفسه ثم قرأها فيكون كل واحد منهما مقصودا في حقه والمؤداة أكمل فان سها الامام فلم يسجدها فعلى الرجل السجدة لاولى وليس عليه الثانية لان الثانية صلاتية عليه فلا يمكنه أن يؤديها بعد الفراغ من الصلاة ولا في الصلاة لانه تبع للامام وأما الاولى ففى هذه الرواية لم تدخل في الثانية فعليه أن يؤديها بعد الفراغ من الصلاة. وفى رواية الجامع ليس عليه أن يؤديها لانها دخلت في الصلاتية فتسقط بسقوط الصلاتيه عنه. ولو أن رجلين افتتحا التطوع كل واحد منهما على حياله فقرأ كل واحد منهما سورة لم يقرأها صاحبه وفيها سجدة فسجد كل واحد منهما التى قرأها فعلى كل واحد منهما أن يسجد لما سمع من صاحبه إذا فرغ لان تلك السجدة سماعية في حقه لاصلاتية بمنزلة مالو سمعها من رجل ليس في الصلاة وان كانا قرأ سورة واحدة فسجد كل واحد منهما لما كان قرأ فليس على كل واحد منهما أن يسجد إذا فرغ لما سمع من صاحبه لان المتلو آية واحدة والمكان
 
 
[ 132 ]
 
مكان واحد والمؤداة أكمل لاجتماع الحرمتين لها وان سها كل واحد منهما أن يسجدها في الصلاة فلا سجود على واحد منهما بعد الخروج من الصلاة لان السماعية قد دخلت في الصلاتية بسبب اتحاد السبب وقد سقطت الصلاتية بالخروج منها فتسقط السماعية أيضا . فان قرأ آية السجدة في الصلاة فسجدها ثم فرغ من صلاته فقرأها في مقامه ذلك فلا سجود عليه وفى كتاب الصلاة يقول إذا سلم وتكلم ثم أعادها فعليه سجدة أخرى قيل انما اختلف الجواب لاختلاف الموضوع فهناك وضع المسألة فيما إذا سلم ولم يتكلم وبمجرد السلام لا ينقطع فور الصلاة ألا ترى انه يأتي بسجود السهو بعد السلام ولو انه تذكر شيئا من أركان الصلاة بعد السلام كان يأتي به ولا يأتي به بعد الكلام وقيل بل ما ذكر هنا قول أبى يوسف الاخر وما ذكر في كتاب الصلاة قوله الاول وهو قول محمد رحمه الله تعالى وهو نظير الاختلاف فيما إذا قرأها في ركعة وسجد ثم أعادها في ركعة أخرى وقد بينا وجه الروايتين في كتاب الصلاة. ولو ان امرأة انقطع عنها الدم فلم تغتسل حتي سمعت السجدة فليس عليها قضاء تلك السجدة إذا اغتسلت وهذا إذا كانت أيامها دون العشر فاما إذا كانت أيامها عشرا فقد تيقنا بخروجها من الحيض وانما بقى عليها الاغتسال فقط فهى كالجنب والجنب إذا سمع آية السجدة كان عليه ان يسجدها بعد الاغتسال. وكذلك ان كانت أيامها دون العشر وذهب وقت صلاة منذ انقطع الدم عنها فقد حكمنا بطهارتها حين أوجبنا الصلاة عليها فيلزمها السجدة بالسماع أيضا فاما إذا لم يذهب وقت صلاة بعد ما انقطع الدم وهى في مصر فسمعت آية التلاوة فلا سجود عليها لانها حائض بعد فان مدة الاغتسال في حقها من جملة الحيض ألا ترى انه لا ينقطع حق الزوج في الرجعة ما لم تغتسل والحائض لا يلزمها السجدة كما لا تلزمها الصلاة وقد قال بعض مشايخنا إذا تمكنت من الاغتسال فلم تغتسل ثم سمعت آية السجدة يلزمها السجدة لان السماع سبب موجب للسجدة كما ان جزأ من الوقت سبب موجب للصلاة ثم لو أدركت جزأ من الوقت بعد التمكن من الاغتسال تلزمها الصلاة فكذلك إذا سمعت بعد التمكن من الاغتسال. ولو كانت في سفر فان تيممت ثم سمعت فعليها السجدة لان التيمم في حقها بمنزلة الاغتسال في حكم الصلاة فكذلك في حكم السجدة وان لم تتيمم حتى سمعت فلا قضاء عليها لانها لم تخرج من الحيض ما لم تتيمم أو يذهب وقت الصلاة. ولو قرأ سجدة ثم
 
 
[ 133 ]
 
ارتد ثم أسلم فلا سجود عليه لان الردة تحبط عمله وتجعله ككافر أصلي أسلم الآن في حكم سائر العبادات فكذلك في حكم سجدة التلاوة. ولو قرأها الامام في صلاة لا يجهر فيها ولم يسمعها القوم فعليهم ان يسجدوا لانها وجبت على الامام بالتلاوة وهي صلاتية والمقتدى تبع للامام في أعمال الصلاة فيجب عليه ما هو واجب على الامام وهذا بخلاف ما إذا قرأها على المنبر يوم الجمعة فان هناك لا تجب السجدة على من لم يسمعها لان الخطبة تؤدى في غير تحريمة مشتركة فلا يكون بين القوم والامام فيها متابعة وانما السبب الموجب للسجدة هناك التلاوة والسماع فلا تجب الا على من تقرر السبب في حقه. ولو قرأها رجل بالفارسية وسمعها قوم لا يفقهون الفارسية وهم في غير الصلاة فعليه وعليهم ان يسجدوها وهذا قياس قول أبى حنيفة رحمه الله تعالى وذكر في الامالى عن أبى يوسف رحمه الله تعالى قال انما تجب السجدة ههنا على من يعلم انه يقرأ آية السجدة ولا تجب على من لا يفهم ذلك وهو قول محمد رحمه الله تعالى أيضا وهذا لان من أصل أبى حنيفة رحمه الله تعالى ان القراءة بالفارسية كالقراءة بالعربية حتى قال يتأدى بها فرض القراءة في الصلاة ولو قرأها بالعربية وجبت السجدة على من سمعها لتقرر السبب ويلزمه أداؤها إذا علم بذلك فكذلك إذا قرأ بالفارسية فاما عندهما فالفارسية ليست بقرآن على الاطلاق ولهذا لا يتأدي فرض القراءة بها في حق من يعرف العربية ويتأدي في حق من لايعرف العربية فكذلك يجب بهذا السماع السجدة على من يعرف انه يقرأ القرآن ولا يجب على من لايعرف ذلك. ولو ان سكرانا قرأ سجدة أو سمعها فعليه أن يسجدها لان السكران مخاطب تلزمه الصلاة بادراك الوقت فكذلك تلزمه السجدة بخلاف المجنون إذا قرأها أو سمعها في حال جنونه لانه غير مخاطب قالوا وهذا إذا طال جنونه فاما إذا قصر فكان يوما وليلة أو أقل ينبغى ان تلزمه السجدة استحسانا كما يلزمه قضاء الصلوات على رواية هذا الكتاب كما بينا. ولو قرأها عند ارتفاع الضحى فقضاها نصف النهار لم تجزه لانها وجبت عليه بصفة الكمال والمؤداة عند الزوال ناقصة وان قرأها نصف النهار فسجدها أجزأه لانه أداها كما وجبت عليه وان لم يسجدها حتى تغيرت الشمس عند الغروب ثم أداها فانه يجزئه وهذا قول أبى يوسف رحمه الله تعالى وهو قياس قول أبى حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى فاما على قول زفر رحمه الله تعالى فلا تجزئه وأصل الخلاف فيما بينا إذا شرع في الصلاة عند الزوال ثم أفسدها وقضاها عند الغروب أجزأه
 
 
[ 134 ]
 
عندنا ولم يجزئه عند زفر رحمه الله تعالى. وكذلك إذا قرأ آية السجدة على الدابة ثم نزل ثم ركب فأداها جاز عندنا بمنزلة مالو أداها قبل النزول وعند زفر لا يجزئه لانه لما نزل فقد لزمه أداؤها على الارض فلا تتأدى بالايماء بعد ذلك كما لو قرأها وهو نازل فكذلك في هذه المسألة والله أعلم بالصواب * (باب المسح على الخفين) * (قال) رضي الله عنه ولو أن مستحاضة توضأت ولبست الخفين في وقت العصر فلما صلت ركعة من العصر غربت الشمس فهذه المسألة على ثلاثة أوجه في وجه عليها ان تتوضأ وتغسل قدميها وتستقبل الصلاة وفى وجه عليها ان تتوضأ وتمسح على خفيها وتستقبل الصلاة وفي وجه عليها ان تتوضأ وتمسح على خفيها وتبنى على صلاتها أما بيان الوجه الاول فيما إذا توضأت والدم سائل ولبست الخف فان هذا اللبس حصل على طهارة معتبرة في الوقت غير معتبرة بعد خروج الوقت وتنتقض طهارتها عند خروج الوقت بالحدث المقارن للوضوء وكان ذلك سابقا على الشروع في الصلاة والاصل ان طهارة المصلى متى انتقضت في خلال الصلاة بسبب سابق على الشروع في الصلاة يلزمه استقبال الصلاة كالمتيمم إذا أبصر الماء فلهذا يلزمها أن تتوضأ وتغسل قدميها وتستقبل الصلاة. وبيان الوجه الثاني فيما إذا توضأت والدم منقطع ولبست الخف ثم سال الدم قبل غروب الشمس فهنا اللبس حصل على طهارة كاملة فيكون لها أن تمسح في الوقت وبعد خروج الوقت إلى تمام المدة ولكن انتقضت طهارتها عند خروج الوقت بسيلان كان في الوقت فقد أدت جزأ من الصلاة بعد سبق الحدث وذلك يمنعها من البناء علي الصلاة. وبيان الوجه الثالث فيما إذا توضأت والدم منقطع ولبست الخف ثم لم يسل الدم حتى غربت الشمس ثم سال الدم فههنا طهارتها انما تنتقض بالحدث لا بخروج الوقت ولم يوجد منها أداء جزء من الصلاة بعد سبق الحدث فيكون لها أن تتوضأ وتبنى على صلاتها ويكون لها أن تمسح على الخفين لانها لبست على طهارة كاملة. لو لم يسل الدم حتى فرغت من صلاتها ثم سال الدم فصلاتها تامة لانها أدت الصلاة بطهارة كاملة فان دخل الوقت والدم منقطع ثم توضأت ثم سال الدم فعليها الوضوء وانما أراد بهذا أن الدم كان منقطعا حين توضأت ولم يسل بعد ذلك
 
 
[ 135 ]
 
حتى دخل وقت آخر فان طهارتها لم تنتقض بخروج الوقت وانما تنتقض بسيلان الدم فلا ينفعها الوضوء المتقدم لهذا السيلان فأما إذا كان الدم سائلا حين توضأت ثم انقطع ثم دخل وقت آخر فتوضأت ثم سال الدم فليس عليها وضوء آخر لانه قد انتقضت طهارتها بخروج الوقت فانها توضأت والوضوء واجب عليها فلا يلزمها وضوء آخر بسيلان الدم ما بقى الوقت. ولو توضأ بالنبيذ في سفر وهو لا يقدر على ماء ولبس خفيه ثم أصاب ماء كثيرا فعليه أن ينزع خفيه ويغسل قدميه لان الطهارة بالنبيذ بدل عن الطهارة بالماء عند أبى حنيفة رحمه الله تعالى فلا يكون معتبرا مع القدرة على الاصل فانما لبس الخف بطهارة غير معتبرة بعد وجود الماء وكذلك لو توضأ بسؤر الحمار ثم تيمم ولبس الخف ثم وجد ماء طهورا فعليه أن ينزع خفيه ويغسل قدميه لان التوضأ بسؤر الحمار لا يكون طهارة بعد وجود الماء المطلق. ولو أن رجلا انكسرت يده وهو على غير وضوء فربط الجبائر عليها ثم توضأ فله أن يمسح علي الجبائر بخلاف ما إذا لبس الخف وهو على غير وضوء لان المسح علي الجبائر كالغسل لما تحته مادامت العلة قائمة ألا ترى أنه لا يتوقت بوقت وانه يجمع بين المسح على الجبائر والغسل في عضو واحد ولا يجوز الجمع بين البدل والاصل فعرفنا أنه بمنزلة الغسل لما تحته فلا يضره الحدث عند ربط الجبائر وأما المسح على الخف فلم يجعل كغسل الرجل ولكن استتار القدم بالخف يمنع سراية الحدث إلى القدم ولا يرفع الحدث عنها وشرط جواز المسح اللبس على طهارة كاملة كما قال عليه الصلاة والسلام انى أدخلتهما وهما طاهرتان. ولو ربط الجبائر وهو على غير وضوء ولبس خفيه ثم أحدث فتوضأ مسح على خفيه لان اللبس حصل على طهارة فان المسح على الجبائر كالغسل لما تحتها ما دامت العلة قائمة فلهذا كان له أن يمسح على الخف والجبائر فان برئ ما تحت الجبائر وهو على طهارته فانه يغسل موضعها ويصلى لان المسح على الجبائر كان معتبرا قبل البرء فإذا برئت ففد انتهى حكم ذلك المسح فعليه غسل ذلك الموضع والبرء ليس بحدث فلا ينتقض به وضوؤه فان غسل ذلك الموضع قبل ان يحدث ثم أحدث فله أن يتوضأ ويمسح على خفيه لانه لما غسل ذلك الموضع فقد تمت طهارته وانما اعترض أول الحدث بعد لبس الخف على طهارة كاملة فيكون له ان يمسح على الخف ولو أحدث قبل أن يغسل ذلك الموضع كان عليه ان يتوضأ ويغسل قدميه لان أول الحدث بعد لبس الخف ما طرأ على طهارة كاملة فان المسح على الجبائر لا معتبر به بعد
 
 
[ 136 ]
 
البرء فلهذا لزمه غسل القدمين. ولو أن جنبا معه من الماء ما يتوضأ به فانه يتيمم وقد بينا هذا في الصلاة ان تيمم ثم أحدث ثم توضأ ولبس خفيه ثم أحدث ومعه من الماء ما يتوضأ به فانه يتوضأ ويمسح على خفيه لانه بالتيمم قد خرج من حكم الجنابة ما لم يجد ماء يكفيه للاغتسال فانما لبس الخف بعد الوضوء على طهارة تامة ما لم يجد ماء يكفيه للاغتسال ولو لم يتيمم ولكنه توضأ ولبس خفيه ثم تيمم ثم أحدث ومعه من الماء مقدار ما يتوضأ به فانه يلزمه غسل القدمين لانه لبس الخف لا على طهارة فان الوضوء في حق الجنب لا يكون طهارة فان تيمم ثم أحدث ثم توضأ ولبس خفيه ثم مر بماء يكفيه للاغتسال فلما جاوزه أحدث فعليه أن يتيمم لان حكم تيمم الاول قد انتهى بما أصاب من الماء فان تيمم ثم أحدث ومعه من الماء ما يتوضأ به فانه يتوضأ ويغسل قدميه لانه حين مر بماء يكفيه للاغتسال فقد عاد جنبا كما كان ووجب عليه نزع الخفين فلا يكون له أن يمسح عليهما بعد ذلك. ولو أن جنبا اغتسل وبقى بعض جسده لم يصبه الماء فلبس خفيه ثم أحدث ثم أصاب ماء فعليه ان يغسل ما بقى من جسده ويتوضأ ويغسل قدميه لانه لبس الخف على غير طهارة فلا يكون له أن يمسح ولو أن هذا الجنب الذى بقى من جسده لمعة لم يصبها الماء تيمم وصلى ثم أحدث ثم أصاب ماء فهذه المسألة على خمسة أوجه أحدها ان يكون الماء الموجود يكفيه لما بقى من جسده وللوضوء فعليه ان يغسل ما بقى من جسده ليخرج من الجنابة ثم هو محدث معه من الماء ما يتوضأ به فعليه ان يتوضأ والثانى أن يكون الماء بحيث لا يكفيه لواحد من الامرين فعليه ان يتيمم ولكن يستعمل الماء الموجود فيما بقى من جسده لتقليل الجنابة. والثالث ان يكون الماء الموجود بحيث يكفيه للمعة ولا يكفيه للوضوء فعليه أن يغسل به اللمعة حتى يخرج من الجنابة ثم هو محدث لاماء معه فيتيمم للحدث. والرابع ان يكون الماء إلى معه يكفيه للوضوء ولا يكفيه لما بقى من جسده فعليه ان يتوضأ به لان تيممه للجنابة باق حين لم يجد ماء يكفيه لازالتها فهو محدث معه من الماء ما يتوضأ به. والخامس ان يكون الماء بحيث يكفي كل واحد منهما على الانفراد ولا يكفيه لهما فعليه ان يصرف الماء إلى غسل ما بقى من جسده لان حكم الجنابة أغلظ ألا ترى أن الجنب يمنع من قراءة القرآن والمحدث لا يمنع من ذلك فعليه ازالة أغلظ الحدثين بالماء ثم يتيمم بعد ذلك للحدث فان تيمم أولا ثم غسل اللمعة بالماء أجزأه في رواية هذا الكتاب وفى الزيادات يقول لا يجزئه وقيل ما ذكر في الزيادات قول محمد رحمه الله
 
 
[ 137 ]
 
تعالى وما ذكر ههنا قول أبى يوسف رحمه الله تعالى وجه قول محمد أنه تيمم ومعه من الماء ما يكفيه لوضوئه فلا يعتبر تيممه وقاس هذا برجلين في السفر وجدا ماء يتوضأ به أحدهما فانه يجب على أحدهما ان يتوضأ به ثم يتيمم الآخر بعد ذلك فان بدأ أحدهما فتيمم ثم توضأ الآخر بالماء لم يجز تيمم المتيمم. وجه هذه الرواية ان الماء الذى معه مستحق لازالة الجنابة فيجعل كالمعدوم في حق المحدث حتى يصح تيممه كما لو كان مستحقا لعطشه ثم شبه هذا في الكتاب بمن كان معه سؤر الحمار وهو محدث فانه ينبغى له أن يتوضأ به ثم يتيمم فان تيمم أولا ثم توضأ به أجزأه لان لواجب عليه الجمع بينهما فبأيهما بدأ أجزأه فكذلك هنا الواجب عليه التيمم واستعمال الماء في اللمعة فبأيهما بدأ يجزئه. ولو توضأ للفجر ولبس خفيه وصلى ثم أحدث في وقت الظهر وتوضأ وصلى ثم في وقت العصر كذلك ثم ذكر أنه لم يمسح برأسه في الفجر فعليه أن ينزع خفيه ويغسل قدميه ويعيد الصلوات كلها لانه تبين أن اللبس لم يكن على طهارة تامة وان وضوءه في وقت الظهر والعصر لم يكن طهارة بالمسح على الخفين فيلزمه اعادة الصلوات كلها بعد إكمال الطهارة وان تبين أنه ترك مسح الرأس في الظهر فعليه اعادة الظهر خاصة لان لبسه كان على طهارة كاملة فتكون طهارته في وقت العصر بالمسح بالخف تامة ولا يجب عليه مراعاة الترتيب عند النسيان والاشتباه فلهذا لا يلزمه الاقضاء الظهر. ولو سقطت الجبائر بعد ما مسح عليها في خلال الصلاة عن غير برء فانه يمضى على صلاته لان المسح على الجبائر كالغسل لما تحتها مادامت العلة قائمة لعجزه عن الغسل لما تحتها. ولو نسى أن يمسح على الجبائر حتى دخل في الصلاة ثم سقطت عنه الجبائر فانه يستقبل الصلاة بعد ما يعيد الجبائر ويمسح عليها وهذا على الرواية الظاهرة التى نقول انه لا يجزئه ترك المسح على الجبائر إذا كان يقدر عليها وقد بيناها في الصلاة. ولو توضأ بسؤر حمار وتيمم ثم أصاب ماء نظيفا فلم يتوضأ حتى ذهب الماء ومعه سؤر الحمار فعليه اعادة التيمم وليس عليه اعادة الوضوء بسؤر الحمار لان ذلك طهارة بالماء فلا تنتقض بوجود الماء لمعنى وهو ان سؤر الحمار ان كان طاهرا فقد توضأ به وان كان نجسا فليس عليه الوضوء به في المرة الاولى ولا في المرة الثانية فلهذا يكفيه اعادة التيمم. ومن صلى على بساط مبطن أو مصلى مبطن وفي البطانة قذر أكثر من قدر الدرهم وهو قائم على ذلك الموضع فانه يجزئه وهو قول أبى حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى. وروى الحسن بن أبى مالك
 
 
[ 138 ]
 
عن أبى يوسف رحمهما الله تعالى انه لا يجزئه قيل انما اختلف الجواب لاختلاف الموضوع فموضوع المسألة في الكتاب فيما إذا لم يكن مضربا ولا كانت الظهارة متصلة بالبطانة بالعرى أو غيرها فيكون هذا في حكم ثوبين يبسط أحدهما فوق الآخر والاسفل منهما نجس فرش وذلك لا يمنع جواز الصلاة وموضوع تلك الرواية فيما إذا كان مضربا أو متصلا بالعرى فحينئذ يكون في حكم ثوب واحد وفى الثوب الواحد إذا كانت النجاسة في الوجه الاسفل منه فوقف علي ذلك الموضع فانه لا تجزئه صلاته فهذا كذلك ومنهم من حقق الخلاف في المسألة وجه قول أبى يوسف رحمه الله تعالى ان هذا المصلى وان كان مبطنا فانه يعد في الناس ثوبا واحدا ويستعمل كذلك فيكون هو بالوقوف عليه واقفا على النجاسة وشرط جواز الصلاة طهارة مكان الصلاة وهذا بخلاف ما إذا كان فراشه نجسا وعليه مجلس طاهر فصلى عليه لان المجلس هناك منفصل عن الفراش وهما ثوبان مختلفان وقيامه يكون مضافا إلى الاعلى دون الاسفل. ووجه ظاهر الرواية ان المصلى المبطن في الحقيقة ثوبان وان خيط جوانبه لتيسر الاستعمال وانما يضاف قيامه وجلوسه في العادة إلى الاعلى دون الاسفل ألا ترى أن الاعلى إذا كان ديباجا يقال فلان جالس على الديباج فإذا كان الاعلى طاهرا قلنا تجوز صلاته كما في مسألة الفراش والمجلس ومن هذا وقع عند العوام نزع المكعب والقيام عليه في الصلاة على الجنازة وغيرها فان النجاسة انما تكون على الصرم لا على المكعب فلا يكون ذلك مانعا من جواز الصلاة على ظاهر الرواية وقد قال بعض مشايخنا ان ذلك يمنع لان الصرم متصل بالمكعب بعرى فيكون في حكم شئ واحد. ولو أن جبة مبطنة فيها دم قدر الدرهم وقد نفذ من أحد الجانبين إلى الجانب الآخر فصلى فيه لم تجز صلاته لان الظهارة مع البطانة ثوبان وفى كل واحد منهما نجاسة بقدر الدرهم فإذا جمعت بينهما كان أكثر من قدر الدرهم وهذا بخلاف الثوب الذى هو طاق واحد إذا أصابته نجاسة قدر الدرهم ونفذ من أحد الجانبين إلى الجانب الآخر فانه تجوز الصلاة فيه لان ذلك الثوب شئ واحد فباعتبار الوجهين لا تزداد النجاسة في ثوبه على قدر الدرهم وههنا الظهارة غير البطانة فهما ثوبان مختلفان. ولو أن رجلا به جرحان لا يرقآن فتوضأ وهما سائلان ثم رقأ أحدهما فله أن يصلى في الوقت لان عذره قائم ولو لم يكن السائل حين توضأ الا أحدهما كأن يتقدر وضوؤه بالوقت فكذلك إذا رقأ أحدهما وبقى الآخر سائلا
 
 
[ 139 ]
 
فان سكن هذا وانفجر الذى كان سكن وهو في خلال الصلاة فانه يمضى على صلاته قال لان هذا بمنزلة جرح واحد يعني في حكم الطهارة لان طهارته وقعت لهما جميعا ثم حقيقة المعنى فيه ان الذى انفجر كان ساكنا حين توضأ فيجعل بمنزلة مالو لم يسكن أصلا فتبقى طهارته ما بقى الوقت. ولو توضأ وصلى ثم رقأ بعد الفراغ من الصلاة لم تفسد صلاته لانه أتم الصلاة بطهارة ذوى الاعذار والعذر قائم فزوال العذر بعد الفراغ لا يفسد صلاته بخلاف ما إذا زال العذر في خلاف الصلاة وهو نظير المتيمم يجد الماء في خلال الصلاة أو بعد الفراغ منها وعلى هذا حكم المستحاضة والمبطون الذى لا ينقطع استطلاق بطنه ومن به سلس البول أو سقوط الدود أو انفلات الريح فان طهارة هؤلاء تتقدر بالوقت لاجل العذر فان كان مع المستحاضة ثوبان أحدهما طاهر والآخر غير طاهر فلها ان تصلى في أيهما شاءت إذا كان الطاهر يفسد إذا لبسته اما إذا صلت في الطاهر منهما فلا يشكل لان مالا يمكن الاحتراز عنه عفو واليه أشار رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله لفاطمة بنت قيس صلى وان قطر الدم على الحصير قطرا وكذلك ان صلت في الثوب الآخر لانه لا فائدة في لبس الطاهر منهما لانه يتنجس بما يصيبه من الدم وتجعل صلاتها في الثوب النجس جاثزة فالصلاة في الثوب النجس جائزة عند العجز عن ادائها في الثوب الطاهر ولا تجوز ان نلزمها بتنجيس الثوب الطاهر فلهذا جوزنا صلاتها في أي الثوبين لبسته والله أعلم بالصواب * (باب المستحاضة) * (قال) رضى الله عنه ولو ان امرأة كانت تحيض في غرة كل شهر خمسا فتقدم حيضها في شهر خمسة أيام ثم انقطع عنها الدم ولم تر في خمستها شيئا فهذا المتقدم لا يكون حيضا في قول أبى حنيفة رحمه الله تعالى نص عليه في هذا الموضع وفي كتاب الصلاة أطلق الجواب فقال المتقدم يكون حيضا وهو قول أبى يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى والمسألة في الحاصل على ثلاثة أوجه في وجه يكون المتقدم حيضا بالاتفاق وفي وجه آخر اختلفوا فيه وفي وجه اختلفت الروايات عن أبى حنيفة رحمه الله تعالى اما الوجه الاول وهو ما إذا رأت قبل ايامها مالا يكون حيضا بانفراده كيوم أو يومين ورأت في أيامها ما يكون حيضا بانفراده بان رأت خمستها أو ثلاثة في خمستها فالكل حيض لان المتقدم لا يستقل بنفسه فيجعل تبعا لايامها
 
 
[ 140 ]
 
فان إتباع مالا يستقل بنفسه لما يستقل بنفسه اصل والوجه الثاني الذى اختلفوا فيه ثلاثة فصول احدها ما إذا رأت خمسة قبل خمستها ولم تر في خمستها شيئا أو رأت في خمستها مع ذلك يوما أو يومين أو رأت قبل خمستها يوما أو يومين وفى خمستها يوما أو يومين فعلى قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى لا يكون شئ من ذلك حيضا وعندهما كل ذلك حيض. والوجه الثالث ما إذا رأت قبل خمستها ما يكون حيضا بانفراده ورأت في خمستها ما يكون حيضا بانفراده فعن أبى حنيفة رحمه الله تعالى فيه روايتان في رواية هذا الكتاب حيضها ما رأت في أيامها وهى مستحاضة فيما رأت قبل أيامها وفي الرواية الاخرى عنه الكل حيض وهو قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى الا أن على قول أبى يوسف رحمه الله تعالى تنتقل عادتها بهذه المرة لانه يرى انتقال العادة برؤية المخالف مرة وعلى قول محمد يكون حيضا ولكن يكون حكم انتقال العادة به يتوقف على ما تراه في الشهر الثاني فان رأت في أيام عادتها المعروفة فعادتها الاولى تكون باقية وان رأت كما رأت في هذه المرة فحينئذ تنتقل عادتها برؤية المخالف مرتين وهذا إذا لم يجاوز الكل عشرة فان جاوز فحينئذ يكون حيضها أيامها المعروفة بالاتفاق وهى مستحاضة فيما سوى ذلك وفى المتأخر اتفاق انه يكون حيضا تبعا لايامها إذا لم يجاوز العشرة فان جاوز فحيضها أيامها المعروفة وهى مستحاضة فيما زاد على ذلك فان لم تر في أيامها ورأت بعد أيامها فان ذلك لا يكون حيضا في قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى وفي قول محمد رحمه الله تعالى يكون حيضا بطريق الابدال ان أمكن ذلك والامكان بان يبقى بعد الابدال إلى موضع حيضها الثاني خمسة عشر يوما أو أكثر حتى قال لو رأت بعد أيامها بعشرة أيام فهي مستحاضة في القولين جميعا لانا لو أبدلنا لها خمسة من أول ما رأت لا يبقى إلى موضع حيضها الثاني الا عشرة أيام وذلك دون مدة الطهر وقد بينا وجوه هذه الفصول بمعانيها في كتاب الحيض. فان رأت الدم يوما من أيام أقرائها ثم انقطع ثم رأته يوم العاشر من أيام اقرائها فهذا حيض في قول أبى يوسف رحمه الله تعالى بناء على مذهبه ان الطهر المتخلل بين الدمين إذا كان أقل من خمسة عشر يوما يجعل كله كالدم المتوالى وان رأته في اليوم الحادى عشر فهى مستحاضة فيما تقدم من حيضها وما تأخر وهي حائض في أيام أقرائها في القولين جميعا لان الكل جاوز العشرة فلا يمكن ان يجعل جميع ذلك حيضا وانما يكون أيام أقرائها حيضا إذا رأت الدم فيها فاما ذا لم تر الا اليوم الاول من أيام أقرائها
 
 
[ 141 ]
 
فعلى قول محمد رحمه الله تعالى لا تكون أيام اقرأئها حيضا أيضا لانه لا يرى ختم الحيض بالطهر وقد بينا هذا في كتاب الحيض. والنفساء إذا ولدت فرأت الدم خمسة عشر يوما ثم انقطع خمسة عشرة يوما ثم رأته في تمام أربعين يوما فهذا كله نفاس عند أبى حنيفة رحمه الله تعالى لان الاربعين للنفاس بمنزلة العشرة للحيض فكما ان من أصله ان الطهر المتخلل بين الدمين في مدة العشرة لا يصير فاصلا فكذلك الطهر المتخلل بين الدمين في مدة الاربعين لا يكون فاصلا في النفاس وعندهما نفاسها خمسة عشر يوما لان الطهر خمسة عشر كما يصلح للفصل بين الحيضين يصلح للفصل بين الحيض والنفاس. وان رأت الدم أكثر من أربعين يوما فهى مستحاضة في الزيادة على الاربعين إذا كانت مبتدأة في النفاس وان كانت صاحبة عادة فهى مستحاضة في الزيادة على أيام عادتها المعروفة لان الاربعين أكثر مدة النفاس كما ان العشرة أكثر مدة الحيض وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم المستحاضة تدع الصلاة في أيام اقرائها. ولو أن امرأة ولدت في غرة شهر رمضان فصامت رمضان كله ثم جاءت بولد بعد رمضان بخمسة أشهر ونصف فانها تقضى صوم خمسة عشر يوما وصلاة خمسة عشر يوما إذا كانت اغتسلت في غرة شوال لان أدنى مدة الحمل ستة أشهر فقد تيقنا انها حبلت في النصف من رمضان والحامل كما لا تحيض لا تكون نفساء فان النفاس أخو الحيض فإذا تيقنا بخروجها من النفاس في النصف من شهر رمضان جاز صومها في النصف الآخر فعليها قضاء النصف الاول وهو خمسة عشر يوما وهي لم تصل في النصف الاخير من رمضان بعد ما حكمنا بطهرها فعليها قضاء خمسة عشر يوما فان كانت اغتسلت يوم الفطر وصامت شوال وصلت ثم جاءت بولد لخمسة أشهر ونصف بعد ذلك فانما تقضى يوما واحدا وهو يوم الفطر لانه لا يجوز صومها فيه من القضاء وعليها قضاء صلاة خمسة عشر يوما لانا حكمنا بطهرها حين حملت وقد أخرت الاغتسال بعد ذلك خمسة عشر يوما فعليها قضاء تلك الصلوات. والعجوز الكبيرة إذا رأت الدم كانت حائضا في ظاهر الرواية وكان محمد بن مقاتل رحمه الله تعالى يقول بعد ما حكم باياسها إذا رأت الدم لا يكون ذلك حيضا لان ذلك مستنكر مرئى في غير وقته فلا يكون حيضا بمنزلة ما تراه الصغيرة جدا وجه ظاهر الرواية أن مبنى الحيض على الامكان وفيما رأته العجوز امكان جعله حيضا ثابت بخلاف ما تراه الصغيرة جدا فانه ليس فيه امكان جعله حيضا لانه إذا جعل ذلك حيضا فلا بد من أن يحكم ببلوغها
 
 
[ 142 ]
 
