الفرق بين المراجعتين ل"ابن حزم - المجلد الثاني6"

من معرفة المصادر

 
(Removing all content from page)
سطر 1: سطر 1:
732 - مَسْأَلَةٌ : وَمَنْ نَوَى وَهُوَ صَائِمٌ إبْطَالَ صَوْمِهِ بَطَلَ , إذَا تَعَمَّدَ ذَلِكَ ذَاكِرًا لاَِنَّهُ فِي صَوْمٍ وَإِنْ لَمْ يَأْكُلْ ، وَلاَ شَرِبَ ، وَلاَ وَطِئَ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ r إنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَلِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى فَصَحَّ يَقِينًا أَنَّ مَنْ نَوَى إبْطَالَ مَا هُوَ فِيهِ مِنْ الصَّوْمِ فَلَهُ مَا نَوَى بِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام الَّذِي لاَ تَحِلُّ مُعَارَضَتُهُ , وَهُوَ قَدْ نَوَى بُطْلاَنَ الصَّوْمِ , فَلَهُ بُطْلاَنُهُ , فَلَوْ لَمْ يَكُنْ ذَاكِرًا لاَِنَّهُ فِي صَوْمٍ لَمْ يَضُرَّهُ شَيْئًا , لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ. وَهَكَذَا الْقَوْلُ فِيمَنْ نَوَى إبْطَالَ صَلاَةٍ هُوَ فِيهَا , أَوْ حَجٍّ هُوَ فِيهِ , وَسَائِرُ الأَعْمَالِ كُلِّهَا كَذَلِكَ , فَلَوْ نَوَى ذَلِكَ بَعْدَ تَمَامِ صَوْمِهِ أَوْ أَعْمَالِهِ الْمَذْكُورَةِ كَانَ آثِمًا , وَلَمْ يُبْطِلْ بِذَلِكَ شَيْئًا مِنْهَا ; لاَِنَّهَا كُلَّهَا قَدْ صَحَّتْ وَتَمَّتْ كَمَا أُمِرَ , وَمَا صَحَّ فَلاَ يَجُوزُ أَنْ يُبْطِلَ بِغَيْرِ نَصٍّ فِي بُطْلاَنِهِ , وَالْمَسْأَلَةُ الآُولَى لَمْ يُتِمَّ عَمَلَهُ فِيهَا كَمَا أُمِرَ وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
 
733 - مَسْأَلَةٌ : وَيُبْطِلُ الصَّوْمَ : تَعَمُّدُ الأَكْلِ , أَوْ تَعَمُّدُ الشُّرْبِ , أَوْ تَعَمُّدُ الْوَطْءِ فِي الْفَرْجِ ; أَوْ تَعَمُّدُ الْقَيْءِ ; وَهُوَ فِي كُلِّ ذَلِكَ ذَاكِرٌ لِصَوْمِهِ , وَسَوَاءٌ قَلَّ مَا أَكَلَ أَوْ كَثُرَ , أَخْرَجَهُ مِنْ بَيْنِ أَسْنَانِهِ أَوْ أَخَذَهُ مِنْ خَارِجِ فَمِهِ فَأَكَلَهُ. وَهَذَا كُلُّهُ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ إجْمَاعًا مُتَيَقَّنًا , إلاَّ فِيمَا نَذْكُرُهُ , مَعَ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿ فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنْ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إلَى اللَّيْلِ. وَمَا حَدَّثَنَاهُ حُمَامٌ ، حدثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبَاجِيَّ ، حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَيْمَنَ ، حدثنا حَبِيبُ بْنُ خَلَفٍ الْبُخَارِيُّ ، حدثنا أَبُو ثَوْرٍ إبْرَاهِيمُ بْنُ خَالِدٍ ، حدثنا مُعَلَّى ، حدثنا عِيسَى بْنُ يُونُسَ ، حدثنا هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ r قَالَ : مَنْ ذَرَعَهُ الْقَيْءُ وَهُوَ صَائِمٌ فَلَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاءٌ , وَمَنْ اسْتَقَاءَ فَلْيَقْضِ.
 
وَرُوِّينَا هَذَا أَيْضًا ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ , وَعَلِيٍّ وَعَلْقَمَةَ.
 
قَالَ عَلِيٌّ : عِيسَى بْنُ يُونُسَ : ثِقَةٌ. وَقَالَ الْحَنَفِيُّونَ مَنْ تَعَمَّدَ أَنْ يَتَقَيَّأَ أَقَلَّ مِنْ مِلْءِ فِيهِ لَمْ يَبْطُلْ بِذَلِكَ صَوْمُهُ , فَإِنْ كَانَ مِلْءَ فِيهِ فَأَكْثَرَ , بَطَلَ صَوْمُهُ , وَهَذَا خِلاَفٌ لِرَسُولِ اللَّهِ r مَعَ سَخَافَةِ التَّحْدِيدِ وَقَالَ الْحَنَفِيُّونَ , وَالْمَالِكِيُّونَ : مَنْ خَرَجَ وَهُوَ صَائِمٌ مِنْ بَيْنِ أَسْنَانِهِ شَيْءٌ مِنْ بَقِيَّةِ سَحُورِهِ كَالْجَذِيذَةِ وَشَيْءٌ مِنْ اللَّحْمِ وَنَحْوُ ذَلِكَ فَبَلَعَهُ عَامِدًا لِبَلْعِهِ ذَاكِرًا لِصَوْمِهِ فَصَوْمُهُ تَامٌّ , وَمَا نَعْلَمُ هَذَا الْقَوْلَ لاَِحَدٍ قَبْلَهُمَا
 
وَاحْتَجَّ بَعْضُهُمْ لِهَذَا الْقَوْلِ بِأَنَّهُ شَيْءٌ قَدْ أُكِلَ بَعْدُ , وَإِنَّمَا حَرُمَ مَا لَمْ يُؤْكَلْ فَكَانَ الاِحْتِجَاجُ أَسْقَطَ وَأَوْحَشَ مِنْ الْقَوْلِ الْمُحْتَجِّ لَهُ وَمَا عَلِمْنَا شَيْئًا أُكِلَ فَيُمْكِنُ وُجُودُهُ بَعْدَ الأَكْلِ , إلاَّ أَنْ يَكُونَ قَيْئًا أَوْ عَذِرَةً وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ الْبَلاَءِ وَحَدَّ بَعْضُ الْحَنَفِيِّينَ الْمِقْدَارَ الَّذِي لاَ يَضُرُّ تَعَمُّدُ أَكْلِهِ فِي الصَّوْمِ مِنْ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ دُونَ مِقْدَارِ الْحِمَّصَةِ. فَكَانَ هَذَا التَّحْدِيدُ طَرِيفًا جِدًّا ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ , فَأَيُّ الْحِمَّصِ هُوَ الإِمْلِيسِيُّ الْفَاخِرُ , أَمْ الصَّغِيرُ
 
فَإِنْ قَالُوا قِسْنَاهُ عَلَى الرِّيقِ
 
قلنا لَهُمْ : فَمِنْ أَيْنَ فَرَّقْتُمْ بَيْنَ قَلِيلِ ذَلِكَ وَكَثِيرِهِ بِخِلاَفِ الرِّيقِ وَنَسْأَلُهُمْ عَمَّنْ لَهُ مِطْحَنَةٌ كَبِيرَةٌ مَثْقُوبَةٌ فَدَخَلَتْ فِيهَا مِنْ سَحُورِهِ زَبِيبَةٌ , أَوْ بَاقِلاَءُ فَأَخْرَجَهَا يَوْمًا آخَرَ بِلِسَانِهِ وَهُوَ صَائِمٌ : أَلَهُ تَعَمُّدُ بَلْعِهَا أَمْ لاَ فَإِنْ مَنَعُوا مِنْ ذَلِكَ تَنَاقَضُوا , وَإِنْ أَبَاحُوا سَأَلْنَاهُمْ ، عَنْ جَمِيعِ طَوَاحِينِهِ وَهِيَ ثِنْتَا عَشْرَةَ مِطْحَنَةً مَثْقُوبَةٌ كُلُّهَا فَامْتَلاََتْ سِمْسِمًا أَوْ زَبِيبًا أَوْ قُنَّبًا أَوْ حِمَّصًا أَوْ بَاقِلاً أَوْ خُبْزًا أَوْ زَرِيعَةَ كَتَّانٍ فَإِنْ أَبَاحُوا تَعَمُّدَ أَكْلِ ذَلِكَ كُلِّهِ حَصَّلُوا أُعْجُوبَةً وَإِنْ مَنَعُوا مِنْهُ تَنَاقَضُوا وَتَحَكَّمُوا فِي الدِّينِ بِالْبَاطِلِ. وَإِنَّمَا الْحَقُّ الْوَاضِحُ فَإِنَّ كُلَّ مَا سُمِّيَ أَكْلاً أَيُّ شَيْءٍ كَانَ فَتَعَمُّدُهُ يُبْطِلُ الصَّوْمَ ,
 
وَأَمَّا الرِّيقُ فَقَلَّ أَوْ كَثُرَ فَلاَ خِلاَفَ فِي أَنْ تَعَمَّدَ ابْتِلاَعَهُ لاَ يَنْقُضُ الصَّوْمَ وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. وَالْعَجَبُ كُلُّهُ مِمَّنْ قَلَّدَ أَبَا حَنِيفَةَ , وَمَالِكًا فِي هَذَا , وَلَمْ يُقَلِّدْ مِنْ سَاعَةٍ مَنْ سَاعَاتِهِ خَيْرٌ مِنْ دَهْرِهِمَا كُلِّهِ وَهُوَ أَبُو طَلْحَةَ , الَّذِي
 
رُوِّينَا بِأَصَحِّ طَرِيقٍ ، عَنْ شُعْبَةَ , وَعِمْرَانَ الْقَطَّانِ كِلاَهُمَا ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَنَسٍ : أَنَّ أَبَا طَلْحَةَ كَانَ يَأْكُلُ الْبَرْدَ وَهُوَ صَائِمٌ قَالَ عِمْرَانُ فِي حَدِيثِهِ : وَيَقُولُ : لَيْسَ طَعَامًا ، وَلاَ شَرَابًا وَقَدْ سَمِعَهُ شُعْبَةُ مِنْ قَتَادَةَ , وَسَمِعَهُ قَتَادَةُ مِنْ أَنَسٍ ; وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ لاَ يُحَصِّلُونَ
 
734 - مَسْأَلَةٌ : وَيُبْطِلُ الصَّوْمَ أَيْضًا تَعَمُّدُ كُلِّ مَعْصِيَةٍ أَيِّ مَعْصِيَةٍ كَانَتْ , لاَ نُحَاشِ شَيْئًا إذَا فَعَلَهَا عَامِدًا ذَاكِرًا لِصَوْمِهِ , كَمُبَاشَرَةِ مَنْ لاَ يَحِلُّ لَهُ مِنْ أُنْثَى أَوْ ذَكَرٍ , أَوْ تَقْبِيلِ امْرَأَتِهِ وَأَمَتِهِ الْمُبَاحَتَيْنِ لَهُ مِنْ أُنْثَى أَوْ ذَكَرٍ , أَوْ إتْيَانٍ فِي دُبُرِ امْرَأَتِهِ أَوْ أَمَتِهِ أَوْ غَيْرِهِمَا , أَوْ كَذِبٍ , أَوْ غِيبَةٍ , أَوْ نَمِيمَةٍ , أَوْ تَعَمُّدِ تَرْكِ صَلاَةٍ , أَوْ ظُلْمٍ , أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ كُلِّ مَا حَرُمَ عَلَى الْمَرْءِ فِعْلُهُ
 
بُرْهَانُ ذَلِكَ : مَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ، حدثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ، حدثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ، حدثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، حدثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ، حدثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ ، حدثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، حدثنا ابْنُ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ الزَّيَّاتِ هُوَ السَّمَّانُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r : (( وَالصِّيَامُ جُنَّةٌ فَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلاَ يَرْفُثْ يَوْمَئِذٍ , وَلاَ يَصْخَبْ فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ : إنِّي صَائِمٌ.
 
وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنِ الأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ r قَالَ : الصِّيَامُ جُنَّةٌ , فَإِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ صَائِمًا فَلاَ يَرْفُثْ ، وَلاَ يَجْهَلْ , فَإِنْ امْرُؤٌ قَاتَلَهُ أَوْ شَاتَمَهُ فَلْيَقُلْ : إنِّي صَائِمٌ.
 
حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَانِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ ، حدثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ ، حدثنا الْفَرَبْرِيُّ ، حدثنا الْبُخَارِيُّ ، حدثنا آدَم بْنُ أَبِي إيَاسٍ ، حدثنا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ ، حدثنا سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيُّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ : مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ.
 
حدثنا عبد الله بن ربيع ، حدثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ ، حدثنا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ ، حدثنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، حدثنا الْحَجَّاجُ بْنُ الْمِنْهَالِ ، حدثنا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ ، عَنْ عُبَيْدٍ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ r أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ r أَتَى عَلَى امْرَأَتَيْنِ صَائِمَتَيْنِ تَغْتَابَانِ النَّاسَ فَقَالَ لَهُمَا : قِيئَا , فَقَاءَتَا قَيْحًا وَدَمًا وَلَحْمًا عَبِيطًا , ثُمَّ قَالَ عليه السلام : هَا إنَّ هَاتَيْنِ صَامَتَا ، عَنِ الْحَلاَلِ وَأَفْطَرَتَا عَلَى الْحَرَامِ.
 
قال أبو محمد : فَنَهَى عليه السلام ، عَنِ الرَّفَثِ وَالْجَهْلِ فِي الصَّوْمِ , فَكَانَ مَنْ فَعَلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ عَامِدًا ذَاكِرًا لِصَوْمِهِ لَمْ يَصُمْ كَمَا أُمِرَ , وَمَنْ لَمْ يَصُمْ كَمَا أُمِرَ , فَلَمْ يَصُمْ , لاَِنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِالصِّيَامِ الَّذِي أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ , وَهُوَ السَّالِمُ مِنْ الرَّفَثِ وَالْجَهْلِ , وَهُمَا اسْمَانِ يَعُمَّانِ كُلَّ مَعْصِيَةٍ ; وَأَخْبَرَ عليه السلام أَنَّ مَنْ لَمْ يَدَعْ الْقَوْلَ بِالْبَاطِلِ وَهُوَ الزُّورُ وَلَمْ يَدَعْ الْعَمَلَ بِهِ فَلاَ حَاجَةَ لِلَّهِ تَعَالَى فِي تَرْكِ طَعَامِهِ وَشَرَابِهِ.
 
فَصَحَّ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لاَ يَرْضَى صَوْمَهُ ذَلِكَ ، وَلاَ يَتَقَبَّلُهُ , وَإِذَا لَمْ يَرْضَهُ ، وَلاَ قَبِلَهُ فَهُوَ بَاطِلٌ سَاقِطٌ ; وَأَخْبَرَ عليه السلام أَنَّ الْمُغْتَابَةَ مُفْطِرَةٌ وَهَذَا مَا لاَ يَسَعُ أَحَدًا خِلاَفُهُ وَقَدْ كَابَرَ بَعْضُهُمْ فَقَالَ : إنَّمَا يَبْطُلُ أَجْرُهُ لاَ صَوْمُهُ
 
قال أبو محمد : فَكَانَ هَذَا فِي غَايَةِ السَّخَافَةِ وَبِالضَّرُورَةِ يَدْرِي كُلُّ ذِي حِسٍّ أَنَّ كُلَّ عَمَلٍ أَحْبَطَ اللَّهُ تَعَالَى أَجْرَ عَامِلِهِ فَإِنَّهُ تَعَالَى لَمْ يَحْتَسِبْ لَهُ بِذَلِكَ الْعَمَلَ ، وَلاَ قَبِلَهُ , وَهَذَا هُوَ الْبُطْلاَنُ بِعَيْنِهِ بِلاَ مِرْيَةٍ وَبِهَذَا يَقُولُ السَّلَفُ الطَّيِّبُ :
 
رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ : حدثنا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ , وَهُشَيْمٌ كِلاَهُمَا ، عَنْ مُجَالِدٍ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ , قَالَ هُشَيْمٌ : عَنْ مَسْرُوقٍ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ لَيْسَ الصِّيَامُ مِنْ الشَّرَابِ وَالطَّعَامِ وَحْدَهُ ; وَلَكِنَّهُ مِنْ الْكَذِبِ , وَالْبَاطِلِ وَاللَّغْوِ وَعَنْ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ ، عَنْ مُجَالِدٍ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ مِثْلُهُ نَصًّا.
 
وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ : حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى قَالَ قَالَ جَابِرٌ ، هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ : إذَا صُمْت فَلْيَصُمْ سَمْعُكَ , وَبَصَرُكَ , وَلِسَانُكَ ، عَنِ الْكَذِبِ وَالْمَأْثَمِ , وَدَعْ أَذَى الْخَادِمِ وَلْيَكُنْ عَلَيْكَ وَقَارٌ , وَسَكِينَةٌ يَوْمَ صِيَامِكَ , وَلاَ تَجْعَلْ يَوْمَ فِطْرِكَ وَيَوْمَ صَوْمِكَ سَوَاءً.
 
وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ ، عَنْ وَكِيعٍ ، عَنْ أَبِي الْعُمَيْسِ هُوَ عُتْبَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ الْحَنَفِيِّ ، عَنْ أَخِيهِ طَلِيقِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ قَالَ أَبُو ذَرٍّ : إذَا صُمْت فَتَحَفَّظْ مَا اسْتَطَعْت , فَكَانَ طَلِيقٌ إذَا كَانَ يَوْمُ صِيَامِهِ دَخَلَ فَلَمْ يَخْرُجْ إلاَّ إلَى صَلاَةٍ.
 
وَمِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ ، عَنْ حَمَّادٍ الْبَكَّاءِ ، عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : إذَا اغْتَابَ الصَّائِمُ أَفْطَرَ.
 
وَمِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ ، عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ مُسْلِمِ الْعَبْدِيِّ ، عَنْ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ النَّاجِي قَالَ : كَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ وَأَصْحَابُهُ إذَا صَامُوا جَلَسُوا فِي الْمَسْجِدِ وَقَالُوا : نُطَهِّرُ صِيَامَنَا فَهَؤُلاَءِ مِنْ الصَّحَابَةِ ، رضي الله عنهم ، عُمَرُ , وَأَبُو ذَرٍّ وَأَبُو هُرَيْرَةَ , وَأَنَسٌ , وَجَابِرٌ , وَعَلِيٌّ : يَرَوْنَ بُطْلاَنَ الصَّوْمِ بِالْمَعَاصِي , لأَنَّهُمْ خَصُّوا الصَّوْمَ بِاجْتِنَابِهَا وَإِنْ كَانَتْ حَرَامًا عَلَى الْمُفْطِرِ , فَلَوْ كَانَ الصِّيَامُ تَامًّا بِهَا مَا كَانَ لِتَخْصِيصِهِمْ الصَّوْمَ بِالنَّهْيِ عَنْهَا مَعْنًى , وَلاَ يُعْرَفُ لَهُمْ مُخَالِفٌ مِنْ الصَّحَابَةِ ، رضي الله عنهم ،. وَمِنْ التَّابِعِينَ : مَنْصُورٌ ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ : مَا أَصَابَ الصَّائِمُ شَوًى إلاَّ الْغِيبَةَ , وَالْكَذِبَ. وَعَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ : الصِّيَامُ جُنَّةٌ ; مَا لَمْ يَخْرِقْهَا صَاحِبُهَا , وَخَرْقُهَا : الْغِيبَةُ وَعَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ : إنَّ أَهْوَنَ الصَّوْمِ تَرْكُ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَعَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيّ قَالَ : كَانُوا يَقُولُونَ : الْكَذِبُ يُفْطِرُ الصَّائِمَ
 
قال أبو محمد : وَنَسْأَلُ مَنْ خَالَفَ هَذَا ، عَنِ الأَكْلِ لِلَحْمِ الْخِنْزِيرِ , وَالشُّرْبِ لِلْخَمْرِ عَمْدًا : أَيُفْطِرُ الصَّائِمَ أَمْ لاَ فَمِنْ قَوْلِهِمْ : نَعَمْ فَنَقُولُ لَهُمْ : وَلِمَ ذَلِكَ
 
فَإِنْ قَالُوا : لاَِنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُمَا فِيهِ
 
قلنا لَهُمْ :
 
وَكَذَلِكَ الْمَعَاصِي ; لاَِنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْهَا فِي الصَّوْمِ أَيْضًا بِالنَّصِّ الَّذِي ذَكَرْنَا.
 
فَإِنْ قَالُوا : وَغَيْرُ الصَّائِمِ أَيْضًا مَنْهِيٌّ ، عَنِ الْمَعَاصِي
 
قلنا لَهُمْ : وَغَيْرُ الصَّائِمِ أَيْضًا مَنْهِيٌّ ، عَنِ الْخَمْرِ , وَالْخِنْزِيرِ , وَلاَ فَرْقَ
 
فَإِنْ قَالُوا : إنَّمَا نُهِيَ ، عَنِ الأَكْلِ وَالشُّرْبِ ، وَلاَ نُبَالِي أَيَّ شَيْءٍ أَكَلَ أَوْ شَرِبَ
 
قلنا : وَإِنَّمَا نُهِيَ ، عَنِ الْمَعَاصِي فِي صَوْمِهِ ، وَلاَ نُبَالِي بِمَا عَصَى , أَبِأَكْلٍ وَشُرْبٍ , أَمْ بِغَيْرِ ذَلِكَ
 
فَإِنْ قَالُوا : إنَّمَا أَفْطَرَ بِالأَكْلِ وَالشُّرْبِ لِلإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّهُ مُفْطِرٌ بِهِمَا
 
قلنا : فَلاَ تُبْطِلُوا الصَّوْمَ إلاَّ بِمَا أُجْمِعَ عَلَى بُطْلاَنِهِ بِهِ وَهَذَا يُوجِبُ عَلَيْكُمْ أَنْ لاَ تُبْطِلُوهُ بِأَكْلِ الْبَرَدِ ، وَلاَ بِكَثِيرٍ مِمَّا أَبْطَلْتُمُوهُ بِهِ كَالسَّعُوطِ وَالْحُقْنَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ
 
فَإِنْ قَالُوا : قِسْنَا ذَلِكَ عَلَى الأَكْلِ وَالشُّرْبِ
 
قلنا : الْقِيَاسُ كُلُّهُ بَاطِلٌ , ثُمَّ لَوْ صَحَّ لَكَانَ هَذَا فَاسِدًا مِنْ الْقِيَاسِ وَكَانَ أَصَحُّ أُصُولِكُمْ أَنْ تَقِيسُوا بُطْلاَنَ الصَّوْمِ بِجَمِيعِ الْمَعَاصِي عَلَى بُطْلاَنِهِ بِالْمَعْصِيَةِ بِالأَكْلِ , وَالشُّرْبِ , وَهَذَا مَا لاَ مُخَلِّصَ مِنْهُ.
 
فَإِنْ قَالُوا : لَيْسَ اجْتِنَابُ الْمَعَاصِي مِنْ شُرُوطِ الصَّوْمِ
 
قلنا : كَذَبْتُمْ لإِنَّ النَّصَّ قَدْ صَحَّ بِأَنَّهُ مِنْ شُرُوطِ الصَّوْمِ كَمَا أَوْرَدْنَا.
 
فَإِنْ قَالُوا : تِلْكَ الأَخْبَارُ زَائِدَةٌ عَلَى مَا فِي الْقُرْآنِ
 
قلنا : وَإِبْطَالُكُمْ الصَّوْمَ بِالسَّعُوطِ وَالْحُقْنَةِ , وَالإِمْنَاءِ مَعَ التَّقْبِيلِ زِيَادَةٌ فَاسِدَةٌ بَاطِلَةٌ عَلَى مَا فِي الْقُرْآنِ فَتَرَكْتُمْ زِيَادَةَ الْحَقِّ , وَأَثْبَتُّمْ زِيَادَةَ الْبَاطِلِ وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ
 
735 - مَسْأَلَةٌ : فَمَنْ تَعَمَّدَ ذَاكِرًا لِصَوْمِهِ شَيْئًا مِمَّا ذَكَرْنَا فَقَدْ بَطَلَ صَوْمُهُ , وَلاَ يَقْدِرُ عَلَى قَضَائِهِ إنْ كَانَ فِي رَمَضَانَ أَوْ فِي نَذْرٍ مُعَيَّنٍ , إلاَّ فِي تَعَمُّدِ الْقَيْءِ خَاصَّةً فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ.
 
بُرْهَانُ ذَلِكَ : أَنَّ وُجُوبَ الْقَضَاءِ فِي تَعَمُّدِ الْقَيْءِ قَدْ صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ r كَمَا ذَكَرْنَا قَبْلَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِمَسْأَلَتَيْنِ ; وَلَمْ يَأْتِ فِي فَسَادِ الصَّوْمِ بِالتَّعَمُّدِ لِلأَكْلِ أَوْ الشُّرْبِ أَوْ الْوَطْءِ : نَصٌّ بِإِيجَابِ الْقَضَاءِ , وَإِنَّمَا افْتَرَضَ تَعَالَى رَمَضَانَ لاَ غَيْرَهُ عَلَى الصَّحِيحِ الْمُقِيمِ الْعَاقِلِ الْبَالِغِ , فَإِيجَابُ صِيَامِ غَيْرِهِ بَدَلاً مِنْهُ إيجَابُ شَرْعٍ لَمْ يَأْذَنْ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ , فَهُوَ بَاطِلٌ , وَلاَ فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يُوجِبَ اللَّهُ تَعَالَى صَوْمَ شَهْرٍ مُسَمًّى فَيَقُولُ قَائِلٌ : إنَّ صَوْمَ غَيْرِهِ يَنُوبُ عَنْهُ , بِغَيْرِ نَصٍّ وَارِدٍ فِي ذَلِكَ : وَبَيْنَ مَنْ قَالَ : إنَّ الْحَجَّ إلَى غَيْرِ مَكَّةَ يَنُوبُ ، عَنِ الْحَجِّ إلَى مَكَّةَ , وَالصَّلاَةَ إلَى غَيْرِ الْكَعْبَةِ تَنُوبُ ، عَنِ الصَّلاَةِ إلَى الْكَعْبَةِ , وَهَكَذَا فِي كُلِّ شَيْءٍ
 
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا.
 