والصغيرة جدا لا تكون أهلا لذلك وكان محمد بن ابراهيم الميداني رحمهما الله تعالى يقول ان رأت دما سائلا ثلاثة أيام أو أكثر فهو حيض وان رأت شيئا قليلا ليس بسائل وانما هو بلة تظهر على الكرسف لم يكن ذلك حيضا بل هو من نداوة الرحم فلا تجعل حائضا به. والمراهقة إذا رأت الدم يوما أو يومين والاكثر من اليوم الثالث فهي حائض يحكم ببلوغها به وهذا قول أبى يوسف رحمه الله تعالى فأما على قول أبى حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى فأقل الحيض ثلاثة أيام ولياليها فان كان ما رأت أقل من ذلك لم يكن حيضا وقد بينا هذا في كتاب الحيض. ولو أن امرأة رأت الدم أيام أقرائها عشرا ثم انقطع الدم عنها قبل طلوع الفجر في رمضان في وقت لا تقدر فيه على الغسل حتى يطلع الفجر فهذه تصلي وتصوم ولا تقضى صوم هذا اليوم وتصلى العشاء الاخيرة ولا يملك الزوج مراجعتها ان كان طلقها لانا تيقنا بخروجها من الحيض قبل طلوع الفجر فتلزمها صلاة العشاء لانها أدركت جزأ من الوقت ويجوز صومها لانها أهل لاداء الصوم من أول النهار وان كانت أيام اقرائها خمسا خمسا ثم انقطع الدم عنها قبل طلوع الفجر في وقت لا تقدر فيه على الغسل حتى طلع الفجر فهذه تصوم وتقضى ومعناه تمسك في هذا اليوم وعليها قضاء هذا اليوم لانه لا يحكم بخروجها عن الحيض ما لم تغتسل فهى لم تكن من أهل أداء الصوم عند طلوع الفجر فلا يجزئها صومها وزوجها يملك الرجعة حتى تطلع الشمس ووقع في بعض النسخ وتصلى العشاء وهذا غلط فانها لم تدرك من وقت العشاء مقدار ما يمكنها أن تغتسل فيه فلا يلزمها قضاء العشاء ولو لزمها ذلك لانقطعت الرجعة بطلوع الفجر وجاز صومها في هذا اليوم فان كان بقي إلى طلوع الفجر مقدار ما يمكنها أن تغتسل فيه فحينئذ يلزمها قضاء العشاء ويجوز صومها في هذا اليوم ولا يملك الزوج رجعتها بعد طلوع الفجر لانا تيقنا بطهارتها حين حكمنا بوجوب الصلاة دينا في ذمتها عند طلوع الفجر ولو انقطع عنها الدم حين زالت الشمس وأيامها دون العشرة فزوجها يملك الرجعة إلى دخول وقت العصر لان الحكم بطهارتها يكون ضمنا لوجوب الصلاة دينا في ذمتها وانما يكون ذلك بخروج الوقت لا بدخول الوقت فبعد زوال الشمس هي حائض بعد وانما يحكم بطهارتها حين يدخل وقت العصر لان صلاة الظهر تصير دينا في ذمتها. ولو أن نصرانية أيام اقرائها خمس خمس انقطع عنها الدم في مقدار لا تقدر فيه على الغسل حتى طلع الفجر
 
 
[ 143 ]
 
في شهر رمضان ثم أسلمت فانها تصوم ولا تقضى وتصلى العشاء ولا يملك الزوج رجعتها لان النصرانية غير مخاطبة بالاغتسال فبنفس انقطاع الدم يحكم بخروجها من الحيض لانه لا غسل عليها فهي نظير ما لو كانت أيامها عشرا ثم أسلمت قبل طلوع الفجر وهي طاهرة فتلزمها صلاة العشاء ويجزيها صومها من الغد ولا يملك الزوج رجعتها. ولو أسلمت ثم انقطع عنها الدم في مقدار لا تقدر فيه على الغسل حتى طلع الفجر فانها تصوم وتقضى وزوجها يملك الرجعة الا أن تطلع الشمس لانها لما انقطع الدم عنها بعدما أسلمت وأيامها دون العشرة فقد لزمها الاغتسال ولا يحكم بخروجها من الحيض ما لم تغتسل أو يمضى عليها وقت صلاة فلهذا لا يجزيها صومها من الغد ويكون للزوج حق المراجعة إلى طلوع الشمس (قال) وتصلى العشاء وهذا غلط كما بينا في الفصل الاول لانا لو ألزمناها قضاء العشاء لحكمنا بطهرها بطلوع الفجر فلا يملك الزوج رجعتها بعد ذلك. فان توضأت المستحاضة في وقت الظهر وصلت والدم سائل ثم انقطع دمها فصلاتها تامة لبقاء العذر إلى الفراغ من الصلاة وان كان الانقطاع قبل الشروع في الصلاة أو في خلال الصلاة فعليها اعادة الوضوء والصلاة لانها صلت بطهارة ذوى الاعذار بعد زوال العذر وهذا إذا تم الانقطاع وقت صلاة أو أكثر فان كان أقل من ذلك فصلاتها تامة لان القليل من الانقطاع غير معتبر فان صاحبة هذه البلوى لا تكاد ترى الدم على الولاء ولكنه يسيل تارة وينقطع اخرى لانها لو رأت الدم على الولاء أضناها ذلك وربما يكون سببا لهلاكها فجعلنا القليل من الانقطاع عفوا وجعلنا الفاصل بين القليل والكثير وقت صلاة كامل اعتبارا للانقطاع بالسيلان فان السيلان إذا كان دون وقت صلاة لا يثبت به حكم الاستحاضة وإذا كان وقت صلاة أو أكثر يثبت به حكم الاستحاضة وكذلك الانقطاع إذا كان دون وقت صلاة لا يكون برأ وان كان وقت صلاة أو أكثر كان برأ والله أعلم بالصواب * (كتاب التراويح) * (قال) رحمه الله تعالى يحتاج إلى معرفة أحكام التراويح والامة أجمعت على شرعيتها وجوازها ولم ينكرها أحد من أهل العلم الا الروافض لا بارك الله فيهم ولم يذكرها محمد رحمه الله تعالى وذكرها غيره ثم نقول الكلام في صلاة التراويح على اثنى عشر فصلا
 
 
[ 144 ]
 
* (الفصل الاول في عدد الركعات) * فانها عشرون ركعة سوى الوتر عندنا وقال مالك رحمه الله تعالى السنة فيها ستة وثلاثون قيل من أراد ان يعمل بقول مالك رحمه الله تعالى ويسلك مسلكه ينبغى ان يفعل كما قال أبو حنيفة رحمه الله تعالى يصلى عشرين ركعة كما هو السنة ويصلى الباقي فرادى كل تسليمتين أربع ركعات وهذا مذهبنا وقال الشافعي رحمه الله تعالى لا بأس بأداء الكل جماعة كما قال مالك رحمه الله تعالى بناء على أن النوافل بجماعة مستحب عنده وهو مكروه عندنا (قال) والشافعي رحمه الله تعالى قاس النفل بالفرض لانه تبع له فيجرى مجرى الفرض فيعطى حكمه ولنا ان الاصل في النوافل الاخفاء فيجب صيانتها عن الاشتهار ما أمكن وفيما قاله الخصم إشهار فلا يعمل به بخلاف الفرائض لان مبناها على الاعلان والاشهار وفى الجماعة اشهار فكان أحق. يوضح ما قلنا ان الجماعة لو كانت مستحبة في حق النوافل لفعله المجتهدون القائمون بالليل لان كل صلاة جوزت على وجه الانفراد وبالجماعة كانت الجماعة فيها أفضل ولم ينقل أداؤها بالجماعة في عصره صلى الله عليه وسلم ولا في زمن الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين ولا في زمن غيرهم من التابعين فالقول بها مخالف للامة اجمع وهذا باطل * (الفصل الثاني انها تؤدى بجماعة أم فرادى) * ذكر الطحاوي في اختلاف العلماء عن المعلى عن أبى يوسف رحمهما الله تعالى وذكر أيضا عن مالك رحمه الله تعالى انهما قالا ان أمكنه اداؤه في بيته صلى كما يصلى في المسجد من مراعاة سنة القراءة وأشباهه فيصلى في بيته وقال الشافعي رحمه الله تعالى في قوله القديم أداء التراويح على وجه الانفراد لما فيها من الاخفاء أفضل وقال عيسى بن أبان وبكار بن قتيبة والمزنى من أصحاب الشافعي وأحمد بن عمران رحمهم الله تعالى الجماعة أحب وأفضل وهو المشهور عن عامة العلماء رحمهم الله تعالى وهو الاصح والاوثق ويدل عليه ماروى في حديث أبي ذر رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج لما بقي سبع من شهر رمضان فصلى بهم حتي مضي ثلث الليل ولم يخرج في الليلة السادسة ثم خرج في الليلة الخامسة وصلى بنا حتى مضى شطر الليل فقلنا لو نفلتنا يارسول الله فقال عليه الصلاة والسلام من صلى مع الامام حتى ينصرف كتب الله له ثواب تلك الليلة ثم خرج من الليلة الرابعة
 
 
[ 145 ]
 
وصلى بنا حتى خشينا أن يفوتنا الفلاح يعنى السحر وذكر الطحاوي رحمه الله تعالى في اختلاف العلماء وقال لا ينبغي أن يختار الانفراد على وجه يقطع القيام في المسجد فالجماعة من سنن الصالحين والخلفاء الراشدين رضوان الله عليهم أجمعين حتى قالوا رضى الله تعالى عنهم نور الله قبر عمر رضى الله تعالى عنه كما نور مساجدنا والمبتدعة أنكروا أداءها بالجماعة في المسجد فأداؤها بالجماعة جعل شعار للسنة كاداء الفرائض بالجماعة شرع شعار الاسلام * (الفصل الثالث في بيان كونها سنة متوارثة أم تطوعا مطلقة مبتدأة) * أختلفوا فيها وينقطع الخلاف برواية الحسن عن أبى حنيفة رحمهما الله تعالى أن التراويح سنة لا يجوز تركها لان النبي صلى الله عليه وسلم أقامها ثم بين العذر في ترك المواظبة على أدائها بالجماعة في المسجد وهو خشية أن تكتب علينا ثم واظب عليها الخلفاء الراشدون رضى الله عنهم وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم عليكم بسنتى وسنة الخلفاء الراشدين من بعدى وأن عمر رضى الله عنه صلاها بالجماعة مع أجلاء الصحابة فرضى به علي رضى الله عنه حتى دعا له بالخير بعد موته كما ورد وأمر به في عهده (قال) ولو صلى انسان في بيته لا يأثم هكذا كان يفعله ابن عمر وابراهيم والقاسم وسالم الصواف رضي الله عنهم أجمعين بل الاولى أداؤها بالجماعة لما بينا * (الفصل الرابع في الانتظار بعد كل ترويحتين) * وهو مستحب هكذا روى عن أبى حنيفة رحمه الله تعالى لانها انما سميت بهذا الاسم لمعنى الاستراحة وأنها مأخوذة عن السلف وأهل الحرمين فان أهل مكة يطوفون سبعا بين كل ترويحتين كما حكينا عن مالك رحمه الله تعالى ولو استراح امام بعد خمس ترويحات قال بعض الناس لا بأس به وهذا ليس بشئ لما فيه من المخالفة لاهل الحرمين والصحيح هو الانتظار والاستراحة بين كل ترويحتين على ما حكينا * (الفصل الخامس في كيفية النية) * واختلفوا فيها والصحيح ان ينوى التراويح أو السنة أو قيام الليل ولو نوى مطلق الصلاة لا تجوز عن التراويح لانها سنة والسنة لا تتأدى بنية مطلقة أو بنية التطوع فانه روى الحسن عن أبي حنيفة رحمهما الله تعالى في ركعتي الفجر انها لا تجوز بمطلق النية ونية التطوع فلو كان
 
 
[ 146 ]
 
الامام يصلى التسليمة الثانية والمقتدى ينوى التسلمية الاولى أو الثانية اختلفوا فيه والاصح أنها تجوز عن التراويح والنية في مثلها لغو لان الصلاة هذه وان كثرت اعداد ركعاتها ولكنها من جنس واحد فلا تعتبر فيها النية من المقتدى كما لا تعتبر من الامام فانه لو نوى عند تسليم الاولى الثانية أو على القلب من هذا كان لغوا وجازت صلاته فكذلك في حق المقتدى يكون لغوا * (الفصل السادس في حق قدر القراءة) * واختلف فيه مشايخنا رحمهم الله تعالى قال بعضهم يقرأ مقدار ما يقرأ في المغرب تحقيقا لمعنى التخفيف لان النوافل يحسن ان تكون أخف من الفرائض وهذا شئ مستحسن لما فيه من درك الختم والختم سنة في التراويح وقال بعضهم في كل ركعة من عشرين آية إلى ثلاثين آية أصله ماروى عن عمر رضى الله عنه انه دعا ثلاثة من الائمة واستقرأهم فأمر أحدهم ان يقرأ في كل ركعة ثلاثين آية وأمر الآخر ان يقرأ في كل ركعة خمسة وعشرين آية وأمر الثالث ان يقرأ في كل ركعة عشرين آية وروى الحسن عن أبى حنيفة رحمهما الله تعالى ان الامام يقرأ في كل ركعة عشر آيات ونحوها وهو الاحسن لان السنة في التراويح الختم مرة وبما أشار إليه أبو حنيفة رحمه الله تعالى يختم القرآن مرة فيها لان عدد ركعات التراويح في جميع الشهر ستمائة وعدد آى القرآن ستة آلاف وشئ فإذا قرأ في كل ركعة عشر آيات يحصل الختم فيها ولو كان كما حكي عن عمر رضى الله عنه لوقع الختم مرتين أو ثلاثا قال القاضى الامام المحسن المروزى رحمه الله تعالى الافضل عندي ان يختم في كل عشر مرة وذلك ان يقرأ في كل ركعة ثلاثين آية أو نحوها كما أمر به عمر رضى الله عنه أحد الائمة الثلاثة ولان كل عشر مخصوص بفضيلة على حدة كما جاءت به السنة وبه نطق الحديث وهو شهر أوله رحمة ووسطه مغفرة وآخره عتق من النار فيحسن أن يختم في كل عشر ولان التثليث يستحب في كل شئ فكذا في الختم وحكى عن القاضى الامام عماد الدين رحمه الله تعالى ان مشايخ بخارى جعلوا القرآن خمسمائة وأربعين ركوعا وعلموا الختم بها ليقع الختم في الليلة السابعة والعشرين رجاء ان ينالوا فضيلة ليلة القدر إذ الاخبار قد كثرت بأنها ليلة السابع والعشرين من رمضان وفى غير هذه البلدة المصاحف معلمة بالآيات وانما سموه ركوعا على تقدير أنها تقرأ في كل ركعة
 
 
[ 147 ]
 
* (الفصل السابع في أدائها قاعدا من غير عذر) * اختلفوا فيه قال بعضهم لا ينوب عن التراويح على قياس ما روى الحسن عن أبى حنيفة رحمهما الله تعالى في ركعتي الفجر انه لو أداهما قاعدا من غير عذر لم يجزه عن السنة وعليه الاعتماد فكذا هذا لانها مثله والصحيح انها تجوز والفرق ظاهر فان ركعتي الفجر آكد واشهر وهذا الفرق يوافق رواية أبي سليمان عن أبي حنيفة وأبى يوسف ومحمد رحمهم الله تعالى ومع الفرق فانه لا يستحب لما فيه من مخالفة السنة والسلف * (الفصل الثامن في الزيادة على قدر المسنون وهو ركعتان بتسليمة واحدة) * فنقول لا يخلو إما أن يقعد على رأس الشفع الاول أولا يقعد فان قعد ففيه خلاف والاصح أنه يجوز عن التسليمتين لان كل شفع صلاة على حدة ولهذا لو فسد الشفع الثاني فسد هو لا غير ولانه لم يحل بينهما بالسلام الذى هو بمعنى الكلام فكان أحق بالجواز فان صلى ست ركعات أو ثمان ركعات وقعد على رأس كل شفع أختلف فيه المتقدمون والمتأخرون فالمتقدمون اختلفوا فيما بينهم قال بعضهم المسألة على الخلاف عند أبى يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى يقع عن العدد المستحب وهو أربع ركعات لان الزيادة على الاربع غير مستحب في التطوع وعلى قول أبى حنيفة رحمه الله تعالى يقع عن العدد الجائز وهو ست ركعات في رواية الجامع الصغير وفى رواية كتاب الصلاة ثمان ركعات ولو صلى عشر ركعات فهو عن التسليمات الخمس في رواية شاذة عن أبى حنيفة رحمه الله تعالى الا أنها مكروهة لانها خلاف الظاهر وفى رواية الجامع أربع ركعات بتسليمة واحدة ولو لم يقعد على رأس الشفع الاول القياس أنه لا يجوز وبه أخذ محمد وزفر رحمهما الله تعالى وهو احدى الروايتين عن أبى حنيفة رحمه الله تعالى وفي الاستحسان يجوز وهو قول أبى حنيفة وأبى يوسف رحمهما الله تعالى واختلفوا على قولهما أنه متى جاز تجوز عن تسلمية واحدة أم عن تسليمتين والاصح انه يجوز عن تسلمية واحدة ولو صلى ثلاث ركعات بقعدة واحدة لم يجز عند محمد وزفر رحمهما الله تعالى. واختلفوا في قول أبى حنيفة وأبى يوسف رحمهما الله تعالى قال بعضهم لا يجزئه لانه لا أصل لها في النوافل فانها غير مشروعة بثلاث ركعات وقال بعضهم يجزئه عن تسليمة واحدة اعتبارا بالمغرب ثم على قول من يقول لا يجزئه عن تسليمة واحدة لاشك
 
 
[ 148 ]
 
انه يلزمه قضاء الشفع الاول وهل يلزمه قضاء الشفع الثاني فعند أبى حنيفة رحمه الله تعالى لا يجب سواء شرع في الشفع الثاني عامدا أو ساهيا وعند أبى يوسف رحمه الله تعالى ينظر ان شرع عامدا يجب وان شرع ساهيا لا يجب وانما على القول الذى يجوزه عن تسليمة واحدة يجب عليه قضاء الشفع الثاني ان شرع فيه عامدا وان شرع ساهيا لا يجب باتفاق بين أبى حنيفة وأبى يوسف رحمهما الله تعالى لان الشفع الاول لما صح صح الشروع في الشفع الثاني فيجب عليه اكماله ان شرع فيه عن قصد حتى لو صلى الرجل التراويح بعشر تسليمات في كل تسلمية ثلاث ركعات بقعدة واحدة جاز ويسقط عنه التراويح وعند محمد وزفر رحمهما الله تعالى لا يسقط ولو صلى التراويح كلها بتسليمة واحدة وقعد في كل ركعتين الاصح أنه يجزئه عن الترويحات اجمع وهو أصح الروايتين وان لم يقعد اختلف فيه الاقاويل على قياس قول أبى حنيفة وأبى يوسف رحمهما الله تعالى والاصح أنه يجزئه عن تسليمة واحدة * (الفصل التاسع انه متى وقع الشك) * في أن الامام صلى عشر تسليمات فالصحيح من المذهب ان يصلوا ركعتين فرادى لتصير عشرا بيقين ولئلا يصير مؤديا للتطوع بجماعة إذ هي مكروهة على مابينا * (الفصل العاشر في تفضيل التسليمتين على البعض) * وهو جائز من غير كراهة والتسوية افضل واما تفضيل احدي الركعتين على الاخرى فان فضل الثانية على الاولى لا شك انه يكره الا بما لا يمكن الاحتراز عنه كآية أو آيتين وفى تفضيل الاولى على الثانية اختلفوا فيه قال أبو حنيفة وأبو يوسف رحمهما الله تعالى التعديل افضل وقال محمد رحمه الله تعالى الافضل تفضيل الاولى على الثانية كما في سائر الصلوات * (الفصل الحادى عشر في وقتها المستحب) * الافضل إلى ثلث الليل أو إلى النصف اعتبارا بالعشاء ولو أخرها إلى ما وراء النصف اختلف فيه قال بعضهم يكره استدلالا بالعشاء لانه تبع لها والصحيح انه لا يكره لانها صلاة الليل والافضل فيها آخر الليل فان فاتت عن وقتها هل تقضى قال بعضهم تقضى مادام الليل
 
 
[ 149 ]
 
باقيا وقال بعضهم تقضى ما لم يأت وقتها في الليلة المستقبلة وقال بعضهم تقضى مادام الشهر باقيا وقال آخرون لا تقضى أصلا كسنة المغرب وغيرها من السنن في غير وقتها الا سنة الفجر في قول محمد رحمه الله تعالى على ما عرف في الاصل وقالوا جميعا انها لا تقضى بجماعة ولو كانت مما تقضى لكانت تقضى على صفة الاداء * (الفصل الثاني عشر في امامة الصبى في التراويح) * جوزها مشايخ خراسان رحمهم الله تعالى ورضى عنهم ولم يجوزها مشايخ العراق رحمهم الله تعالى ورضى الله عنهم والله أعلم بالصواب واليه المرجع والمآب (بسم الله الرحمن الرحيم) * (كتاب الزكاة) * (قال) الشيخ الامام الاجل الزاهد شمس الائمة أبو بكر محمد بن أبى سهل السرخسى رحمه الله تعالى الزكاة في اللغة عبارة عن النماء والزيادة ومنه يقال زكا الزرع إذا نما فسميت الزكاة زكاة لانها سبب زيادة المال بالخلف في الدنيا والثواب في الآخرة قال الله تعالى وما أنفقتم من شئ فهو يخلفه وقيل أيضا انها عبارة عن الطهر قال الله تعالى قد أفلح من تزكى أي تطهر وانما سمى الواجب زكاة لانها تطهر صاحبها عن الآثام قال الله تعالى خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وهى فريضة مكتوبة وجبت بايجاب الله تعالى فانها في القرآن ثالثة الايمان قال الله تعالى فان تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وفي السنة هي من جملة أركان الدين الخمس قال صلى الله عليه وسلم بنى الاسلام على خمس شهادة أن لا اله الا الله واقام الصلاة وايتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت من استطاع إليه سبيلا * فاصل الوجوب ثابت بايجاب الله تعالى وسبب الوجوب ما جعله الشرع سببا وهو المال قال الله تعالى خذ من أموالهم صدقة ولهذا يضاف الواجب إليه فيقال زكاة المال والواجبات تضاف إلى أسبابها ولكن المال سبب باعتبار غنى المالك قال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ رضى الله عنه أعلمهم ان الله تعالى فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم وترد في فقرائهم والغنى لا يحصل الا بمال مقدر وذلك هو النصاب الثابت ببيان صاحب الشرع والنصاب انما يكون سببا باعتبار صفة النماء فان
 
 
[ 150 ]
 
الواجب جزء من فضل المال قال الله تعالى ويسئلونك ماذا ينفقون قل العفو أي الفضل فصار السبب النصاب التامي ولهذا يضاف إلى النصاب والى السائمة يقال زكاة السائمة وزكاة التجارة والدليل عليه أن الواجب يتضاعف بتضاعف النصاب * فان قيل الزكاة تتكرر في النصاب الواحد بتكرر الحول ثم الحول شرط وليس بسبب * قلنا التكرر باعتبار تجدد النمو فان النماء لا يحصل الا بالمدة فقدر ذلك الشرع بالحول تيسيرا على الناس فيتكرر الحول بتجدد معنى النمو ويتجدد وجوب الزكاة باعتبار تجدد السبب إذا عرفنا هذا فنقول بدأ محمد رحمه الله تعالى الكتاب بزكاة المواشى وانما فعل ذلك اقتداء بكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم فانها كانت مبتدأة كلها بزكاة المواشى وقيل لان قاعدة هذا الامر كان في حق العرب وهم كانوا أرباب المواشى وكانوا يعدونها من أنفس الاموال وقيل لان زكاة السائمة مجمع عليها فبدأ بما هو المجمع عليه ليرتب عليه المختلف فيه (قال) وليس في أربع من الابل السائمة صدقة لحديث علي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من لم يكن عنده الا أربع من الابل فلا زكاة عليه وإذا كانت خمسا ففيها شاة على هذا اتفقت الآثار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأجمعت الامة وقيل المعنى فيه أنه العبرة للقيمة في المقادير فان الشاة تقوم بخمسة دراهم في ذلك الوقت وبنت المخاض بأربعين درهما فايجاب الزكاة في خمس من الابل كايجاب الزكاة في مائتي درهم وان أدنى الاسباب التى تجب فيها الزكاة من الابل بنت مخاض وفى العشر شاتان وفى خمسة عشر ثلاث شياه وفى عشرين أربع شياه وفى خمس وعشرين بنت مخاض وعلى هذا اتفقت الآثار وأجمع العلماء رحمهم الله تعالى الا ما روى شاذا عن علي رضى الله عنه انه قال في خمس وعشرين خمس شياه وفى ست وعشرين بنت مخاض قال سفيان الثوري رحمه الله تعالى وهذا غلط وقع من رجال علي رضى الله عنه أما علي رضى الله عنه فانه كان أفقه من أن يقول هكذا لان في هذا موالاة بين الواجبين بلا وقص بينهما وهو خلاف أصول الزكاة فان مبنى الزكاة على أن الوقص يتلو الواجب وعلى أن الواجب يتلو الوقص وفى ست وثلاثين بنت لبون وفى ست وأربعين حقة وفى احدى وستين جذعة وهي أعلى الاسنان التى تؤخذ في زكاة الابل لان ما بعدها ثنى وسديس وبازل وبازل عام وبازل عامين ولا يجب شئ من ذلك في الزكاة لنهى النبي صلى الله عليه وسلم السعاة عن أخذ كرائم أموال الناس وبنت المخاض التى تم لها سنة وطعنت في الثانية سميت به لمعنى في أمها فانها صارت مخاضا
 
 
[ 151 ]
 
أي حاملا قال الله تعالى فأجاءها المخاض إلى جذع النخلة وبنت اللبون التى تم لها سنتان وطعنت في الثالثة سميت به لمعنى بها في أمها فانها لبون بولادة أخرى والحقة التى لها ثلاث سنين وطعنت في الرابعة سميت به لمعني فيها وهو أنه حق لها أن تركب ويحمل عليها والجذعة التى تم لها أربع سنين وطعنت في الخامسة سميت به لمعنى في أسنانها معروف عند أرباب الابل ثم بعد ذلك يزاد القدر بزيادة الابل فيجب في ست وسبعين بنتا لبون وفى احدى وتسعين حقتان إلى عشرين ومائة وعلى هذا اتفقت الآثار وأجمع العلماء رحمهم الله تعالى ثم الاختلاف بينهم بعد ذلك فالمذهب عندنا استئناف الفريضة بعد مائة وعشرين فإذا بلغت الزيادة خمسا ففيها حقتان وشاة إلى مائة وثلاثين ففيها حقتان وشاتان وفي مائة وخمس وثلاثين حقتان وثلاث شياه وفى مائة وأربعين حقتان وأربع شياه وفى مائة وخمس وأربعين حقتان وبنت مخاض إلى مائة وخمسين ففيها ثلاث حقاق ثم تستأنف الفريضة فيجب في مائة وخمس وخمسين ثلاث حقاق وشاة وفى مائة وستين ثلاث حقاق وشاتان وفى مائة وخمس وستين ثلاث حقاق وثلاث شياه وفى مائة وسبعين ثلاث حقاق وأربع شياه وفى مائة وخمس وسبعين ثلاث حقاق وبنت مخاض وفى مائة وست وثمانين ثلاث حقاق وبنت لبون وفي مائة وست وتسعين اربع حقاق إلى مائتين فان شاء أدى عنها أربع حقاق عن كل خمسين حقة وان شاء خمس بنات لبون عن كل أربعين بنت لبون ثم تستأنف كما بينا وقال مالك رحمه الله بعد مائة وعشرين يجب في كل أربعين بنت لبون وفي كل خمسين حقة والاوقاص تسع تسع فلا يجب في الزيادة شئ حتى تكون مائة وثلاثين ففيها حقة وبنت لبون لانها مرة خمسون ومرتين أربعون وفى مائة وأربعين حقتان وبنت لبون وفى مائة وخمسين ثلاث حقاق وفى مائة وستين أربع بنات لبون وفى مائة وسبعين حقة وثلاث بنات لبون وفى مائة وثمانين حقتان وبنتا لبون وفى مائة وتسعين ثلاث حقاق وبنت لبون إلى مائتين فان شاء أدى أربع حقاق وان شاء خمس بنات لبون وقال الشافعي رضى الله عنه مثل قول مالك رضى الله عنه الا في حرف واحد وهو ان عند الشافعي رحمه الله تعالى إذا زادت الابل على مائة وعشرين واحدة ففيها ثلاث بنات لبون إلى مائة وثلاثين ثم مذهبه كمذهب مالك رحمه الله تعالى وعند مالك لا يجب شئ حتى تكون الابل مائة وثلاثين وحجتهما في ذلك ما روى عن عبد الله بن عمر وأنس ابن مالك رضي الله عنهما ان رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب كتاب الصدقة وقربه
 
 
[ 152 ]
 
بقراب سيفه ولم يخرجه إلى عماله حتى قبض فعمل به أبو بكر وعمر رضى الله عنهما حتى قبضا وكان فيه إذا زادت الابل على مائة وعشرين ففي كل أربعين بنت لبون وفى كل خمسين حقة الا أن مالكا رحمه الله حمله على الزيادة التى يمكن اعتبار المنصوص عليه فيها وذلك لا يكون فيما دون العشرة والشافعي رحمه الله تعالى يقول ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد علق هذا الحكم بنفس الزيادة وذلك بزيادة الواحدة فعندها يوجب في كل أربعين بنت لبون وهذه الواحدة لتعيين الواجب بها فلا يكون لها حظ من الواجب واستدل عليه بالحديث الذى ذكره أبو داود وابن المبارك رحمهما الله تعالى بالاسناد ان النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا زادت الابل على مائة وعشرين واحدة ففيها ثلاث بنات لبون وهذا نص في الباب والمعنى فيه ان الواجب في كل مال من جنسه فان الواجب جزء من المال الا ان الشرع عند قلة الابل أوجب من خلاف الجنس نظرا للجانبين فان خمسا من الابل مال عظيم ففي اخلائه عن الواجب اضرار بالفقراء وفي ايجاب الواحدة اجحاف بارباب الاموال وكذلك في ايجاب الشقص فان الشركة عيب فأوحب من خلاف الجنس دفعا للضرر وقد ارتفعت هذه الضرورة عند كثرة الابل فلا معنى لايجاب خلاف الجنس ومبنى الزكاة على ان عند كثرة العدد وكثرة المال يستقر النصاب والوقص والواجب على شى معلوم كما في زكاة الغنم عند كثرة العدد يجب في كل مائة شاة ثم أعدل الاسنان بنت اللبون والحقاق فان أدناها بنت المخاض وأعلاها الجذعة والاعدل هو الاوسط وكذلك أعدل الاوقاص هو العشر فان الاوقاص في الابتداء خمس وفى الانتهاء خمسة عشر فالمتوسط هو العشر وهو الاعدل فلهذا أوجبنا في كل أربعين بنت لبون وفى كل خمسين حقة (ولنا) حديث قيس بن سعد رحمهما الله تعالى قال قلت لابي بكر محمد بن عمر وبن حزم رضى الله تعالى عنهم أخرج لى كتاب الصدقات الذى كتبه رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمرو بن حزم فأخرج كتابا في ورقة وفيه إذا زادت الابل على مائة وعشرين استؤنفت الفريضة فما كان أقل من خمس وعشرين ففيها الغنم في كل خمس ذود شاة وروي بطريق شاذ إذا زادت الابل على مائة وعشرين فليس في الزيادة شئ حتى تكون خمسا فإذا كانت مائة وخمسا وعشرين ففيها حقتان وشاة وهذا نص ولكنه شاذ والقول باستقبال الفريضة بعد مائة وعشرين مشهور عن علي وابن مسعود رضى الله عنهما ثم نقول وجوب الحقتين في مائة وعشرين ثابت باتفاق الآثار واجماع الامة فلا يجوز
 
 
[ 153 ]
 
اسقاطه الا بمثله وبعد مائة وعشرين اختلفت الآثار فلا يجوز اسقاط ذلك الواجب عند اختلاف الآثار بل يؤخذ بحديث عمرو بن حزم رضي الله عنه ويحمل حديث ابن عمر رضى الله عنهما على الزيادة الكبيرة حتى يبلغ مائتين وبه نقول ان في كل أربعين بنت لبون وفى كل خمسين حقة وحديث ابن المبارك رحمه الله تعالى محمول على ما إذا كانت مائة وعشرين من الابل بين ثلاثة نفر لاحدهم خمس وثلاثون وللآخر أربعون وللآخر خمس وأربعون فإذا زادت لصحاب الخمس وثلاثين واحدة ففيها ثلاث بنات لبون وهذا التأويل وان كان فيه بعض بعد فالقول به أولى مما ذهب إليه الشافعي رحمه الله تعالى فانه أوجب ثلاث بنات لبون وهو مخالف للآثار المشهورة وان كان لم يجعل لهذه الواحدة حظا من الواجب كما هو مذهبه فهو مخالف لاصول الزكوات فان ما لا حظ له من الواجب لا يتغير به الواجب كما في الحمولة والعلوفة وحقيقة الكلام في المسألة وهو أن بالاجماع يدار الحكم على الخمسينات والاربعينات ولكن اختلفنا في أن أي الادارتين أولى ففي حديث عمرو بن حزم رضى الله عنهما أدار على الخمسينات وفيها الحقة ولكن بشرط عود ما دونها وفى حديث ابن عمر رضى الله عنهما على الاربعينات والخمسينات فنقول الاخذ بما كان في حديث عمرو بن حزم رضى الله عنهما أولى فان مبنى أصول الزكاة على أن عند كثرة المال يستقر النصاب على شئ واحد معلوم كما في نصاب البقر فانه يستقر على شئ واحد وهو المسنة في الاربعين ولكن بشرط عود ما دونها وهو التبيع فكذلك زكاة الابل ولهذا لم تعد الجذعة لان الادارة على الخمسينات ولا يوجد فيها نصاب الجذعة فأما ما دون الجذعة فيوجد نصابها في الخمسينات فتعود لهذا ولسنا نسلم احتمال الزيادة الواجب من الجنس فان حكم الزيادة كالمقطوع عن مائة وعشرين لايفاء الحقتين فيها كما ثبت باتفاق الآثار فلم يكن محتملا للايجاب من جنسه فلهذا صرنا إلى ايجاب الغنم فيها كما في الابتداء حتى انه لما أمكن البناء مع ابقاء الحقتين بعد مائة وخمس وأربعين بنينا فنقلنا من بنت المخاض إلى الحقة إذا بلغت مائة وخمسين فانها ثلاث مرات خمسون فيؤخذ من كل خمسين حقة وان كان السائمة بين رجلين لم يجب على كل واحد منهما في نصيبه من الزكاة الا مثل ما يجب عليه في حال انفراده حتى ان النصاب الواحد وهو خمس من الابل إذا كان مشتركا بين اثنين لا تجب فيها الزكاة عندنا. وقال الشافعي رحمه الله تعالى إذا كان كل واحد
 