وَقَالَ تَعَالَى ﴿ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ.
 
فَإِنْ قَالُوا : قِسْنَا كُلَّ مُفْطِرٍ بِعَمْدٍ فِي إيجَابِ الْقَضَاءِ عَلَى الْمُتَّقِي عَمْدًا
 
قلنا : الْقِيَاسُ كُلُّهُ بَاطِلٌ , ثُمَّ لَوْ كَانَ حَقًّا لَكَانَ هَذَا مِنْهُ عَيْنَ الْبَاطِلِ ; لأَنَّهُمْ أَوَّلُ مَنْ نَقَضَ هَذَا الْقِيَاسَ فَأَكْثَرُهُمْ لَمْ يَقِسْ الْمُفْطِرَ عَمْدًا بِأَكْلٍ أَوْ شُرْبٍ عَلَى الْمُفْطِرِ بِالْقَيْءِ عَمْدًا فِي إسْقَاطِ الْكَفَّارَةِ عَنْهُمْ كَسُقُوطِهَا ، عَنِ الْمُتَّقِي عَمْدًا , وَهُمْ الْحَنَفِيُّونَ , وَالْمَالِكِيُّونَ , وَالشَّافِعِيُّونَ : قَاسُوهُمْ عَلَى الْمُفْطِرِ بِالْقَيْءِ عَمْدًا , وَلَمْ يَقِيسُوهُمْ كُلَّهُمْ عَلَى الْمُجَامِعِ عَمْدًا فِي وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ عَلَيْهِمْ كُلِّهِمْ ; فَقَدْ تَرَكُوا الْقِيَاسَ الَّذِي يَدَّعُونَ فَإِنْ وُجِدَ مَنْ يُسَوِّي بَيْنَ الْكُلِّ فِي إيجَابِ الْقَضَاءِ وَالْكَفَّارَةِ كُلِّمَ فِي إبْطَالِ الْقِيَاسِ فَقَطْ.
 
فَإِنْ ذَكَرُوا أَخْبَارًا وَرَدَتْ فِي إيجَابِ الْقَضَاءِ عَلَى الْمُتَعَمِّدِ لِلْوَطْءِ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ قِيلَ : تِلْكَ آثَارٌ لاَ يَصِحُّ فِيهَا شَيْءٌ : لإِنَّ أَحَدَهَا : مِنْ طَرِيقِ أَبِي أُوَيْسٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَانِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ r أَمَرَ الَّذِي أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ بِالْكَفَّارَةِ وَأَنْ يَصُومَ يَوْمًا وَأَبُو أُوَيْسٍ ضَعِيفٌ , ضَعَّفَهُ ابْنُ مَعِينٍ وَغَيْرُهُ.
 
وَالثَّانِي : رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ سَعْدٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ r أَمَرَهُ بِأَنْ يَصُومَ يَوْمًا وَهِشَامُ بْنُ سَعْدٍ ضَعَّفَهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ , وَابْنُ مَعِينٍ , وَغَيْرُهُمَا , وَلَمْ يَسْتَجِزْ الرِّوَايَةَ عَنْهُ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ. وَالثَّالِثُ : رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْجَبَّارِ بْنِ عُمَرَ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الأَنْصَارِيِّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ r قَالَ لِلْوَاطِئِ فِي رَمَضَانَ اقْضِ يَوْمًا مَكَانَهُ وَعَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ عُمَرَ : ضَعِيفٌ , ضَعَّفَهُ الْبُخَارِيُّ , وَقَالَ ابْنُ مَعِينٍ : لَيْسَ بِشَيْءٍ , وَقَالَ أَبُو دَاوُد السِّجِسْتَانِيُّ : هُوَ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ. وَالرَّابِعُ : رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ الْحَجَّاجِ بْنِ أَرْطَاةَ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، عَنِ النَّبِيِّ r أَنَّهُ أَمَرَ الْوَاطِئَ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ أَنْ يَصُومَ يَوْمًا مَكَانَهُ وَهَذَا أَسْقَطَهَا كُلَّهَا لإِنَّ الْحَجَّاجَ لاَ شَيْءَ , ثُمَّ هِيَ صَحِيفَةٌ وَرُوِّينَاهُ مُرْسَلاً مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ
 
وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ.
 
وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي مَعْشَرٍ الْمَدَنِيِّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ ; كُلِّهِمْ أَنَّ النَّبِيَّ r أَمَرَهُ بِقَضَاءِ يَوْمٍ. وَهَذَا كُلُّهُ مُرْسَلٌ , وَلاَ تَقُومُ بِالْمُرْسَلِ حُجَّةٌ وَتَاللَّهِ لَوْ صَحَّ مِنْهَا خَبَرٌ وَاحِدٌ مُسْنَدٌ مِنْ طَرِيقِ الثِّقَاتِ لَسَارَعْنَا إلَى الْقَوْلِ بِهِ فَإِنْ لَجُّوا وَقَالُوا : الْمُرْسَلُ حُجَّةٌ , وَلاَ نُضَعِّفُ الْمُحَدِّثِينَ
 
قلنا لَهُمْ : فَلاَ عَلَيْكُمْ حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّمَرِيُّ .
 
حدثنا أحمد بن محمد بن الجسور ، حدثنا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، حدثنا مُطَرِّفُ بْنُ قَيْسٍ ، حدثنا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ، حدثنا مَالِكٌ ، عَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ قَالَ : جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إلَى رَسُولِ اللَّهِ r يَضْرِبُ نَحْرَهُ وَيَنْتِفُ شَعْرَهُ وَيَقُولُ : هَلَكَ الأَبْعَدُ , فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ r وَمَا ذَاكَ قَالَ : أَصَبْتُ أَهْلِي فِي رَمَضَانَ وَأَنَا صَائِمٌ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ r هَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَعْتِقَ رَقَبَةً قَالَ : لاَ , قَالَ : تَسْتَطِيعُ أَنْ تُهْدِيَ بَدَنَةً قَالَ : لاَ , قَالَ : فَاجْلِسْ فَأُتِيَ بِعَرَقِ تَمْرٍ وَذَكَرَ بَاقِيَ الْخَبَرِ. وَهَكَذَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ وَمَعْمَرٍ ، عَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ : فَلْيَأْخُذُوا بِالْبَدَنَةِ فِي الْكَفَّارَةِ فِي ذَلِكَ ; وَإِلاَّ فَالْقَوْمُ مُتَلاَعِبُونَ وَقُلْنَا لَهُمْ : لَوْ أَرَدْنَا التَّعَلُّقَ بِمَا لاَ يَصِحُّ لَوَجَدْنَا خَيْرًا مِنْ كُلِّ خَبَرٍ تَعَلَّقْتُمْ بِهِ هَاهُنَا , كَمَا حَدَّثَنَا عبد الله بن ربيع ، حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ، حدثنا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ أَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، حدثنا يَحْيَى ، هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ وَعَبْدُ الرَّحْمَانِ بْنُ مَهْدِيٍّ قَالاَ جَمِيعًا : حدثنا سُفْيَانُ هُوَ الثَّوْرِيُّ ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ حَدَّثَنِي أَبُو الْمُطَوِّسِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r : (( مَنْ أَفْطَرَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ مِنْ غَيْرِ رُخْصَةٍ ، وَلاَ مَرَضٍ لَمْ يَقْضِ عَنْهُ صِيَامُ الدَّهْرِ وَإِنْ صَامَهُ. قَالَ أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ : وَأَنْبَأَنَا مُؤَمَّلُ بْنُ هِشَامٍ ، حدثنا إسْمَاعِيلُ ، عَنْ شُعْبَةَ ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ عُمَيْرٍ ، عَنْ أَبِي الْمُطَوِّسِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ r قَالَ : مَنْ أَفْطَرَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ مِنْ غَيْرِ رُخْصَةٍ رَخَّصَهَا اللَّهُ لَمْ يَقْضِ عَنْهُ صَوْمُ الدَّهْرِ. قَالَ أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ : أَنْبَأَنَا مَحْمُودُ بْنُ غِيلاَنَ ، حدثنا أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيُّ ، حدثنا شُعْبَةُ , قَالَ : أَخْبَرَنِي حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ قَالَ : سَمِعْت عُمَارَةَ بْنَ عُمَيْرٍ يُحَدِّثُ ، عَنْ أَبِي الْمُطَوِّسِ , قَالَ حَبِيبٌ : وَقَدْ رَأَيْت أَبَا الْمُطَوِّسِ.
 
فَصَحَّ لِقَاؤُهُ إيَّاهُ فَهَذَا أَحْسَنُ مِنْ كُلِّ مَا تَعَلَّقُوا بِهِ
 
وَأَمَّا نَحْنُ فَلاَ نَعْتَمِدُ عَلَيْهِ ; لإِنَّ أَبَا الْمُطَوِّسِ غَيْرُ مَشْهُورٍ بِالْعَدَالَةِ , وَيُعِيذُنَا اللَّهُ مِنْ أَنَّ نَحْتَجَّ بِضَعِيفٍ إذَا وَافَقْنَا , وَنَرُدُّهُ إذَا خَالَفَنَا وَقَالَ بِمِثْلِ قَوْلِنَا أَفَاضِلُ السَّلَفِ :
 
رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ ، عَنْ هِشَامٍ الدَّسْتُوَائِيِّ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَانِ بْنِ الْبَيْلَمَانِيِّ : أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ قَالَ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رضي الله عنهما فِيمَا أَوْصَاهُ بِهِ : مَنْ صَامَ شَهْرَ رَمَضَانَ فِي غَيْرِهِ لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ وَلَوْ صَامَ الدَّهْرَ أَجْمَعَ.
 
وَمِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سِنَانٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي الْهُذَيْلِ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ أُتِيَ بِشَيْخٍ شَرِبَ الْخَمْرَ فِي رَمَضَانَ , فَقَالَ لِلْمَنْخَرَيْنِ لِلْمَنْخَرَيْنِ وِلْدَانُنَا صِيَامٌ ثُمَّ ضَرَبَهُ ثَمَانِينَ وَصَيَّرَهُ إلَى الشَّامِ.
 
قال أبو محمد : وَلَمْ يَذْكُرْ قَضَاءً ، وَلاَ كَفَّارَةً
 
وَمِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي مَرْوَانَ ، عَنْ أَبِيهِ : أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ أُتِيَ بِالنَّجَاشِيِّ قَدْ شَرِبَ الْخَمْرَ فِي رَمَضَانَ , فَضَرَبَهُ ثَمَانِينَ , ثُمَّ ضَرَبَهُ مِنْ الْغَدِ عِشْرِينَ , وَقَالَ : ضَرَبْنَاكَ الْعِشْرِينَ لِجُرْأَتِكَ عَلَى اللَّهِ وَإِفْطَارِكَ فِي رَمَضَانَ
 
قَالَ عَلِيٌّ : وَلَمْ يَذْكُرْ قَضَاءً , وَلاَ كَفَّارَةًوَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ ، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ يَعْلَى الثَّقَفِيِّ. عَنْ عَرْفَجَةَ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ : مَنْ أَفْطَرَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ مُتَعَمِّدًا لَمْ يَقْضِهِ أَبَدًا طُولُ الدَّهْرِ. وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ : مَنْ أَفْطَرَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ مِنْ غَيْرِ رُخْصَةٍ لَمْ يُجْزِهِ صِيَامُ الدَّهْرِ وَإِنْ صَامَهُ. وَبِأَصَحّ طَرِيقٍ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَجُلاً أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ , فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : لاَ يُقْبَلُ مِنْهُ صَوْمُ سَنَةٍ.
 
وَمِنْ طَرِيقِ الْعَلاَءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَانِ ، عَنْ أَبِيهِ , عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : مَنْ أَفْطَرَ يَوْمًا مِنْ أَيَّامِ رَمَضَانَ لَمْ يَقْضِهِ يَوْمًا مِنْ أَيَّامِ الدُّنْيَا.
 