 
[ 154 ]
 
منهما من أهل وجوب الزكاة عليه تجب الزكاة إذا استجمعت شرائط الخلطة وذلك باتحاد البئر والدلو والراعي والمرعى والكلب وحجته الحديث المشهور أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قل لا يجمع بين منفرق ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة وما كان بين الخليطين فانهما يتراجعان بينهما بالسوية قال يحيى بن سعيد القطان والخليطان ما اجتمعا في الدلو والحوض والراعي وقد نهى صلى الله عليه وسلم عن التفريق بين المجتمع وهذا النصاب مجتمع فلا يفرق واعتبر الخلطة في اثبات التراجع والتراجع انما يكون بعد وجوب الزكاة فدل أن للخلطة تأثيرا في وجوب الزكاة والمعنى أن هذا نصاب تام مملوك لمن هو أهل لوجوب الزكاة عليه فتجب فيه الزكاة كما ادا كان لواحد بخلاف ما إذا كان أحد الشريكين ذميا أو مكاتبا لانه ليس من أهل وجوب الزكاة عليه وهذا لان بسبب الخلطة تخف المؤنة على كل واحد منهما ولخفة المؤنة تأثير في وجوب الزكاة ولهذا وجبت في السائمة دون العلوفة وأوجب صاحب الشرع فيما سقت السماء العشر وفيما يسقى بالغرب والدالية نصف العشر (ولنا) قوله صلى الله عليه وسلم وسائمة المرء إذا كانت أقل من أربعين من الغنم فليس فيها الزكاة وهنا سائمة كل واحد منهما أقل من أربعين والمعنى فيه أن غنى المالك بملك النصاب معتبر لايجاب الزكاة قال صلى الله عليه وسلم لا صدقة الا عن ظهر غنى وكل واحد منهما ليس بغنى بما يملك بدليل حل أخذ الصدقة له فلا يجب عليه الزكاة ولانه من نصيب شريكه أبعد من المكاتب من كسبه فللمكاتب حق ملك في كسبه وليس للشريك في نصيب شريكه حق الملك فإذا لم تجب الزكاة على المكاتب باعتبار كسبه فلان لا تجب على كل واحد من الشريكين باعتبار ملك صاحبه كان أولى (وأما الحديث) فدليلنا لان المراد به الجمع والتفريق في الملك لا في المكان لا جماعنا على أنه إذا كان في ملك رجل واحد نصاب كامل في أمكنة متفرقة يجمع فدل أن المتفرق في الملك لا يجمع في حكم الصدقة ونحن نقول بالتراجع بين الخليطين فان مائة وعشرين من الغنم إذا كانت لرجلين لاحدهما أربعون للآخر ثمانون فحال الحول فجاء المصدق وأخذ من عرضها شاتين يرجع صاحب الكثير على صاحب القليل بثلث شاة ثم في الحول الثاني انما يجب شاة في نصيب صاحب الكثير خاصة دون صاحب القليل لان نصابه قد نقص عن الاربعين فإذا أخذ المصدق شاة رجع صاحب القليل على صاحب الكثير بثلث شاة فهذا هو معنى التراجع
 
 
[ 155 ]
 
واعتبار النصاب دون غنى المالك في حكم الزكاة لا يجوز كما إذا كان أحد الشريكين ذميا أو مكاتبا وبه يبطل اعتبارهم خفة المؤنة (قال) وإذا كان عشر من الابل بين رجل وبين عشرة نفر كل بعير بينه وبين أحدهم فعلى قول أبى يوسف رحمه الله تعالى يجب عليه شاة وعلى قول زفر رحمه الله تعالى لا يجب شئ. زفر يقول كل بعير غير محتمل للقسمة فلم يجتمع في ملكه نصاب تام وأبو يوسف رحمه الله تعالى يقول لو كان شريكه فيها رجلا واحدا تجب عليه الزكاة فتعدد الشركاء لا ينقص ملكه ولا يعدم صفة الغنى في حقه بل هو غنى بملك خمس من الابل فتلزمه الزكاة (قال) وإذا وجبت الفريضة في الابل ولم يوجد ذلك السن ووجد أفضل من ذلك أو دونه أخذ المصدق قيمة الواجب ان شاء وان شاء أخذ ما وجد ورد فضل القيمة ان كان أفضل فان كان دونه أخذ فضل القيمة دراهم والكلام في هذه المسألة يشتمل على فصول أحدها ان جبران ما بين السنين غير مقدر عندنا ولكنه بحسب الغلاء والرخص وعند الشافعي رحمه الله تعالى يتقدر بشاتين أو بعشرين درهما واستدل بالحديث المعروف أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من وجب في أبله بنت لبون فلم يجد المصدق فيها الا حقة أخذها ورد شاتين أو عشرين درهما مما استيسر عليه وان لم يجد الا بنت مخاض أخذها وأخذ شاتين أو عشرين درهما مما استيسر عليه ولكنا نقول انما قال النبي صلى الله عليه وسلم ذلك لان تفاوت ما بين السنين في زمانه كان ذلك القدر لا أنه تقدير شرعى بدليل ما روى عن على بن أبى طالب رضى الله عنه انه قدر جبران ما بين السنين بشاة أو عشرة دراهم وهو كان مصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم فما كان يخفى عليه هذا النص ولا يظن به مخالفة رسول الله صلى الله عليه وسلم وانما يحمل على ان تفاوت ما بين السنين في زمانه كان ذلك القدر ولانا لو قدرنا تفاوت ما بين السنين بشئ أدى إلى الاضرار بالفقراء أو الاجحاف بأرباب الاموال فانه إذا أخذ الحقة ورد شاتين فربما تكون قيمتهما قيمة الحقة فيصير تاركا للزكاة عليه معنى وإذا أخذ بنت مخاض وأخذ الشاتين فقد تكون قيمتهما مثل قيمة بنت اللبون فيكون آخذا للزكاة باخذهما وبنت المخاض تكون زيادة وفيه اجحاف بأرباب الاموال (الفصل الثاني) إذا وجب عليه في ابله بنت مخاض فلم توجد ووجد ابن اللبون فعندنا لا يتعين أخذ ابن اللبون وعند الشافعي رحمه الله تعالى يتعين وهو رواية عن أبى يوسف
 
 
[ 156 ]
 
رحمه الله تعالى في الامالى واستدلا في ذلك بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في خمس وعشرين من الابل بنت مخاض فان لم تكن فابن لبون ذكر عين رسول الله صلى الله عليه وسلم ابن اللبون عند عدم ابنة مخاض ولكنا نقول انما اعتبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذا المعادلة في المالية معنى فان الاناث من الابل أفضل قيمة من الذكور والمسنة أفضل قيمة من غير المسنة فاقام رسول الله صلى الله عليه وسلم زيادة السن في المنقول إليه مقام زيادة الانوثة في المنقول عنه ونقصان الذكورة في المنقول إليه مقام نقصان السن في المنقول عنه ولكن هذا يختلف باختلاف الاوقات والامكنة فلو عينا أخذ ابن اللبون من غير اعتبار القيمة أدى إلى الاضرار بالفقراء أو الاجحاف بارباب الاموال (الفصل الثالث) ان أداء القيمة مكان المنصوص عليه في الزكاة والصدقات والعشور والكفارات جائز عندنا خلافا للشافعي رحمه الله تعالى فظن بعض أصحابنا أن القيمة بدل عن الواجب حتى لقبوا هذه المسألة بالابدال وليس كذلك فان المصير إلى البدل لا يجوز الا عند عدم الاصل وأداء القيمة مع قيام عين المنصوص عليه في ملكه جائز عندنا (حجته) في ذلك قوله صلى الله عليه وسلم في أربعين شاة شاة وهذا بيان لما هو مجمل في كتاب الله تعالى لان الايتاء منصوص عليه والمؤتي غير مذكور فالتحق بيانه بمجمل الكتاب فصار كأن الله تعالى قال وآتوا الزكاة من كل أربعين شاة شاة فتكون الشاة حقا للفقير بهذا النص فلا يجوز الاشتغال بالتعليل لابطال حقه من العين والمعنى فيه ان هذا حق مالى مقدر باسنان معلومة شرعا فلا يتأدى بالقيمة كالهدايا والضحايا أو يقال قربة تعلقت بمحل عين فلا يتأدى بغيره كالسجود لما تعلق بالجبهة والانف لم يتأد بالخد والذقن وجواز أداء البعير عن خمس من الابل عندي باعتبار النص لا باعتبار القيمة فان النبي صلى الله عليه وسلم قال خذ من الابل الابل الا أنه عند قلة الابل أوجب من خلاف الجنس للتيسير على أرباب الاموال فإذا سمحت نفسه بأداء البعير فقد ترك هذا التيسير فجاز باعتبار النص لا باعتبار القيمة (ولنا) قوله تعالى خذ من أموالهم صدقة فهو تنصيص على ان المأخوذ مال وبيان رسول الله صلى الله عليه وسلم لما ذكر للتيسير على أرباب المواشى لا لتقييد الواجب به فان أرباب المواشى تعز فيهم النقود والاداء مما عندهم أيسر عليهم ألا ترى أنه قال في خمس من الابل شاة وكلمة في حقيقة للظرف وعين الشاة لا توجد في الابل فعرفنا أن المراد قدرها
 
 
[ 157 ]
 
من المال ورأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في ابل الصدقة ناقة كوماء فغضب على المصدق وقال ألم انهكم عن أخذ كرائم أموال الناس فقال الساعي أخذتها ببعيرين من ابل الصدقة وفي رواية قال ارتجعتها ببعيرين فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخذ البعير ببعيرين انما يكون باعتبار القيمة وقال معاذ رضى الله عنه في خطبته باليمن أئتونى بخميس آخذ منكم مكان الصدقة أو قال مكان الذرة والشعير وذلك لا يكون الا باعتبار القيمة والمعنى فيه أنه ملك الفقير مالا متقوما بنية الزكاة فيجوز كما لو أدى بعيرا عن خمس من الابل وهذا لان المقصود اغناء الفقير كما قال النبي صلى الله عليه وسلم اغنوهم عن المسألة في مثل هذا اليوم والاغناء يحصل باداء القيمة كما يحصل بأداء الشاة وربما يكون سد الخلة بأداء القيمة أظهر ولا نقول بان الواجب حق الفقير ولكن الواجب حق الله تعالى خالصا ولكنه مصروف إلى الفقير ليكون كفاية له من الله تعالى عما وعدله من الرزق فكان المعتبر في حق الفقير أنه محل صالح لكفايته له فكان هذا نظير الجزية فانها وجبت لكفاية المقاتلة فكان المعتبر في حقهم أنه محل صالح لكفايتهم حتى تتأدى بالقيمة بخلاف الهدايا والضحايا فان المستحق فيها اراقة الدم حتى لو هلك بعد الذبح قبل التصدق به لم يلزمه شئ واراقة الدم ليس بمتقوم ولا معقول المعنى والسجود على الخد والذقن ليس بقربة أصلا حتى لا يتنفل به ولا يصار إليه عند العجز وما ليس بقربة لايقام مقام القربة فاما التصدق بالقيمة فقربة وفيه سد خلة الفقير فيحصل به ما هو المقصود * (الفصل الرابع) ان ظاهر ما ذكر في الكتاب يدل على ان الخيار في هذه الاشياء إلى المصدق يعين أيها شاء وليس كذلك بل الخيار إلى صاحب المال ان شاء أدى القيمة وان شاء أدى سنا دون الواجب وفضل القيمة وان شاء أدى سنا فوق الواجب واسترد فضل القيمة حتى إذا عين شيئا فليس للساعي أن يأبى ذلك لان صاحب الشرع اعتبر التيسير على أرباب الاموال وانما يتحقق ذلك إذا كان الخيار لصاحب المال (قال) وليس في الحملان والفصلان والعجاجيل زكاة في قول أبى حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى وقال أبو يوسف رحمه الله تعالى يجب فيها واحدة منها وهو قول الشافعي رحمه الله تعالى وقال زفر رحمه الله تعالى يجب فيها ما يجب في المسان وهو قول مالك رحمه الله تعالى وذكر الطحاوي في اختلاف العلماء عن أبى يوسف رحمه الله تعالى قال دخلت على أبى حنيفة رحمه الله تعالى فقلت ما تقول فيمن ملك أربعين حملا فقال فيها شاة مسنة فقلت ربما تأتى قيمة الشاة على أكثرها أو
 
 
[ 158 ]
 
على جميعها فتأمل ساعة ثم قال لا ولكن تؤخذ واحدة منها فقلت أو يؤخذ الحمل في الزكاة فتأمل ساعة ثم قال إذا لا يجب فيها شئ فأخذ بقوله الاول زفر رحمه الله تعالى وبقوله الثاني أبو يوسف وبقوله الثالث محمد رحمه الله تعالى وعد هذا من مناقبه حيث تكلم في مسألة في مجلس بثلاثة أقوال فلم يضع شئ منها فاما زفر رحمه الله تعالى فاستدل بقوله صلى الله عليه وسلم في خمس من الابل السائمة شاة وهذا اسم جنس يتناول الصغار والكبار كاسم الآدمي ولان بالاجماع لو كانت واحدة منها بنت مخاض تجب شاة فيها ولا تجب الشاة في تلك الواحدة بل في الكل فإذا جاز ايجاب أربعة أخماس شاة باعتبار أربعة من الفصلان جاز ايجاب الشاة باعتبار خمس من الفصلان وهذا لان زيادة السن عفو لارباب الاموال لا يزداد بها الواجب فكذلك نقصان السن عفو في حق الفقراء لا ينتقص به الواجب (وحجتنا) قوله صلى الله عليه وسلم إياكم وكرائم أموال الناس وقال لا تأخذوا من حزرات (1) أموال الناس شيئا وايجاب المسنة في الصغار يؤدي إلى هذا ثم ربما تكون قيمة المسنة آتية على أكثر النصاب والواجب قليل من الكثير فأخذ المسنة من الصغار فيه اجحاف بأرباب الاموال بخلاف ما إذا كانت الواحدة مسنة فانه هو الاصل والصغار تبع له وقد ثبت الحكم في المحل تبعا وان كان لا يجوز أثباته مقصودا كالشرب والطريق في البيع وأبو يوسف رحمه الله تعالى استدل بحديث أبى بكر رضى الله تعالى عنه قال لو منعوني عناقا مما كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم عليه فدل أن للعناق مدخلا في الزكاة ولا يكون ذلك الا من الصغار ثم اعتبر نقصان العين بنقصان الوصف فان كل واحد منهما ينقص المالية ولا يعدمها ونقصان الوصف لا يسقط الزكاة أصلا حتى ان في العجاف والمهازيل تجب الزكاة من جنسها فكذلك نقصان السن * ولنا حديث سويد بن غفلة قال أتانا مصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم فتبعته فسمعته يقول في عهدي أن لا آخذ من راضع اللبن شيئا وقال عمر رضي الله تعالى عنه للساعي عد عليهم السخلة ولو جاء بها الراعى يحملها على كتفه ولا تأخذها منهم فقد نهى عن أخذ الصغار عند الاختلاط والمعنى فيه أن هذا حق الله تعالى تعلق بأسنان معلومة فلا مدخل للصغار فيها مقصودا كالهدايا والضحايا وهذا لان الاسنان التى اعتبرها صاحب الشرع لا تؤخذ في
 
 
(1) هو بفتحات جمع حزرة بالحاء المهملة وتقديم الزاى المنقوطة على الراء في اللغة المشهورة ذكره ابن الاثير في النهاية وحرزة المال حياره وفي ديوان الادب وهو في الاصل كانه الشئ المحبوب للنفس اه‍ مصححه
 
 
[ 159 ]
 
الصغاروبه فارق العجاف فان تلك الاسنان تؤخذ فيها مع العجف وصاحب الشرع اعتبر السن في المأخوذ وحديث أبى بكر رضى الله تعالى عنه محمول على أنه قال ذلك على سبيل المبالغة والتمسك ألا ترى أنه قال في بعض الروايات والله لو منعوني عقالا كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم عليه وهذا لا يدل على ان للعقال مدخلا في الزكاة ثم اختلفت الروايات عن أبى يوسف في الفصلان فروى محمد عن أبى يوسف رحمهما الله تعالى أنه لا يجب فيها الزكاة حتى تبلغ عددا لو كانت كبارا تجب فيها الواحدة وذلك بان تبلغ خمسا وعشرين ثم ليس في الزيادة شئ حتى تبلغ ستا وسبعين فحينئذ يجب ثنتان منها إلى مائة وخمس وأربعين فحينئذ يجب ثلاث منها قال محمد رحمه الله تعالى وهذا غير صحيح فان رسول الله صلى الله عليه وسلم أوجب في خمس وعشرين واحدة من مال اعتبر قبله أربعة نصب وأوجب في ست وسبعين ثنتين في موضع اعتبر ثلاثة نصب بينها وبين خمس وعشرين ففى المال الذي لا يمكن اعتبار هذه النصب ولو أوجبنا كان بالرأى لا بالنص وجه قول أبى يوسف رحمه الله تعالى ان تعيين الواجب بالنص كان باعتبار العدد والسن وقد تعذر اعتبار احدهما وهو السن في الفصلان فبقى الآخر وهو العدد معتبرا وروى الحسن بن أبى مالك عن أبى يوسف رحمهما الله تعالى قال يجب في خمس فصلان الاقل من واحد منها ومن شاة وفى العشر الاقل من واحد منها ومن شاتين وفى الخمسة عشر الاقل من واحد منها ومن ثلاث شياه وفى العشرين الاقل من واحد منها ومن أربع شياه وفى خمس وعشرين واحدة ووجهه ان في الكبار الواجب في الخمس شاة للتيسير حتى لو أدى واحدة منها جاز وكذلك ما بعدها إلى خمس وعشرين فكذلك في الصغار يؤخذ على ذلك القياس وروى ابن سماعة عن أبى يوسف في الخمس خمس فصيل وفي العشر خمسا فصيل وهكذا إلى خمس وعشرين فكأنه اعتبر البعض بالجملة في هذه الرواية وكثير من أصحابنا رحمهم الله تعالى خرجوا قول أبى يوسف رحمه الله تعالى في هذه المسألة على قياس ما ذكر محمد رحمه الله تعالى في الزيادات في زكاة المهازيل فقالوا إذا ملك خمسا من الفصلان نظر إلى قيمة بنت مخاض والشاة فان كان قيمة بنت المخاض خمسين وقيمة الشاة عشرة فنقول لو كانت الواحدة بنت المخاض لكان يجب فيها شاة تساوى عشرة وذلك بمعنى خمس قيمة بنت المخاض ثم ينظر إلى قيمة أفضلهن فان كانت عشرين يجب فيها شاة تساوى أربعة دراهم ليكون بمعنى خمس
 
 
[ 160 ]
 
أفضلهن فهذا هو الايجاب في الصغار على قياس الايجاب في الكبار. وإذا كان على صاحب السائمة دين يحيط بقيمتها فلا زكاة عليه فيها عندنا وعند الشافعي رحمه الله تعالى تجب الزكاة لان وجوب الزكاة باعتبار ملك النصاب الكامل النامى والمديون مالك لذلك فان دين الحر الصحيح يجب في ذمته لاتعلق له بماله ولهذا مالك التصرف فيه كيف شاء وصفة النماء بالاسامة ولم ينعدم ذلك بسبب الدين ثم الدين مع الزكاة حقان اختلفا محلا ومستحقا وسببا فوجوب أحدهما لا يمنع وجوب الآخر كالدين مع العشر (ولنا) حديث عثمان رضى الله عنه حيث قال في خطبته في رمضان الا ان شهر زكاتكم قد حضر فمن كان له مال وعليه دين فليحتسب ماله بما عليه ثم ليزك بقية ماله ولم ينكر عليه أحد من الصحابة رضى الله عنهم فكان اجماعا منهم على أنه لا زكاة في القدر المشغول بالدين ثم المديون فقير ولهذا تحل له الصدقة مع تمكنه من ماله والصدقة لا تحل لغنى ولا تجب الا على الغنى. قال صلى الله عليه وسلم لا صدقة الا عن ظهر غنى وهذا لان الواجب اغناء المحتاج والخطاب بالاغناء لا يتوجه الا على الغنى ومن كان مستحقا للمواساة شرعا لا يلزمه أن يواسى غيره والشرع لا يرد بما لا يفيد ولا فائدة في أن يأخذ شاة من سائمة الغير صدقة ويعطى شاة من سائمته ولان ملكه في النصاب ناقص فان صاحب الدين يستحقه عليه من غير قضاء ولا رضا وذلك انه عدم الملك كما في الوديعة والمغصوب فلان يكون دليل نقصان الملك كان أولى وقد جعل مال المديون في حكم الزكاة كالمملوك لصاحب الدين حيث يجب عليه الزكاة بسببه ومحمد رحمه الله تعالى أشار في الكتاب إلى هذا وقال ايجاب الزكاة في مال المديون يؤدى إلى تزكية مال واحد في حول واحد مرارا. بيانه فيمن له عبد للتجارة يساوي ألف درهم باعه بالف نسيئة ثم باعه المشترى من آخر حتى تداولته عشر من الابدي فعنده يجب على كل واحد منهم زكاة الالف إذا تم الحول والمال في الحقيقة ليس الا العبد حتى إذا أقيلت البيوع رجل العبد إلى الاول ولم يبق لاحد سواه شئ وروى ابن المبارك عن أبى حنيفة رحمه الله تعالى ان الدين يمنع وجوب العشر وبعد التسليم فالعشر مؤنة الارض النامية كالخراج لا معتبر فيه بغني المالك فان أصل المالك فيه غير معتبر عندنا حتى يجب في الارض الموقوفة وأرض المكاتب بخلاف الزكاة فان وجوبها في المال النامى بواسطة غنى المالك وذلك ينعدم بسبب الدين فان لحقه دين في خلال الحول قال أبو يوسف رحمه الله تعالى لا ينقطع به الحول
 
 
[ 161 ]
 
حتى إذا سقط قبل تمام الحول تلزمه الزكاة إذا تم الحول وقال زفر رحمه الله تعالى ينقطع الحول بلحوق الدين وهذا لان الدين يعدم صفة الغنى في المالك فيكون نظير نقصان النصاب وعند زفر رحمه الله تعالى بنقصان النصاب في خلال الحول ينقطع الحول وعندنا لا ينقطع على ما نبين فهذا مثله (قال) فان حضر المصدق فقال لم يحل الحول على السائمة أو قال على دين يحيط بقيمتها أو قال ليست هذه السائمة لى وحلف صدق على جميع ذلك لانه أمين فيما يجب عليه من الزكاة فانها عبادة خالصة لله تعالى وكل أمين مقبول القول في العبادات التى تجب لحق الله تعالى فإذا أنكر وجوب الزكاة عليه بما ذكر من الاسباب وجب على الساعي تصديقه ولكن يحلفه على ذلك الا في رواية عن أبي يوسف رحمه الله تعالى قال لا يمين عليه لان في العبادات لا يتوجه اليمين كما لو قال صمت أو صليت يصدق في ذلك من غير يمين وفى ظاهر الرواية قال القول قول الامين مع اليمين وفى سائر العبادات انما لا يتوجه اليمين لانه ليس هناك من يكذبه وهنا الساعي مكذب له فيما يخبر به فلهذا يحلف على ذلك (قال) وان قال أخذها منى مصدق آخر وحلف على ذلك فان لم يكن في تلك السنة مصدق آخر لا يقبل قوله لان الامين إذا أخبر بما هو محتمل كان مصدقا وإذا أخبر بما هو مستنكر لم يكن مصدقا وهذا أخبر بما هو مستنكر وان كان في تلك السنة مصدق آخر فالقول قوله أتى بالبراءة أولم يأت بها هكذا ذكره في المختصر وهو رواية الجامع الصغير وفى كتاب الزكاة يقول وجاء بالبراءة وفيه اشارة إلى أن المجئ بالبراءة شرط لتصديقه وهو رواية الحسن بن زياد عن أبي حنيفة رحمهم الله تعالى وجهه أنه أخبر بخبر ولصدقه علامة فان العادة ان المصدق إذا أخذ الصدقة دفع البراءة فان وافقته تلك العلامة قبل خبره والافلا كالمرأة التي أخبرت بالولادة فان شهدت القابلة بها قبلت والافلا ووجه الرواية الآخرى وهو أصح أن البراءة خط والخط يشبه الخط وقد لا يأخذ صاحب السائمة البراءة غفلة منه وقد تضل البراءة منه بعد الاخذ فلا يمكن أن تجعل حكما فبقى المعتبر قوله مع يمينه (قال) فان قال دفعتها إلى المساكين لم يصدق وتؤخذ منه الزكاة عندنا وقال الشافعي رحمه الله تعالى يصدق في ذلك لان الزكاة انما وجبت لحق الفقراء قال الله تعالى انما الصدقات للفقراء وقال وفى أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم فإذا أوصل الحق إلى المستحق والمستحق من أهل أخذ حقه برئت ذمته
 
 
[ 162 ]
 
كالمشترى من الوكيل إذا أقبض الموكل الثمن وهذا لان الساعي يقبض ليصرف إلى الفقراء فهو كفى الساعي هذه المؤنة وأوصلها إلى محلها فلم يبق عليه سبيل (ولنا) ان هذا حق مالى يستوفيه الامام بولاية شرعية فلا يملك من عليه اسقاط حقه في الاستيفاء كمن عليه الجزبة إذا صرف بنفسه إلى المقاتلة ثم تقرير هذا الكلام من وجهين احدهما ان الزكاة محض حق الله تعالى فانما يستوفيه من يعين نائبا في استيفاء حقوق الله تعالى وهو الامام فلا تبرأ ذمته الا بالصرف إليه وعلى هذا نقول وان علم صدقه فيما يقول يؤخذ منه ثانيا ولا يبرأ بالاداء إلى الفقير فيما بينه وبين ربه وهو اختيار بعض مشايخنا رحمهم الله تعالى أن للامام رأيا في اختيار المصرف فلا يكون له ان يبطل رأى الامام بالاداء بنفسه. والطريق الآخر أن الساعي عامل للفقير وفى المأخوذ حق الفقير ولكنه مولى عليه في هذا الاخذ حتى لا يملك المطالبة بنفسه ولا يجب الاداء بطلبه فيكون بمنزلة دين لصغير دفعه المديون إليه دون الوصي وعلى هذا الطريق يقول يبرأ بالاداء فيما بينه وبين ربه وظاهر قوله في الكتاب لم يصدق في ذلك اشارة إلى ذلك وهو أنه إذا علم صدقه لم يتعرض له وهذا لان الفقير من أهل أن يقبض حقه ولكن لا يجب الايفاء بطلبه فجعل الساعي نائبا عنه كان نظرا من الشرع له فإذا أدى من عليه من غير مطالبة إليه حصل به ما هو المقصود بخلاف الصبي فانه ليس من أهل أن يقبض حقه فلا يبرأ بالدفع إليه (قال) ولا زكاة على الصبي والمجنون في سائمتهما عندنا وهو قول على وابن عباس رضى الله تعالى عنهما قالا لا تجب الزكاة على الصبي حتي تجب الصلاة عليه وعند الشافعي رحمه الله تعالى تجب الزكاة في مالهما ويؤديها الولى وهو قول ابن عمر وعائشة رحمهما الله تعالى وكان ابن مسعود رحمه الله تعالى يقول يحصى الولى أعوام اليتم فإذا بلغ أخبره وهو اشارة إلى أنه تجب عليه الزكاة وليس للولى ولاية الاداء وهو قول ابن أبى ليلى رحمه الله تعالى حتى قال إذا أداه الوالى من ماله ضمن واستدل الشافعي رحمه الله تعالى بقوله صلى الله عليه وسلم ابتغوا في أموال اليتامي خيرا كيلا تأكلها الصدقة أو قال تأكلها الزكاة وذلك دليل وجوب الزكاة في ماله. والمعنى ان هذا حق مالى مستحق يصرف إلى أهل السهمان شرعا فالصغر لا يمنع وجوبه كالعشر وصدقة الفطر وبالصرف إلى أهل السهمان يتبين أنه حق مستحق لهم والصغر لا يمنع وجوب حق العباد وان كان بطريق الصلة كالنفقة ولا فرق بينهما فالنفقة صلة وجبت للمحاويج الماسين له في القرابة والزكاة صلة للمحاويج
 
 
[ 163 ]
 
الماسين له في الملة فإذا ثبت الوجوب كان للولى ولاية الاداء من ماله لان هذا مما تجرى فيه النيابة في أدائه حتي ان بعد البلوغ يتأدى بأداء وكيله والولى نائب عن الصبى وبه فارق العبادات البدنية فلا تجرى فيه النيابة في أدائها (ولنا) قوله صلى الله عليه وسلم رفع القلم عن ثلاث عن الصبى حتى يحتلم وعن النائم حتى ينتبه وعن المجنون حتى يفيق وفى ايجاب الزكاة عليه اجراء القلم عليه فان الوجوب يختص بالذمة ولا يجب في ذمة الولى فلا بد من القول بوجوبه على الصبي وفيه يوجد الخطاب عليه والمراد بقوله كيلا تأكلها الصدقة أي النفقة الا ترى انه أضاف الاكل إلى جميع المال والنفقة هي التى تأتي على جميع المال دون الزكاة والمعنى فيه أنها عبادة محضة فلا تجب على الصبى كسائر العبادات وتفسير الوصف أنها أحد أركان الدين والمقصود من أصل الدين معنى العبادة فكذلك ما هو من أركان الدين وهذا لان المتصدق يجعل ماله لله تعالى ثم يصرفه إلى الفقير ليكون كفاية له من الله تعالى قال الله تعالى وهو الذى يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات وقال من ذا الذى يقرض الله قرضا حسنا ويجعل المال له خالصا يكون عبادة خالصة ولهذا يحصل به التطهير وبه تبين انه ليس فيه حق العباد لان الشركة تنافى معنى العبادة وإذا ثبت انه عبادة فلابد فيه من نية وعزيمة ممن هي عليه عند الاداء وولاية الولى على الصبى نثبت من غير اختياره شرعا ومثل هذه الولاية لا تتأدى بها العبادة بخلاف ما إذا وكل بالاداء بعد البلوغ فتلك نيابة عن اختيار وقد وجدت النية والعزيمة منه وبه فارق صدقة الفطر فان وجوبها لمعني المؤنة حتى تجب على الغير بسبب الغير وفيه حق للاب فانا لو لم نوجب في ماله احتجنا إلى الايجاب على الاب كما إذا لم يكن للصبى مال بخلاف الزكاة وبه فارق العشر فانه مؤنة الارض النامية كالخراج وكذلك النفقة وجوبها لحق العبد بطريق المؤنة بخلاف الزكاة * ثم المجنون الاصلى لا ينعقد الحول على ماله حتى يفيق فان كان جنونه طارئا فقد ذكر هشام في نوادره أن على قول أبى يوسف رحمه الله تعالى العبرة لاكثر الحول فان كان مفيقا في أكثر الحول تجب الزكاة والا فلا وجعل هذا نظير الجزية فان الذمي إذا مرض في بعض السنة فان كان صحيحا في أكثر السنة تلزمه الجزية وان كان مريضا في أكثر السنة لم تلزمه الجزية. وقال محمد رحمه الله تعالى ان كان مفيقا في جزء من السنة في أوله أو آخره قل أو كثر تلزمه الزكاة هكذا روى ابن سماعة عن أبى يوسف رحمهما الله تعالى وجعل هذا نظير الصوم فالسنة للزكاة كالشهر للصوم والافاقة في جزء من الشهر
 
 
[ 164 ]
 
كالافاقة في جميعه في وجوب صوم جميع الشهر فهذا كذلك وروى الحسن بن زياد عن أبى حنيفة رحمه الله تعالى أن المجنون إذا أفاق ينعقد الحول على ماله ولكن المراد بهذا المجنون المجنون الاصلى فقد ذكر بعده في كتاب الحسن رحمه الله تعالى إذا اعترض جنونه ان كان مفيقا في جزء من آخر السنة تلزمه الزكاة وان تم الحول وهو مجنون فقد انقطع حكم ذلك الحول ففى هذه الرواية اعتبر الافاقة في آخر السنة لان الوجوب عندها يكون (قال) ولا زكاة على المكاتب في كسبه لانه مصرف للزكاة بقوله تعالى وفى الرقاب ولانه ليس بغنى بكسبه فانه لا يملك كسبه حقيقة لان الرق المنافى للملك موجود فيه وبدون الملك لا تثبت صفة الغنى والمال النامي سبب لوجوب الزكاة بواسطة غنى المالك فبدون هذه الواسطة لا يكون سببا كشراء القريب إعتاق بواسطة الملك وبدونه لا يكون إعتاقا وهوما إذا اشتراه لغيره وأما العبد المأذون فان كان عليه دين محيط بكسبه فلا زكاة فيه على أحد عند أبى حنيفة رحمه الله تعالى لان المولى لا يملك كسبه وكذلك عندهما لان المولى وان كان يملك كسبه فهو مشغول بالدين والمال المشغول بالدين لا يكون نصاب الزكاة وان لم يكن عليه دين فكسبه لمولاه وعلى المولى فيه الزكاة إذا تم الحول (قال) وإذا كان عند الرجل من السائمة مقدار ما يجب فيه الزكاة فاستفاد من ذلك الجنس في خلال الحول بشراء أو هبة أو ميراث ضمها إلى ما عنده وزكاها كلها عند تمام الحول عندنا. وقال الشافعي رحمه الله تعالى يعتبر للمستفاد حول جديد من حين ملكه فإذا تم الحول وجبت فيه الزكاة سواء كان نصابا أو لم يكن (وحجته) قوله صلى الله عليه وسلم لا زكاة في مال حتى يحول فيه الحول والمراد الحول المعهود وهو اثنا عشر شهرا والمعنى فيه ان المستفاد أصل في الملك لانه أصل في سببه فيكون أصلا باعتبار الحول فيه كالمستفاد من خلاف الجنس بخلاف الاولاد والارباح فانها متولدة من العين فيسرى إليها حكم العين وانما لم يعتبر فيه النصاب لان اعتبار النصاب ليحصل الغنى به للمالك وذلك حاصل بالنصاب الاول فبالزيادة بعده يزداد الغنى وذلك حاصل بالقليل والكثير واعتبار الحول لحصول النماء من المال حتى ينجبر بالنماء النقصان الحاصل بأداء الزكاة والمستفاد من هذا كاصل المال (ولنا) قوله صلى الله عليه وسلم اعلموا أن من السنة شهرا تؤدون فيه زكاة أموالكم فما حدث بعد ذلك من مال فلا زكاة فيه حتى يجئ رأس السنة فهذا يقتضى ان عند مجئ رأس السنة تجب الزكاة في الحادث كما تجب في الاصل وان وقت
 
 
[ 165 ]
 
الوجوب فيهما واحد ثم الضم في خلال الحول بالعلة التى بها يضم في ابتداء الحول فضم بعض المال إلى البعض في ابتداء الحول باعتبار المجانسة دون التوالد فكذلك في خلال الحول ولو كان هذا مما يسرى بعلة التوالد لكان الاولى أن يسرى إلى الحادث بعد الحول لتقرر الزكاة في الاصل ثم ما بعد النصاب الاول بناء على النصاب الاول وتبع له حتى يسقط اشتراط النصاب فيه فكذلك يسقط اعتبار الحول فيه ويجعل حؤل الحول على الاصل حؤلا على التبع وتحريره ان كل مال لا يعتبر فيه كمال النصاب لايجاب حق الله عزوجل لا يعتبر فيه الحول كالمستخرج من المعادن واما الحديث قلنا حؤل الحول عبارة عن آخر جزء منه وقد حال ذلك على المستفاد إذ حؤل الحول على الاصل يكون حؤلا على التبع معنى فان كان انما استفادها بعد تمام الحول فلا زكاة فيها لانعدام حؤل آخر جزء من الحول عليها وان كانت الفائدة من غير جنس ما عنده من السائمة لم يضمها إلى ما عنده لانها لو كانت موجودة في أول الحول لم يضمها إلى ما عنده فكذلك إذا وجدت في خلال الحول كما لو كانت الفائدة من غير السائمة (قال) وإذا لم تكن الابل أو البقر أو الغنم سائمة فلا زكاة فيها وذلك كالحوامل والعوامل وقال مالك رحمه الله تعالى فيها الزكاة لظاهر قوله صلى الله عليه وسلم في خمس من الابل شاة ثم وجوب الزكاة باعتبار الملك والمالية شكرا لنعمة المال وذلك لا ينعدم بالاستعمال بل يزداد الانتفاع بالمال بالاستعمال (ولنا) قوله صلى الله عليه وسلم في خمس من الابل السائمة شاة والصفة متى قرنت بالاسم العلم تنزل منزلة العلم لايجاب الحكم والمطلق في هذا الباب بمنزلة المقيد لانهما في حادثة واحدة وحكم واحد وعن أبن عباس رضى الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ليس في الحوامل والعوامل صدقة وفى الحديث المعروف ان النبي صلى الله عليه وسلم قال ليس في الجبهة ولا في النخة ولا في الكسعة صدقة وفسر عبد الوارث ابن سعيد الجبهة بالخيل والنخة بالابل العوامل وقال الكسائي رحمه الله تعالى النخة بضم النون وفسرها بالبقر العوامل وقال أبو عمرو غلام ثعلب هو من النخ وهو السوق الشديد وذلك انما يكون في العوامل ثم مال الزكاة ما يطلب النماء من عينه لامن منافعه ألا ترى إلى دار السكنى وعبد الخدمة لا زكاة فيهما والعوامل انما يطلب النماء من منافعها وكذلك ان كان يمسكها للعلف في مصر أو غير مصر فلا زكاة فيها لان المؤنة تعظم على صاحبها ووجوب الزكاة في السائمة باعتبار خفة المؤنة فلا تجب عند كثرة المؤنة لان لخفة المؤنة تأثيرا في
 
 
[ 166 ]
 
ايجاب حق الله تعالى قال صلى الله عليه وسلم ما سقته السماء ففيه العشر وما سقى بغرب أو دالية ففيه نصف العشر وان كان يسيمها في بعض السنة ويعلفها في بعض السنة فالعبرة لاكثر السنة لان أصحاب السوائم لا يجدون بدا من أن يعفوا سوائمهم في زمان البرد والثلج فجلعنا الاقل تابعا للاكثر وقال الشافعي رحمه الله تعالى ان علفها بقدر ما يتبين فيه مؤنة علفه أكثر مما كانت سائمة فلا زكاة فيها (قال) والصدقة واجبة في ذكر ان السوائم واناثها لان النصوص جاءت باسم الابل والبقر والغنم وذلك يتناول الذكور والاناث ثم طلب النماء من العين متحقق في كل نوع اما من الاولاد إذا كن اناثا بان يستعار لها فحل أو من السمن إذا كانوا ذكورا فانها مأكولة اللحم (قال) وإذا باع السائمة قبل الحول بيوم بجنسها أو بخلاف جنسها انقطع الحول عندنا وقال زفر رحمه الله تعالى إذا باعها بخلاف جنسها فكذلك وإذا باعها بجنسها لم ينقطع الحول وقال الشافعي رحمه الله تعالى في القديم سواء باعها بجنسها أو بخلاف جنسها لم ينقطع الحول لان الحكم الثابت في الاصل وهو غنى المالك به يبقى ببقاء البدل وقاسه بعروض التجارة وزفر رحمه الله يقول إذا باعها بجنسها فحكم الزكاة في البدل لا يخالف حكم الزكاة في الاصل وإذا باعها بخلاف جنسها فحكم الزكاة في البدل يخالف حكم الزكاة في الاصل ولا يمكن ابقاء ما كان ثابتا ببقاء البدل فوجب القول بالاستئناف ألا ترى ان في ابتداء الحول يضم الجنس إلى الجنس ولا يضم إلى خلاف الجنس فكذلك في أثناء الحول ينبني عند المجانسة ويستقل عند اختلاف الجنس (ولنا) ان وجوب الزكاة في السائمة باعتبار العين حتى يعتبر نصابه من العين والنماء فيه مطلوب من العين والعين الثاني غير الاول بخلاف مال التجارة فان المعتبر فيه صفة المالية دون العين حتى يعتبر النصاب من قيمته ثم الاستبدال يحقق ما هو المقصود من مال التجارة وهو الاسترباح ويضاد ما هو المقصود بالسائمة لان مقصود أصحاب السوائم استبقاؤها في ملكهم عادة وذلك ينعدم بالاستبدال فيكون نظير ترك الاسامة فيها وكذلك ان باعها بدراهم يريد به الفرار من الصدقة أولا يريد به ذلك فلا زكاة عليه الا بحول جديد ولم يبين في الكتاب انه هل يكره له هذا الصنيع فعلى قول أبى يوسف رحمه الله تعالى لا يكره وعلى قول محمد رحمه الله تعالى يكره وهو نظير اختلافهم في الاحتيال لا بطال الشفعة ولا سقاط الاستبراء محمد رحمه الله تعالى يقول الزكاة عبادة محضة والفرار من العبادة ليس من أخلاق المؤمنين وأبو يوسف رحمه الله تعالى
 
 
[ 167 ]
 
يقول هذا امتناع من التزام الحق مخافة ان لا يخرج منه إذا التزمه فلا يكون مكروها كمن امتنع من جمع المال حتي لا يلزمه حج أو زكاة وهذا لان المذموم منع الحق الواجب وليس في هذا الاستبدال من منع الحق الواجب شئ (قال) وان حال الحول على سائمته وعنده نصاب من الدراهم فزكى السائمة ثم باعها بدراهم ثم تم الحول على الدراهم التى كانت عنده لم يزك معها أثمان الابل في قول أبى حنيفة رحمه الله تعالى ويزكيها في قول أبى يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى قالا الضم لعلة المجانسة وهى موجودة في ثمن الابل السائمة وأداء الصدقة عن أصله لايمنع ضم الثمن إلى ما عنده كمن أدى صدقة الفطر عن عبد الخدمة ثم باعه بدراهم أو أدى عشر الطعام عن الخارج من أرضه ثم باعه بدراهم أو جعل السائمة علوفة بعد أداء الزكاة عنها ثم باعها بدراهم وأبو حنيفة رحمه الله تعالى استدل بقوله صلى الله عليه وسلم لاثنافي الصدقة غير ممدود وإيجاب الزكاة في ثمن السائمة في هذا الحول بعد ما أدى الزكاة عن أصلها يؤدى إلى الثنافي الصدقة ولان وجوب الزكاة باعتبار صفة المالية وانما يبقى بالثمن المالية التى كانت له بملك الاصل الا أن يتجدد له ملك المالية وانما يتجدد له بالبيع ملك العين والعين بدون صفة المالية لا زكاة فيها ثم زيادة الزكاة باعتبار زيادة الغنى ولم يستفد ذلك بالبيع لانه كان غنيا باصل هذا المال حقيقة وشرعا بخلاف المستفاد بهبة أو وراثة فقد استفاد به زيادة الغني وبخلاف أداء صدقة الفطر عن عبد الخدمة فالمالية غير معتبرة فيه حتي تجب عن الحر والعبد المستغرق بالدين وان كانت مالية مستحقة بخلاف الزكاة ولا معتبر للحول فيه حتى لو ملك عبدا ليلة الفطر أدى عنه صدقة الفطر والعشر كذلك لا معتبر بالحول فيه ووجوبه ليس باعتبار المالية بل هو مؤنة الارض النامية ثم هو لم يكن غنيا بما عنده من الطعام حتى إذا بقى في ملكه أحوالا لا شئ فيه فالبيع أفاده الغنى شرعا وكذلك السائمة إذا جعلها علوفة فقد خرج من أن يكون غنيا بها شرعا فبالبيع استفاد صفة الغنى فهو والمستفاد بالهبة سواء بخلاف ما نحن فيه على ما بينا (قال) وإذا قتل الرجل فقضى على عاقلة القاتل لولده بالدية من الابل ثم قبضها بعد الحول فلا زكاة عليه حتى يحول عليه الحول من حين يقبضها لان وجوب الزكاة في الابل بصفة الاسامة وما يكون في الذمة لا يكون سائمة ولان الدية على العاقلة ليست بدين على الحقيقة حتى لا يستوفى من تركة من مات منهم فالملك للوارث يحصل بالقبض حقيقة وكذلك لو تزوج امرأة على ابل بغير أعيانها لم يكن عليها فيها زكاة
 
 
[ 168 ]
 
حتى يحول الحول بعد القبض لما بينا ان ما في الذمة لا يكون سائمة فان تزوجها على ابل سائمة بأعيانها وحال الحول وهى في يد الزوج كان أبو حنيفة رحمه الله تعالى يقول أولا إذا قبضت منها نصابا كاملا فعليها الزكاة لما مضى ثم رجع وقال لا زكاة عليها حتى يحول عليها الحول بعد القبض * وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى إذا قبضت منها شيئا يلزمها أداء الزكاة بقدر المقبوض لما مضي سواء كان نصابا أو دونه وجه قولهما انها بالعقد ملكت الصداق ملكا تاما بدليل انها تملك التصرف فيه على الاطلاق وانما انعدم اليد وذلك غير مانع من انعقاد الحول ووجوب الزكاة فيه كالمبيع قبل القبض والمغصوب إذا كان الغاصب مقرا وجه قول أبى حنيفة رحمه الله تعالى انها ملكت المالية ابتداء بعقد النكاح فلا يتم ملكها فيه الا بالقبض كالدية على العاقلة بخلاف المبيع فان ملك المالية لا يثبت ابتداء بالبيع بل يتحول من أصل كان مالا إلى بدله وهذا لان وجوب الزكاة في السائمة باعتبار معنى النماء وقبل القبض الحكم متردد بين أن يسلم لها بالقبض أو يتنصف بالطلاق قبل الدخول بخلاف ما بعد القبض ولهذا لو مر يوم الفطر على العبد المجعول صداقا ثم طلقها قبل الدخول لم يكن عليها صدقة الفطر بخلاف ما بعد القبض فصار الحاصل أن بالعقد يحصل أصل الملك وتمام ما هو المقصود لا يحصل الا بالقبض وصيرورته نصاب الزكاة ينبنى على تمام المقصود لا على حصول أصل الملك بخلاف التصرف فان نفوذه ينبنى على ثبوت أصل الملك وقد روى عن أبى يوسف رحمه الله تعالى في المبيع قبل القبض انه لا يكون نصاب الزكاة لان الملك فيه غير نام حتى لا يملك التصرف فيه ثم وجه قول أبى حنيفة رحمه الله تعالى الاول أن الصدق بمنزلة مال البدل فان أصله لم يكن مال الزكاة ومن أصله أن مال البدل تجب فيه الزكاة ولا يلزمه الاداء حتى يقبض نصابا تاما على ما بيناه ولكنه رجع عن هذا فقال هناك أصله كان مالا وهذا أصله وهو ملك النكاح لم يكن مالا متقوما والصداق جعل صلة من وجه فلا يتم ملكها المال الا بالقبض. فان طلقها الزوج قبل الدخول بها والصداق خمس من الابل فليس عليها زكاة في نصيبها في قول أبى حنيفة لانه دون النصاب ولو كان عشرا كان عليها الزكاة في نصيبها في قوله الاول وفي قوله الآخر لا زكاة عليها في الوجهين وعلى قولهما يلزمها زكاة نصيبها في الوجهين (قال) رجل له ابل سائمة فأراد أن يستعملها أو يعلفها فلم يفعل ذلك حتى حال عليه الحول فعليه زكاة السائمة لانها كانت سائمة في جميع
 
 
[ 169 ]
 
الحول وما نوى كان حديث النفس وقال صلى الله عليه وسلم ان الله تجاوز لامتي عما حدثوا به أنفسهم ما لم يعملوا أو يتكلموا ثم الاستعمال فعل وذلك لا يحصل بالنية ما لم يفعل ألا ترى أن من نوى في عبد الخدمة أن يكون للتجارة لا يصير للتجارة ما لم يتجر فيه بخلاف ما إذا كان للتجارة فنواه للخدمة لانه نوى ترك التجارة وهو تارك لها فاقترنت النية بالعمل وهو نظير الكافر ينوى الاسلام لا يصير مسلما ما لم يأت بكلمة الشهادة والمسلم لو نوى أن يكفر والعياذ بالله صار كافرا بنيته ترك الاسلام (قال) رجل له عشر من الابل السائمة فحال عليها حولان فعليه للسنة الاولى شاتان وللسنة الثانية شاة ولم يبين في الكتاب أنه هل يأثم بما صنع فكان أبو الحسن الكرخي رحمه الله تعالى يقول هو آثم بتأخير الاداء بعد الوجوب وهكذا ذكره في المنتقى. وروى عن محمد رحمه الله تعالى أنه قال من أخر أداء الزكاة من غير عذر لم تقبل شهادته وفرق محمد رحمه الله تعالى على مذهبه بين الزكاة والحج فقال في الزكاة حق الفقراء وفي تأخير الاداء اضرار بهم ولا يسعه ذلك بخلاف الحج وكان أبو عبد الله البلخى يقول يسعه التأخير في الزكاة لان الامر به مطلق عن الوقت وهكذا رواه هشام عن أبى يوسف رحمه الله تعالى وفرق على قوله بين الزكاة وبين الحج وقال أداء الحج يخنص بوقت وفى التأخير عنه تفويت لانه لا يدرى هل يبقى إلى السنة الثانية أم لا وليس في تأخير الزكاة تفويت فكل وقت صالح لادائها ثم على السنة الاولى وجب عليه شاتان فانتقص بقدرهما من العشر فلا يلزمه في الثانية الاشاة وهذا عندنا وعلى قول زفر رحمه الله تعالى يلزمه شاتان للسنة الثانية فان دين الزكاة عنده لا يمنع وجوب الزكاة قال لانه دين وجب لله تعالى كالنذور والكفارات والفقه فيه أنه ليس بدين على الحقيقة حتى يسقط بموته قبل الاداء. وكان البلخي يفرق على أصل زفر رحمه الله تعالى بين دين الزكاة عن الاموال الظاهرة والباطنة فقال في الاموال الظاهرة للساعي حق المطالبة بها فكان نظير دين العباد بخلاف الاموال الباطنة وقيل لابي يوسف رحمه الله تعالى ما حجتك على زفر رحمه الله تعالى فقال ما حجتى على رجل يوجب في مائتي درهم أربعمائة درهم ومراده إذا ملك مائتي درهم فحال عليها ثمانون حولا. ثم دين الزكاة عن الاموال الباطنة بمنزلته عن الاموال الظاهرة فان المصدق كان يأخذ منها في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم والخليفتين من بعده رضى الله عنهما حتى فوض عثمان رضى الله عنه الاداء إلى أرباب الاموال لما خاف المشقة
 
 
[ 170 ]
 
والحرج في تفتيش الاموال عليهم من سعاة السوء فكان ذلك توكيلا منه لصاحب المال بالاداء فنفذ توكيله لانه كان عن نظر صحيح وقد تثبت المطالبة به للمصدق إذا مر بالمال عليه في سفره فلهذا منع وجوب الزكاة وعن أبي يوسف رحمه الله أن دين الزكاة عن المال القائم يمنع وجوب الزكاة وعن المال المستهلك لا يمنع وجوب الزكاة لان المال القائم يتصور ان يمر به على العاشر حتى يثبت له حق الاخذ بخلاف المستهلك (قال) وان كانت الابل خمسا وعشرين فعليه للحول الاول بنت مخاض وللحول الثاني أربع شياه لما بينا (قال) رجل له أربع وعشرون فصيلا ونافة مسنة فعليه فيها بنت مخاض لان الصغار تبع للمسنة تعد معها كما قال صلى الله عليه وسلم وتعد صغارها وكبارها وهذا لان ما هو الواجب موجود في ماله فإذا أوجبنا لم يخرج الواجب من أن يكون جزأ من النصاب بخلاف ما إذا كان الكل صغارا. فان كان له خمس وسبعون فصيلا وناقة مسنة فعلى قول أبى حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى لا يجب الا تلك الواحدة لان الوجوب باعتبارها وعند أبى يوسف رحمه الله تعالى يجب تلك الواحدة مع فصيل لانه يوجب في الصغار منها وقد بينا هذا (قال) رجل له ابل سائمة قد اشتراها للتجارة فعليه فيها زكاة التجارة عندنا. وقال الشافعي رحمه الله تعالى فيها زكاة السائمة الا أن لا يكون نصاب السائمة تاما فحينئذ عليه زكاة التجارة إذا كانت القيمة نصابا ولا خلاف في أنه لا تلزمه الزكاتان جميعا لان وجوب كل واحد منهما باعتبار صفة المالية ثم قال الشافعي رحمه الله تعالى زكاة السائمة أقوى لان وجوبها باتفاق الامة والنصوص الظاهرة والضعيف لا يعارض القوى فإذا أمكن ايجاب زكاة السائمة لا تظهر زكاة التجارة وفى ترجيح زكاة السائمة منفعة للفقراء لان الساعي يأخذها وزكاة التجارة مفوض أداؤها إلى من وجبت عليه وربما لا يؤدى وعلماؤنا رحمهم الله تعالى قالوا ان بنية التجارة ينعدم ما هو المقصود بالسوم وما لاجله أوجب زكاة السائمة لان النماء في السائمة مطلوب من عينها وذلك لا يحصل الا باستبقاء الملك فيها وبنية التجارة ينعدم هذا فكانت سائمة صورة لا معنى وهو مال التجارة صورة ومعنى فترجح زكاة التجارة لهذا وحق الاخذ ثابت للساعي سواء أوجب فيها زكاة السائمة أو زكاة التجارة فانه مال ظاهر يحتاج صاحبه إلى حماية الامام وثبوت حق الاخذ باعتبار الحاجة إلى الحماية بخلاف سائر أموال التجارة حتى إذا احتاج إلى الحماية فيها بالمرور على العاشر كان له أن يأخذ الزكاة منها
 
 
[ 171 ]
 
(قال) وان كانت السائمة بين رجل مسلم عاقل وبين صبى أو مجنون أو كافر فعلى الرجل المسلم العاقل زكاة نصيبه لو بلغ نصابا ولا شئ على الآخر لما بينا أن حالة الاختلاط معتبرة بحالة الانفراد (قال) وإذا ذهب العدو بالسائمة أو غصبها غاصب ثم رجعت إلى صاحبها بعد سنين فلا زكاة عليه لما مضى عندنا. وقال زفر رحمه الله تعالى كذلك في الذى ذهب بها العدو لانهم ملكوها بالاحراز وفى المغصوب المجحود تلزمه الزكاة لما مضى إذا وصلت إلى يده. وقال الشافعي رحمه الله تعالى يلزمه فيها الزكاة لما مضي إذا وصلت إلى يده بناء على أصله أنهم لا يملكون أموالنا بالاحراز. وجه قولهما ان وجوب الزكاة في السائمة باعتبار الملك دون اليد. ألا ترى أن ابن السبيل تلزمه الزكاة لما مضى إذا وصلت يده إلى الاموال لقيام ملكه فيها فكذلك في المغصوب فان بالغصب تنعدم اليد بالمغصوب منه دون الملك. وجه قولنا حديث على رضى الله تعالى عنه موقوفا عليه ومرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال لا زكاة في مال الضمار ومعناه مال يتعذر الوصول إليه مع قيام الملك من قولك بعير ضامر إذا كان نحيفا مع قيام الحياة فيه وان عمر بن عبد العزيز في خلافته لما أمر برد أموال بيت المال على أصحابها قيل أفلا نأخذ منهم زكانها لما مضى قال لا فانها كانت ضمارا والمعنى فيه أن وجوب الزكاة في السائمة كان باعتبار معنى النماء وقد انسد على صاحبها طريق يحصل النماء منها بجحود الغاصب اياها فانعدم مالا جله كان نصاب الزكاة بخلاف ابن السبيل فان النماء يحصل له بيد ثانية كما يحصل بيده فكان نصاب الزكاة لهذا وكذلك الضالة وما سقط منه في البحر من مال التجارة إذا وصلت يده إليه بعد الحول فليس عليه الزكاة لما مضي لان معنى المالية في النمو والانتفاع وذلك منعدم فكان مستهلكا معنى وان كان قائما صورة وكذلك الدين المجحود وأطلق الجواب فيه في الكتاب وروى هشام عن محمد رحمهما الله تعالى قال ان كان معلوما للقاضى فعليه الزكاة لما مضى لتمكنه من الاخذ بعلم القاضى. وجه رواية الكتاب أنه لا زكاة عليه سواء كانت له بينة أو لم تكن له بينة إذ ليس كل شاهد يعدل ولا كل قاض يعدل وفى المحاباة بين يديه في الخصومة ذل فكان له أن لا يذل نفسه وكثير من أصحابنا رحمهم الله تعالى قالوا إذا كانت له عليه بينة تلزمه الزكاة لما مضى لان التقصير جاء منه. وروي ابن سماعة عن أبي يوسف ومحمد رحمهما الله تعالي ان المديون إذا كان يقر معه سرا ويجحد في العلانية فليس عليه
 
 
[ 172 ]
 
الزكاة لما مضى إذا أخذه بمنزلة الجاحد سرا وعلانية (قال) وإذا كان النصاب كاملا في أول الحول وآخره فالزكاة واجبة وان انتقص فيما بين ذلك وقتا طويلا ما لم ينقطع أصله من يده ومال السائمة والتجارة فيه سواء عندنا. وقال زفر رحمه الله تعالى لا تلزمه الزكاة الا ان يكون النصاب من أول الحول إلى آخره كاملا وقال الشافعي رحمه الله تعالى في السائمة كذلك وفى مال التجارة قال انما يعتبر كمال النصاب في آخر الحول خاصة ولا يعتبر في أوله. وجه قول زفر رحمه الله تعالى أن حولان الحول على المال شرط لوجوب الزكاة وكل جزء من الحول بمنزلة أوله وآخره. ألا ترى أنه لو هلك جميع النصاب في خلال الحول يجعل كهلاكه في أول الحول وآخره وكذلك السائمة إذا جعلها حمولة أو علوفة في وسط الحول انقطع به الحول كما لو فعل ذلك في أوله وآخره وهذا لان ما دون النصاب ليس بمحل لوجوب الزكاة فيه كالعلوفة. وقال الشافعي رحمه الله تعالى في السائمة كذلك وفى مال التجارة قال القياس هكذا ولكني أزكيه لان النصاب فيها معتبر من القيمه ويشق على صاحب المال تقويم ماله في كل يوم فلدفع المشقة قلنا انما يعتبر كمال النصاب عند وجوب الزكاة وذلك في آخر الحول (ولنا) ان اشتراط كمال النصاب ليحصل به صفة الغنى للمالك والغنى معتبر عند ابتداء الحول لينعقد الحول على المال وعند كماله لتجب الزكاة فاما فيما بين ذلك فليس بحال انعقاد الحول ولا بحال وجوب الزكاة فلا يشترط غنى المالك فيه انما هو حال بقاء الحول المنعقد فلا بد من بقاء شئ من المحل لبقاء الحول فإذا هلك كله لم يبق شئ من المحل صالحا لبقاء الحول وكذلك إذا جعلها علوفة أو أعدها للاستعمال لم يبق شئ من المحل صالحا لبقاء الحول فاما بعد هلاك البعض فبقى المحل صالحا لبقاء الحول وهو نظير عقد المضاربة يبقى على الالف ببقاء بعضها حتى إذا ربح فيها يحصل جميع رأس المال أو لا بخلاف ما إذا هلكت كلها وما اعتبره الشافعي رحمه الله تعالى من المشقة صالح لاسقاط اعتبار كمال النصاب في خلال الحول لا في أوله لانه لا يشق عليه تقويم ماله عند ابتداء الحول ليعرف به انعقاد الحول كما لا يشق عليه ذلك في آخر الحول ليعرف به وجوب الزكاة في ماله (قال) ويحتسب على الرجل في سائمته العمياء والعجفاء والصغيرة وما أشبهها ولا يؤخذ شئ منها لان المعتبر فيها كمال النصاب من حيث العدد وذلك حاصل بالكل والاصل فيه حديث عمر رضى الله عنه فان الناس شكوا إليه من السعاة فقالوا انهم يعدون علينا السخال ولا يأخذونها
 
 
[ 173 ]
 
فقال عمر رضى الله عنه للساعي عد عليهم السخلة وان جاء بها الراعي يحملها على كتفه ألسنا تركنا لكم الربى والاكيلة والماخض وفحل الغنم وذلك عدل بين خيار المال ورذاله فبقول عمر رضى الله عنه أخذنا وقلنا لا تؤخذ الربى وهى التى تربى ولدها ولا الا كيلة وهى التى تسمن للاكل قال يونس رحمه الله تعالى هي الاكولة وأما الاكيلة فهي التى تكثر تناول العلف ولكن في عادة العوام أنهم يسمون التى تسمن للاكل الاكيلة ومقصود محمد رحمه الله تعالى تعليم العوم فاختار ما كان معروفا في لغتهم ليكون أقرب إلى أفهامهم مع ما فيه من اتباع الاثر الا أن يشكل عليه هذه اللغة والماخض هي التى في بطنها ولد وفحل الغنم ظاهر لا يؤخذ من ذلك شئ لانها من أعز الاموال عند أرباب المواشى. وقال صلى الله عليه وسلم أياكم وكرائم أموال الناس ثم كما نظرنا لارباب الاموال في ترك الاخذ من الكرائم نظرنا للفقراء في ترك الاخذ من الصغار والعجاف مع عدها عليهم ليعتدل النظر من الجانبين (قال) وإذا وجبت الصدقة في السائمة ثم باعها صاحبها جاز بيعه عندنا ولم يجز في قدر الزكاة عند الشافعي رحمه الله تعالى قولا واحدا وله فيما وراء ذلك قولان. وحجته أن نصاب الزكاة صار مشغولا بحق الفقراء فيمتنع على صاحبها بيعها كالعبد المديون والنصاب لوجوب الزكاة فيه يصير كالمرهون بما وجب فيه وبيع المرهون لا يجوز. وعلماؤنا رحمهم الله تعالى استدلوا بحديث حكيم ابن حزام رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دفع إليه دينارا وأمره أن يشترى به أضحية فاشترى شاة بالدينار ثم باعها بدينارين فاشترى شاة أخرى بدينار وجاء بالشاة والدينار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بارك الله لك في صفقتك فقد جوز بيع الاضحية بعد ما وجب حق الله تعالى فيها فصار هذا أصلا لنا أن تعلق حق الله تعالى في المال لايمنع جواز البيع فيه والمعنى ان البيع يعتمد الملك والقدرة على التسليم وملكه باق بعد وجوب الزكاة فيها وقدرته على التسليم باعتبار يده ولم يختل ذلك بوجوب الزكاة فيه فكان بيعه نافذا بخلاف المرهون فان اليد هناك مستحقة عليه للمرتهن فلم يكن مقدور التسليم له بخلاف العبد المديون فان ماليته مستحقة عليه للغريم بدينه وجواز البيع باعتبار المالية ثم الزكاة في المال لا تتعلق بالمال تعلقا يتعين فيه حتى ان لصاحب المال اختيار الاداء من موضع آخر فهو نظير تعلق حق أولياء الجناية برقبة الجاني وذلك لا يمنع صحة بيع المولى فيه كما قلنا فكذلك هذا (قال) وإذا حضر المصدق بعد البيع فالقياس أن يأخذ
 
 
[ 174 ]
 
الصدقة من البائع ولا سبيل له على عين السائمة لانها صارت مملوكة للمشترى ولا زكاة عليه ولكن البائع صار متلفا محل حق الفقراء فيضمنه ولكن استحسن فقال ان حضر المصدق قبل أن يتفرقا عن المجلس فله الخيار ان شاء أخذ الصدقة من العين ورجع المشترى على البائع بحصته من الثمن وان شاء أخذ من البائع وان حضر بعد التفرق أخذ الصدقة من البائع ولا سبيل له على العين وهذا لان العلماء رحمهم الله تعالى اختلفوا في زوال الملك قبل التفرق وظاهر قوله صلى الله عليه وسلم البيعان بالخيار ما لم يتفرقا يدل على عدم زوال ملك البائع والساعى مجتهد فان شاء اعتبر ظاهر الحديث وأخذ الصدقة من العين وان شاء اعتمد القياس الظاهر أن عقد البيع يوجب زوال الملك بنفسه وأخذ الصدقة من البائع وذكر ابن سماعة عن محمد رحمهما الله تعالى ان العبرة بنقل الماشية فان حضر بعد ما نقلها المشترى لم يأخذ شيئا وان حضر قبل ان ينقلها يخير لانها انما تصير داخلة في ضمان المشتري حقيقة بالنقل حتى إذا هلكت قبل النقل ثم استحقت لم يضمن المشترى شيئا بخلاف ما بعد النقل وهذا بخلاف العشر فان صاحب الطعام إذا باعه ثم حضر المصدق فله أن يأخذ العشر من العين تفرقا أولم يتفرقا نقله المشترى أولم ينقله لان الواجب عشر الطعام بعينه ولا معتبر بالملك فيه وفى الزكاة الوجوب على المالك حتى لا تجب الا باعتبار المالك فلهذا افترقا (قال) وإذا نفقت السائمة كلها بعد حؤل الحول عليها سقطت الزكاة عنها وقال الشافعي رحمه الله تعالى ان هلكت بعد التمكن من الاداء ضمن صاحبها الزكاة فاما قبل التمكن فلا ضمان وله قولان في وجوب الزكاة قبل التمكن من الاداء قال في كتاب الام لا تجب الزكاة الا بثلاث شرائط كمال النصاب وحولان الحول والتمكن من الاداء وقال في الاملاء التمكن شرط الضمان لا شرط وجوب الزكاة. وحجته أن هذا حق مالى وجب بايجاب الله تعالى فلا يسقط بهلاك المال بعد التمكن من الاداء كصدقة الفطر واستدل بالحج فانه ان كان موسرا وقت خروج القافلة من بلده ثم هلك ماله لا يسقط عنه الحج ولان أكثر ما في الباب ان قدر الزكاة أمانة في يده وهو مطالب شرعا بالاداء بعد التمكن منه فإذا امتنع بعد توجه المطالبة عليه صار ضامنا كسائر الامانات والخلاف ثابت فيما إذا طالبه الفقير بالاداء والحق ثابت للفقير فإذا امتنع بعد وجوب الطلب ممن له الحق صار ضامنا (وحجتنا) فيه ان محل الزكاة هو النصاب والحق لا يبقى بعد فوات محله كالعبد الجاني
 