قال أبو محمد : مِنْ أَصْلِ الْحَنَفِيِّينَ الَّذِينَ يُجَاحِشُونَ عَنْهُ وَيَتْرُكُونَ لَهُ السُّنَنَ : أَنَّ الْخَبَرَ إذَا خَالَفَهُ رَاوِيهِ مِنْ الصَّحَابَةِ كَانَ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ دَلِيلاً عَلَى ضَعْفِ ذَلِكَ الْخَبَرِ أَوْ نَسْخِهِ , قَالُوا ذَلِكَ فِي حَدِيثِ ابْنِ مُغَفَّلٍ , وَأَبِي هُرَيْرَةَ فِي غَسْلِ الإِنَاءِ مِنْ وُلُوغِ الْكَلْبِ سَبْعًا إحْدَاهُنَّ بِالتُّرَابِ , فَتَرَكُوهُ ; لأَنَّهُمْ ادَّعَوْا أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ خَالَفَهُ ; وَقَدْ كَذَبُوا فِي ذَلِكَ ; بَلْ قَدْ صَحَّ عَنْهُ الْقَوْلُ بِهِ , وَهَذَا مَكَانٌ قَدْ خَالَفَ فِيهِ أَبُو هُرَيْرَةَ مَا رُوِيَ مِنْ هَذَا الْقَضَاءِ. وَخَالَفَهُ أَيْضًا سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ عَلَى مَا نَذْكُرُ بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى , فَرَأَى عَلَى مَنْ أَفْطَرَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ صَوْمَ شَهْرٍ ; فَيَنْبَغِي لَهُمْ إسْقَاطُ الْقَضَاءِ الْمَذْكُورِ فِي الْخَبَرِ بِهَاتَيْنِ الرِّوَايَتَيْنِ
 
فَإِنْ قَالُوا قَدْ رَوَاهُ غَيْرُ أَبِي هُرَيْرَةَ , وَغَيْرُ سَعِيدٍ
 
قلنا : وَغَسْلُ الإِنَاءِ مِنْ وُلُوغِ الْكَلْبِ سَبْعًا قَدْ رَوَاهُ غَيْرُ أَبِي هُرَيْرَةَ
 
فَإِنْ قَالُوا مُحَالٌ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ أَبِي هُرَيْرَةَ هَذَا الْخَبَرُ وَيُفْتِي بِخِلاَفِهِ
 
قلنا : فَقُولُوا هَذَا فِي خَبَرِ غَسْلِ الإِنَاءِ : مُحَالٌ أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُ ذَلِكَ الْخَبَرُ وَيُخَالِفُهُ وَهَذَا مَا لاَ مُخَلِّصَ لَهُمْ مِنْهُ
 
736 - مَسْأَلَةٌ : وَلاَ قَضَاءَ إلاَّ عَلَى خَمْسَةٍ فَقَطْ : وَهُمْ الْحَائِضُ , وَالنُّفَسَاءُ فَإِنَّهُمَا يَقْضِيَانِ أَيَّامَ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ , لاَ خِلاَفَ فِي ذَلِكَ مِنْ أَحَدٍ , وَالْمَرِيضُ , وَالْمُسَافِرُ سَفَرًا تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلاَةُ. لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿ شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنْ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ. وَالْمُتَقَيِّئُ عَمْدًا , بِالْخَبَرِ الَّذِي ذَكَرْنَا قَبْلُ , وَهَذَا كُلُّهُ أَيْضًا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ فِي الْمَرِيضِ , وَالْمُسَافِرِ إذَا أَفْطَرَا , وَكُلُّهُمْ مُطِيعٌ لِلَّهِ تَعَالَى , لاَ إثْمَ عَلَيْهِمْ , إلاَّ الْمُتَقَيِّئَ , وَهُوَ ذَاكِرٌ ; فَإِنَّهُ آثِمٌ ، وَلاَ كَفَّارَةَ عَلَيْهِ
 
737 - مَسْأَلَةٌ : وَلاَ كَفَّارَةَ عَلَى مَنْ تَعَمَّدَ فِطْرًا فِي رَمَضَانَ بِمَا لَمْ يُبَحْ لَهُ , إلاَّ مَنْ وَطِئَ فِي الْفَرْجِ مِنْ امْرَأَتِهِ أَوْ أَمَتِهِ الْمُبَاحِ لَهُ وَطْؤُهُمَا إذَا لَمْ يَكُنْ صَائِمًا فَقَطْ ; فَإِنَّ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةَ , عَلَى مَا نَصِفُ بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى , وَلاَ يُقَدَّرُ الْقَضَاءُ , لِمَا ذَكَرْنَا
 
بُرْهَانُ ذَلِكَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ r لَمْ يُوجِبْ الْكَفَّارَةَ إلاَّ عَلَى وَاطِئِ امْرَأَتِهِ عَامِدًا , وَاسْمُ امْرَأَتِهِ يَقَعُ عَلَى الأَمَةِ الْمُبَاحِ وَطْؤُهَا , كَمَا يَقَعُ عَلَى الزَّوْجَةِ , وَلاَ جَمْعَ لِلْمَرْأَةِ مِنْ لَفْظِهَا ; لَكِنْ جَمْعُ الْمَرْأَةِ عَلَى نِسَاءٍ , وَلاَ وَاحِدَ لِلنِّسَاءِ مِنْ لَفْظِهِ , قَالَ تَعَالَى ﴿ نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَدَخَلَ فِي ذَلِكَ بِلاَ خِلاَفٍ : الأَمَةُ الْمُبَاحَةُ , وَالزَّوْجَةُ
 
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ، حدثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ، حدثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ، حدثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، حدثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ، حدثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ، حدثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى , وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ , وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ , كُلُّهُمْ ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَانِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ إلَى رَسُولِ اللَّهِ r فَقَالَ : هَلَكْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ , قَالَ : وَمَا أَهْلَكَكَ قَالَ : وَقَعْتُ عَلَى امْرَأَتِي فِي رَمَضَانَ , قَالَ : هَلْ تَجِدُ مَا تَعْتِقُ رَقَبَةً قَالَ : لاَ , قَالَ : فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ قَالَ : لاَ , قَالَ : فَهَلْ تَجِدُ مَا تُطْعِمُ سِتِّينَ مِسْكِينًا قَالَ لاَ ثُمَّ جَلَسَ , فَأُتِيَ النَّبِيُّ r بِعَرَقٍ فِيهِ تَمْرٌ , فَقَالَ : تَصَدَّقْ بِهَذَا فَقَالَ : أَفْقَرَ مِنَّا فَمَا بَيْنَ لاَبَتَيْهَا أَهْلُ بَيْتٍ أَحْوَجُ إلَيْهِ مِنَّا فَضَحِكَ النَّبِيُّ r حَتَّى بَدَتْ أَنْيَابُهُ , ثُمَّ قَالَ : اذْهَبْ فَأَطْعِمْهُ أَهْلَكَ.
 
قال أبو محمد : هَكَذَا رَوَاهُ مَنْصُورُ بْنُ الْمُعْتَمِرِ , وَشُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ , وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ , وَالأَوْزَاعِيُّ , وَمَعْمَرٌ , وَعِرَاكُ بْنُ مَالِكٍ كُلُّهُمْ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَانِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ r . وَخَالَفَ أَشْهَبُ فِي هَذَا اللَّفْظِ سَائِرَ أَصْحَابِ اللَّيْثِ فَلَمْ يُوجِبْ الْكَفَّارَةَ عَلَى غَيْرِ مَنْ ذَكَرْنَا , وَقَدْ قَالَ عليه السلام : إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ فَلاَ يَحِلُّ مَالُ أَحَدِ بِغَيْرِ نَصٍّ أَوْ إجْمَاعٍ مُتَيَقَّنٍ.
 
وَلاَ يَحِلُّ لأَحَدٍ إيجَابُ غَرَامَةٍ لَمْ يُوجِبْهَا الْقُرْآنُ ، وَلاَ رَسُولُ اللَّهِ r فَيَتَعَدَّى بِذَلِكَ حُدُودَ اللَّهِ , وَيُبِيحُ الْمَالَ الْمُحَرَّمَ , وَيُشَرِّعُ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ تَعَالَى
 
فإن قيل : فَلِمَ لَمْ تُوجِبُوا الْكَفَّارَةَ عَلَى كُلِّ مَنْ أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ فِطْرًا لَمْ يُبَحْ لَهُ , بِأَيِّ شَيْءٍ أَفْطَرَ بِمَا رَوَيْتُمُوهُ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ , وَابْنِ جُرَيْجٍ , وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الأَنْصَارِيِّ , كُلُّهُمْ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ,
 
وَمِنْ طَرِيقِ أَشْهَبَ ، عَنِ اللَّيْثِ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ , ثُمَّ اتَّفَقُوا : عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَانِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَجُلاً أَفْطَرَ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ , فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ r أَنْ يُكَفِّرَ بِعِتْقِ رَقَبَةٍ , أَوْ صِيَامِ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ , أَوْ إطْعَامِ سِتِّينَ مِسْكِينًا فَقَالَ : لاَ أَجِدُ , فَأُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ r بِعَرَقِ تَمْرٍ , فَقَالَ : خُذْ هَذَا فَتَصَدَّقْ بِهِ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ لاَ أَجِدُ أَحْوَجَ إلَيْهِ مِنِّي فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ r حَتَّى بَدَتْ أَنْيَابُهُ , وَقَالَ : كُلْهُ.
 
قلنا : لاَِنَّهُ خَبَرٌ وَاحِدٌ ، عَنْ رَجُلٍ وَاحِدٍ , فِي قِصَّةٍ وَاحِدَةٍ , بِلاَ شَكٍّ , فَرَوَاهُ مَنْ ذَكَرْنَا ، عَنِ الزُّهْرِيِّ مُجْمَلاً مُخْتَصَرًا , وَرَوَاهُ الآخَرُونَ الَّذِي ذَكَرْنَا قَبْلُ وَأَتَوْا بِلَفْظِ الْخَبَرِ كَمَا وَقَعَ , كَمَا سُئِلَ عليه السلام , وَكَمَا أَفْتَى , وَبَيَّنُوا فِيهِ أَنَّ تِلْكَ الْقَضِيَّةَ إنَّمَا كَانَتْ وَطْئًا لاِمْرَأَتِهِ , وَرَتَّبُوا الْكَفَّارَةَ كَمَا أَمَرَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ r وَأَحَالَ مَالِكٌ , وَابْنُ جُرَيْجٍ , وَيَحْيَى : صِفَةَ التَّرْتِيبِ , وَأَجْمَلُوا الأَمْرَ , وَأَتَوْا بِغَيْرِ لَفْظِ النَّبِيِّ r فَلَمْ يَجُزْ الأَخْذُ بِمَا رَوَوْهُ مِنْ ذَلِكَ , مِمَّا هُوَ لَفْظٌ مِنْ دُونِ النَّبِيِّ عليه السلام مِمَّنْ اخْتَصَرَ الْخَبَرَ وَأَجْمَلَهُ , وَكَانَ الْفَرْضُ أَخْذُ فُتْيَا النَّبِيِّ عليه السلام كَمَا أَفْتَى بِهَا , بِنَصِّ كَلاَمِهِ فِيمَا أَفْتَى بِهِ
 
فإن قيل : فَإِنَّا نَقِيسُ كُلَّ مُفْطِرٍ عَلَى الْمُفْطِرِ بِالْوَطْءِ ; لاَِنَّهُ كُلُّهُ فِطْرٌ مُحَرَّمٌ
 
قلنا : الْقِيَاسُ كُلُّهُ بَاطِلٌ , ثُمَّ لَوْ كَانَ حَقًّا لَكَانَ هَاهُنَا هَذَا الْقِيَاسُ بَاطِلاً ; لاَِنَّهُ قَدْ جَاءَ خَبَرُ الْمُتَقَيِّئِ عَمْدًا , وَفِيهِ الْقَضَاءُ , وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ كَفَّارَةً. فَمَا الَّذِي جَعَلَ قِيَاسَ سَائِرِ الْمُفْطِرِينَ عَلَى حُكْمِ الْوَاطِئِ أَوْلَى مِنْ قِيَاسِهِمْ عَلَى حُكْمِ الْمُتَعَمِّدِ لِلْقَيْءِ وَالآكِلُ , وَالشَّارِبُ أَشَبَهُ بِالْمُتَعَمِّدِ لِلْقَيْءِ مِنْهُمَا بِالْوَاطِئِ ; لإِنَّ فِطْرَهُمْ كُلَّهُمْ مِنْ حُلُوقِهِمْ لاَ مِنْ فُرُوجِهِمْ , بِخِلاَفِ الْوَاطِئِ ; وَلاَِنَّ فِطْرَهُمْ كُلَّهُمْ لاَ يُوجِبُ الْغُسْلَ , بِخِلاَفِ فِطْرِ الْوَاطِئِ ; فَهَذَا أَصَحُّ فِي الْقِيَاسِ , لَوْ كَانَ الْقِيَاسُ حَقًّا وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لاَ كَفَّارَةَ عَلَى الْمُتَعَمِّدِ لِقَطْعِ صَلاَتِهِ ; وَالصَّلاَةُ أَعْظَمُ حُرْمَةً وَآكَدُ مِنْ الصِّيَامِ , فَصَارَتْ الْكَفَّارَةُ خَارِجَةً ، عَنِ الأَصْلِ ; فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُقَاسَ عَلَى خَبَرِهَا فَإِنْ قَالَ : إنِّي أُوجِبُ الْكَفَّارَةَ عَلَى الْمُتَعَمِّدِ لِلْقَيْءِ ; لاَِنِّي أُدْخِلُهُ فِي جُمْلَةِ مَنْ أَفْطَرَ فَأُمِرَ بِالْكَفَّارَةِ , وَأَجْعَلُ هَذَا الْخَبَرَ الَّذِي رَوَاهُ مَالِكٌ , وَابْنُ جُرَيْجٍ , وَيَحْيَى ، عَنِ الزُّهْرِيِّ : زَائِدًا عَلَى مَا فِي خَبَرِ الْمُتَعَمِّدِ الْقَيْءَ
 
قلنا : هَذَا لاَزِمٌ لِكُلِّ مَنْ اسْتَعْمَلَ لَفْظَ خَبَرِ مَالِكٍ , وَابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ لاَزِمٌ لَهُ , وَإِلاَّ فَهُوَ مُتَنَاقِضٌ , وَقَدْ قَالَ بِهَذَا بَعْضُ الْفُقَهَاءِ.
 
وَرُوِيَ ، عَنْ أَبِي ثَوْرٍ , وَابْنِ الْمَاجِشُونِ , إلاَّ أَنَّ مَنْ ذَهَبَ إلَى هَذَا لَمْ يُكَلِّمْ إلاَّ فِي تَغْلِيبِ رِوَايَةِ سَائِرِ أَصْحَابِ الزُّهْرِيِّ الَّتِي قَدَّمْنَا عَلَى مَا اخْتَصَرَهُ هَؤُلاَءِ فَقَطْ. وَلَيْسَ إلاَّ قَوْلُنَا أَوْ قَوْلُ مَنْ أَوْجَبَ الْكَفَّارَةَ وَالْقَضَاءَ عَلَى كُلِّ مُفْطِرٍ , بِأَيِّ وَجْهٍ أَفْطَرَ , بِعُمُومِ رِوَايَةِ مَالِكٍ , وَابْنِ جُرَيْجٍ , وَيَحْيَى , وَبِالْقِيَاسِ جُمْلَةً عَلَى الْمُفْطِرِ بِالْوَطْءِ وَبِالْقَيْءِ.
 
وَأَمَّا الْحَنَفِيُّونَ , وَالْمَالِكِيُّونَ , وَالشَّافِعِيُّونَ : فَلَمْ يَتَعَلَّقُوا بِشَيْءٍ مِنْ هَذَا الْخَبَرِ أَصْلاً , وَلاَ بِالْقِيَاسِ , وَلاَ بِقَوْلِ أَحَدٍ مِنْ السَّلَفِ لأَنَّهُمْ أَوْجَبُوا الْكَفَّارَةَ عَلَى بَعْضِ مَنْ أَفْطَرَ بِغَيْرِ الْوَطْءِ فَتَعَدَّوْا مَا رَوَاهُ جُمْهُورُ أَصْحَابِ الزُّهْرِيِّ , وَأَسْقَطُوا الْكَفَّارَةَ ، عَنْ بَعْضِ مَنْ أَفْطَرَ بِغَيْرِ الْوَطْءِ , مِمَّا قَدْ أَوْجَبَهَا فِيهِ غَيْرُهُمْ , فَخَالَفُوا مَا رَوَاهُ مَالِكٌ , وَيَحْيَى , وَابْنُ جُرَيْجٍ ; فَخَالَفُوا كُلَّ لَفْظِ خَبَرٍ وَرَدَ فِي ذَلِكَ جُمْلَةً وَخَالَفُوا الْقِيَاسَ ; إذْ لَمْ يُوجِبُوا الْكَفَّارَةَ عَلَى بَعْضِ مَنْ أَفْطَرَ بِغَيْرِ الْوَطْءِ وَبِالْوَطْءِ , وَلَمْ يَتَّبِعُوا ظَاهِرَ الآثَارِ ; إذْ أَوْجَبُوهَا عَلَى بَعْضِ مَنْ أَفْطَرَ بِغَيْرِ الْوَطْءِ عَلَى مَا نَذْكُرُ مِنْ أَقْوَالِهِمْ بَعْدَ هَذَا ; فَلاَ يَجُوزُ إيهَامُهُمْ بِأَنَّهُمْ تَعَلَّقُوا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ بِشَيْءٍ مِنْ الآثَارِ , أَوْ بِشَيْءٍ مِنْ الْقِيَاسِ عَلَى مَنْ نَبَّهْنَاهُ عَلَى تَخَاذُلِ أَقْوَالِهِمْ فِي ذَلِكَ وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
 
قال أبو محمد : وَقَدْ اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي هَذَا , فَنَذْكُرُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى مَا يَسَّرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِذِكْرِهِ مِنْ أَقْوَالِهِمْ , ثُمَّ نُعْقِبُ بِأَقْوَالِ الْحَنَفِيِّينَ , وَالْمَالِكِيِّينَ , وَالشَّافِعِيِّينَ , الَّتِي لاَ مُتَعَلِّقَ لَهَا بِالْقُرْآنِ ، وَلاَ بِشَيْءٍ مِنْ الرِّوَايَاتِ , وَالسُّنَنِ , لاَ صَحِيحِهَا ، وَلاَ سَقِيمِهَا , وَلاَ بِإِجْمَاعٍ , وَلاَ بِقَوْلِ صَاحِبٍ , وَلاَ بِقِيَاسٍ , وَلاَ بِرَأْيٍ لَهُ وَجْهٌ , وَلاَ بِاحْتِيَاطٍ , وَبِاَللَّهِ تَعَالَى نَتَأَيَّدُ فَقَالَتْ طَائِفَةٌ : لاَ كَفَّارَةَ عَلَى مُفْطِرٍ فِي رَمَضَانَ بِوَطْءٍ ، وَلاَ بِغَيْرِهِ :
 
رُوِّينَا بِأَصَحِّ إسْنَادٍ ، عَنِ الْحَجَّاجِ بْنِ الْمِنْهَالِ : حدثنا أَبُو عَوَانَةَ ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ مِقْسَمٍ ، عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيّ , فِي رَجُلٍ أَفْطَرَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ , قَالَ : يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَيَصُومُ يَوْمًا مَكَانَهُ وَعَنِ الْحَجَّاجِ بْنِ الْمِنْهَالِ ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ , وَأَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ , وَحَبِيبِ بْنِ الشَّهِيدِ , وَهِشَامِ بْنِ حَسَّانَ , قَالَ حَمَّادُ : عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيّ , وَقَالَ أَيُّوبُ , وَحَبِيبٌ وَهِشَامٌ كُلُّهُمْ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ. ثُمَّ اتَّفَقَ إبْرَاهِيمُ , وَابْنُ سِيرِينَ , فِيمَنْ وَطِئَ عَمْدًا فِي رَمَضَانَ أَنَّهُ يَتُوبُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى , وَيَتَقَرَّبُ إلَيْهِ مَا اسْتَطَاعَ , وَيَصُومُ يَوْمًا مَكَانَهُ. وَرُوِّينَاهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ فِيمَنْ أَكَلَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ عَامِدًا , قَالَ : يَقْضِي يَوْمًا وَيَسْتَغْفِرُ اللَّهَ
 
وَمِنْ طَرِيقِ الْحَجَّاجِ بْنِ الْمِنْهَالِ : حدثنا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ حَدَّثَنِي يَعْلَى بْنُ حَكِيمٍ قَالَ : سَأَلْت سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ ، عَنْ رَجُلٍ وَقَعَ بِامْرَأَتِهِ فِي رَمَضَانَ : مَا يُكَفِّرُهُ فَقَالَ : مَا نَدْرِي مَا يُكَفِّرُهُ ذَنْبٌ أَوْ خَطِيئَةٌ , يَصْنَعُ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ فِيهِ مَا يَشَاءُ وَيَصُومُ يَوْمًا مَكَانَهُ
 
وَمِنْ طَرِيقِ حَجَّاجِ بْنِ الْمِنْهَالِ : حدثنا أَبُو عَوَانَةَ ، عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ ، عَنْ عَامِرِ الشَّعْبِيِّ ، أَنَّهُ قَالَ فِيمَنْ أَفْطَرَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ : لَوْ كُنْت أَنَا لَصُمْت يَوْمًا مَكَانَهُ فَهَؤُلاَءِ : ابْنُ سِيرِينَ , وَالنَّخَعِيُّ , وَالشَّعْبِيُّ , وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ : لاَ يَرَوْنَ عَلَى الْوَاطِئِ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ عَامِدًا كَفَّارَةً
 
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ بِالْكَفَّارَةِ , ثُمَّ اخْتَلَفُوا فَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ بَرْقَانَ ، عَنْ ثَابِتِ بْنِ الْحَجَّاجِ الْكِلاَبِيِّ ، عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ الأَشْجَعِيِّ قَالَ قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابُ : صَوْمُ يَوْمٍ مِنْ غَيْرِ رَمَضَانَ وَإِطْعَامُ مِسْكِينٍ يَعْدِلُ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ وَجَمَعَ بَيْنَ أُصْبُعَيْهِ
 
قال أبو محمد : وَعَهِدْنَاهُمْ يُقَلِّدُونَ عُمَرَ فِي أَجَلِ الْعِنِّينِ , وَفِي حَدِّ الْخَمْرِ ثَمَانِينَ. وَلاَ يَصِحُّ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ ، عَنْ عُمَرَ , فَلْيُقَلِّدُوهُ هَاهُنَا ; فَهُوَ أَثْبَتُ عَنْهُ مِمَّا قَلَّدُوهُ وَلَكِنَّهُمْ مُتَحَكِّمُونَ بِالْبَاطِلِ فِي الدِّينِ
 
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ
 
كَمَا رُوِّينَا ، عَنِ الْمُعْتَمِرِ بْنِ سُلَيْمَانَ : قَرَأْت عَلَى فُضَيْلٍ ، عَنْ أَبِي حَرِيزٍ قَالَ : حَدَّثَنِي أَيْفَعُ قَالَ : سَأَلْت سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ عَمَّنْ أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ فَقَالَ : كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ : مَنْ أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ فَعَلَيْهِ عِتْقُ رَقَبَةٍ , أَوْ صَوْمُ شَهْرٍ , أَوْ إطْعَامُ ثَلاَثِينَ مِسْكِينًا , وَمَنْ وَقَعَ عَلَى امْرَأَتِهِ وَهِيَ حَائِضٌ , وَسَمِعَ أَذَانَ الْجُمُعَةِ وَلَمْ يَجْمَعْ , وَلَيْسَ لَهُ عُذْرٌ : كَذَلِكَ عِتْقُ رَقَبَةٍ
 
قال علي : وهذا قَوْلٌ لاَ نَصَّ فِيهِ , وَعَهْدُنَا بِالْحَنَفِيِّينَ يَقُولُونَ فِي مِثْلِ هَذَا إذَا وَافَقَ أَهْوَاءَهُمْ : مِثْلُ هَذَا لاَ يُقَالُ بِالرَّأْيِ , فَلَمْ يَبْقَ إلاَّ أَنَّهُ تَوْقِيفٌ , فَيَلْزَمُهُمْ أَنْ يَقُولُوهُ هَاهُنَا , وَإِلاَّ فَهُمْ مُتَلاَعِبُونَ بِالدِّينِ
 
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ
 
كَمَا رُوِّينَا ، عَنْ وَكِيعٍ ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ ، عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيّ , فِي رَجُلٍ أَفْطَرَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ : يَصُومُ ثَلاَثَةَ آلاَفِ يَوْمٍ.
 
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ
 
كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ : أَنَا حُمَيْدٍ أَنَّهُ سَأَلَ الْحَسَنَ الْبَصْرِيَّ ، عَنْ رَجُلٍ أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ وَيَنْكِحُ فَقَالَ الْحَسَنُ : يَعْتِقُ أَرْبَعَةَ رِقَابٍ , فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَأَرْبَعٌ مِنْ الْبُدْنِ , فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَعِشْرِينَ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ لِكُلِّ يَوْمٍ , فَإِنْ لَمْ يَجِدْ صَامَ لِكُلِّ يَوْمٍ يَوْمَيْنِ
 
وَقَدْ ذَكَرْنَا مِثْلَ هَذَا مُرْسَلاً ، عَنِ النَّبِيِّ r مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ.
 
وَرُوِّينَا أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ وَالْحَسَنِ أَنَّ النَّبِيَّ r قَالَ فِي الَّذِي وَطِئَ امْرَأَتَهُ فِي رَمَضَانَ : رَقَبَةٌ , ثُمَّ بَدَنَةٌ , ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ فِي الْعَرَقِ مِنْ التَّمْرِ
 
وَمِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ صُبَيْحٍ ، عَنِ الْحَسَنِ أَنَّ رَجُلاً أَتَى النَّبِيَّ r وَقَدْ وَاقَعَ أَهْلَهُ فِي رَمَضَانَ , فَقَالَ لَهُ عليه السلام : أَعْتِقْ رَقَبَةً قَالَ : لاَ أَجِدُ , قَالَ : أَهْدِ بَدَنَةً قَالَ : لاَ أَجِدُ , قَالَ : صُمْ شَهْرَيْنِ , قَالَ : لاَ أَسْتَطِيعُ , قَالَ : أَطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا قَالَ : لاَ أَجِدُ , فَأُتِيَ النَّبِيُّ r بِمِكْتَلٍ فِيهِ تَمْرٌ فَقَالَ : تَصَدَّقْ بِهَذَا فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ : مَا بَيْنَهُمَا أَهْلُ بَيْتٍ أَحْوَجُ مِنَّا , قَالَ : كُلْهُ أَنْتَ وَعِيَالُكَ
 
وَمِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ : أَنَا عُمَارَةُ بْنُ مَيْمُونٍ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ r أَمَرَ الَّذِي وَقَعَ بِامْرَأَتِهِ فِي رَمَضَانَ أَنْ يُعْتِقَ رَقَبَةً قَالَ : لاَ أَجِدُ , قَالَ : أَهْدِ هَدْيًا قَالَ : لاَ أَجِدُهُ وَذَكَرَ بَاقِيَ الْحَدِيثِ فَإِنْ تَعَلَّلُوا فِي مُرْسَلِ سَعِيدٍ بِأَنَّهُ ذَكَرَ لَهُ مَا رَوَاهُ عَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ عَنْهُ مِنْ ذَلِكَ فَقَالَ سَعِيدٌ : كَذَبَ , إنَّمَا قُلْت لَهُ : تَصَدَّقْ تَصَدَّقْ : فَإِنَّ الْحَسَنَ وَقَتَادَةَ , وَعَطَاءً رَوَوْهُ أَيْضًا مُرْسَلاً وَفِيهِ الْهَدْيُ بِالْبَدَنَةِ.
 