 
[ 175 ]
 
أو المديون إذا مات والشقص الذى فيه الشفعة إذا صار بحرا بطل حق الشفيع ولا يجوز أن يصير ضامنا لان وجوب الضمان بتفويت ملك أو يد كسائر الضمانات وهو بهذا التأخير ما فوت على الفقير يدا ولا ملكا فلا يصير ضامنا له شرعا بخلاف صدقة الفطر والحج فان محل الوجوب هناك ذمته لا ماله وذمته باقية بعد هلاك المال ولان وجوب الزكاة لمواساة الفقراء وبعد هلاك المال استحق المواساة معهم فلا يلزمه ان يواسى غيره والواجب قليل من كثير على وجه لا يكون أداؤه ملحقا الضرر به ولهذا اختص بالمال النامى حتى ينجبر بالنماء ما يلحقه من الخسران بالاداء وهذا لا يتحقق به هلاك المال فلو استوفى كان المستوفى غير ما وجب وذلك لا يجوز بخلاف صدقة الفطر والحج فان المال هناك شرط الوجوب لا شرط الاداء فإذا تقرر الوجوب في ذمته لم يسقط بهلاك. ماله أما إذا طالبه الفقير فهذا الفقير ما تعين مستحقا له وله رأى في الصرف إلى من شاء من الفقراء وانما امتنع من الاداء إليه ليصرفه إلى من هو أحوج منه فان طالبه الساعي وامتنع من الاداء إليه حتى هلك المال فالعراقيون من أصحابنا رحمهم الله تعالى يقولون يصير ضامنا لان الساعي متعين للاخذ فيلزمه الاداء عند طلبه وبالامتناع يصير مفوتا ومشايخنا رحمهم الله تعالى يقولون لا يصير ضامنا وهو الاصح فقد قال في الكتاب إذا حبسها بعد ما وجبت الزكاة حتى ماتت لم يضمنها وليس مراده بهذا الحبس انه يمنعها العلف والماء فان ذلك استهلاك وبه يصير ضامنا انما مراده بهذا الحبس بعد طلب الساعي والوجه فيه انه ما فوت بهذا الحبس على أحد ملكا ولايدا فلا يصير ضامنا وله رأى في اختيار محل الاداء ان شاء من السائمة وان شاء من غيرها فانما حبس السائمة ليؤدي من محل آخر فلا يصير ضامنا فان هلك نصفها فعليه في الباقي حصته من الزكاة إذا لم يكن في المال فضل على النصاب ولا خلاف فيه والبعض معتبر بالكل فكما أنه إذا هلك النصاب كله سقط جميع الزكاة فكذلك إذا هلك البعض يسقط بقدره * فان قيل ما هو شرط الوجوب وهو ملك المال جعلتموه شرط الاداء فكذلك كمال النصاب شرط الوجوب فينبغي أن يجعل شرط الاداء حتى لا يلزمه اداء شئ إذا انتقص النصاب * قلنا كمال النصاب ليس بشرط الوجوب لعينه ولكن لحصول الغنى للمالك به وغنى المالك انما يعتبر وقت الوجوب فان الغنى ليس شرطا لتحقق اداء الصدقة (قال) وان كان المال مشتملا على النصاب والوقص فهلك منه شئ فعلى
 
 
[ 176 ]
 
قول أبى حنيفة وأبى يوسف رحمهما الله تعالى يجعل الهالك من الوقص دون النصاب حتي لا يسقط شئ من الزكاة إذا لم ينقص من النصاب ومحمد وزفر رحمهما الله تعالى يجعلان الهالك من الكل حتى إذا كان له تسع من الابل فحال الحول فهلك منها أربع فعليه في الباقي شاة عند أبى حنيفة وأبى يوسف وعند محمد وزفر رحمهم الله تعالى في الباقي خمسة اتساع شاة (حجتهما) قوله صلى الله عليه وسلم في خمس من الابل السائمة شاة إلى تسع أخبر أن الوجوب في الكل والمعنى يشهد له فان المال النامى لا يخلو عن الزكاة وما زاد على النصاب مال نام لا يجب بسببه زيادة فعرفنا أن الوجوب في الكل وهو نظير مالو شهد له ثلاثة نفر بحق فقضى به القاضى فان القضاء يكون بشهادة الكل وان كان القاضى يستغنى عن الثالث وإذا ثبت أن الوجوب في الكل فما هلك يهلك بزكاته وما بقى يبقى بزكاته كالمال المشترك وأبو حنيفة وأبو يوسف رحمهما الله تعالى استدلا بحديث عمرو بن حزم رضى الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في خمس من الابل السائمة شاة وليس في الزيادة شئ حتى يكون عشرا فهذا تنصيص على أن الواجب في النصاب دون الوقص والمعنى فيه أن الوقص تبع للنصاب والنصاب باسمه وحكمه يستغنى عن الوقص والوقص لا يستغنى باسمه وحكمه عن النصاب والمال متى اشتمل على أصل وتبع فإذا هلك منه شئ يصرف الهلاك إلى التبع دون الاصل كمال المضاربة إذا كان فيها ريح فهلك شى منها يصرف الهلاك إلى الربح دون رأس المال فكذا هذا ثم الاصل عند أبى حنيفة رحمه الله تعالى أن أول النصاب يجعل أصلا وما بعده بناء وتبعا فيجعل الهلاك فيما زاد على أول النصاب كأنه لم يكن في ملكه الا أول النصاب وعند أبى يوسف رحمه الله تعالى هو كذلك ما لم يأت نصاب آخر فإذا أتى نصاب آخر فحيئنذ يجعل آخر النصاب أصلا. وبيانه أن من له خمس وثلاثون من الابل فحال الحول ثم هلك خمسة عشر فعند أبى حنيفة رحمه الله تعالى في الباقي أربع شياه وما هلك صار كان لم يكن وعند أبى يوسف رحمه الله تعالى في الباقي أربعة أخماس بنت مخاض لانه يجعل آخر النصاب أصلا والهالك فيما زاد عليه يصير كان لم يكن وعند محمد رحمه الله تعالى في الباقي أربعة اسباع بنت مخاض لان بنت المخاض واجبة في الكل عنده فيسقط حصة ما هلك ويبقى حصة ما بقى (قال) وتعجيل الزكاة عن المال الكامل الموجود في ملكه من سائمة أو غيرها جائز عن سنة أو سنتين أو أكثر من ذلك والكلام في هذه المسألة في فصول (أحدها)
 
 
[ 177 ]
 
في جواز التعجيل. فان مالكا رحمه الله تعالى لا يجوز التعجيل أصلا ويعتبر العبادة المالية بالعبادة البدنية ويقول أداء الزكاة اسقاط الواجب عن ذمته فلا يتصور قبل الوجوب (ولنا) ماروى عن النبي صلى الله عليه وسلم انه استسلف من العباس صدقة عامين ثم بكمال النصاب حصل الوجوب على أحد الطريقين لاجتماع شرائط الزكاة من النصاب النامى وغنى المالك وحولان الحول تأجيل وتعجيل الدين المؤجل صحيح وعلى الطريق الآخر ان سبب الوجوب قد تقرر وهو المال والاداء بعد تقرر سبب الوجوب جائز كالمسافر إذا صام في رمضان والرجل إذا صلى في أول الوقت جاز لوجود سبب الوجوب وان كان الوجوب متأخرا أو لان تأخر الوجوب لتحقق النماء فإذا تحقق استند إلى أول السنة فكان التعجيل صحيحا ولهذا قلنا ان تعجيل الزكاة قبل كمال النصاب لا يجوز لان سبب الوجوب لا يتحقق الا بعد كمال النصاب وبعد كمال النصاب يجوز التعجيل لسنتين عندنا وقال الشافعي رحمه الله تعالى لا يجوز الا لسنة واحدة فان التعجيل عنده على آخر الحول لا على أوله قال ألا ترى ان التعجيل قبل كمال النصاب لا يجوز لان الحول غير منعقد عليه فكذلك الحول الثاني بعد كمال النصاب (ولنا) حديث العباس رضى الله عنه والمعنى فيه ان ملك النصاب سبب لوجوب الزكاة في كل حول ما لم ينتقص عنه وجواز التعجيل باعتبار تمام السبب وفى ذلك الحول الثاني كالحول الاول بخلاف ما قبل كمال النصاب. ثم بعد كمال النصاب يجوز التعجيل عن النصب عندنا وعلى قول زفر رحمه الله لا يجوز التعجيل الا عن النصاب الموجود في ملكه حتى إذا كان له خمس من الابل فعجل أربع شياه ثم تم الحول في ملكه عشرون من الابل عندنا يجوز التعجيل عن الكل وعند زفر رحمه الله تعالى لا يجوز الا عن زكاة الخمس قال لان جواز التعجيل بعد وجود ملك المال بدليل النصاب الاول (وحجتنا) فيه أن ملك النصاب كما هو سبب لوجوب الزكاة فيه عند كمال الحول فهو سبب لوجوب الزكاة فيه في نصب يملكها عند كمال الحول فإذا جعل الملك الحاصل في خلال الحول كالموجود في أوله في وجوب الزكاة فكذلك في جواز التعجيل يجعل المستفاد في خلال الحول كالموجود في أوله. وإذا لم يجب عليه الزكاة عند كمال الحول لهلاك ماله فليس له أن يسترد من الفقير ما أداه إليه عندنا وقال الشافعي رحمه الله تعالى له ان يسترد المال من الفقراء الذين دفع إليهم ان بين له أنه يعطي معجلا وان أطلق عند الاداء لم يكن له ان يرجع عليه وقال إذا بين له أنه يعطيه ما يستحقه
 
 
[ 178 ]
 
عليه بوجوب الزكاة فإذا لم يثبت الاستحقاق كان له أن يرجع عليه كمن قضى دين انسان ثم انفسخ السبب الموجب للدين (ولنا) ان المتصدق يجعل ما يؤدية لله تعالى خالصا ثم يصرفه إلى الفقراء ليكون كفاية لهم من الله تعالى وقد تم ذلك بالوصول إلى يد الفقير فلا يرجع عليه بشئ بل ان وجبت الزكاة كان مؤديا للواجب وان لم تجب كان متنفلا كما لو أطلق الاداء (قال) وينظر في السائمة إلى كمال النصاب فتجب الزكاة فيه وان كانت قيمتها ناقصة عن مائتي درهم وينظر إلى قيمتها ان أراد بها التجارة فان كانت أقل من مائتي درهم لم تجب الزكاة وان كان العدد كاملا لان النبي صلى الله عليه وسلم اعتبر في السائمة كمال العدد دون القيمة ولان النماء في السائمة مطلوب من عينها وفى مال التجارة انما يطلب النماء من ماليتها فاعتبرنا النصاب في الموضعين من حيث يطلب النماء فإذا كانت قيمتها أقل من مائتي درهم لم تجب فيها زكاة التجارة لنقصان النصاب ولا زكاة السائمة وان كان العدد كاملا لان النصاب فيها غير معتبر من حيث العدد * فان قيل إذا لم تجب فيها زكاة التجارة صار وجود نية التجارة كعدمها فتجب زكاة السائمة. قلنا نية التجارة معتبرة في اخراجها من أن تكون سائمة معنى على ما بينا والصورة بدون المعنى لا تكفي لايجاب الزكاة (قال) وإذا اشترى الابل للتجارة فلما مضت طائفة من الحول بداله فجعلها سائمة فرارا من الصدقة فلا زكاة عليه حتى يحول عليها الحول من حين جعلها سائمة لانه نوى ترك التجارة فيها وهو تارك لها في ذلك الوقت حقيقة فاقترنت النية بالفعل وزكاة السائمة ليست من جنس زكاة التجارة فلا يمكن بناء أحدهما على الآخر فقلنا باستئناف الحول من حين جعلها سائمة (قال) ويؤخذ من بني تغلب صدقة سائمتهم ضعف ما يؤخذ من المسلم إذا بلغت مقدار ما يجب في مثله الصدقة على المسلم وبنو تغلب قوم من النصارى من العرب كانوا بقرب الروم فلما أراد عمر رضى الله عنه أن يوظف عليهم الجزية أبوا وقالوا نحن من العرب نأنف من أداء الجزية فان وظفت علينا الجزية لحقنا باعدائك من الروم وان رأيت أن تأخذ منا ما يأخذ بعضكم من بعض وتضعفه علينا فعلنا ذلك فشاور عمر رضى الله عنه الصحابة في ذلك وكان الذى يسعى بينه وبينهم كردوس التغلبي فقال يا أمير المؤمنين صالحهم فانك ان تناجزهم لم تطقهم فصالحهم عمر رضى الله عنه على أن يأخذ منهم ضعف ما يؤخذ من المسلمين ولم يتعرض لهذا الصلح بعده عثمان رضى الله عنه فلزم أول الامة وآخرها * فان قيل أليس أن عليا رضى الله عنه أراد أن ينقض
 
 
[ 179 ]
 
صلحهم حين رآهم قلوا وذلوا * قلنا قد شاور الصحابة رضي الله عنهم في ذلك ثم اتفق معهم على أنه ليس لاحد ان ينقض هذا الصلح وذكر محمد رحمه الله تعالى في النوادر أن صلحهم في الابتداء كان ضغطة ولكن تأيد بالاجماع وبقول رسول الله صلى الله عليه وسلم ان ملكا ينطق على لسان عمر رضى الله عنه وقال أينما دار عمر رضى الله عنه فالحق يدور معه إذا عرفنا هذا فنقول لا يؤخذ من المسلم مما دون النصاب شئ فكذلك منهم يؤخذ من النصاب من المسلم ما قدره الشرع في كل مال فيؤخذ منهم ضعف ذلك لان الصلح وقع على هذا ويؤخذ من نسائهم مثل ما يؤخذ من رجالهم. وروى الحسن بن زياد عن أبى حنيفة رحمهما الله تعالى أنها لا تؤخذ من نسائهم قال لانها بدل عن الجزية ولا جزية على النساء وجه ظاهر الرواية أن هذا مال الصلح والنساء فيه كالرجال قال صلى الله عليه وسلم لمعاذ رضي الله تعالى عنه خذ من كل حالم وحالمة دينارا أو عدله معا فرية وهو نظير الدية على العاقلة لا شئ منها على النساء فان صالحت امرأة عن قصاص علي مال أخذت به وهذا لان الوفاء بالعهد واجب من الجانبين والعهد على أن يضعف عليهم ما يؤخذ من المسلمين والصدقة تؤخذ من المسلمات كما تؤخذ من الرجال فكذلك في حقهم. ولا يؤخذ من صبيانهم شى ء لانه لا تؤخذ الصدقة من سوئم الصبيان من المسلمين فكذلك منهم. أما مواليهم فلا تؤخذ منهم الصدقة ولكن توضع على رؤسهم الجزية بمنزلة سائر الكفار فان ظاهر قوله تعالى حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون يتناول كل كافر الا أنه خص من هذا الظاهر بنو تغلب باتفاق الصحابة رضى الله تعالى عنهم وانما يتناول هذا الاسم من كان منهم نسبا لاولاء فبقيت مواليهم على حكم ظاهر الآية * فان قيل أليس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال مولى القوم من أنفسهم * قلنا المراد مولى بنى هاشم في حرمة الصدقة عليهم كرامة لهم. ألا ترى أن موالى بنى تغلب لا يكونون أعلى حالا من موالى المسلمين ومولى المسلمين إذا كان ذميا توضع عليه الجزية فمولى التغلبي أولى (قال) وما أخذ من صدقات بني تغلب يوضع موضع الجزية لان عمر رضى الله تعالى عنه لما صالحهم قال هذه جزية فسموها ما شئتم معناه جزية في حقنا فنضعه موضع الجزية ولانه ليس بصدقة حقيقة لان الصدقة اسم لما يتقرب به إلى الله عزوجل وهو ليس بأهل لهذا التقرب وهو جزية معنى فالجزية اسم لمال مأخوذ بسبب الكفر على وجه العقوبة والتضعيف عليهم بهذه الصفة حتى يسقط إذا أسلموا فلهذا يوضع موضع الجزية
 
 
[ 180 ]
 
(قال) وإذا ظهر الخوارج على بلد من بلاد أهل العدل فاخذوا منهم صدقة أموالهم ثم ظهر عليهم الامام لم يأخذ منهم ثانيا لانه عجز عن حمايتهم والجباية تكون بسبب الحماية وهذا بخلاف التاجر إذا مر على عاشر أهل البغي فعشره ثم مر علي عاشر أهل العدل يعشره ثانيا لان صاحب المال هو الذي عرض ماله حين مر به عليه فلم يعذر وهناك صاحب المال لم يصنع شيئا ولكن الامام عجز عن حمايته فلهذا لا يأخذ ولكن يفتى فيما بينه وبين الله تعالى بالاداء ثانية لانهم لا يأخذون أموالنا على طريق الصدقة بل على طريق الاستحلال ولا يصرفونها إلى مصارف الصدقة فينبغي لصاحب المال أن يؤدى ما وجب عليه لله تعالى فانما أخذوا منه شيئا ظلما وكذلك ان أخذوا من أهل الذمة في ذلك البلد خراج رؤسهم لم يأخذهم الامام بما مضى لعجزه عن حمايتهم. فأما ما يأخذ سلاطين زماننا هؤلاء الظلمة من الصدقات والعشور والخراج والجزية فلم يتعرض له محمد رحمه الله تعالى في الكتاب وكثير من أئمة بلخ يفتون بالاداء ثانيا فيما بينه وبين الله تعالى كما في حق أهل البغى لعلمنا أنهم لا يصرفون المأخوذ مصارف الصدقة وكان أبو بكر الاعمش يقول في الصدقات يفتون بالاعادة فأما في الخراج فلا لان الحق في الخراج للمقاتلة وهم المقاتلة حتى إذا ظهر عدو ذبوا عن دار الاسلام فأما الصدقات فللفقراء والمساكين وهم لا يصرفون إلى هذه المصارف والاصح أنه يسقط ذلك عن جميع أرباب الاموال إذا نووا بالدفع التصدق عليهم لان ما في أيديهم من أموال المسلمين وما عليهم من التبعات فوق مالهم فلو ردوا ما عليهم لم يبق في أيديهم شئ فهم بمنزلة الفقراء حتى قال محمد بن سلمة يجوز أخذ الصدقة لعلى بن عيسى بن يونس بن ماهان والى خراسان وكان أميرا ببلخ وجب عليه كفارة يمين فسأل عنها الفقهاء عما يكفر به فأفتوه بصيام ثلاثة أيام فجعل يبكى ويقول لحشمه انهم يقولون لى ما عليك من التبعات فوق مالك من المال وكفارتك كفارة يمين من لا يملك شيئا وكذلك ما يؤخذ من الرجل من الجبايات إذا نوى عند الدفع أن يكون ذلك من عشره وزكاته جاز على الطريق الذى قلنا (قال) وتقسم صدقة كل بلد على فقراء بلادهم ولا يخرج إلى غيرهم لقوله صلى الله عليه وسلم لمعاذ رضى الله تعالى عنه خذها من أغنيائهم وردها في فقرائهم ولان لفقراء تلك البلدة حق القرب والمجاورة واطلاعهم على أرباب أموالها أكثر فالصرف إليهم أولى لقوله صلى الله عليه وسلم أدناك فادناك ولما سأله رجل فقال ان لى جارين أيهما أبر فقال إلى أقربهما منك بابا وان أخرجها إلى غيرهم جاز
 
 
[ 181 ]
 
وهو مكروه وللشافعي رحمه الله تعالى قول انه لا يجوز لحديث معاذ رضى الله تعالى عنه من نقل عشره وصدقته من مخلاف عشيرته إلى غير مخلاف عشيرته فعشره وصدقته في مخلاف عشيرته أي مردودة عليهم (ولنا) ظاهر قوله تعالى انما الصدقات للفقراء وتخصيص فقراء البلدة ليس لمعنى في أعيانهم فلا يمنع جواز الصرف إلى غيرهم لان ما هو المقصود وهو سد خلة المحتاج قد حصل وقول معاذ رضى اله تعالى عنه محمول على بيان الاولى. ألا ترى أنه حين كان باليمن كان ينقل الصدقة إلى المدينة على ما قال في خطبته وأنفع لمن في المدينة من المهاجرين والانصار وانما كان ينقل إلى المدينة لان فقراءها كانوا اشرف الفقراء حيث هجروا أوطانهم وهاجروا لنصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وتعلم أحكام الدين وعلى هذا روى عن أبى حنيفة رحمه الله تعالى انه إذا كان لصاحب المال قرابة محتاجون في بلدة أخرى فلا بأس بأن يصرف الصدقة إليهم وهو أفضل له لما فيه من صلة الرحم مع اسقاط الفرض عن نفسه (قال) ومن كان في عسكر الخوارج سنين فلم يؤد صدقة ماله ثم تاب لم يؤخذ بها لانه لم يكن تحت حماية الامام حين وجبت عليه فحكمه كان لا يجرى عليه وعليه أن يؤدى فيما بينه وبين الله تعالى لان الحق قد لزمه بتقرر سببه فلا يسقط عنه الا بالاداء وصارت الاموال الظاهرة في حقه حين لم يثبت للامام حق الاخذ منها كالاموال الباطنة (قال) والعاشر يأخذ الصدقة من رسول أهل البغى إذا مر عليه كما يأخذها من المسلم لان أهل البغى مسلمون كما قال الله تعالى وان طائفتان من المؤمنين اقتتلوا إلى قوله فان بغت احداهما على الاخرى. وقال علي رضي الله عنه اخواننا بغوا علينا وانما يأخذ من سائر المسلمين ما لزمهم من الزكاة من المال الممرور به عليه فكذلك من أهل البغى (قال) ومن أسلم في دار الحرب وأقام في تلك الدار سنين فان عرف وجوب الزكاة عليه فلم يؤدها ثم خرج الينا لم يؤخذ بها لانه لم يكن تحت حماية الامام في ذلك الوقت ولكنه يفتى بأدائها فيما بينه وبين الله تعالى وإذا لم يعلم بوجوب الزكاة عليه فليس عليه أداؤها الا على قول زفر رحمه الله تعالى والقياس ما قاله لانه بقبول الاسلام صار قابلا لاحكامه وجهله عذر في دفع المأثم لا في اسقاط الواجب بعد تقرر سببه ولكنا استحسنا وقلنا توجه خطاب الشرع يتوقف على البلوغ إليه. ألا ترى أن أهل قباء كانوا يصلون إلى بيت المقدس بعد تحول القبلة إلى الكعبة وجوز لهم ذلك لانه لم يبلغهم وهذا لان التكليف بحسب الوسع ولا وسع في حق العمل
 
 
[ 182 ]
 
به قبل البلوغ إليه فصار كان الخطاب غير نازل في حقه وهذا لان الخطاب غير شائع في دار الحرب لان أحكام الاسلام غير شائعة في دار الحرب لقيام الشيوع مقام الوصول إليه (قال) وإذا حلف الرجل انه قد أدى صدقة ماله إلى المصدق الذى كان في تلك السنة فكف عنه المصدق ثم أطلع على كذبه بعد سنين أخذه بتلك الصدقة لان السبب المثبت لحق الاخذ له قد تقرر فلا يسقط باليمين الكاذبة كسائر حقوق العباد والتأخير ليس بمسقط حق الاخذ بعد ثبوته فلهذا أخذه بالصدقة والله أعلم * (باب زكاة الغنم) * (قال) رحمه الله تعالى الاصل في وجوب الزكاة في الغنم قول رسول الله صلى الله عليه وسلم مامن صاحب غنم لا يؤدى زكاتها الابطح لها يوم القيامة بقاع قرقر تطؤه بأظلافها وتنطحه بقرونها وقال صلى الله عليه وسلم لا ألفين أحدكم يأتي يوم القيامة وعلى عاتقه شاة تيعر يقول يا محمد يا محمد فاقول لا أملك لك من الله شيئا ألا قد بلغت إذا عرفنا هذا فنقول ليس في اقل من أربعين من الغنم السائمة صدقة فإذا كانت أربعين ففيها شاة إلى مائة وعشرين فإذا زادت واحدة ففيها شاتان إلى مائتين فإذا زادت واحدة ففيها ثلاث شياه إلى ثلثمائة ثم ليس في الزيادة شئ إلى أربعمائة فبعد ذلك في كل مائة شاة وقال الحسن بن حى رحمه الله تعالى إذا زادت على ثلثمائة ففيها أربع شياه وفى أربعمائة خمس شياه (وحجتنا) حديث أنس رضى الله عنه ان أبا بكر الصديق رضى الله عنه كتب كتاب الصدقات الذى كتبه له رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيه وفي أربعين من الغنم شاة وفى مائة وواحدة وعشرين شاتان وفى مائتين وواحدة ثلاث شياه إلى أربعمائة ففيها أربع شياه وقد بينا ان طريق معرفة النصب لا تكون بالرأى والاجتهاد بل بالنص (قال) ولا تؤخذ الجذعة من الغنم في الصدقة وانما يؤخذ الثنى فصاعدا والجذعة هي التى تم لها حول واحد وطعنت في الثانية والثنى الذى تم له سنتان وطعن في الثالثة وروى الحسن عن أبى حنيفة رحمه الله تعالى انه لا يؤخذ من المعز الا الثنى فاما من الضأن فتؤخذ الجذعة وهو قول أبى يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى وهو الذى ذكره الطحاوي في مختصره قال ولا يؤخذ في زكاة الغنم الا ما يجزى في الضحايا. وجه تلك الرواية قوله صلى الله عليه وسلم انما حقنا في الجذعة والثنى ولان الجذعة
 
 
[ 183 ]
 
من الضأن تجزى في الضحايا وهى أدعى للشروط من الاخذ في الزكاة فجواز التضحية بها يدل على أخذها في الزكاة بطريق الاولى. وجه ظاهر الرواية حديث علي رضى الله عنه موقوفا عليه ومرفوعا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يؤخذ في الزكاة الا الثنى فصاعدا ثم ما دون الثنى قاصر في نفسه. الا ترى انه لا يجوز أخذه من المعز ولا يؤخذ في الزكاة الا البالغ كما لا يؤخذ من المعز ما دون الثنى وكذلك في الضأن وهو القياس في الاضحية أيضا ولكن ترك لنص خاص ورد فيه وذلك إذا كان سمينا لو اختلط بالثنيات لا يمكن تمييزه قبل التأمل ومثل هذا يقارب الثنى فيما هو المقصود باراقة الدم وهنا ما دون الثنى لا يقارب الثنى فيما هو المقصود باراقة الدم من كل وجه فان منفعة النسل لا تحصل به (قال) ويجوز في زكاة الغنم أخذ الذكور والاناث عندنا وقال الشافعي رحمه الله تعالى لا يؤخذ الذكر الا إذا كان النصاب كله ذكورا لان منفعة النسل لا تحصل به ويجوز في زكاة الذكور لان الواجب جزء من النصاب (ولنا) قوله صلى الله عليه وسلم في أربعين شاة شاة واسم الشاة يتناول الذكر والانثى جميعا بالدليل الموجب فيه (قال) فان اختلط المعز بالضأن فلا خلاف ان نصاب البعض يكمل بالبعض ثم لا يوخذ الا الوسط عندنا وذلك الا دون من الا رفع والارفع من الادون ذكره في المنتقى وكذلك في البقر مع الجواميس وللشافعي فيه قولان في أحدهما يقول يؤخذ من جنس الاغلب منهما لان المغلوب لا يظهر في مقابلة الغالب وفى القول الآخر تقوم واحدة من الا رفع والاخرى من الادون ثم ينظر إلى نصف القيمتين فيوخذ واحدة بتلك القيمة قال وهو العدل وبه يتم النظر من الجانبين (ولنا) قوله صلى الله عليه وسلم لا تأخذوا من حزرات أموال الناس وخذوا من حواشى أموالهم والاخذ من الحواشى فيما قلنا (قال) والمتولد من الظبي والغنم يكون نصابا إذا كانت الام نعجة وكذلك المتولد من البقر الوحشى والبقر الاهلى عندنا العبرة للام وعند الشافعي رحمه الله تعالى لا تجب فيه الزكاة لانه تجاذبه جانبان أحدهما يوجب والآخر لا يوجب والاصل عدم الوجوب والوجوب بالشك لا يثبت ولكنا نقول المتولد من جنس الام يشبهها عادة ويتبعها في الحكم حتى يكون لمالك الام وحتى يتبع الولد الام في الرق والحرية وهذا لما عرف ان ماء الفحل يصير مستهلكا بمائها فالولد يكون منها (قال) رجل تزوج امرأة على غنم سائمة ودفعها إليها وحال الحول ثم طلقها قبل الدخول بها فعليها زكاة النصف ولا شئ على
 
 
[ 184 ]
 
الزوج لانه لم يكن مالكا لها في الحول انما عادت إليه بعده وأما المرأة فكانت مالكة للكل فكان النصاب كاملا فوجب عليها الزكاة ثم استحق البعض من يدها بسبب حادث بعد الحول فعليها الزكاة فيما بقى كما لو نقص النصاب فان كان لم يدفعها إليها حتى حال الحول ثم طلقها قبل ان يدخل بها فعلى قول أبى حنيفة رحمه الله الآخر لا زكاة عليها وفى قوله الاول عليها الزكاة في نصيبها إذا قبضت وكان نصابا تاما فان كان دون ذلك فلا زكاة عليها وفى قول أبى يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى عليها الزكاة في نصيبها سواء كان نصابا أو دونه بعد أن كان الكل نصابا وقد بينا هذا في زكاة الابل وأوضحه في الكتاب بما لو كان الصداق عبدا للخدمة فمر يوم الفطر وهو عندها ثم طلقها قبل ان يدخل بها فعليها صدقة الفطر ولو كان عند الزوج حين مر يوم الفطر ثم طلقها قبل ان يدخل بها فليس على واحد منهما صدقة الفطر عنه قبل هذا قول أبى حنيفة رحمه الله تعالى اما عندهما فينبغي أن تجب عليها صدقة الفطر وما قبل القبض كما بعده في حكم الزكاة والاصح أنه قولهم جميعا وهما فرقا وقالا صدقة الفطر تعتمد الولاية التامة لا مجرد الملك وذلك لا يحصل بدون اليد بخلاف الزكاة فانها وظيفة الملك وملكها في الصداق قبل القبض نام بدليل انه تتصرف كيف شاءت (قال) رجل له مائتا درهم وعليه مثلها دين وله أربعون من الغنم سائمة فحال الحول فعليه الزكاة في الغنم لان الدين يصرف إلى الدراهم فانه مخلوق للتقلب والتصرف معد له فاما السائمة فمعدة لاستبقاء الملك فيها وهذا إذا حضره المصدق فان لم يحضره فالخيار لرب المال ان شاء صرف الدين إلى السائمة وأدى الزكاة من الدراهم وان شاء صرف الدين إلى الدراهم وأدى الزكاة من السائمة لان في حق صاحب المال هما سواء وانما الاختلاف في حق المصدق فان له ولاية أخذ الزكاة من السائمة دون الدراهم فلهذا صرف الدين إلى الدراهم وأخذ الزكاة من السائمة (قال) رجل له أربعون شاة سائمة فحل عليها حولان فعليه للحول الاول شاة ولا شئ عليه للحول الثاني لان نصابه قد انتقص بما وجب عليه في الحول الاول وقد بينا قول زفر رحمه الله تعالى في نظيره في زكاة الابل فكذلك في زكاة الغنم (قال) في الكتاب وتفسير قوله لا يفرق بين مجتمع ان يكون للرجل مائة وعشرون شاة ففيها شاة وليس للمصدق أن يفرقها في ثلاثة مواطن ليأخذ من كل أربعين شاة وتفسير قوله لا يجمع بين متفرق أن يكون بين رجلين أربعون شاة فليس للمصدق أن يجمعها ويأخذ منها الزكاة وقد بينا أن المراد به الجمع
 
 
[ 185 ]
 