قال أبو محمد : عَهِدْنَا بِالْحَنَفِيِّينَ , وَالْمَالِكِيِّينَ يَقُولُونَ : الْمُرْسَلُ كَالْمُسْنَدِ , وَهَذَا مُرْسَلٌ مِنْ طُرُقٍ , فَيَلْزَمُهُمْ الْقَوْلُ بِهِ ; لاَِنَّهُ زَادَ عَلَى سَائِرِ الأَحَادِيثِ ذِكْرَ الْهَدْيِ.
 
وَأَيْضًا مِنْ طَرِيقِ الْقِيَاسِ : فَإِنَّ الْبَدَنَةَ , وَالْهَدْيَ يُجْبَرُ بِهِمَا نَقْصُ الْحَجِّ ; وَلَمْ نَجِدْ شَيْئًا مِنْ الأَعْمَالِ يُجْبَرُ نَقْصُهُ بِكَفَّارَةٍ إلاَّ الْحَجَّ , وَالصَّوْمَ ; فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ لِلْهَدْيِ فِي الصَّوْمِ مَدْخَلٌ كَمَا لَهُ فِي الْحَجِّ ; وَلَكِنَّ الْقَوْمَ لاَ يَثْبُتُونَ عَلَى شَيْءٍ
 
وَأَمَّا نَحْنُ فَلاَ حُجَّةَ فِي مُرْسَلٍ عِنْدَنَا أَصْلاً.
 
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ
 
كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ : سَأَلْت سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ ، عَنْ رَجُلٍ أَكَلَ فِي رَمَضَانَ عَامِدًا فَقَالَ : عَلَيْهِ صِيَامُ شَهْرٍ , قُلْت : يَوْمَيْنِ قَالَ : صِيَامُ شَهْرٍ , قَالَ : فَعَدَدْت أَيَّامًا فَقَالَ : صِيَامُ شَهْرٍ
 
وَمِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ ، عَنْ هِشَامٍ الدَّسْتُوَائِيِّ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ فِي الَّذِي يُفْطِرُ مِنْ رَمَضَانَ مُتَعَمِّدًا : عَلَيْهِ صَوْمُ شَهْرٍ
 
وَمِنْ طَرِيقِ الْحَجَّاجِ بْنِ الْمِنْهَالِ : حدثنا هَمَّامُ بْنُ يَحْيَى ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ قَالَ : عَلَيْهِ لِكُلِّ يَوْمٍ أَفْطَرَ شَهْرٌ
 
قَالَ عَلِيٌّ : يَحْتَمِلُ هَذَا الْقَوْلُ أَنَّهُ أَرَادَ شَهْرًا شَهْرًا ، عَنْ كُلِّ يَوْمٍ , وَيَحْتَمِلُ مَا رَوَاهُ مَعْمَرٌ مِنْ أَنَّ عَلَيْهِ لِكُلِّ يَوْمٍ أَفْطَرَ شَهْرًا وَاحِدًا , وَهَذَا أَظْهَرُ وَأَوْلَى , لِتَيَقُّنِ الرِّوَايَاتِ عَنْهُ وَحُجَّةُ مَنْ قَالَ بِهَذَا : مَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ الْخَالِقِ الْبَزَّارِ قَالَ : حدثنا أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى الصُّوفِيُّ الْكُوفِيُّ ، حدثنا أَبُو غَسَّانَ ، حدثنا مِنْدَلٌ ، عَنْ عَبْدِ الْوَارِثِ ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r : مَنْ أَفْطَرَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ فَعَلَيْهِ صَوْمُ شَهْرٍ.
 
قَالَ عَلِيٌّ : مِنْدَلٌ ضَعِيفٌ , وَعَبْدُ الْوَارِثِ مَجْهُولٌ. وَلَوْ صَحَّ لَقُلْنَا بِهِ , وَيَلْزَمُ الْقَوْلُ بِهِ مَنْ لَمْ يُبَالِ بِالضُّعَفَاءِ ; لاَِنَّهُ زَائِدٌ عَلَى سَائِرِ الأَخْبَارِ , وَيَلْزَمُ أَيْضًا الْمَالِكِيِّينَ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ نِيَّةً وَاحِدَةً فِي أَوَّلِ الشَّهْرِ تُجْزِئُ لِجَمِيعِهِ ; لاَِنَّهُ كُلُّهُ كَصَلاَةٍ وَاحِدَةٍ , وَكَيَوْمٍ وَاحِدٍ
 
  
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ
 
كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ الشَّافِعِيِّ : أَنَّ رَبِيعَةَ قَالَ : مَنْ أَفْطَرَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ عَامِدًا فَعَلَيْهِ صِيَامُ اثْنَيْ عَشَرَ يَوْمًا , لإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ تَخَيَّرَهُ مِنْ اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا قَالَ الشَّافِعِيُّ : يَجِبُ عَلَى هَذَا أَنَّ مَنْ تَرَكَ صَلاَةً مِنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ أَنْ يَقْضِيَ ثَلاَثِينَ أَلْفَ صَلاَةٍ لإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ : لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ. وَقَالَ الْحَنَفِيُّونَ , وَالْمَالِكِيُّونَ مَا نَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى , وَهُوَ أَقْوَالٌ لاَ تُؤَثِّرُ كَمَا هِيَ ، عَنْ أَحَدٍ مِنْ السَّلَفِ :
 
فأما الشَّافِعِيُّونَ : فَهُمْ أَقَلُّ الثَّلاَثِ الطِّبَاقِ تَنَاقُضًا ; وَذَلِكَ أَنَّهُمْ قَالُوا : لاَ تَجِبُ الْكَفَّارَةُ عَلَى مُفْطِرٍ عَمْدًا فِي رَمَضَانَ إلاَّ عَلَى مَنْ جَامَعَ إنْسَانًا , أَوْ بَهِيمَةً فِي فَرْجٍ أَوْ دُبُرٍ , فَإِنَّ مَنْ فَعَلَ هَذَا تَجِبُ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ بِالإِيلاَجِ , أَمْنَى أَمْ لَمْ يُمْنِ ; وَالْكَفَّارَةُ عِنْدَهُ كَمَا ذَكَرْنَا قَبْلُ مِنْ رِوَايَةِ الْجُمْهُورِ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ حُمَيْدٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ r وَلَمْ يَرَ عَلَى الْمَرْأَةِ الْمَوْطُوءَةِ كَفَّارَةً فِي أَشْهَرِ الأَقْوَالِ عَنْهُ , وَلاَ عَلَى مَنْ تَعَمَّدَ الأَكْلَ , وَالشُّرْبَ , أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ , وَلَمْ يَجْعَلْ فِي كُلِّ ذَلِكَ إلاَّ الْقَضَاءَ فَقَطْ فَقَاسَ الْوَاطِئَ لاِمْرَأَةٍ مُحَرَّمَةٍ عَلَيْهِ عَلَى وَاطِئِ امْرَأَتِهِ , وَقَاسَ مَنْ أَتَى ذَكَرًا عَلَى مَنْ أَتَى امْرَأَتَهُ , وَقَاسَ مَنْ أَتَى بَهِيمَةً عَلَى مَنْ أَتَى أَهْلَهُ , وَلَيْسَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فِي الْخَبَرِ. وَلَمْ يَقِسْ الآكِلَ , وَالشَّارِبَ , وَالْمُجَامِعَ دُونَ الْفَرْجِ فَيُمْنِي وَالْمَرْأَةَ الْمَوْطُوءَةَ عَلَى الْوَاطِئِ امْرَأَتَهُ , وَهَذَا تَنَاقُضٌ فَإِنْ قَالَ أَصْحَابُهُ : قِسْنَا الْجِمَاعَ عَلَى الْجِمَاعِ , وَالأَكْلَ وَالشُّرْبَ عَلَى الْمُتَعَمِّدِ لِلْقَيْءِ
 
قلنا : فَهَلاَّ قِسْتُمْ مُجَامِعَ الْبَهِيمَةِ عَلَى مُجَامِعِ الْمَرْأَةِ فِي إيجَابِ الْحَدِّ كَمَا قِسْتُمُوهُ عَلَيْهِ فِي إيجَابِ الْكَفَّارَةِ وَهَلاَّ قِسْتُمْ الْمَرْأَةَ الْمَوْطُوءَةَ عَلَى الرَّجُلِ الْوَاطِئِ فِي إيجَابِ الْكَفَّارَةِ فَهُوَ وَطْءٌ وَاحِدٌ , هُمَا فِيهِ مَعًا وَهَلاَّ قِسْتُمْ الْمُجَامِعَ دُونَ الْفَرْجِ عَامِدًا فَيُمْنِي عَلَى الْمُجَامِعِ فِي إيجَابِ الْكَفَّارَةِ عَلَيْهِ فَهَذَا أَقْرَبُ إلَيْهِ مِنْهُ إلَى الآكِلِ وَهَذَا تَنَاقُضٌ قَبِيحٌ فِي الْقِيَاسِ جِدًّا
 
وَأَمَّا الْمَالِكِيُّونَ : فَتَنَاقُضُهُمْ أَشَدُّ , وَهُوَ أَنَّهُمْ أَوْجَبُوا الْكَفَّارَةَ , وَالْقَضَاءَ عَلَى الْمُفْطِرِ بِالأَكْلِ أَوْ الشُّرْبِ , وَعَلَى مَنْ قَبَّلَ فَأَمْنَى ; أَوْ بَاشَرَ فَأَمْنَى ; أَوْ تَابَعَ النَّظَرَ فَأَمْنَى ; وَعَلَى مَنْ أَكَلَ , أَوْ شَرِبَ , أَوْ جَامَعَ شَاكًّا فِي غُرُوبِ الشَّمْسِ فَإِذَا بِهَا لَمْ تَغْرُبْ ; وَعَلَى مَنْ نَوَى الْفِطْرَ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ وَإِنْ لَمْ يَأْكُلْ ، وَلاَ شَرِبَ , وَلاَ جَامَعَ , إذَا نَوَى ذَلِكَ أَكْثَرَ النَّهَارِ ; وَعَلَى الْمَرْأَةِ تَمَسُّ فَرْجَهَا عَامِدَةً فَتُنْزِلُ وَرَأَى عَلَى الْمَرْأَةِ الْمُكْرَهَةِ عَلَى الْجِمَاعِ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ الْقَضَاءَ , وَأَوْجَبَ عَلَى الْوَاطِئِ لَهَا الْكَفَّارَةَ ، عَنْ نَفْسِهِ وَكَفَّارَةً أُخْرَى عَنْهَا. وَهَذَا عَجَبٌ جِدًّا وَلَمْ يَرَ عَلَيْهَا إنْ أَكْرَهَهَا عَلَى الأَكْلِ وَالشُّرْبِ كَفَّارَةً ; ، وَلاَ عَلَى الَّتِي جُومِعَتْ نَائِمَةً , وَلاَ عَلَيْهَا ، وَلاَ عَلَيْهِ عَنْهَا وَهَذَا تَنَاقُضٌ نَاهِيكَ بِهِ وَلَئِنْ كَانَتْ الْكَفَّارَةُ عَلَيْهَا فَمَا يُجْزِئُ أَنْ تُوجَبَ الْكَفَّارَةُ عَلَى غَيْرِهَا وَلَئِنْ لَمْ تَكُنْ الْكَفَّارَةُ عَلَيْهَا فَأَبْعَدُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ تَجِبَ عَلَى غَيْرِهَا عَنْهَا وَأَبْطَلُوا صِيَامَ مَنْ قَبَّلَ فَأَنْعَظَ , أَوْ أَمْذَى وَلَمْ يُمْنِ أَوْ بَاشَرَ أَوْ لَمَسَ فَأَمْذَى وَلَمْ يُمْنِ. وَمَنْ نَظَرَ إلَى امْرَأَةٍ غَيْرِ عَامِدٍ لِذَلِكَ وَتَابَعَ النَّظَرَ فَأَمْذَى وَلَمْ يُمْنِ , أَوْ نَظَرَ نَظْرَةً وَلَمْ يُتَابِعْ النَّظَرَ فَأَمْنَى , وَمَنْ تَمَضْمَضَ فِي صِيَامِ نَهَارِ رَمَضَانَ فَدَخَلَ الْمَاءُ حَلْقَهُ ، عَنْ غَيْرِ تَعَمُّدٍ , وَمَنْ أَكَلَ نَاسِيًا أَوْ وَطِئَ نَاسِيًا , أَوْ كَانَ ذَلِكَ وَهُوَ لاَ يُوقِنُ بِطُلُوعِ الْفَجْرِ فَإِذَا بِالْفَجْرِ قَدْ طَلَعَ , أَوْ كَانَ ذَلِكَ وَهُوَ يَرَى أَنَّ الشَّمْسَ قَدْ غَرَبَتْ فَإِذَا بِهَا لَمْ تَغْرُبْ , وَمَنْ أَكَلَ شَاكًّا فِي طُلُوعِ الْفَجْرِ ثُمَّ لَمْ يُوقِنْ بِأَنَّهُ طَلَعَ ، وَلاَ أَنَّهُ لَمْ يَطْلُعْ , وَمَنْ أَقَامَ مَجْنُونًا يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ أَوْ أَيَّامًا , أَوْ رَمَضَانَ كُلَّهُ , أَوْ عِدَّةَ شُهُورِ رَمَضَانَ مِنْ عِدَّةِ سِنِينَ , وَمَنْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ أَكْثَرَ النَّهَارِ , وَمَنْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ أَيَّامًا مِنْ رَمَضَانَ , وَالْمُرْضِعُ تَخَافُ عَلَى رَضِيعِهَا ; وَالْمَرْأَةُ تُجَامَعُ نَائِمَةً , وَالْمُكْرَهُ عَلَى الأَكْلِ وَالشُّرْبِ , وَمَنْ صُبَّ فِي حَلْقِهِ مَاءُ وَهُوَ نَائِمٌ , وَمَنْ احْتَقَنَ , وَمَنْ اكْتَحَلَ بِكُحْلٍ فِيهِ عَقَاقِيرُ , وَمَنْ بَلَعَ حَصَاةً. وَأَوْجَبُوا عَلَى كُلِّ مَنْ ذَكَرْنَا الْقَضَاءَ , وَلَمْ يَرَوْا فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ كَفَّارَةً. وَهَذَا تَنَاقُضٌ لاَ وَجْهَ لَهُ أَصْلاً , لاَ مِنْ قُرْآنٍ , وَلاَ مِنْ سُنَّةٍ. وَلاَ مِنْ رِوَايَةٍ فَاسِدَةٍ , وَلاَ مِنْ إجْمَاعٍ , وَلاَ مِنْ قَوْلِ صَاحِبٍ , أَوْ تَابِعٍ , وَلاَ مِنْ قِيَاسٍ , وَلاَ مِنْ رَأْيٍ لَهُ وَجْهٌ ; ، وَلاَ يُعْرَفُ هَذَا التَّقْسِيمُ ، عَنْ أَحَدٍ قَبْلَهُ وَقَدْ رَأَيْنَا بَعْضَ مُقَلِّدِيهِ يُوجِبُونَ عَلَى طَحَّانِي الدَّقِيقِ , وَالْحِنَّاءِ وَمُغَرْبِلِي الْكَتَّانِ وَالْحُبُوبِ : الْقَضَاءَ , وَيُبْطِلُونَ صَوْمَهُمْ , وَلاَ يُوجِبُونَ عَلَيْهِمْ فِي تَعَمُّدِ ذَلِكَ كَفَّارَةً وَيَدَّعُونَ أَنَّ هَذَا قِيَاسُ قَوْلِ مَالِكٍ وَهَذَا تَخْلِيطٌ لاَ نَظِيرَ لَهُ وَيَلْزَمُهُمْ إبْطَالُ صَوْمِ كُلِّ مَنْ سَافَرَ فَمَشَى فِي غَبَرَةٍ عَلَى هَذَا وَلَمْ يُبْطِلْ صَوْمَ مَنْ قَبَّلَ أَوْ بَاشَرَ فَلَمْ يُنْعِظْ ، وَلاَ أَمْذَى ، وَلاَ أَمْنَى , وَلاَ صَوْمَ مَنْ أَمْنَى مِنْ نَظَرٍ ، وَلاَ لَمَسَ , وَلاَ صَوْمَ تَطَوُّعٍ بِدُخُولِ الْمَاءِ فِي حَلْقِ فَاعِلِهِ مِنْ الْمَضْمَضَةِ , وَلاَ صَوْمَ مُتَطَوِّعٍ صُبَّ الْمَاءُ فِي حَلْقِهِ وَهُوَ نَائِمٌ وَهَذَا عَجَبٌ جِدًّا أَنْ يَكُونَ أَمْرٌ وَاحِدٌ يُبْطِلُ صَوْمَ الْفَرْضِ ، وَلاَ يُبْطِلُ صَوْمَ التَّطَوُّعِ وَلَمْ يُبْطِلْ صَوْمَ مَنْ جُنَّ , أَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ أَقَلَّ النَّهَارِ , وَهَذَا عَجَبٌ آخَرُ وَلَمْ يُبْطِلْ صَوْمَ مَنْ نَامَ النَّهَارَ كُلَّهُ , وَهَذَا عَجَبٌ زَائِدٌ ، وَلاَ نَدْرِي قَوْلَهُ فِيمَنْ نَوَى الْفِطْرَ أَقَلَّ النَّهَارِ : أَيَرَى عَلَيْهِ الْقَضَاءَ وَيَبْطُلُ صَوْمُهُ بِذَلِكَ أَمْ يَرَى صَوْمَهُ تَامًّا إلاَّ أَنَّهُ لاَ يَرَى فِيهِ كَفَّارَةً بِلاَ شَكٍّ وَلَمْ يُبْطِلْ الصَّوْمَ بِالْفَتَائِلِ تَتَدَخَّلُ لِدَوَاءٍ , وَلاَ نَقِفُ الآنَ عَلَى قَوْلِهِ فِي السَّعُوطِ وَالتَّقْطِيرِ فِي الآُذُنِ وَلَمْ يُبْطِلْ الصَّوْمَ بِكُحْلٍ فِي الْعَيْنِ لاَ عَقَاقِيرَ فِيهِ , وَلاَ بِمَنْ تَعَمَّدَ بَلْعَ مَا يُخْرِجُهُ مِنْ بَيْنِ أَضْرَاسِهِ مِنْ الْجَذِيذَةِ وَنَحْوِهَا , وَلاَ بِمَضْغِ الْعِلْكِ , وَإِنْ اسْتَدْعَى الرِّيقَ , وَكَرِهَهُ
 
قال أبو محمد : إنْ كَانَ لاَ يُبْطِلُ الصَّوْمَ فَلِمَ كَرِهَهُ وَهَذِهِ أَقْوَالٌ لاَ نَحْتَاجُ مِنْ إبْطَالِهَا إلَى أَكْثَرَ مِنْ إيرَادِهَا
 
وَأَمَّا الْحَنَفِيُّونَ فَأَفْسَدُ الطِّبَاقِ أَقْوَالاً , وَأَسْمَجُهَا تَنَاقُضًا وَأَبْعَدُهَا ، عَنِ الْمَعْقُولِ وَهُوَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ أَوْجَبَ الْكَفَّارَةَ وَالْقَضَاءَ عَلَى مَنْ وَطِئَ فِي الْفَرْجِ خَاصَّةً امْرَأَةً , حَلاَلاً لَهُ أَوْ حَرَامًا وَعَلَى الْمَرْأَةِ ، عَنْ نَفْسِهَا , وَعَلَى مَنْ أَكَلَ مَا يَغْتَذِي بِهِ , أَوْ شَرِبَ مَا يَتَغَذَّى بِهِ , أَوْ بَلَعَ لَوْزَةً خَضْرَاءَ , أَوْ أَكَلَ طِينًا إرْمِينِيًّا خَاصَّةً. وَأَبْطَلَ صَوْمَ مَنْ لاَطَ بِإِنْسَانٍ فِي دُبُرِهِ فَأَمْنَى , أَوْ بِبَهِيمَةٍ فِي قُبُلٍ أَوْ دُبُرٍ فَأَمْنَى , وَمَنْ بَقِيَ إلَى بَعْدَ الزَّوَالِ لاَ يَنْوِي صَوْمًا , وَمَنْ قَبَّلَ ذَاكِرًا لِصَوْمِهِ فَأَمْنَى , وَمَنْ لَمَسَ كَذَلِكَ فَأَمْنَى , أَوْ جَامَعَ كَذَلِكَ دُونَ الْفَرْجِ فَأَمْنَى , وَمَنْ تَمَضْمَضَ فَدَخَلَ الْمَاءُ فِي حَلْقِهِ وَهُوَ ذَاكِرٌ لِصَوْمِهِ , وَمَنْ أَكَلَ , أَوْ شَرِبَ , أَوْ جَامَعَ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ وَهُوَ غَيْرُ عَالِمٍ بِطُلُوعِهِ ثُمَّ عَلِمَ , وَمَنْ فَعَلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ وَهُوَ يَرَى أَنَّ الشَّمْسَ قَدْ غَرَبَتْ فَإِذَا بِهَا لَمْ تَغْرُبْ , وَمَنْ جُنَّ فِي يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ , أَوْ أَيَّامًا , أَوْ الشَّهْرَ كُلَّهُ إلاَّ سَاعَةً وَاحِدَةً مِنْهُ , وَمَنْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ بَعْدَ مَا دَخَلَ رَمَضَانُ , حَاشَا يَوْمِ اللَّيْلَةِ الَّتِي أُغْمِيَ عَلَيْهِ فِيهَا , وَالْمُرْضِعُ تَخَافُ عَلَى رَضِيعِهَا , وَمَنْ أَصْبَحَ صَائِمًا فِي السَّفَرِ ثُمَّ جَامَعَ , أَوْ أَكَلَ , أَوْ شَرِبَ عَامِدًا ذَاكِرًا , وَمَنْ جَامَعَ , أَوْ أَكَلَ , أَوْ شَرِبَ عَمْدًا ثُمَّ مَرِضَ مِنْ نَهَارِهِ ذَلِكَ , أَوْ حَاضَتْ إنْ كَانَتْ امْرَأَةً , وَمَنْ أَصْبَحَ فِي رَمَضَانَ لاَ يَنْوِي صَوْمًا ثُمَّ أَكَلَ , أَوْ شَرِبَ , أَوْ جَامَعَ فِي صَدْرِ النَّهَارِ , أَوْ فِي آخِرِهِ , وَالْمَرْأَةُ تُجَامَعُ وَهِيَ نَائِمَةٌ , أَوْ مَجْنُونَةٌ , أَوْ مُكْرَهَةٌ وَمَنْ احْتَقَنَ أَوْ اسْتَعَطَ أَوْ قَطَّرَ فِي أُذُنِهِ قُطُورًا وَاخْتَلَفَ قَوْلُهُ فِيمَنْ قَطَّرَ فِي إحْلِيلِهِ قُطُورًا , فَمَرَّةً أَبْطَلَ صَوْمَهُ , وَمَرَّةً لَمْ يُبْطِلْهُ وَأَبْطَلَ صَوْمَ مَنْ دَاوَى جَائِفَةً بِهِ أَوْ مَأْمُومَةً بِدَوَاءٍ رَطْبٍ , وَإِلاَّ فَلاَ وَأَبْطَلَ صَوْمَ مَنْ بَلَعَ حَصَاةً عَامِدًا , أَوْ بَلَعَ جَوْزَةً رَطْبَةً أَوْ يَابِسَةً , أَوْ لَوْزَةً يَابِسَةً , وَمَنْ رَفَعَ رَأْسَهُ إلَى السَّمَاءِ فَوَقَعَ نُقَطٌ مِنْ الْمَطَرِ فِي حَلْقِهِ وَأَوْجَبُوا فِي كُلِّ ذَلِكَ الْقَضَاءَ وَلَمْ يَرَوْا فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ كَفَّارَةً. وَلَمْ يُبْطِلُوا صَوْمَ مَنْ لاَطَ بِذَكَرٍ فَأَوْلَجَ إلاَّ أَنَّهُ لَمْ يُنْزِلْ ، وَلاَ صَوْمَ مَنْ أَتَى بَهِيمَةً فِي قُبُلٍ أَوْ دُبُرٍ إلاَّ أَنَّهُ لَمْ يُنْزِلْ ، وَلاَ صَوْمَ مَنْ أَوْلَجَ فِي دُبُرِ امْرَأَةٍ إلاَّ أَنَّهُ لَمْ يُنْزِلْ وَرَأَوْا صَوْمَهُ فِي كُلِّ ذَلِكَ تَامًّا صَحِيحًا لاَ قَضَاءَ فِيهِ ، وَلاَ كَفَّارَةَ وَلَمْ يُبْطِلُوا صَوْمَ مَنْ اكْتَحَلَ بِعَقَاقِيرَ أَوْ بِغَيْرِهَا , وَصَلَ إلَى الْحَلْقِ أَوْ لَمْ يَصِلْ , وَلاَ صَوْمَ مَنْ تَابَعَ النَّظَرَ إلَى فَرْجِ امْرَأَةٍ فَأَمْنَى ; ، وَلاَ صَوْمَ مَنْ قَبَّلَ أَوْ بَاشَرَ فَأَمْذَى وَلَمْ يُمْنِ , وَلاَ صَوْمَ مَنْ أَكَلَ نَاسِيًا , أَوْ جَامَعَ نَاسِيًا , أَوْ شَرِبَ نَاسِيًا , وَلاَ صَوْمَ مَنْ جَامَعَ أَوْ شَرِبَ , أَوْ أَكَلَ شَاكًّا فِي الْفَجْرِ مَا لَمْ يَتَبَيَّنْ أَنَّهُ أَكَلَ بَعْدَ الْفَجْرِ , أَوْ جَامَعَ بَعْدَهُ , أَوْ شَرِبَ بَعْدَهُ. وَمَنَعَ لِلْقَادِمِ مِنْ سَفَرٍ فَوَجَدَ امْرَأَتَهُ قَدْ طَهُرَتْ مِنْ حَيْضِهَا أَنْ يُجَامِعَهَا " فَلَيْتَ شِعْرِي : إنْ كَانَا صَائِمَيْنِ , فَهَلاَّ أَوْجَبَ عَلَيْهِمَا الْكَفَّارَةَ وَإِنْ كَانَا غَيْرَ صَائِمَيْنِ , فَلِمَ مَنَعَهُمَا ، وَلاَ أَبْطَلَ صَوْمَ مَنْ أَخْرَجَ مِنْ بَيْنِ أَسْنَانِهِ طَعَامًا أَقَلَّ مِنْ حِمَّصَةٍ فَبَلَعَهُ عَامِدًا ذَاكِرًا لِصَوْمِهِ.
 