والتفريق في الملك لا في المكان وقد تقدم بيان هذا وبينا تفسير قوله وما كان بين الخليطين فانهما يتراجعان بينهما بالسوية ونزيده وضوحا فنقول المراد إذا كان بين رجلين احدى وستون من الابل لاحدهما ست وثلاثون وللآخر خمس وعشرون فان المصدق يأخذ منها بنت لبون وبنت مخاض ثم يرجع كل واحد منهما على صاحبه بنصف ما أخذ من ماله بزكاة صاحبه وحمله على هذا أولى فان التراجع على وزن التفاعل فينبغي أن يثبت من الجانبين في وقت واحد وذلك فيما قلنا (قال) والشريك المفاوض والعنان وغير ذلك كلهم سواء في حكم الصدقة لان وجوبها باعتبار حقيقة الملك وغنى المالك به ولا ملك للشريك في نصيب شريكه مفاوضا كان أو غيره (قال) وإذا مر المسلم على العاشر بالماشية وغيرها من الاموال فقال ليس شئ من هذا للتجارة وحلف على ذلك لا يأخذ منه شيئا لانه أمين فيما يلزمه من الزكاة فإذا أنكر وجوبها عليه فالقول قوله مع يمينه والعاشر لا يأخذ الا الزكاة ووجوب الزكاة بصفة الاسامة أو التجارة وما يمر به على العاشر لا يكون سائمة وقد انتفى صفة التجارة في حقه بحلفه فلا يأخذ منه شيئا وكذلك الذمي والتغلبي لانهما من أهل دارنا فمرورهما على العاشر قد يكون بغير مال التجارة كما يكون بمال التجارة كالمسلم وأما الحربى فلا يصدق في ذلك ويؤخذ منه العشر لان الاخذ منهم بطريق المجازاة وهم لا يصدقون في هذا من يمر به منا عليهم فكذلك نحن لا نصدقهم ولان الحربى في دارنا لا يدخل الا على قصد التجارة لانه ليس من أهل دارنا فما معه يكون للتجارة فلهذا أخذ منه (قال) رجل مات بعد ما وجبت عليه الصدقة في سائمته فجاء المصدق وهى في يد الورثة فليس له أن يأخذ منهم صدقتها الا أن يكون الميت أوصى بذلك فحينئذ يأخذ من ثلث ماله وقال الشافعي رحمه الله تعالى يأخذ الصدقة من جميع ماله أوصى أولم يوص. وحجته قوله صلى الله عليه وسلم في حديث الخثعمية أرأيت لو كان على أبيك دين أكنت تقضيه قالت نعم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فدين الله أحق فقد شبه رسول الله صلى الله عليه وسلم دين الله بدين العباد ثم دين العباد يقضى من التركة بعد الوفاة مقدما على الميراث فكذلك دين الله تعالى وهذا الفقه وهو أن هذا حق كان مطالبا به في حال حياته وتجرى النيابة في ايفائه فيستوفى من تركته بعد وفاته كديون العباد. وتقريره ان المال خلف عن الذمة بعد الموت في الحقوق التي تقضي بالمال والوارث قائم مقام المورث في أداء ما تجرى
 
 
[ 186 ]
 
النيابة في أدائه. ألا ترى أن بعد الايصاء يقوم مقامه في الاداء فكذلك قبله (وحجتنا) قوله صلى الله عليه وسلم يقول ابن آدم مالى مالى وهل لك من مالك الا ما أكلت فأفنيت أو لبست فأبليت أو تصدقت فأبقيت وما سوى ذلك فهو مال الوارث وهذا يقتضى ان ما لم يمضه من الصدقة يكون مال الوارث بعد موته وبه علل في الكتاب قال لانها خرجت من ملكه الذى كان له يعنى ان المال صار ملك الوارث ولم يجب على الوارث شئ ليؤخذ ملكه به وهذا لان حقوق الله تعالى مع حقوق العباد إذا اجتمعا في محل تقدم حقوق العباد على حقوق الله تعالى. ثم الواجب عليه فعل الايتاء وفعل الايتاء لا يمكن إقامته بالمال ليقوم المال فيه مقام الذمة بعد موته والوارث لا يمكن أن يجعل نائبا في أداء الزكاة لان الواجب ما هو عبادة ومعني العبادة لا يتحقق الابنية وفعل ممن يجب عليه حقيقة أو حكما وخلافة الوارث المورث تكون جبرا من غير اختيار من المورث وبه لا تتأدى العبادة واستيفاء الواجب لا يجوز الا من الوجه الذى وجب فإذا لم يمكن استيفاؤه من ذلك الوجه لا يستوفى الا أن يكون أوصى فحينئذ يكون بمنزلة الوصية بسائر التبرعات تنفذ من ثلثه ويظهر بما ذكرنا الفرق بين ديون الله تعالى وبين ديون العباد إذا تأملت. فان كان موت صاحب السائمة في وسط الحول ينقطع به حكم الحول عندنا لخروجها عن ملكه كما لو باعها. وقال الشافعي رحمه الله تعالى يبنى على حوله فإذا تم فعلى الوارث الزكاة قال لان ملك الوارث بناء على ملك المورث وليس بابتداء ملك بدليل ثبوت حق الرد بالعيب وغيره ولكنا نقول صفة المالكية للوارث متجددة وفى حكم الزكاة المالك معتبر فلتجدد صفة المالكية قلنا يستقبل الحول في ملك الوارث والله سبحانه وتعالى أعلم * (باب زكاة البقر) * (الاصل في وجوب الزكاة في البقر) حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في مانعي الزكاة لا ألفين أحدكم يأتي يوم القيامة وعلى عاتقه بعير له رغاء فيقول يا محمد يا محمد فاقول لا أملك لك من الله شيئا ألا قد بلغت ولا ألفين أحدكم يأتي يوم القيامة وعلى عاتقه بقرة لها ثغاء فيقول يا محمد يا محمد فاقول لا أملك لك من الله شيئا ألا قد بلغت ولا ألفين أحدكم يأتي يوم القيامة وعلى عاتقه فرس لها حمحمة فيقول يا محمد يا محمد فاقول لا أملك لك من الله شيئا ألا
 
 
[ 187 ]
 
قد بلغت إذا عرفنا هذا فنقول ليس فيما دون ثلاثين بقرة سائمة صدقة وفي ثلاثين منها تبيع أو تبيعة وهي التى لها سنة وطعنت في الثانية وفى أربعين منها مسنة وهى التى تم لها سنتان وبهذا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم معاذ بن جبل رضى الله عنه حين بعثه إلى اليمن واختلفت الروايات فيما زاد على الاربعين فقال في كتاب الزكاة وما زاد على الاربعين ففى الزيادة بحساب ذلك ولم يفسر هذا الكلام وفي كتاب اختلاف أبى حنيفة وابن أبى ليلى رحمهما الله تعالى قال إذا كان له أحدى وأربعون بقرة فقال أبو حنيفة رحمه الله تعالى عليه مسنة وربع عشر مسنة أو ثلث عشر تبيع وهذا يدل على انه لانصاب عنده في الزيادة على الاربعين فانه تجب فيه الزكاة قل أو أكثر بحساب ذلك وروى الحسن عن أبي حنيفة رحمهما الله تعالى أنه لا يجب في الزيادة شئ حتى تبلغ خمسين ففيها مسنة وربع مسنة أو ثلث تبيع وروى أسد بن عمرو عن أبى حنيفة رحمهما الله تعالى أنه ليس في الزيادة شئ حتى تكون ستين ففيها تبيعان وهو قول أبي يوسف ومحمد والشافعي رحمهما الله تعالى ثم لا خلاف أنه ليس في الزيادة شئ إلى سبعين ثم بعد ستين الاوقاص تسع تسع وان الواجب في كل ثلاثين تبيع وفى كل أربعين مسنة حتى إذا كانت سبعين ففيها مسنة وتبيع وفي ثمانين مسنتان وفى تسعين ثلاثة أتبعة وفى المائة مسنة وتبيعان وفى مائة وعشر مسنتان وتبيع وفى مائة وعشرين ان شاء أدى ثلاث مسنات وان شاء أدى أربعة أتبعة فانها ثلاث مرات أربعون وأربع مرات ثلاثون. وجه قول أبى يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى حديث معاذ ان النبي صلى الله عليه وسلم قال لا تأخذوا من أوقاص البقر شيئا وفسروا الاوقاص بما بين الاربعين إلى الستين ولان مبنى زكاة السائمة على أنه لا يجب فيها الاشقاص دفعا للضرر عن أرباب الاموال حتى ان في الابل عند قلة العدد أوجب من خلاف الجنس تحرزا عن ايجاب الشقص فكذلك في زكاة البقر لا تجوز الاشقاص لانها عيب. ووجه رواية الحسن رحمه الله تعالى ان الاوقاص في البقر تسع تسع بدليل ما قبل الاربعين وبعد الستين فكذلك فيما بين ذلك لانه يلحق بما قبله أو بما بعده ووجه الرواية الاخرى أن نصب النصاب بالرأى لا يكون وانما يكون طريق معرفته النص ولا نص فيما بين الاربعين إلى الستين فإذا تعذر اعتبار النصاب فيه أوجبنا الزكاة في قليله وكثيره بحساب ما سبق وحديث معاذ رضى الله عنه المراد به حال قلة العدد في الابتداء فان الوقص في الحقيقة اسم لما لم يبلغ نصابا وذلك
 
 
[ 188 ]
 
في الابتداء يكون وقيل المراد بالاوقاص الصغار وهى العجاجيل وبه نقول انه لا شئ فيها (قال) والجواميس بمنزلة البقر وقد بينا هذا فيما سبق من زكاة الغنم (قال) وذكورها وإناثها في الصدقة سواء وكذلك في الاخذ لافرق بين الذكور والاناث في زكاة البقر بخلاف زكاة الابل فانه لا يؤخذ فيها الا الاناث وهذا لتقارب ما بين الذكور والاناث في الغنم والبقر وتباين ما بينهما في الابل وقد بينا هذا في زكاة الابل. فأما الخيل السائمة إذا اختلط ذكورها وإناثها ففيها الصدقة في قول ابى حنيفة رحمه الله تعالى ان شاء صاحبها أدى عن كل فرس دينارا وان شاء قومها وأدى عن كل مائتي درهم خمسة دراهم وعند أبى يوسف ومحمد والشافعي رحمهم الله تعالى لا شئ فيها. فان كانت إناثا كلها فعن أبى حنيفة رحمه الله تعالى فيه روايتان ذكرهما الطحاوي رحمه الله تعالى وان كانت ذكورا كلها فليس فيها شئ الا في رواية عن أبى حنيفة رحمه الله تعالى ذكرها في كتاب الآثار. وجه قولهم قول رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة وفى الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال عفوت لامتي عن صدقة الخيل والرقيق الا ان في الرقيق صدقة الفطر ولانه لا يثبت للامام حق الاخذ بالاتفاق ولا يجب من عينها شئ ومبنى زكاة السائمة على أن الواجب جزء من العين وللامام فيه حق الاخذ بدليل سائر الحيوانات واحتج أبو حنيفة رحمه الله تعالى بحديث ابن الزبير عن جابران رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في كل فرس سائمة دينار أو عشرة دراهم وليس في المرابطة شئ وان عمر بن الخطاب رضى الله عنه كتب إلى أبى عبيدة بن الجراح رضى الله عنه وأمره بأن يأخذ من الخيل السائمة عن كل فرس دينارا أو عشرة دراهم ووقعت هذه الحادثة في زمن مروان فشاور الصحابة رضى الله عنهم فروى أبو هريرة ليس على الرجل في عبده ولا في فرسه صدقة فقال مروان لزيد بن ثابت ما تقول يا أبا سعيد فقال أبو هريرة عجبا من مروان أحدثه بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول ماذا تقول يا أبا سعيد قال زيد صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم وانما أراد فرس الغازى فاما ما حبست لطلب نسلها ففيها الصدقة فقال كم فقال في كل فرس دينار أو عشرة دراهم والمعنى فيه انه حيوان سائم في أغلب البلدان فتجب فيه زكاة السائمة كالابل والبقر والغنم الا أن الآثار فيها لم تشتهر لعزة الخيل ذلك الوقت وما كانت الا معدة للجهاد وانما لم يثبت أبو حنيفة رحمه الله تعالى للامام ولاية الاخذ لان الخيل مطمع كل طامع فانه سلاح والظاهر انهم إذا علموا به لا يتركونه
 
 
[ 189 ]
 
لصاحبة وانما لم يؤخذ من عينه لان مقصود الفقير لا يحصل به لان عينه غير مأكول اللحم عنده وأما الاناث قال في أحدى الروايتين التى ذكرها الطحاوي رحمه الله تعالى أنه لا شئ فيها لان معنى النماء فيها من حيث النسل وذلك لا يحصل بالاناث المفردات وفى الاخرى قال يمكن أن يستعار لها فحل فيحصل النماء من حيث النسل واما في الذكور المنفردين لا شئ فيها في ظاهر الرواية لان معنى النسل لا يحصل بها وبزيادة السن لا تزداد القيمة في الخيل بخلاف سائر الحيوانات ومعنى السمن غير معتبر لان عينه غير مأكول عنده فلهذا قال لانعدام النماء لا شئ عليه فيها وفى رواية الآثار جعل هذا قياس سائر أنراع السائمة فان بسبب السوم تخف المؤنة على صاحبها وبه يصير مال الزكاة فكذلك في الخيل (قال) وليس في الحمير والبغال السائمة صدقة لان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال حين سئل عن البغال والحمير لم ينزل على فيها الا هذه الآية الجامعة فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره ولانها لاتسام في غالب البلدان مع كثرة وجودها والنادر لا يعتبر انما يعتبر الحكم العام الغالب فلهذا لا تجب فيها زكاة السائمة والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب * (باب زكاة المال) * (قال) وليس في أقل من مائتي درهم زكاة فإذا بلغت مائتي درهم وحال عليها الحول ففيها خمسة دراهم لحديث عمرو بن حزم رضي الله تعالى عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال في الورقة ليس فيها صدقة حتى تبلغ مائتي درهم فإذا بلغت مائتي درهم ففيها خمسة دراهم وحين بعث معاذا رضى الله تعالى عنه إلى اليمن قال ليس فيما دون مائتي درهم من الورق شئ وفى مائتين خمسة وما زاد على المائتين فليس فيه شئ حتى تبلغ أربعين ففيها درهم مع الخمسة وفى قول أبى حنيفة رحمه الله تعالى وهكذا في كل أربعين درهما درهم وهو قول عمر ابن الخطاب رضى الله تعالى عنه وقال أبو يوسف ومحمد والشافعي يجب في الزيادة بحساب ذلك قل أو كثر حتى إذا كانت الزيادة درهما ففيها جزء من أربعين جزأ من درهم وهو قول على وابن عمر وابراهيم النخعي رحمهما الله تعالى وقال طاووس اليماني رحمه الله تعالى لا يجب في الزيادة شئ حتى تبلغ مائتي درهم ويجب في كل مائتي درهم خمسة دراهم واحتجوا بحديث على بن أبي طالب عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في مائتي درهم خمسة دراهم وما زاد
 
 
[ 190 ]
 
فبحساب ذلك ولان نصب النصاب لا يكون الا بالتوقيف ولم يشتهر الاثر باعتبار نصيب المائتين ثم اعتبار النصاب في الابتداء لحصول الغنى للمالك به ففى الزيادة المعتبر زيادة الغنى وذلك حاصل بالقليل والكثير واحتج أبو حنيفة بحديث عمرو بن حزم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وفى كل مائتي درهم خمسة دراهم وفي كل أربعين درهما درهم ولم يرد به في الابتداء فعلم أن المراد به بعد المائتين وفى حديث معاذ رضى الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له لا تأخذ من الكسور شيئا وفى مائتي درهم خمسة دراهم فما زاد على ذلك ففى كل أربعين درهما درهم وقاس بالسوائم ففيها وقص بعد النصاب الاول وكذلك في النقود بعلة أن الزكاة واجبة في الكل على وجه يحصل به النظر للفقراء وأرباب الاموال وحديث على رضى الله تعالى عنه لم ينقله أحد من الثقات مرفوعا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فالمصير إلى مارويناه أولى (قال) وليس في أقل من عشرين مثقالا من المذهب زكاة لحديث عمرو بن حزم قال فيه وفى الذهب ما لم تبلغ قيمته مائتي درهم فلا صدقة فيه والدينار كان مقوما بعشرة دراهم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فذلك تنصيص على أنه لا شئ في الذهب حتى يبلغ عشرين مثقالا ففيه نصف مثقال ثم ليس في الزيادة شئ حتى تبلغ أربعة دنانير ففي قول أبى حنيفة رحمه الله تعالى فيها قيراطان وهكذا في كل أربعة مثاقيل. وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى فيما زاد بحساب ذلك هذا والدراهم سواء كما بينا وكذلك زكاة مال التجارة يجب بالقيمة والكلام فيه في فصول (أحدها) أن الزكاة تجب في عروض التجارة إذا حال الحول عندنا. وقال مالك رحمه الله تعالى إذا باعها زكى لحول واحد وان مضى عليها في ملكه أحوال وقال نفاة القياس لا شئ فيها والدليل على وجوب الزكاة فيها حديث سمرة بن جندب أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأمرنا باخراج الزكاة من الرقيق وفى كل مال يتبعه وفي حديث أبي ذر رضى الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال وفى البر صدقة إذا كان للتجارة وفي حديث عمر رضى الله عنه انه قال لحماس ما مالك يا حماس فقال ضأن وأدم قال قومها وأد الزكاة من قيمتها والدليل على اعتبار الحول قوله صلى الله عليه وسلم لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول ثم معنى النماء مطلوب في أموال التجارة في قيمتها كما أنه مطلوب في السوائم من عينها وكما يتجدد وجوب الزكاة في السوائم باعتبار كل حول يتجدد النماء بمضيه فكذك في مال التجارة ويعتبر أن
 
 
[ 191 ]
 
تكون قيمتها نصابا في أول الحول وآخره كما في السوائم عندنا وعلى قول الشافعي رحمه الله تعالى المعتبر كمال النصاب آخر الحول فقط وقد بينا هذا قال في الكتاب ويقومها يوم حال الحول عليها ان شاء بالدراهم وان شاء بالدنانير وعن أبى حنيفة رحمه الله تعالى في الامالى أنه يقومها بأنفع النقدين للفقراء وعن أبى يوسف رحمه الله تعالى أنه يقومها بما اشتراها ان كان اشتراها بأحد النقدين فيقومها به وان كان اشتراها بغير نقود قومها بالنقد الغالب في البلد وعن محمد رحمه الله تعالى انه يقومها بالنقد الغالب على كل حال. وجه قول محمد رحمه الله تعالى أن التقويم في حق الله تعالى معتبر بالتقويم في حق العباد ومتى وقعت الحاجة إلى تقويم المغصوب والمستهلك يقوم بالنقد الغالب في البلد فهذا مثله وأبو يوسف يقول البدل معتبر بأصله فان كان اشترى بأحد النقدين فتقويمه بما هو أصله أولى. وجه قول أبى حنيفة أن المال كان في يد المالك وهو المنتفع به في زمان طويل فلابد من اعتبار منفعة الفقراء عند التقويم لاداء الزكاة فيقومها بأنفع النقدين. ألا ترى أنه لو كان يتقويمه بأحد النقدين يتم النصاب وبالآخر لايتم فانه يقوم بما يتم به النصاب لمنفعة الفقراء فهذا مثله. وجه رواية الكتاب أن وجوب الزكاة في عروض التجارة باعتبار ماليتها دون أعيانها والتقويم لمعرفة مقدار المالية والنقدان في ذلك على السواء فكان الخيار إلى صاحب المال يقومها بأيهما شاء. ألا ترى أن في السوائم عند الكثرة وهو ما إذا بلغت الابل مائتين الخيار إلى صاحب المال ان شاء أدى أربع حقاق وان شاء أدى خمس بنات لبون فهذا مثله ثم وجوب الزكاة عندنا في عين مال التجارة باعتبار قيمتها وعلى قول الشافعي رحمه الله تعالى الوجوب في قيمتها لان النصاب معتبر بالقيمة فعرفنا أن الواجب فيها (ولنا) أن الواجب في ملكه وملك العين فكان الواجب باعتبار صفة المالية (قال) وما كان من الدراهم والدنانير والذهب والفضة تبرا مكسورا أو حليا مصوغا أو حلية سيف أو منطقة أو غير ذلك ففى جميعه الزكاة إذا بلغ الذهب عشرين مثقالا أو من الفضة مائتي درهم نوى به التجارة أو لم ينو * والاصل فيه قوله تعالى والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم والكنز اسم لمال مدفون لايراد به التجارة وقد ألحق الله الوعيد بما نعى الزكاة منها فذلك دليل على وجوب الزكاة فيها بدون نية التجارة ثم سائر الاموال مخلوقة للابتذال والانتفاع بأعيانها فلا تصير معدة للنماء الا بفعل من العباد من إسامة أو تجارة. وأما الذهب
 
 
[ 192 ]
 
والفضة فخلقا جوهرين للاثمان لمنفعة التقلب والتصرف فكانت معدة للنماء على أي صفة كانت فتجب الزكاة فيها (قال) والحلى عندنا نصاب للزكاة سواء كان للرجل أو للنساء مصوغا صياغة تحل أو لا تحل. وللشافعي رحمه الله تعالى في حلى النساء قولان في أحد القولين لا شئ فيه وهو مروى عن عمر وعائشة رحمهما الله تعالى قال انه مبتذل في مباح فلا يكون مال الزكاة كمال البذلة بخلاف حلى الرجال فانه مبتذل في محظور وهذا لان الحظر شرعا يسقط اعتبار الصنعة والابتذال حكما فيكون مال الزكاة بخلاف ما إذا كان مباحا شرعا وهو نظير ذهاب العقل يسقط اعتباره شرعا بخلاف ذهاب العقل بسبب شرب دواء فانه لا يسقط اعتباره شرعا (ولنا) حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى امرأتين تطوفان بالبيت وعليهما سواران من ذهب فقال أتؤديان زكاتهما فقالتا لا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أتحبان أن يسوركما الله بسوارين من نار فقالتا لا فقال صلى الله عليه وسلم أديا زكاتهما والمراد الزكاة دون الاعارة لانه ألحق الوعيد بهما وذلك لا يكون الا بترك الواجب والاعارة ليست بواجبة وفى حديث أم سلمة أنها كانت تلبس أوضاحا لها من ذهب فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أكنز هي فقال ان أديت منها الزكاة فليست بكنز والمعنى فيه أن الزكاة حكم تعلق بعين الذهب والفضة فلا يسقط بالصنعة كحكم التقابض في المجلس عند بيع أحدهما بالآخر وجريان الربا وبيان الوصف أن صاحب الشرع ما اعتبر في الذهب والفضة مع اسم العين وصفا آخر لايجاب الزكاة فعلى أي وجه أمسكهما المالك للنفقة أو لغير النفقة تجب عليه الزكاة ولو كان للابتذال فيهما عبرة لم يفترق الحال بين أن يكون محظورا أو مباحا كما في السوائم إذا جعلها حمولة ثم الابتذال هاهنا لمقصود الحمل زائد لا يتعلق به حياة النفس أو المال فلا تنعدم به صفة التنمية الثابتة لهذين الجوهرين باعتبار الاصل (قال) وان كان له عشرة مثاقيل ذهب ومائة درهم ضم أحدهما إلى الآخر في تكميل النصاب عندنا وعلى قول الشافعي رحمه الله تعالى لا يضم أحدهما إلى الآخر بل يعتبر كمال النصاب من كل واحد منهما على حدة لانهما جنسان مختلفان فلا يضم أحدهما إلى الآخر ليكمل النصاب كالسوائم وبيان الوصف من حيث الحقيقة غير مشكل ومن حيث المعنى أنه لا يجرى بينهما ربا الفضل (ولنا) حديث بكير بن عبد الله بن الاشج رضى الله عنه قال من السنة أن يضم الذهب إلى الفضة لايجاب الزكاة ومطلق السنة ينصرف إلى
 
 
[ 193 ]
 
سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولانهما مالان يكمل نصاب أحدهما بما يكمل به نصاب الآخر فيكمل نصاب أحدهما بالآخر كالسود مع البيض والنيسابوري من الدنانير مع الهروي وبيان الوصف ان نصاب كل واحد منهما يكمل بمال التجارة وهذا لانهما وان كانا جنسين مختلفين صورة ففى حكم الزكاة هما جنس واحد حتى يتفق الواجب فيهما فيتقدر بربع العشر على كل حال ووجوب الزكاة فيهما باعتبار معنى واحد وهو المالية القائمة باعتبار أصلهما فإذا وجبت الزكاة عند ضم أحدهما إلى الآخر اختلفت الرواية فيما يؤدى فروى الحسن بن أبى مالك عن أبى يوسف عن أبى حنيفة رحمهما الله تعالى انه يؤدى من مائة درهم درهمين ونصفا ومن عشرة مثاقيل ذهب ربع مثقال وهو احدى الروايتين عن أبى يوسف رحمه الله تعالى ووجهه أنه أقرب إلى المعادلة والنظر من الجانبين وعن أبى يوسف رحمه الله تعالى في رواية أخرى أنه يقوم أحدهما بالآخر ثم يؤدى الزكاة من نوع واحد وهذا أقرب إلى موافقة نصوص الزكوات. ثم اختلفوا في كيفية الضم فقال أبو حنيفة رحمه الله تعالى يضم أحدهما إلى الآخر باعتبار القيمة وقال أبو يوسف ومحمد باعتبار الاجزاء وهو أحدى الروايتين عن أبى حنيفة رحمه الله تعالى ذكره في نوادر هشام رحمه الله تعالى. وبيان ذلك أنه إذا كان له مائة درهم وخمسة مثاقيل ذهب تساوى مائة درهم أو خمسون درهما وعشرة مثاقيل ذهب تساوى مائة وخمسين درهما فعند أبى حنيفة رحمه الله تعالى يضم أحدهما إلى الآخر وتجب الزكاة وعندهما يضم باعتبار الاجزاء وقد ملك نصف نصاب أحدهما وربع نصاب الآخر فلا يجب فيهما شئ ثم عند أبى حنيفة رحمه الله تعالى يعتبر في التقويم منفعة الفقراء كما هو أصله حتى روى عنه أنه إذا كان للرجل مائة وخمسة وتسعون درهما ودينار يساوى خمسة دراهم أنه تجب الزكاة وذلك بأن يقوم الذهب بالفضة. وجه قولهما ان التقويم في النقود ساقط الاعتبار كما في حقوق العباد فان سائر الاشياء تقوم بها ألا ترى ان من ملك أبريق فضة وزنه مائة وخمسون وقيمته مائتا درهم لا يجب فيه الزكاة ولو كان للتقويم عبرة في باب الزكاة من الذهب والفضة لوجبت الزكاة ههنا وأبو حنيفة رحمه الله تعالى يقول عما عينان وجب ضم أحدهما إلى الآخر لايجاب الزكاة فكان الضم باعتبار القيمة كعروض التجارة وهذا لان كمال النصاب لا يكون الا عند اتحاد الجنس وذلك لا يكون الاباعتبار صفة المالية دون العين فان الاموال أجناس باعتبار أعيانها جنس واحد
 
 
[ 194 ]
 
باعتبار صفة المالية فيها وهذا بخلاف الابريق فانه ما وجب ضمه إلى شئ آخر حتى تعتبر فيه القيمة وهذا لان القيمة في الذهب والفضة انما تظهر شرعا عند مقابلة أحدهما بالآخر فان الجودة والصنعة لاقيمة لها إذا قوبلت بجنسها لقوله صلى الله عليه وسلم جيدها ورديئها سواء فاما عند مقابلة أحدهما بالآخر فيظهر للجودة قيمة. ألا ترى أنه متى وقعت الحاجة إلى تقويم الذهب والفضة في حقوق العباد يقوم بخلاف جنسه فكذا في حقوق الله تعالى وجميع ما ذكرنا في نصاب الذهب والفضة المعتبر فيهما الوزن دون العدد لان في النص ذكر الدرهم والدينار وهو يشتمل على مالا يعلم الا بالوزن من الدوانيق والحبات والمعتبر في الدنانير وزن المثقال وفى الدراهم وزن سبعة وهو أن يكون كل عشرة منها بوزن سبعة مثاقيل وهو الوزن المعروف في الدراهم في غالب البلدان وأصله وهو أنه كان في الجاهلية نوعان من الدراهم يقال لهما مثاقيل وخفاف فلما أرادوا في الاسلام ضرب الدراهم جمعوا أحدهما إلى الآخر وجعلوه درهمين فكان وزن سبعة ولم يبين في الكتاب صفة الدراهم وروى الحسن عن أبى حنيفة رحمهما الله تعالى أن الزكاة تجب في الجياد من الدراهم والزيوف والنبهرجة والمكحلة والمزيفة قال لان الغالب في كلها الفضة وما يغلب فضته على غشه يتناوله اسم الدراهم مطلقا اما في الستوقة وهو ما يغلب غشه على فضته نظر إلى ما يخلص منه من الفضة فان بلغ وزنه مائتي درهم تجب فيها الزكاة والا فلا ومراده إذا لم تكن للتجارة فان كانت تلك الدراهم للتجارة فالعبرة بقيمتها كما في عروض التجارة وقد ذكر في روايته في الفلوس والدراهم المضروبة من الصفر إذا كان لا يخلص منها فضة فان لم تكن للتجارة فلا شئ فيها وان كانت للتجارة فان بلغت قيمتها مائتي درهم مما يغلب فيها الفضة ففيها الزكاة وكان الشيخ الامام أبو بكر محمد بن الفضل البخاري رحمه الله تعالى يفتى بوجوب الزكاة في المائتين من الدراهم الغطريفية عددا وكان يقول هي من أعز النقود فينا بمنزلة الفضة فيهم ونحن أعرف بنقودنا وهو اختيار شيخنا الامام الحلواني رحمه الله تعالى وهو الصحيح عندي (قال) رجل له على رجل ألف درهم قرض أو ثمن متاع كان للتجارة فحال الحول ووجبت الزكاة عليه لا يلزمه الاداء قبل القبض عندنا وقال الشافعي رحمه الله تعالى يلزمه الاداء لان صيرورة المال دينا كان بتصرفه واختياره وذلك غير معتبر في تأخير حق الفقراء فانه كما لا يملك ابطال حقهم لا يملك التأخير ولان هذا مال مملوك كالعين (ولنا) ان
 
 
[ 195 ]
 
الواجب جزء من النصاب فإذا كان النصاب دينا فيده مقصورة عما هو حق الفقراء فلا يلزمه الاداء ما لم تصل يده إليه بالقبض كابن السبيل. ثم الديون على ثلاث مراتب عند أبى حنيفة رحمه الله تعالى دين قوى وهو ما يكون بدلا عن مال كان أصله للتجارة لو بقي في ملكه ودين وسط وهو ان يكون بدلا عن مال لا زكاة فيه لو بقى في ملكه كثياب البذلة والمهنة ودين ضعيف وهو ما يكون بدلا عما ليس بمال كالمهر وبدل الخلع والصلح عن دم العمد ففى الدين القوى لا يلزمه الاداء ما لم يقبض أربعين درهما فإذا قبض هذا المقدار أدى درهما وكذلك كلما قبض أربعين درهما وفى الدين المتوسط لا يلزمه الاداء ما لم يقبض مائة درهم فحينئذ يؤدى خسمة دراهم وفى الدين الضعيف لا تلزمه الزكاة ما لم يقبض ويحول الحول عنده وروى ابن سماعة عن أبى يوسف عن أبى حنيفة رحمهم الله تعالى ان الدين نوعان وجعل الوسط كالضعيف وهو اختيار الكرخي على ما ذكره في المختصر. وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما تعالى الديون كلها سواء لا تجب الزكاة فيها قبل القبض وكلما قبض شيئا يلزمه الاداء بقدره قل أو أكثر ماخلا دين الكتابة فانه لا يجب عليه فيه الزكاة حتى يحول عليه الحول بعد القبض وذكر الكرخي ان المستثنى عندهما دينان الكتابة والدية على العاقلة. وجه قولهما ان الديون في المالية كلها سواء من حيث ان المطالبة تتوجه بها في الحياة وبعد الوفاة وتصير مالا بالقبض حقيقة فتجب الزكاة في كلها ويلزمه الاداء بقدر ما يصل إليه كابن السبيل بخلاف دين الكتابة فانه ليس بدين على الحقيقة حتي لا تتوجه المطالبة به ولا تصح الكفالة به وهذا لان المولى لا يستوجب على عبده دينا وكذلك الدية على العاقلة وجوبها بطريق الصلة لا أنه دين على الحقيقة حتى لا يستوفى من تركة من مات من العاقلة. وجه قول أبى حنيفة رحمه الله تعالى ان ما هو بدل عما ليس بمال فملك المالية يثبت فيه ابتداء فهو دين والدين ليس بمال على الحقيقة حتى لو حلف صاحبه أن لامال له لا يحنث في يمينه وانما تتم المالية فيه عند تعيينه بالقبض فلا يصير نصاب الزكاة ما لم تثبت فيه صفة المالية والحول لا ينعقد الا على نصاب الزكاة فاما ما كان بدلا عن مال التجارة فملك المالية كان تاما في أصله قبل أن يصير دينا فبقى على ما كان لان الخلف يعمل عمل الاصل فيجب فيه الزكاة قبل القبض ولكن وجوب الاداء يتوقف على القبض ونصاب الاداء يتقدر بأربعين درهما عند أبى حنيفة رحمه الله تعالى كما بينا في الزيادة على المائتين واما بدل ثياب البذلة والمهنة فذهب الكرخي إلى أن
 
 
[ 196 ]
 
أصله لم يكن مالا شرعا حتى لم يكن محلا للزكاة فهو وما لم يكن أصله مالا على الحقيقة سواء. وجه ظاهر الرواية أنه أخذ شبها من أصلين من عروض التجارة باعتبار أن أصله مال على الحقيقة ومن المهر باعتبار ان أصله ليس بمال في حكم الزكاة شرعا فيوفر حظه منهما ويقال ان وجوب الزكاة فيه ابتداء فيعتبر في المقبوض ان يكون نصاب الزكاة وهو المائتان ويجب فيها الزكاة قبل القبض من حيث ان ملك المالية لم يثبت في الدين ابتداء. وفي الاجرة ثلاث روايات عن أبى حنيفة رحمه الله تعالى في رواية جعلها كالمهر لانها ليست ببدل عن المال حقيقة لانها بدل عن المنفعة وفى رواية جعلها كبدل ثياب البذلة لان المنافع مال من وجه لكنه ليس بمحل لوجوب الزكاة فيه. والاصح أن أجرة دار التجارة أو عبد التجارة بمنزلة ثمن متاع التجارة كلما قبض منها أربعين تلزمه الزكاة اعتبارا لبدل المنفعة ببدل العين. وان كان الدين وجب له بميراث أو وصية أوصى له به ففي كتاب الزكاة جعله كالدين الوسط وقال إذا قبض مائنى درهم تلزمه الزكاة لما مضي لان ملك الوارث ينبني على ملك المورث وقد كان في ملك المورث بدلا عما هو مال وفى نوادر الزكاة جعله كالدين الضعيف لان الوارث ملكه ابتداء وهو دين فلا تجب فيه الزكاة حتى يقبض ويحول عليه الحول عنده وان كان الدين ضمان قيمة عبد أعتق شريكه نصيبه منه فاختار تضمينه فهذا والدين الواجب بسبب بيعه نصيبه من شريكه سواء لان هذا الضمان يوجب الملك لشريكه في نصيبه وان كان الدين سعاية لزم ذمة العبد بعتق شريكه وهو معسر ففي الكتاب يقول هو ودين الكتابة سواء لا يجب فيه الزكاة حتى يحول عليه الحول بعد القبض قيل هو قول أبى حنيفة رحمه الله تعالى فان المستسعى عنده مكاتب فاما عندهما فالمستسعى حر عليه دين فيجب فيه الزكاة عندهما قبل القبض وقيل هو قولهم جميعا وعذرهما ان سبب وجوب هذا الدين لم يكن من العبد فكان صلة في حقه فلا يتم الملك فيه الا بالقبض كالدية على العاقلة (قال) رجل له ألف درهم فحال عليها الحول ثم اشترى بها عبدا للتجارة فمات العبد لم يضمن الزكاة وان اشترى بها عبدا للخدمة فهو ضامن للزكاة لان المشترى للتجارة محل لحق الفقراء فهو بتصرفه حول حقهم من محل إلى محل فلم يكن مستهلكا وكان هلاك البدل في يده كهلاك الاصل فاما عبد الخدمة فليس بمحل لحق الفقراء حتى صار هو بتصرفه مفوتا محل حقهم فيصير ضامنا للزكاة مات العبد في يده أو بقى. ألا ترى ان في خلال الحول لو اشترى عبدا للتجارة لم ينقطع فيه 
 
 
[ 197 ]
 
الحول بخلاف ما إذا اشترى بالالف عبدا للخدمة ولو أبدل الدراهم بالدنانير أو الدنانير بالدراهم في خلال الحول لم ينقطع الحول عندنا. وقال الشافعي رحمه الله تعالى إذا بادل بالدنانير انقطع الحول وهو بناء على أصله انهما جنسان في باب الزكاة حتى لا يضم أحدهما إلى الآخر فهو كالسوائم وعندنا هما جنس واحد في حكم الزكاة حتى يضم أحدهما إلى الآخر فكانا بمنزلة عروض التجارة يبادل بها في خلال الحول (قال) رجل له ألف درهم وعليه ألف درهم وله دار وخادم لغير التجارة بقيمة عشرة آلاف درهم فلا زكاة عليه لان الدين مصروف إلى المال الذى في يده لانه فاضل عن حاجته معد للتقليب والتصرف به فكان الدين مصروفا إليه فاما الدار والخادم فمشغول بحاجته فلا يصرف الدين إليه (قال) في الكتاب أرأيت لو تصدق عليه أنه يكون موضعا للصدقة لانه معدوم يريد به أن المال مشغول بالدين فهو كالمعدوم وملك الدار والخادم لا يحرم عليه أخذ الصدقة لانه لا يزيل حاجته بل يزيد فيها فالدار تسترم والعبد يستنفق فلابد له منهما وهو في معنى ما نقل عن الحسن البصري رحمه الله تعالى ان الصدقة كانت تحل للرجل وهو صاحب عشرة آلاف درهم قيل وكيف يكون ذلك قال يكون له الدار والخادم والكراع والسلاح وكانوا ينهون عن بيع ذلك فعلى هذا قال مشايخنا رحمهم الله تعالى ان الفقيه إذا مالك من الكتب ما يساوى مالا عظيما ولكنه محتاج إليها يحل له أخذ الصدقة الا ان يملك فضلا عن حاجته ما يساوى مائتي درهم (قال) وان كان للرجل التاجر ديون على الناس وفيهم الملئ وغير الملئ وحال الحول فمن كان متهم مقرأ مليا وجبت فيه الزكاة على صاحبه ولزمه الاداء إذا قبض أربعين درهما ومن كان منهم جاحدا فليس فيه الزكاة على صاحبه الا على قول زفر رحمه الله تعالى وقد بينا هذا في تفسير مال الضمار ومن كان منهم مقرا مفلسا فعلى قول أبى حنيفة وأبى يوسف رحمهما الله تعالى يجب على صاحبها الزكاة قبل القبض وعند محمد رحمه الله تعالى إذا فلسه الحاكم فلا زكاة على صاحبها قبل القبض مر محمد رحمه الله تعالى على أصله أن التفليس يتحقق فيصير المال تاويا ومر أبو حنيفة رحمه الله تعالى على أصله أن التفليس لا يتحقق لان المال غاد ورائح فلا يصير به المال تاويا وأبو يوسف رحمه الله تعالى يقول التفليس وان كان يتحقق عندي ولكن لا يسقط به الدين انما تتأخر المطالبة فهو نظير الدين المؤجل والزكاة في الدين تجب قبل القبض المؤجل ثم قد بينا أنه لا يلزمه الاداء قبل القبض عندنا وان فعل كان فضلا كمن عجل الزكاة بعد كمال النصاب قبل حولان الحول
 
 
[ 198 ]
 
(قال) وليس على التاجر زكاة مسكنه وخدمه ومركبه وكسوة أهله وطعامهم وما يتجمل به من آنية أو لؤلؤ وفرس ومتاع لم ينو به التجارة لان نصاب الزكاة المال النامي ومعنى النماء في هذه الاشياء لا يكون بدون نية التجارة وكذلك الفلوس يشتريها للنفقة فانها صفر والصفر ليس بمال الزكاة باعتبار عينه بل باعتبار طلب النماء منه وذلك غير موجود فيما إذا اشتراه للنفقة. وذكر بشر بن الوليد عن أبي يوسف رحمه الله تعالى أن الصباغ إذا اشترى العصفر والزعفران ليصبغ بهما ثياب الناس فعليه فيهما الزكاة لان ما يأخذه عوض عن الصبغ القائم بالثوب ألا ترى أن عند فساد العقد يصار إلى التقويم فكان هذا مال التجارة بخلاف القصار إذا اشترى الحرض والصابون والقلى لان ذلك آلة عمله فيصير مستهلكا ولا يبقى في الثوب عينه فما يأخذ من العوض يكون بدل عمله لا بدل الآلة ونخاس الدواب إذا اشترى الجلال والبراقع والمقاود فان كان يبيعها مع الدواب فعليه فيها الزكاة وان كان يحفظ الدواب بها ولا يبيعها فليس عليه فيها الزكاة إذا لم ينو التجارة عند شرائها ثم لا خلاف ان نية التجارة إذا اقترنت بالشراء أو الاعارة صار المال للتجارة لان النية اقترنت بعمل التجارة ولو ورث مالا فنوى به التجارة لا يكون للتجارة لان النية تجردت عن العمل فالميراث يدخل في ملكه من غير صنعه ولو قبل الهبة والوصية في مال بنية التجارة عند أبى يوسف رحمه الله تعالى يكون للتجارة وعند محمد رحمه الله تعالى لا يكون للتجارة وكذلك في المهر وبدل الخلع والصلح عن دم العمد فمحمد رحمه الله تعالى يقول نية التجارة لا تعمل الا مقرونة بعمل التجارة وهذه الاسباب ليست بتجارة وأبو يوسف رحمه الله تعالى يقول التجارة عقد اكتساب المال فما لا يدخل في ملكه الا بقبوله فهو كسبه فيصح اقتران نية التجارة بفعله كالشراء والاجارة (قال) وما كان عنده من المال للتجارة فنواه للمهنة خرج من أن يكون للتجارة لانه نوى ترك التجارة وهو تارك لها للحال فاقترنت النية بالعمل وان كان عنده عبيد للخدمة فنوى التجارة لم تكن للتجارة ما لم يبعهم لان النية تجردت عن عمل التجارة وهو نظير المسافر ينوى الاقامة فانه يصير مقيما والمقيم ينوى السفر فلا يصير مسافرا ما لم يخرج إلى السفر والله أعلم بالصواب
 
 
[ 199 ]
 
* (باب العشر) * (قال) رحمه الله العاشر من ينصبه الامام على الطريق ليأخذ الصدقات من التجار وتأمن التجار بمقامه من اللصوص وقد روى أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه أراد أن يستعمل أنس بن مالك رحمه الله تعالى على هذا العمل فقال له أتستعملني على المكس من عملك فقال ألا ترضى أن أقلدك ماقلدنيه رسول الله صلى الله عليه وسلم والذى روى من ذم العشار محمول على من يأخذ مال الناس ظلما كما هو في زماننا دون من يأخذ ما هو حق وهو الصدقة إذا عرفنا هذا فنقول العاشر يأخذ مما يمر به المسلم عليه الزكاة إذا استجمعت شرائط الوجوب لان عمر بن الخطاب رضى الله تعالى عنه لما نصب العشار قال لهم خذوا مما يمر به المسلم ربع العشر ومما يمر به الذمي نصف العشر فقيل له فكم نأخذ مما يمر به الحربى فقال كم يأخذون منا فقالوا العشر فقال خذوا منهم العشر. وفي رواية خذوا منهم مثل ما ياخذون منا فقيل له فان لم يعلم كم يأخذون منا فقال خذوا منهم العشر وان عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى كتب إلى عماله بذلك وقال أخبرني به من سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم المسلم حين أخرج مال التجارة إلى المفاوز فقد احتاج إلى حماية الامام فيثبت له حق أخذ الزكاة منه لاجل الحماية كما في السوائم يأخذ الامام الزكاة لحاجته إلى حمايته وكما ان المسلم يحتاج إلى الحماية فكذلك الذمي بل أكثر لان طمع اللصوص في أموال أهل الذمة أكثر وأبين (قال) وما يؤخذ من المسلم إذا وجب أخذه من الكافر يضعف عليه كصدقات بنى تغلب فأما أهل الحرب فالاخذ منهم على طريق المجازاة كما أشار إليه عمر رضى الله تعالى عنه ولسنا نعنى بهذا أن أخذنا بمقابلة أخذهم فأخذهم أموالنا ظلم وأخذنا بحق ولكن المراد أنا إذا عاملناهم بمثل ما يعاملوننا به كان ذلك أقرب إلى مقصود الامان واتصال التجارات وإذا لم نعلم كم يأخذون منا نأخذ منهم العشر لان حال الحربي مع الذمي كحال الذمي مع المسلم فان الذمي منا دارا دون الحربى فكما يضعف على الذمي ما يؤخذ من المسلم فكذلك يضعف على الحربى ما يؤخذ من الذمي (قال) فان مر على العاشر بأقل من مائتي درهم لم يأخذ منه شيئا وان علم أن له في منزله مالا لان حق الاخذ انما يثبت باعتبار المال الممرور به عليه لحاجته إلى الحماية وهذا غير موجود فيما في بيته وما مر به عليه لم يبلغ نصابا وهذا إذا كان المار مسلما أو ذميا وقال
 
 
[ 200 ]
 
في الحربى في كتاب الزكاة هكذا أو في الجامع الصغير والسير الكبير قال الا ان يكونوا هم يأخذون من تجارنا من أقل من مائتي درهم فنحن نأخذ أيضا حينئذ ووجهه ان الاخذ منهم بطريق المجازاة ووجه رواية كتاب الزكاة أن القليل عفو شرعا وعرفا فان كانوا يظلموننا في أخذ شئ من القليل فنحن لا نأخذ منهم ألا ترى أنهم لو كانوا يأخذون جميع الاموال من التجار لا نأخذ منهم مثل ذلك لان ذلك يرجع إلى غدر الامان وإذا كان الممرور به نصابا كاملا أخذ من المسلم ربع العشر ومن الذمي نصف العشر ومن الحربى مثل ما يأخذون من تجارنا عشرا كان أو أقل أو أكثر (قال) فان ادعى المسلم ان عليه دينا يحيط بماله أو ان حوله لم يتم أو انه ليس للتجارة صدقه على ذلك إذا حلف لانكاره وجوب الزكاة عليه وقد بينا مثله في السوائم وكذلك إذا قال هذا المال ليس لى صدقه مع يمينه ولم يأخذ منه شيئا لان ثبوت حق الاخذ له إذا حضره المالك والملك فكما أن حضور المالك بدون الملك لا يثبت له حق الاخذ فكذلك حضور الملك بدون المالك ولان المستبضع فوض إليه التصرف في المال دون أداء الزكاة وليس للعاشر ان يأخذ غير الزكاة (قال) ويصدق الذمي أيضا فيما يصدق فيه المسلم لانه من أهل دارنا فاما الحربى فلا يصدق على شئ من ذلك لانه ان قال لم يتم الحول ففي الاخذ منه لا يعتبر الحول لانه لا يمكن من المقام في دارنا حولا وان قال على دين فالدين الذى وجب عليه في دار الحرب لا يطالب به في دارنا وان قال ليس للتجارة فهو ما دخل دارنا الا لقصد التجارة فما معه يكون للتجارة الا ان يقول لغلام في يده هذا ولدى أو لجارية في يده هذه أم ولدى لان النسب يثبت في دار الحرب كما يثبت في دار الاسلام فامومية الولد تثبت بناء على نسب الولد فتنعدم المالية فيهما باقراره فلا يأخذ منه شيئا فان قال المسلم دفعت صدقتها إلى المساكين صدقه على ذلك لو حلف بخلاف السوائم لان في عروض التجارة كان الدفع إلى المساكين مفوضا إليه قبل المرور به على العاشر وفي السوائم كان حق الاخذ للامام (قال) ولا يأخذ العاشر مما يمر به المكاتب واليتيم وان كان وصيه معه لما بينا أنه انما يأخذ الزكاة ولا تجب الزكاة في كسب المكاتب ولا في مال اليتيم (قال) وإذا أخبر التاجر العاشر أن متاعه مروى أو هروى واتهمه العاشر وفى فتحه ضرر عليه حلفه وأخذ منه الصدقة على قوله لانه ليس له ولاية الاضرار به وقد نقل عن عمر رضى الله عنه أنه قال لعماله لا تفتشوا على الناس متاعهم ثم لو أنكر وجوب الزكاة فيه
 
 
[ 201 ]
 
صدقه مع اليمين فكذلك لو أنكر الزيادة (قال) والتغلبى والذمي في المرور على العاشر سواء لان الصلح مع بنى تغلب على ان يؤخذ منهم ضعف ما يؤخذ من المسلم فلا تجوز الزيادة عليه (قال) وان أخذ من الحربى العشر لم يطالب به مرة أخرى مادام في أرض الاسلام لما روى ان نصرانيا خرج بفرس من الروم ليبيعه في دارنا فأخذ منه العاشر العشر ثم لم يتفق له بيعه فلما عاد به ليدخل دار الحرب طالبه العاشر بعشره فقال انى كلما مررت عليك لو أديت اليك عشره لم يبق لى شئ فترك الفرس عنده وجاء إلى المدينة فوجد عمر رضي الله عنه في المسجد مع أصحابه ينظرون في كتاب فوقف على باب المسجد فقال انا الشيخ النصراني فقال عمر وأنا الشيخ الحنفي فما وراءك فقص عليه القصة فعاد عمر إلى ما كان فيه فظن أنه لم يلتفت إلى كلامه فرجع عازما على أداء العشر ثانيا فلما انتهى إلى العاشر إذا كتاب عمر سبقه انك ان أخذت مرة فلا تأخذ مرة أخرى (قال) النصراني ان دينا يكون العدل فيه بهذه الصفة لحقيق أن يكون حقا فاسلم ولان تجدد حق الاخذ باعتبار تجدد الحول والحربي لا يمكن من المقام في دارنا حولا قال في الكتاب الا أن يتجدد الحول ومراده إذا لم يعلم الامام بحاله حتى حال الحول فحينئذ يأخذ منه ثانيا لتجدد الحول كما يأخذ من الذمي (قال) فان رجع إلى دار الحرب ثم عاد عشرة ثانية وان كان في يومه ذلك لانه بالرجوع التحق بحربى لم يدخل دارنا قط. ألا ترى انه في الدخول يحتاج إلى استئمان جديد ولان الاخذ منه لاجل الامان وقد انتهى ذلك برجوعه فدخوله ثانيا يكون بامان جديد فلهذا يأخذ منه (قال) وإذا مر العبد بمال مولاه يتجر به لم يأخذ منه العشر الا أن يكون المولى حاضرا أما إذا كان المال بضاعة في يد العبد للمولى فهو غير مشكل كما لو كان بضاعة مع أجنبي واما إذا كان المال كسب العبد وهو مأذون فان كان عليه دين يحيط به فلا زكاة عليه فيه وان لم يكن عليه دين فان كان المولى معه يأخذ منه الزكاة وان لم يكن المولى معه ففى كتاب الزكاة يقول لا يأخذ منه الزكاة ثم رجع وقال لا يأخذ منه شيئا. وفي الجامع الصغير يقول يأخذ منه ربع العشر في قول أبى حنيفة رحمه الله تعالى ولا يأخذ منه في قولهما وفى المضارب إذا مر على العاشر بمال المضاربة كان أبو حنيفة رحمه الله تعالى يقول أولا يأخذ منه الزكاة ثم رجع وقال لا يأخذ منه شيئا وهو قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى ولا أعلمه رجع في العبد ام لا وقياس قوله الثاني في المضارب يوجب أن لا يأخذ من العبد شيئا أيضا. وجه قوله الاول
 
 
[ 202 ]
 
ان المضارب له حق قوى يشبه الملك فانه شريك في الربح وإذا صار المال عروضا بملك التصرف على وجه لو نهاه رب المال لا يعمل نهيه فكان حضور المضارب كحضور المالك. وجه قوله الآخر أن المضارب أمين في المال كالمستبضع والاجير وانما فوض إليه التجارة في المال لاأداء الزكاة والزكاة تستدعى نية من عليه فان كان قوله الثاني في العبد انه لا يأخذ منه أيضا فلا حاجة إلى الفرق وان لم يرجع في العبد فوجه الفرق ان المأذون يتصرف لنفسه حتى إذا لحقته العهدة لا يرجع به على المولى فكان في أداء ما يجب في كسبه كالمالك بخلاف المضارب فانه نائب في التصرف يرجع بما يلحقه من العهدة على رب المال فلا يكون له ولاية أداء الزكاة (قال) وإذا مر على العاشر بمال ومعه براءة بغير اسمه يقول هذه براءة من عاشر كذا مر به رجل كان هذا المال معه مضاربة في يده فان حلف على ذلك كف عنه لانه أخبر بخبر محتمل وهو أمين فيصدقه على ذلك كما لو قال أديتها إلى المساكين (قال) وان مر به على عاشر الخوارج فعشره لم يحسبه له عاشر أهل العدل قال لان ذلك لا يجزئه من زكاته ومعناه أنهم يأخذون أموالنا بطريق الاستحلال لا بطريق الصدقة ولا يصرفونه مصارف الصدقة وصاحب المال هو الذى عرض ماله للاخذ بالمرور عليه فلا يسقط به حق عاشر أهل العدل في الاخذ منه (قال) ولا يجزى في الزكاة عتق رقبة ولا الحج ولا قضاء دين ميت ولا تكفينه ولا بناء مسجد * والاصل فيه أن الواجب فيه فعل الايتاء في جزء من المال ولا يحصل الايتاء الا بالتمليك فكل قربة خلت عن التمليك لا تجزى عن الزكاة واعتاق الرقبة ليس فيه تمليك شئ من العبد لان العبد يعتق على ملك المولى ولهذا كان الولاء له وكذلك الحج فان ما ينفقه الحاج في الطريق لا يملكه غيره وان أحج رجلا فالحاج ينفق على ملك المحجوج عنه ذلك المال وكذلك قضاء دين الميت فاته لا يملك الميت شيئا وما يأخذه صاحب الدين يأخذه عوضا عن ملكه وكذلك تكفين الميت فانه ليس فيه تمليك من الميت فانه ليس من أهل الملك ولا من الورثة لانهم لانهم لا يملكون ما هو مشغول بحاجة الميت وكذلك بناء المسجد ليس فيه تمليك من أحد (قال) ولا يعطى من الزكاة كافر إلا عند زفر رحمه الله تعالى فانه يجوز دفعها إلى الذمي وهو القياس لان المقصود اغناء الفقير المحتاج على طريق التقرب وقد حصل (ولنا) قوله صلى الله عليه وسلم خذها من أغنيائهم وردها في فقرائهم فذلك تنصيص على الدفع إلى فقراء من
 
 
[ 203 ]
 
تؤخذ من أغنيائهم وهم المسلمون (قال) ولا بأس بأن يعين به حاجا منقطعا أو غازيا أو مكاتبا لان التمليك علي سبيل التقرب يحصل به والمكاتب من مصارف الصدقات بالنص. قال الله تعالى وفي الرقاب والغارمين وفى سبيل الله ويدخل في هذا الحاج المنقطع أيضا ثم هو بمزلة ابن السبيل وابن السبيل من مصارف الصدقات وكذلك يقضى دين مغرم بأمره ويجوز ذلك إذا كان المديون فقيرا لانه يملكه أولا ثم يقضى دينه بأمره بملكه. ألا ترى أن من أمر انسانا بقضاء دينه كان له أن يرجع عليه إذا قضاه ولا يكون ذلك الا بعد التمليك منه (قال) ويجزئه أن يعطى من الواجب جنسا آخر من المكيل والموزون أو العروض أو غير ذلك بقيمته وهذا عندنا وقد بيناه (قال) وان أعطى من جنس ماله وكان من الاموال الربوية فلا معتبر بالقيمة عندنا خلافا لزفر رحمه الله تعالى. بيانه إذا كان له مائتا درهم نبهرجة فأدى منها أربعة دراهم جيادا تبلغ قيمتها خمسة نبهرجة لا يجوز عندنا الا عن أربعة دراهم وعلى قول زفر رحمه الله تعالى يجوز عن الكل لان في القيمة وفاء بالواجب ولاربا بين الله تعالى وبين العبد ولكنا نقول ليس للجودة قيمة في الاموال الربوية عند مقابلتها بجنسها وأداء أربعة جياد كأداء أربعة نبهرجة فلا تجزيه الا عن مثل وزنه (قال) رجل له على آخر دين فتصدق به عليه ينوى أن يكون من زكاة ماله لا يجزئه الا عن مقدار الدين ان كان المديون فقيرا لان الواجب في المال العين جزء منه والدين أنقص في المالية من العين ولا يجوز أداء الناقص عن الكامل فان أراد الحيلة فالوجه أن يتصدق عليه بقدر الزكاة من العين ثم يسترده من يده بحساب دينه وكذلك أداء زكاة الدين عن دين آخر لا يجوز بأن كان له مائتا درهم على رجل وخمسة على فقير فأبرأه من تلك الخمسة ينوى به زكاة المائتين لم يجزئه لانه هذا الدين يتعين بالقبض وما أبرأ الفقير منه لا يتعين فكأن دونه في المالية ولان مبادلة الدين بالدين لا تجوز في حق العباد فكذلك في حقوق الله تعالى والواجب من كل دين جزء منه فأما إذا كان الدين كله على الفقير فوهبه له أو أبرأه منه ينوى عن زكاة ذلك الدين يجزئه لان الواجب جزء من ذلك الدين وقد أوصله إلى مستحقه فيجوز وهو كما لو وهب النصاب العين كله من الفقير (قال) وان كان المديون غنيا فوهب له ما عليه بعد وجوب الزكاة قال في الجامع يضمن مقدار الزكاة للفقراء وقال في نوادر الزكاة لا يضمن شيئا لان وجوب الاداء ينبنى على القبض وهو لم يقبض شيئا وفى رواية الجامع قال صار مستهلكا حق الفقراء بما صنع فهو كما لو وجبت الزكاة
 
 
[ 204 ]
 
عليه في مال عين فوهبه لغنى وهذا أصح لانه بتصرفه يجعل قابضا حكما كالمشترى إذا أعتق العبد المشترى قبل القبض يصير قابضا وأما مال المضاربة فعلى رب المال زكاة رأس المال وحصته من الربح وعلى المضارب زكاة حصته من الربح إذا وصلت يده إليه ان كان نصابا أو كان له من المال ما يتم به النصاب عندنا. وللشافعي رحمه الله تعالى ثلاثة أقاويل في نصيب المضارب قول مثل قولنا وقول ان زكاة ذلك على رب المال لانه موقوف لحقه حتى لا يظهر الربح ما لم يصل إليه رأس المال ولان الربح تبع وزكاة الاصل عليه فكذلك التبع وقول آخر انه لا زكاة في نصيب المضارب على أحد لانه متردد بينه وبين رب المال يسلم له ان بقى كله ويكون لرب المال ان هلك بعضه فهو نظير كسب المكاتب فليس فيه زكاة على أحد لانه متردد بينه وبين المولى وفي الحقيقة هذه المسألة بناء على أصله أن استحقاق المضارب الربح بطريق الجعالة لا بطريق الشركة إذ ليس له رأس مال ولا بطريق الاجرة لان عمله غير معلوم عند العقد والجعالة لا تملك الا بالقبض كالعمالة لعامل الصدقات (ولنا) ان المضارب شريكه في الربح فكما يملك رب المال نصيبه من الربح في حكم الزكاة فكذلك المضارب لان مطلق الشركة بقتضى المساواة وبيان الوصف ان رأس ماله العمل ورأس مال الثاني المال والربح يحصل بهما فقد تحققت الشركة وقد نصا في العقد على هذا وتنصيصهما معتبر بالاجماع والدليل عليه أن المضارب يملك المطالبة بالقسمة ويتميز به نصيبه ولا حكم للشركة الا هذا واستدل الشافعي رحمه الله تعالى بما لو اشترى بألف المضاربة عبدين كل واحد منهما يساوى ألفا فانه لا شئ على المضارب هنا والربح موجود ولكنا نقول عند زفر رحمه الله تعالى تجب عليه الزكاة في نصيبه وكذلك عند أبى يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى لانهما يريان قسمة الرقيق اما أبو حنيفة رحمه الله تعالى فلا يرى قسمة الرقيق فكل واحد من العبدين في حق المضارب مشغول برأس المال كانه ليس معه غيره فلا يظهر الربح حتى ان في حق رب المال لما كانا كشئ واحد كان عليه زكاة رأس المال وحصته من الربح (قال) ويأخذ العاشر من مال الصبى الحربى إذا مر به عليه الا ان يكونوا لا يأخذون من مال صبياننا شيئا وكذلك المكاتب لان الاخذ منهم بطريق المجازاة فنعاملهم بمثل ما يعاملوننا به كما بينا فيما دون النصاب (قال) وإذا مر التاجر على العاشر بالرمان والبطيخ والقثاء والسفر جل والعنب والتين قد اشتراه للتجارة وهو يساوى نصابا لم يعشره في قول أبى حنيفة رحمه الله
 
 
[ 205 ]
 
تعالى ولكن يأمره بأداء الزكاة بنفسه وعندهما يعشره لان الزكاة تجب في هذه الاموال إذا كانت للتجارة والعاشر يأخذ الزكاة الواجبة فيأخذ من هذه الاموال كما يأخذ من سائر الاموال وانما يأخذ لحاجة صاحب المال إلى حمايته وذلك موجود في هذه الاشياء ولابي حنيفة رحمه الله تعالى حرفان أحدهما أن حق الاخذ للعاشر باعتبار المال الممرور به عليه خاصة وهذه الاشياء لا تبقى حولا فلا تجب الزكاة فيها الاباعتبار غيرها مما لم يمر به عليه فهو نظير ما لو مر عليه بما دون النصاب وقال في بيتى ما يتم به النصاب والثانى ان العاشر يأخذ من عين ما يمر به عليه وليس بحضرته فقراء ليصرفه إليهم ولا يمكنه ان يدخره إلى ان يأتيه الفقراء لان ذلك يفسد فقلنا لا يأخذ منه شيئا ولكن يأمره بالاداء بنفسه وكذلك لا يأخذ من الذمي والحربي أما على الاول فظاهر وكذلك على الطريق الثاني لانه ليس بحضرته من المقاتلة من يصرف إليهم المأخوذ (قال) وان مر الذمي على العاشر بالخمر والخنزير للتجارة عشر الخمر من قيمتها ولم يعشر الخنازير ورواه في الخمر عن ابراهيم وكان مسروق يقول يأخذ من عين الخمر وعن أبى يوسف رحمه الله تعالى ان مر على العاشر بالخنازير وحدها لم يأخذ منه شيئا وان مر بها مع الخمر أخذ منها جميعا من القيمة وكأنه جعل الخنازير في هذا تبعا للخمر وهو نظير مذهبه في وقف المنقول أنه لا يجوز الا تبعا للعقار. وجه قوله ان كل واحد منهما مال في حق أهل الذمة يضمن بالاتلاف له. وجه ظاهر الرواية ماروى عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه انه بلغه ان عماله يأخذون العشر من خمور أهل الذمة فقال ولو هم بيعها وخذوا العشر من أثمانها ثم الخمر عين هو قريب من المالية في حق المسلمين لان العصير قبل التخمر كان مالا وهو بعرض المالية إذا تخلل بخلاف الخنزير فانه ليس له عرضية المالية في حق المسلمين والعاشر مسلم فلهذا لا يأخذ منها (قال) رجل له مائتا درهم مكثت عنده أشهرا ثم وهبها لرجل ودفعها إليه ثم رجع فيها قال يستأنف لها الحول من وقت رجوعه فيها لان ملكه زال بالهبة والتسليم ولم يبق شئ مما انعقد عليه الحول له ولا يتصور بقاء الحول الا بمحل (قال) وان مكثت عند الموهوب له سنة ثم رجع فيها لم يكن على واحد منهما زكاة تلك السنة اما على الواهب فلانها لم تكن في ملكه في الحول وأما على الموهوب له فلان مال الزكاة استحق من يده بغير اختباره ويستوى ان كان رجوع الواهب بقضاء أو بغير قضاء عندنا. وقال زفر رحمه الله تعالى ان كان رجوعه بقضاء
 
 
[ 206 ]
 
فكذلك وان كان رجوعه بغير قضاء القاضى فعلى الموهوب له زكاة تلك السنة وقال سفيان الثوري رضى الله عنه ليس للواهب أن يرجع في مقدار الزكاة لانها صارت مستحقة للفقراء وتعلق حق الفقراء بالموهوب يمنع الواهب من الرجوع كما لو جعله الموهوب له مرهونا. وجه قول زفر رحمه الله تعالى أن الرجوع إذا كان بغير قضاء فالموهوب له أزال ملكه باختياره بعد وجوب الزكاة فيضمن الزكاة كما لو وهبه ابتداء ألا ترى أنه لو كان في مرضه كان معتبرا من ثلث ماله. وجه قولنا أن حق الواهب مقصور على العين وفى مثله القضاء وغير القضاء سواء لانهما فعلا بدون القاضى عين ما يأمر به القاضى لو رفعا الامر إليه والموهوب له نظر لنفسه حين لم ير في الخصومة فائدة فلم يكن متلفا حق الفقراء وان كان في مرضه ففيه روايتان كلاهما في كتاب الهبة والاصح أنه يعتبر من جميع ماله سواء رجع بقضاء أو بغير قضاء (قال) وإذا أخرجت الارض العشرية طعاما فباعه قبل أن يؤدى عشره فجاء العاشر والطعام عند المشترى فان شاء أخذ عشر الطعام من المشترى ورجع المشترى على البائع بعشر الثمن وان شاء أخذه من البائع لان على أحد الطريقين الحب ينبت على الحقين عشره للفقراء وتسعة أعشاره للمالك فلم ينفذ بيعه في مقدار العشر فكان للمصدق أن يأخذ العشر من المشترى قبل الافتراق وبعد الافتراق بخلاف زكاة السائمة. وعلى الطريق الثاني يجب ايتاء العشر إلى الفقراء من غير اعتبار حال من يجب عليه فكان العين هو المقصود فلا يبطل الحق عنه بالبيع بخلاف الزكاة فان الفعل هو المقصود فيه بدليل اعتبار حال من يجب عليه وان شاء أخذ من البائع لا تلافه محل حق الفقراء (قال) وإذا باع الارض وفيها زرع قد أدرك فعشر الزرع على البائع لان حق الفقراء قد ثبت في الزرع وهو ملك البائع عند أبى حنيفة رحمه الله تعالى بنفس الخروج كما قال الله تعالى ومما خرجنا لكم من الارض وعند أبى يوسف رحمه الله تعالى بالادراك قال الله تعالى وآتوا حقه يوم حصاده وعند محمد رحمه الله تعالى بالاستحكام وذلك كله حصل في ملك البائع وهو نماء أرضه فوجب عليه عشره واما المشترى فقد استحقه عوضا عما أعطى من الثمن فلا شئ عليه فان باعها والزرع بقل فعشره على المشترى إذا حصده بعد الادراك لان وجوب العشر في الحب وانعقاده كان في ملك المشترى وهو نماء أرضه وعند أبي يوسف رحمه الله تعالى عشر مقدار البقل على البائع لان ذلك القدر من النماء حصل في ملكه اما عشر الحب فعلى المشترى وكذلك ان باع الزرع وهو
 
 
[ 207 ]
 
قصيل فان قصله المشترى في الحال فالعشر على البائع وان تركه على الارض باذن البائع حتى استحصد فالعشر على المشترى وكذلك كل شئ من الثمار وغيره مما فيه العشر يبيعه صاحبه في أول ما يطلع فان قطعه المشترى فالعشر على البائع وان تركه باذن البائع حتى أدرك فالعشر على المشترى وعند أبى يوسف رحمه الله تعالى عشر مقدار الطلع والبقل على البائع والزيادة على المشترى * وحاصل مذهب أبى يوسف رحمه الله تعالى ان بانعقاد الحب وادراك الثمار يزداد النماء فيزداد الواجب لا أنه يسقط ما كان واجبا أو يتحول إلى غيره وعند أبى حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى الحب هو المقصود فإذا انعقد كان الواجب فيه دون غيره وانعقاده كان في ملك المشترى فلهذا كان العشر عليه (قال) وإذا اشترى أرض عشر أو خراج للتجارة لم يكن عليه زكاة التجارة عندنا. وعند محمد رحمه الله تعالى ان عليه زكاة التجارة مع العشر والخراج وهو قول الشافعي رحمه الله تعالى ووجهه أن العشر محله الخارج والزكاة محلها عين مال التجارة وهو الارض فلم يجتمعا في محل واحد فوجوب أحدهما لايمنع وجوب الآخر كالدين مع العشر. وجه ظاهر الرواية ان العشر والخراج مؤنة الارض النامية. ألا ترى أنه يقال عشر الارض وخراج الارض وكذلك الزكاة وظيفة المال النامى وهى الارض فكل واحد منهما يجب حقا لله تعالى فلا يجب بسبب ملك مال واحد حقان لله تعالى كما لا تجب زكاة السائمة وزكاة التجارة باعتبار مال واحد وإذا ثبت أنه لا وجه للجمع بينهما قلنا العشر والخراج صار وظيفة لازمة لهذه الارض لا يسقط باسقاط المالك وهو أسبق ثبوتا من زكاة التجارة التي كان وجوبها بنيته. فلهذا بقيت عشرية وخراجية كما كانت (قال) وان اشترى دارا للتجارة فحال عليها الحول زكاها من قيمتها لانه ما تعلق برقبة الدار حق آخر لله تعالى وهى وسائر العروض سواء (قال) ولا يجتمع العشر والخراج في أرض واحدة عندنا وقال ابن أبى ليلى في الارض الخراجية يجب أداء العشر من الخارج منها مع الخراج وهو قول الشافعي رحمه الله تعالى واستدلا في ذلك بظاهر قوله صلى الله عليه وسلم ما أخرجت الارض ففيه العشر ولان العشر مع الخراج حقان اختلفا محلا ومستحقا وسببا فان الخراج في ذمة المالك مصروف إلى المقاتلة والعشر في الخراج مصروف إلى الفقراء فوجوب أحدهما لا ينفى وجوب الآخر كالدين مع العشر ثم الخراج بمنزلة الاجرة للارض ولهذا لا يجب الا في الاراضي المفتوحة عنوة ووجوب الاجرة لا ينفى وجوب
 
 
[ 208 ]
 
العشر في الخارج. وجه قولنا ما روى عن ابن مسعود رحمه الله تعالى موقوفا عليه ومرفوعا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا يجتمع العشر والخراج في أرض رجل مسلم ولان أحدا من أئمة العدل والجور لم يأخذ العشر من أرض السواد مع كثرة احتيالهم لاخذ أموال الناس وكفى بالاجماع حجة ثم الخراج والعشر كل واحد منهما مؤنة الارض النامية ولا يجتمع المؤنتان بسبب أرض واحدة وسببهما لا يجتمع فان سبب وجوب الخراج فتح الارض عنوة وثبوت حق الغانمين فيها وسبب وجوب العشر اسلام أهل البلدة البلدة طوعا وعدم ثبوت حق الغانمين فيها وبينهما تناف فإذا لم يجتمع السببان لا يثبت الحكمان جميعا (قال) رجل مات وله أرض عشرية قد أدرك زرعها قال يؤخذ منها العشر. وروى ابن المبارك عن أبى حنيفة رحمهما الله تعالى انه لا يؤخذ منها العشر لانها صارت لغير من وجب عليه فهو بمنزلة صدقة السائمة. وجه ظاهر الرواية أن العين هي المقصودة هنا دون الفعل والعين باقية بعد موته فيبقى مشغولا بحق الفقراء بخلاف الزكاة فان الواجب هناك فعل الايتاء والفعل لا يمكن ابقاؤه مستحقا ببقاء المال فلهذا سقط بالموت (قال) رجل له رطبة في أرض العشر وهى تقطع في كل أربعين يوما قال يأخذ منها العشر كلما قطعت وهذا بناء على قول أبى حنيفة رحمه الله تعالى في ايجاد العشر في الرطب فاما عندهما فلا يجب العشر الا فيما له ثمرة باقية على ما نبينه ومقصوده في هذه المسألة ان الحول لا يعتبر لا يجاب العشر وهو ظاهر على مذهب أبى حنيفة رحمه الله تعالى فانه لا يعتبر النصاب لا يجاب العشر واما عندهما فالنصاب معتبر والحول لا يعتبر لان اعتبار الحول لتحقق النماء في السوائم وعروض التجارة والعشر لا يجب الا فيما هو نماء محض فلا حاجة إلى اعتبار الحول فيه (قال) وإذا كان صاحب العنب يبيعه مرة عنبا ومرة عصيرا ومرة زبيبا باقل من قيمته أو باكثر أخذ العشر في جميع ذلك من الثمن إذا لم يكن حابى فيه محاباة فاحشة وهذا على قول أبى حنيفة رحمه الله تعالى فانه يوجب العشر في القليل والكثير وفيما يبقى أولا يبقى أما عندهما فلا يجب العشر فيما دون خمسة أوسق مما يبقى فينظر إلى هذا العنب فان كان مقدارا يكون فيه من الزبيب خمسة أوسق أو أكثر يجب العشر فيؤخذ ذلك من الثمن كما قال أبو حنيفة رحمه الله تعالى لان وجوب حق الله تعالى في المال لايمنع صحة البيع من صاحبه وان كان دون ذلك أو كان عنبا رطبا رقيقا لا يصلح الا للماء ولا يتأتي منه الزبيب فلا شئ فيه عندهما
 
 
[ 209 ]
 
(قال) رجل له على رجل دين فدافعه سنين وليس له عليه بينة ثم أعطاه فليس عليه زكاة ما مضى وكذلك الوديعة ومعنى قوله دافعه أي أنكره فانه قال في بعض نسخ لزكاة فكابره به سنين وهو عبارة عن الجحود وقد بينا أن المجحود ضمار ولا زكاة في الضمار وفي قوله وليست له عليه بينة دليل على انه إذا كان لصاحب الحق بينة فلم يقمها سنين انه تلزمه الزكاة لما مضى لان التفريط من قبله جاء وقد بينا في هذا اختلاف الروايات (قال) رجل تزوج امرأة على ألف درهم بعينها ولم يدفعها إليها حتى حال الحول ثم قبضت فليس عليه فيما مضى زكاة في قول أبى حنيفة رحمه الله تعالى الآخر ولا على الزوج وفي قولهما عليها زكاة الالف وقد بينا هذا في السوائم ففى النقود مثله فان كانت قبضتها وحال عليها الحول عندها ثم طلقها قبل الدخول بها لم يسقط عنها شئ من الزكاة عندنا وعلى قول زفر رحمه الله تعالى يسقط عنها زكاة النصف كما في السوائم وهذا بناء على أن النقود تتعين عنده بالتعيين فعند الطلاق يلزمها رد نصف المقبوض بعينه واستحقاق مال الزكاة بعد الحول من يد صاحبه يسقط الزكاة وعندنا النقود لا تتعين في العقود فعند الطلاق لا يلزمها رد شئ من المقبوض بعينه انما عليها خمسمائة دينا للزوج فهذا دين لحقها بعد الحول وذلك غير مسقط للزكاة (قال) وإذا حال الحول على مال الشريكين المفاوضين فأدى كل واحد منهما زكاة جميع المال فان أدى كل واحد منهما بغير أمر صاحبه ضمن لصاحبه لان كل واحد منهما بسبب الشركة صار نائبا عن صاحبه في التجارات دون إقامة العبادات وان كان كل واحد منهما قد أمر صاحبه بأداء الزكاة فهذا على وجهين اما أن يؤديا معا أو على التعاقب فان أديا معا ضمن كل واحد منهما لصاحبه حصته مما أدى في قول أبى حنيفة رحمه الله تعالى ولم يضمن عندهما وان أديا على التعاقب فلاضمان على المؤدى أولا منهما لصاحبه ويضمن المؤدى آخرا لصاحبه حصته مما أدى في قول أبى حنيفة رحمه الله تعالى سواء علم بأدائه أولم يعلم وعندهما ان علم بأداء صاحبه يضمن والا فلا هكذا أشار إليه في كتاب الزكاة وفى الزيادات يقول لا ضمان عليه سواء علم بأداء شريكه أولم يعلم وهو الصحيح عندهما وكذلك الخلاف في الوكيل بأداء الزكاة إذا أدى بعد أداء الموكل بنفسه وكذلك الخلاف في الوكيل يعتق العبد عن الظهار إذا أعتقه بعد ما كفر الموكل بنفسه أو بعد ما عمى العبد عند أبى حنيفة رحمه الله تعالى لا ينفذ عتقه وعندهما ينفذ سواء علم بتكفير الموكل أولم يعلم على ما ذكره في الزيادات. وجه قولهما ان أداء
 
 
[ 210 ]
 
الزكاة بنفسه يتضمن عزل الوكيل فلا يثبت حكمه في حقه قبل العلم به ولانه كان عن قصد وفعل من الموكل فهو كالتصريح بالعزل ونظيره لوكيل بقضاء الدين إذا قضي الموكل بنفسه ثم قضى الوكيل فان علم بأداء الموكل فهو ضامن والا لم يضمن شيئا أما على رواية الزيادات قال هو مأمور بدفع المال إلى الفقير على وجه يكون صدقة وقربة وأداء الموكل بنفسه لا ينفى هذا المعنى فلا يوجب عزل الوكيل فكان هو في الاداء ممتثلا أمره فلا ضمان عليه سواء علم بأدائه أو لم يعلم بخلاف المأمور بقضاء الدين فانه مأمور بان يملكه ما في ذمته بما يدفع إليه وذلك لا يتصور بعد قضاء الموكل بنفسه الدين فكان قضاؤه عزلا للوكيل ولكن لا يثبت حكمه في حقه قبل العلم به دفعا للضرر عنه. فاما أبو حنيفة رحمه الله تعالى قال هو مأمور بأداء الزكاة وقد أدى غير الزكاة فكان مخالفا ضامنا. بيانه ان موجب أداء الزكاة سقوط الفرض عن ذمته وقد سقط بأداء الموكل بنفسه فلا يتصور اسقاطه بأداء الوكيل وكان أداء الموكل عزلا للوكيل من طريق الحكم لفوات المحل وذلك لا يختلف بالعلم والجهل كالوكيل ببيع العبد إذا أعتق الموكل العبد انعزل الوكيل علم به أولم يعلم بخلاف الوكيل بقضاء الدين فانه مأمور بان يجعل المؤدى مضمونا على القابض على ما هو الاصل بأن الديون تقضى بأمثالها وذلك لا يتصور بعد أداء الموكل فلم يكن أداؤه. وجبا عزل الوكيل حكماء يوضح الفرق أن هناك لو لم نوجب الضمان على الوكيل لجهله باداء الموكل لا يلحق الموكل فيه ضرر فانه يتمكن من استرداد المقبوض من القابض ويضمنه ان كان هالكا وهنا لو لم نوجب الضمان أدى إلى الحاق الضرر بالموكل لانه لا يتمكن من استرداد الصدقة من الفقير ولا تضمينه والضرر مدفوع فلهذا أوجبنا الضمان بكل حال (قال) رجل دفن ماله في بعض بيوته فنسيه حتى مضى على ذلك سنون ثم تذكر فعليه الزكاة لما مضى بخلاف ما إذا دفنه في الصحراء لان البيت حرز فالمدفون فيه يكون في يده حكما وقيام الملك واليد يمنع أن يكون المال تاوبا فأما الصحراء فليس بحرز فانعدم به يده حين عدم طريق الوصول إليه وهو العلم فكان تاويا. يوضحه أن المدفون في بيته يتيسر طريق الوصول إليه بنبش كل جانب منه بخلاف المدفون في الصحراء وكذلك لو أودعه عند انسان ثم نسيه ان كان المودع من معارفه فعليه الزكاة لما مضى ان تذكره وان كان ممن لا يعرفه فلا زكاة عليه فيما مضى لما بينا من تيسر الوصول إليه وتعذره والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب
 
 
[ 211 ]
 
* (باب المعادن وغيرها) * اعلم أن المستخرج من المعادن أنواع ثلاثة. منها جامد يذوب وينطبع كالذهب والفضة والحديد والرصاص والنحاس. ومنها جامد لا يذوب بالذوب كالجص والنورة والكحل والزرنيخ. ومنها مائع لا يجمد كالماء والزئبق والنفط. فأما الجامد الذى يذوب بالذوب ففيه الخمس عندنا. وقال الشافعي رحمه الله تعالى فيما سوى الذهب والفضة لا يجب شئ وفى الذهب والفضة يجب ربع العشر والنصاب عنده معتبر حتى إذا كان دون المائتين من الفضة لا يجب شئ وفى اعتبار الحول له وجهان. حجته قوله صلى الله عليه وسلم في الرقة ربع العشر وهو اسم للذهب والفضة. وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى بلال بن الحارث معادن القبلية وهي يؤخذ منها ربع العشر إلى يومنا هذا والمعنى فيه أنه مباح لم تحرزه يد قط فكان لمن وجده ولا شئ فيه كالصيد والحطب والحشيش وهذا لان الناس في المباحات سواء وانما يظهر التقوم فيها بالاحراز فكانت للمحرز الا أن الزكاة واجبة في الذهب والفضة باعتبار أعيانهما دون سائر الجواهر ولكن يشترط تكميل النصاب والحول على أحد الوجهين وفى الوجه الآخر قال كم من حول مضى على هذا العين قبل أخذه واعتبار الحول لحصول النماء وهذا كله نماء فلا معنى لاعتبار الحول فيه بخلاف الكنز فانه كان في يد أهل الحرب وقد وقع في يد المسلمين بايجاف الخيل والركاب ووجب فيها الخمس ولم يؤخذ لخفاء مكانه حتى ظهر الآن فلهذا يؤخذ منه الخمس فاما الذهب والفضة من المعدن فحادث يحدث بمرور الزمان من غير أن كان في يد أحد فهو كالحطب والحشيش (وأصحابنا) احتجوا بحديث أبى سلمة عن أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال وفى الركاز الخمس واسم الركاز يتناول الكنز والمعدن جميعا لانه عبارة عن الاثبات يقال ركز رمحه في الارض إذا أثبته والمال في المعدن مثبت كما هو في الكنز ولما قيل يارسول الله وما الركاز قال الذهب والفضة الذين خلقهما الله في الارض يوم خلقها. ولما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عما يوجد في الخرب العادى قال فيه وفى الركاز الخمس فعطف الركاز على المدفون فعلم أن المراد بالركاز المعدن والمعنى فيه أن هذا مال نفيس مستخرج من الارض فيجب فيه الخمس كالكنز وهذا لان المعنى الذى لاجله وجب الخمس في الكنز موجود في المعدن فان الذهب والفضة
 
 
[ 212 ]
 
تحدث في المعدن من عروق كانت موجودة حين كانت هذه الارض في يد أهل الحرب ثم وقعت في يد المسلمين بايجاف الخيل فتعلق حق مصارف الخمس بتلك العروق فيثبت فيما يحدث منها فكان هذا والكنز سواء من هذا الوجه ثم يستوى ان كان الواجد حرا أو عبدا مسلما أو ذميا صبيا أو بالغا رجلا أو امرأة فانه يؤخذ منه الخمس والباقى يكون للواجد سواء وجده في أرض العشر أو أرض الخراج لان استحقاق هذا المال كاستحقاق الغنيمة ولجميع من سمينا حق في الغنيمة اما سهما واما رضخا فان الصبي والعبد والذمي والمرأة يرضخ لهم إذا قاتلوا ولا يبلغ بنصيبهم السهم تحرزا عن المساواة بين التابع والمتبوع وهنا لا مزاحم للواجد في الاستحقاق حتى يعتبر التفاضل فلهذا كان الباقي له. والذي روى أن عبدا وجد جرة من ذهب على عهد عمر رضى الله عنه فادى ثمنه منه وأعتقه وجعل ما بقى منه لبيت المال. تأويله انه كان وجده في دار رجل فكان لصاحب الخطة ولم يبق أحد من ورثته فلهذا صرفه إلى بيت المال ورأى المصلحة في أن يعطى ثمنه من بيت المال ليوصله إلى العتق * وأما الجامد الذى لا يذوب بالذوب فلا شئ فيه لقوله صلى الله عليه وسلم لا زكاة في الحجر ومعلوم انه لم يرد به إذا كان للتجارة وانما أراد به إذا استخرجه من معدنه فكان هذا أصلا في كل ما هو في معناه * وكذلك الذائب الذى لا يتجمد أصلا فلا شئ فيه لان أصله الماء والناس شركاء فيه شرعا قال صلى الله عليه وسلم الناس شركاء في ثلاث في الماء والكلا والنار فما يكون في معنى الماء وهو انه يفور من عينه ولا يستخرج بالعلاج ولا يتجمد كان ملحقا بالماء فلا شئ فيه (قال) وإذا عمل الرجل في المعادن يوما ثم جاء آخر من الغد فعمل فيها حتى أصاب المال أخذ منه خمسه والباقى للثاني دون الاول لان الواجد هو الثاني والمعدن لمن وجده فاما الاول فحافر للارض لا واجد للمعدن وبحفر الارض لا يستحق المعدن وقد جاء في الحديث الصيد لمن أخذه لا لمن أثاره والاول كالمثير والثانى كالأخذ فكان المأخوذ له (قال) وليس في السمك واللؤلؤ والعنبر يستخرج من البحر شئ في قول أبى حنيفة رحمه الله تعالى وقال أبو يوسف في العنبر الخمس وكذلك في اللؤلؤ عنده ذكره في الجامع الصغير أما السمك فهو من الصيود وليس في صيد البر شئ على من أخذه فكذلك في صيد البحر وأما العنبر واللؤلؤ فقد احتج أبو يوسف رحمه الله تعالى بما روى أن يعلي بن أمية كتب إلى عمر بن الخطاب
 
 
[ 213 ]
 
رضي الله عنه يسأله عن عنبر وجد على الساحل فكتب إليه في جوابه انه مال الله يؤتيه من يشاء وفيه الخمس ولان نفيس ما يوجد في البحر معتبر بنفيس ما يوجد في البر وهو الذهب والفضة فيجب فيه الخمس. وأبو حنيفة ومحمد استدلا بما روى عن ابن عباس رضى الله عنه انه قال في العنبر أنه شئ دسره البحر فلا شئ فيه وحديث عمر محمول على الجيش دخلوا أرض الحرب فيصيبون العنبر في الساحل وعندنا في هذا الخمس لانه غنيمة ثم وجوب الخمس فيما يوجد في الركاز لمعنى لا يوجد ذلك المعنى في الموجود في البحر وهو انه كان في يد أهل الحرب وقع في يد المسلمين بايجاف الخيل والركاب وما في البحر ليس في يد أحد قط لان قهر الماء يمنع قهر غيره ولهذا قال مشايخنا لو وجد الذهب والفضة في قعر البحر لم يجب فيهما شئ. ثم الناس تكلموا في اللؤلؤ فقيل ان مطر الربيع يقع في الصدف فيصير لؤلؤا فعلى هذا أصله من الماء وليس في الماء شئ وقيل ان الصدف حيوان تخلق فيه اللؤلؤ وليس في الحيوان شئ وهو نظير ظبى المسك يوجد في البر فانه لا شئ فيه وكذلك العنبر فقيل أنه نبت ينبت في البحر بمنزلة الحشيش في البر وقيل انه شجرة تتكسر فيصيبها الموج فيلقيها على الساحل وليس في الاشجار شئ وقيل انه خثى دابة في البحر وليس في أخثاء الدواب شئ (قال) وليس في الياقوت والزمرد والفيروزج يوجد في العدن أو الجبل شئ لانه جامد لا يذوب بالذوب ولا ينطبع بالطبع كالتراب وليس في التراب شئ فكذلك ما يكون في معناه لا يكون فيه شئ ولانه حجر وليس في الحجر صدقة وان كان بعض الحجر أضوأ من بعض واما الزئبق إذا أصيب في معدنه ففيه الخمس في قول أبى حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى وقال أبو يوسف رحمه الله لا شئ فيه وحكي عن أبى يوسف ان أبا حنيفة كان يقول لا شئ فيه وكنت أقول فيه الخمس فلم أزل به أناظره وأقول انه كالرصاص حتى قال فيه الخمس ثم رأيت أن لا شئ فيه فصار الحاصل ان عند أبى حنيفة رحمه الله تعالى في قوله الاخر وهو قول أبى يوسف الاول وهو قول محمد فيه الخمس وعند أبى يوسف في قوله الاخر وهو قول أبى حنيفة الاول لا شئ فيه قال لانه ينبع من عينه ولا ينطبع بنفسه فهو كالقير والنفط. وجه قول من أوجب الخمس أنه يستخرج بالعلاج من عينه وينطبع مع غيره فكان كالفضة فانها لا تنطبع ما لم يخلطها شئ ثم يجب فيها الخمس فهذا مثله (قال) وإذا وجد الرجل الركاز من الذهب والفضة والجواهر مما يعرف أنه قديم فاستخرجه من أرض الفلاة ففيه
 
 
[ 214 ]
 
الخمس وما بقى فهو له فهذا على وجهين اما ان يكون فيه من علامات الاسلام كالمصحف والدرهم المكتوب عليه كلمة الشهادة فيكون بمنزلة اللقطة فعليه ان يعرفها أو يكون فيه شى ء من علامات الشرك كالصنم والصليب فحينئذ فيه الخمس. لما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ما يوجد في الارض الميتة فهو لقطة تعرف وما يوجد في الخرب العادى ففيه وفى الركاز الخمس ولانه إذا كان فيه شئ من علامات الشرك عرفنا أنه من وضع أهل الحرب وقع في أيدى المسلمين بايجاف الخيل والركاب ففيه الخمس وإذا كان فيه شئ من علامات الاسلام عرفنا أنه من وضع المسلمين ومال المسلم لا يغنم والموجود في باطن الارض كالموجود على ظاهرها فان لم يكن به علامة يستدل بها فهو لقطة في زماننا لان العهد قد تقادم والظاهر أنه لم يبق شئ مما دفنه أهل الحرب ويستوى ان كان الواجد ذميا أو مكاتبا أو صبيا أو حرا أو مسلما وقد بيناه في المعدن فكذلك في اللقطة وكذلك في الركاز (قال) وان وجده في دار رجل فان قال صاحب الدار انا وضعته فالقول قوله لانه في يده وان تصادقا على أنه ركاز ففيه الخمس والباقى لصاحب الخطة سواء كان الواجد ساكنا في الدار بعارية أو اجارة أو شراء وصاحب الخطة هو الذى أصاب هذه البقعة بالقسمة حين افتتحت البلدة فسمى صاحب الخطة لان الامام يخط لكل واحد من الغانمين حيزا ليكون له فان كان هو باقيا أو وارثه دفع إليه والا فهو لاقصي مالك يعرف لهذه البقعة في الاسلام وهذا قول أبى حنيفة ومحمد وعند أبى يوسف رحمه الله تعالى الباقي للواجد قال أستحسن ذلك وأجعل الموجود في الدار والارض كالموجود في المفازة بعلة ان الواجد هو الذى أظهره وحازه ولا يجوز أن يقال إن الامام قد ملكه صاحب الخطة في القسمة لان الامام عادل في القسمة فلو جعلناه مملكا للكنز منه لم يكن عدلا هذا معنى الاستحسان وإذا لم يملكه بقى على أصل الاباحة فمن سبقت يده إليه كان أحق به فأما وجه قولهما فما روى أن رجلا أتى على بن أبى طالب رضى الله تعالى عنه بألف وخمسمائة درهم وجدها في خربة فقال على ان وجدتها في أرض يؤدي خراجها قوم فهم أحق بها منك وان وجدتها في أرض لا يؤدى خراجها أحد فخمسها لنا وأربعة أخماسها لك وهذا مراد محمد من قوله وهذا قياس الاثر عن على بن أبى طالب رضى الله تعالى عنه والمعنى فيه ان صاحب الخطة ملك البقعة بالحيازة فملك ظاهرها وباطنها ثم المشترى منه يملك بالعقد فيملك الظاهر دون الباطن كمن اصطاد سمكة فوجد
 
 
[ 215 ]
 
في بطنها لؤلؤة فهي له بخلاف مالو اشترى سمكة وإذا لم يتملك المشترى عليه بقى على ملك صاحب الخطة ثم الامام مأمور بالعدل بحسب الامكان فما وراء ذلك ليس في وسعه ولا نقول الامام يملكه الكتز بالقسمة بل يقطع مزاحمة سائر الغانمين عن تلك البقعة ويقرر يده فيها وتقرر يده في المحل يوجب ثبوت يده على ما هو موجود في المحل فصار مملوكا له بالحيازة على هذا الطريق (قال) مسلم دخل دار الحرب بأمان فوجد ركازا فان كان وجده في دار بعضهم رده عليه لان ما في الدار في يد صاحب الدار وهو قد ضمن بعقد الامان ان لا يخونهم فعليه الوفاء بما ضمن وان كان وجده في الصحراء فهو له لانه مباح ليس في يد أحد منهم فلا يكون هو في أخذه غادرا بهم كالحطب والحشيش وليس فيه خمس لان الخمس فيما كان وقوعه في يد المسلمين بايجاف الخيل والركاب وذلك غير موجود هنا وان كان المعدن في دار الاسلام للمسلم أو الذمي فهو له وليس فيه خمس في قول أبى حنيفة رحمه الله تعالى وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى فيه الخمس وان كان في أرض المسلم فكذلك الجواب في رواية كتاب الزكاة وفى الجامع الصغير فرق أبو حنيفة رحمه الله بين الموجود في الارض والدار وجه قولهما قوله صلى الله عليه وسلم وفى الركاز الخمس وقد بينا أن اسم الركاز يتناول المعدن ثم قاسه بالموجود في الفلاة بعلة انه مال نفيس يستخرج من معدنه وقد كانت عزوفة في يد أهل الحرب وقعت في يد المسلمين بايجاف الخيل والركاب. ولابي حنيفة رحمه الله تعالى طريقان أحدهما ان المعدن جزء من أجزاء ملكه وسائر أجزاء هذه البقعة مملوكة له لا شئ عليه فيها فكذلك هذا الجزء بخلاف الموجود في الفلاة وبخلاف الكنز وعلى هذا الطريق يسوى بين الدار والارض. والطريقة الثانية ان الدار ملكت بشرط قطع حقوق الله تعالى حتى لا يجب فيها خراج ولا عشر إذا كان فيها نخيل يخرج اكرارا من تمر وعلى هذه الطريق يقول في الارض يجب الخمس في المعدن لان الارض ما ملكت بشرط قطع حقوق الله تعالى عنه ألا ترى انه يجب فيها الخراج أو العشر فكذلك الخمس فيما يوجد فيه حق الله تعالى (قال) حربي دخل دارنا بأمان فأصاب كنزا أو معدنا يؤخذ منه كله لان هذا في معنى الغنيمة ولا حق لاهل الحرب في غنائم المسلمين رضخا ولا سهما بخلاف أهل الذمة وان عمل في المعدن باذن الامام أخذ منه الخمس وما بقى فهو له لان الامام شرط له ذلك لمصلحة رأى فيه لمصارف الخمس فعليه الوفاء بما شرط له ألا ترى
 
 
[ 216 ]
 
له لو استعان بهم في قتال أهل الحرب رضخ لهم فهذا مثله (قال) ولا شئ في العسل إذا كان في أرض الخراج وان كان في أرض العشر أو في الجبال ففيه العشر كيف كان صاحبه وذكر الشافعي رحمه الله تعالى في كتابه ان ماروى في ايجاب العشر في العسل لم يثبت وما روى من أنه لا شئ فيه لم يثبث فهذا منه اشارة إلى انه لا عشر في العسل. ووجهه انه منفصل من الحيوان فلا شئ فيه كالابريسم الذى يكون من دود القز (ولنا) ماروى عن عبد الله بن عمرو بن العاص رحمهما الله تعالى ان بنى سامر قوم من جرهم كانت لهم نحل عسالة فكانوا يؤدون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من كل عشر قرب قربة وكان يحمى لهم واديهم فلما كان في زمن عمر بن الخطاب رضى الله عنه استعمل عليهم سفيان بن عبد الله الثقفي فابوا ان يعطوه شيئا فكتب في ذلك إلى عمر فكتب إليه عمر ان النحل ذباب غيث يسوقه الله تعالى إلى من شاء فان أدوا اليك ما كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاحم لهم واديهم والا فخل بينهم وبين الناس فدفعوا إليه العشر. وعن أبي سلمة عن أبى هريرة ان النبي صلى الله عليه وسلم كتب إلى أهل اليمن ان في العسل العشر والمعنى فيه ان النحل تأكل من نوار الشجر وثمارها كما قال الله تعالى ثم كلي من كل الثمرات فما يكون منها من العسل متولد من الثمار وفى الثمار إذا كانت في أرض عشرية العشر فكذلك فيما يتولد منها ولهذا لو كانت في أرض خراجية لم يكن فيها شئ فانه ليس في ثمار الاشجار النابتة في أرض الخراج شئ وبهذا فارق دود القز فانه يأكل الورق وليس في الاوراق عشر فكذلك ما يتولد منها (قال) ولا شئ في القير والنفط والملح لانها فوارة كالماء واماما حولها من الارض فقد قال بعض مشايخنا لا شئ فيها من الخراج وان كانت هذه العيون في أرض الخراج لانها غير صالحة للزراعة فكانت كالارض السبخة ومالا يبلغها الماء وكان أبو بكر الرازي رضى الله عنه يقول لا شئ في موضع القير وأما حريمه مما أعده صاحبه لالقاء ما يحصل له فيه يمسح فيوجب فيه الخراج لانه في الاصل صالح للزراعة انما عطله صاحبه لحاجته فلا يسقط الخراج عنه (قال) ولا شئ في الطرفاء والقصب الفارسى لانه لا يستنبت في الجنان بماء ولا يقصد به استغلال الاراضي عادة بل لا يبقى على الارض فانه مفسد لها والعشر انما يجب فيما يقصد به استغلال الاراضي عادة (قال) ولا يسقط فيه الخمس عن الركاز والمعدن وان كان واجده معسرا أو فقيرا لقوله صلى الله عليه وسلم وفى الركاز الخمس ولانه
 
 
 
== [ 217 ] ==
 
 
ليس يجب على الواحد ولكن الخمس صار حقا لمصارف الخمس حين وقع هذا في يد المسلمين من يد أهل الحرب فلا يختلف باختلاف حال من يظهره (قال) وإذا تقبل الرجل من السلطان معدنا ثم استأجر فيه أجرأء واستخرجوا منه مالا قال يخمس وما بقى فهو للمتقبل لان عمل أجرائه كعمله بنفسه ولان عملهم صار مسلما إليه حكما بدليل وجوب الاجرة لهم عليه وان كانوا عملوا فيه بغير أمره فالاربعة الاخماس لهم دونه لانهم وجدوا المال والاربعة الاخماس للواجد والتقبل من السلطان لم يكن صحيحا لان المقصود منه ما هو عين والتقبل في مثله لا يصح كمن تقبل أجمة فاصطاد فيها السمك غيره كان للذى اصطاده وكذلك من تقبل بعض المقانص من السلطان فاصطاد فيها غيره كان الصيد لمن أخذه ولا يصح ذلك التقبل منه فهذا مثله والله أعلم (تم الجزء الثاني من المبسوط ويليه الجزء الثالث وأوله) (باب عشر الارضين)
 
 
 
[[تصنيف:مبسوط السرخسي]]
 

مراجعة 23:17، 27 ديسمبر 2006