قال أبو محمد : فَمَنْ أَعْجَبُ شَأْنًا , أَوْ أَقْبَحُ قَوْلاً مِمَّنْ يَرَى اللِّيَاطَةَ. وَإِتْيَانُ الْبَهِيمَةِ عَمْدًا فِي نَهَارِ رَمَضَانَ لاَ يُنْقِضُ الصَّوْمَ وَيَرَى أَنَّ مَنْ قَبَّلَ امْرَأَتَهُ الَّتِي أَبَاحَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ تَقْبِيلُهَا وَهُوَ صَائِمٌ فَأَمْنَى فَقَدْ بَطَلَ صَوْمُهُ أَوْ مِمَّنْ فَرَّقَ بَيْنَ أَكْلِ مَا يُغَذِّي وَمَا لاَ يُغَذِّي ، وَلاَ نَدْرِي مِنْ أَيْنَ وَقَعَ لَهُمْ هَذَا وَمِمَّنْ رَأَى أَنَّ مَنْ قَبَّلَ زَانِيَةً أَوْ ذَكَرًا أَوْ بَاشَرَهُمَا فِي نَهَارِ رَمَضَانَ فَلَمْ يُنْعِظْ , وَلاَ أَمْذَى : أَنَّ صَوْمَهُ صَحِيحٌ تَامٌّ لاَ دَاخِلَةَ فِيهِ وَمَنْ قَبَّلَ امْرَأَتَهُ الَّتِي أَبَاحَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ تَقْبِيلَهَا وَهُوَ صَائِمٌ فَأَنْعَظَ : أَنَّ صَوْمَهُ قَدْ بَطَلَ ; وَمَنْ يَرَى عَلَى مَنْ أَكَلَ نَاسِيًا الْقَضَاءَ وَيُبْطِلُ صَوْمَهُ وَيَرَى أَنَّ مَنْ أَكَلَ مُتَعَمِّدًا مَا يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ أَضْرَاسِهِ مِنْ طَعَامِهِ أَنَّ صَوْمَهُ تَامٌّ فَهَلْ فِي الْعَجَبِ أَكْثَرُ مِنْ هَذَا وَالْعَجَبُ كُلُّهُ فِي إيجَابِهِمْ الْكَفَّارَةَ عَلَى بَعْضِ مَنْ أَفْطَرَ مِنْ غَيْرِ الْمُجَامِعِ قِيَاسًا عَلَى الْمُجَامِعِ , ثُمَّ إسْقَاطُهُمْ الْكَفَّارَةَ ، عَنْ بَعْضِ مَنْ أَفْطَرَ مِنْ غَيْرِ الْمُجَامِعِ وَكِلاَهُمَا مُفْطِرٌ , وَتَرَكُوا الْقِيَاسَ فِي ذَلِكَ وَلَمْ يَلْتَزِمُوا النَّصَّ وَأَوْجَبُوا الْكَفَّارَةَ عَلَى الْمُكْرَهَةِ عَلَى الْوَطْءِ , وَهِيَ غَيْرُ عَاصِيَةٍ بِذَلِكَ , وَأَسْقَطُوهَا ، عَنِ الْمُتَعَمِّدِ لِلْقُبُلِ فَيُمْذِي وَهُوَ عَاصٍ فَإِنْ قَالَ : لَيْسَ عَاصِيًا
 
قلنا : فَاَلَّذِي قَبَّلَ فَأَمْنَى إذَنْ لَيْسَ عَاصِيًا , فَلِمَ أَوْجَبْتُمُوهَا عَلَيْهِ وَهَذِهِ تَخَالِيطُ لاَ نَظِيرَ لَهَا ، وَلاَ مُتَعَلِّقَ لَهُمْ أَصْلاً بِشَيْءٍ مِنْ الأَخْبَارِ ; لأَنَّهُمْ فَرَّقُوا بَيْنَ الْمُفَرِّطِينَ فِي الْحُكْمِ فَلَمْ يَأْخُذُوا بِرِوَايَةِ مَنْ رَوَى أَنَّ رَجُلاً أَفْطَرَ فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ عليه السلام بِالْكَفَّارَةِ ، وَلاَ بِرِوَايَةِ مَنْ رُوِيَ أَنَّ رَجُلاً وَقَعَ عَلَى امْرَأَتِهِ وَهُوَ صَائِمٌ فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ عليه السلام بِالْكَفَّارَةِ , فَيَقْتَصِرُوا عَلَيْهِ , وَلاَ قَاسُوا عَلَيْهِ كُلَّ مُفْطِرٍ وَأَسْقَطُوا الْكَفَّارَةَ عَمَّنْ تَعَمَّدَ الْفِطْرَ فِي قَضَاءِ رَمَضَانَ , وَفِي صَوْمِ نَذْرٍ , وَفِي شَهْرَيْ الْكَفَّارَةِ , وَقَدْ صَحَّ عَنْ قَتَادَةَ إيجَابُ الْكَفَّارَةِ فِي قَضَاءِ رَمَضَانَ إذَا أَفْطَرَ فِيهِ عَامِدًا , وَتَرَكُوا هَاهُنَا الْقِيَاسَ ; لاَِنَّهُ صَوْمُ فَرْضٍ , وَصَوْمُ فَرْضٍ , وَتَعَمُّدُ فِطْرٍ , وَتَعَمُّدُ فِطْرٍ
 
فإن قيل : فَمِنْ أَيْنَ أَسْقَطْتُمْ الْكَفَّارَةَ عَمَّنْ وَطِئَ امْرَأَةً مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِ فِي الْفَرْجِ وَعَنِ الْمَرْأَةِ الْمَوْطُوءَةِ بِإِكْرَاهٍ أَوْ بِمُطَاوَعَةٍ
 
قلنا : لإِنَّ النَّصَّ لَمْ يَرِدْ إلاَّ فِيمَنْ وَطِئَ امْرَأَتَهُ , وَلاَ يُطْلَقُ عَلَى مَنْ وَطِئَهَا فِي غَيْرِ الْفَرْجِ اسْمُ وَاطِئٍ , وَلاَ اسْمُ مُوَاقِعٍ , وَلاَ اسْمُ مُجَامِعٍ , وَلاَ أَنَّهُ وَطِئَهَا ; ، وَلاَ أَنَّهُ وَقَعَ عَلَيْهَا , وَلاَ أَنَّهُ جَامَعَهَا , إلاَّ حَتَّى يُضَافَ إلَى ذَلِكَ صِلَةُ الْبَيَانِ , فَإِيجَابُ الْكَفَّارَةِ عَلَى غَيْرِ مَنْ ذَكَرْنَا مُخَالِفٌ لِلسُّنَّةِ وَتَعَدِّي لِحُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى فِي ذَلِكَ , وَإِيجَابُ مَا لَمْ يُوجِبْهُ
 
وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَمَوْطُوءَةٌ , وَالْمَوْطُوءَةُ غَيْرُ الْوَاطِئِ , فَالأَمْرُ فِي سُقُوطِ الْكَفَّارَةِ عَنْهَا عَلَى كُلِّ حَالٍ أَوْضَحُ مِنْ كُلِّ وَاضِحٍ
 
وَأَيْضًا : فَإِنَّ وَاطِئَ الْحَرَامِ لاَ يَصِلُ إلَى الْوَطْءِ إلاَّ بَعْدَ قَصْدٍ إلَى ذَلِكَ بِكَلاَمٍ أَوْ بَطْشٍ ، وَلاَ بُدَّ ; وَكِلاَ الأَمْرَيْنِ مَعْصِيَةٌ تُبْطِلُ الصَّوْمَ فَلَمْ يُجَامِعْ إلاَّ وَصَوْمُهُ قَدْ بَطَلَ وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
 
فإن قيل : فَإِنَّكُمْ تُوجِبُونَهَا عَلَى مَنْ وَطِئَ امْرَأَتَهُ أَوْ أَمَتَهُ وَهُمَا حَائِضَانِ
 
قلنا : لإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ r أَوْجَبَهَا عَلَى مَنْ وَطِئَ امْرَأَتَهُ جُمْلَةً , وَلَمْ يَسْأَلْهُ : أَحَائِضًا هِيَ أَمْ غَيْرَ حَائِضٍ
 
738 - مَسْأَلَةٌ : وَمَنْ وَطِئَ عَمْدًا فِي نَهَارِ رَمَضَانَ ثُمَّ سَافَرَ فِي يَوْمِهِ ذَلِكَ أَوْ جُنَّ , أَوْ مَرِضَ لاَ تَسْقُطُ عَنْهُ الْكَفَّارَةُ , لإِنَّ مَا أَوْجَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى فَلاَ يَسْقُطُ بَعْدَ وُجُوبِهِ إلاَّ بِنَصٍّ , وَلاَ نَصَّ فِي سُقُوطِهَا لِمَا ذَكَرْنَا.
 
وقال أبو حنيفة , وَأَصْحَابُهُ : تَسْقُطُ بِالْمَرَضِ ، وَلاَ تَسْقُطُ بِالسَّفَرِ
 
739 - مَسْأَلَةٌ : وَصِفَةُ الْكَفَّارَةِ الْوَاجِبَةِ هِيَ كَمَا ذَكَرْنَا فِي رِوَايَةِ جُمْهُورِ أَصْحَابِ الزُّهْرِيِّ : مِنْ عِتْقِ رَقَبَةٍ لاَ يُجْزِئُهُ غَيْرُهَا مَا دَامَ يَقْدِرُ عَلَيْهَا , فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهَا لَزِمَهُ صَوْمُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ , فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهَا لَزِمَهُ حِينَئِذٍ إطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا
 
فإن قيل : هَلاَّ قُلْتُمْ بِمَا رَوَاهُ يَحْيَى الأَنْصَارِيُّ ، وَابْنُ جُرَيْجٍ , وَمَالِكٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ مِنْ تَخْيِيرِهِ بَيْنَ كُلِّ ذَلِكَ
 
قلنا : لِمَا قَدْ بَيَّنَّا مِنْ أَنَّ هَؤُلاَءِ اخْتَصَرُوا الْحَدِيثَ , وَأَتَوْا بِأَلْفَاظِهِمْ , أَوْ بِلَفْظٍ مِنْ دُونِ النَّبِيِّ r .
 
وَأَمَّا سَائِرُ أَصْحَابِ الزُّهْرِيِّ فَأَتَوْا بِلَفْظِ النَّبِيِّ r وَهُوَ الَّذِي لاَ يَحِلُّ تَعَدِّيهِ أَصْلاً , وَبِزِيَادَةِ حُكْمِ التَّرْتِيبِ , وَلاَ يَحِلُّ تَرْكُ الزِّيَادَةِ وَبِقَوْلِنَا يَقُولُ أَبُو حَنِيفَةَ , وَالشَّافِعِيُّ , وَأَبُو سُلَيْمَانَ , وَأَحْمَدُ , وَجُمْهُورُ النَّاسِ
 
وَأَمَّا مَالِكٌ فَقَالَ بِمَا رُوِيَ ; إلاَّ أَنَّهُ اسْتَحَبَّ الإِطْعَامَ , وَلَيْسَ لِهَذَا الاِسْتِحْبَابِ وَجْهٌ أَصْلاً.
 
وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ فَإِنَّهُ أَجَازَ فِي الإِطْعَامِ الْمَذْكُورِ : أَنْ تُطْعِمَ مِسْكِينًا وَاحِدًا سِتِّينَ يَوْمًا , وَهَذَا خِلاَفٌ مُجَرِّدٌ لاَِمْرِ رَسُولِ اللَّهِ r ، وَلاَ يَقَعُ اسْمُ سِتِّينَ مِسْكِينًا عَلَى مِسْكِينٍ وَاحِدٍ أَصْلاً
 
740 - مَسْأَلَةٌ : وَيُجْزِئُ فِي ذَلِكَ رَقَبَةٌ مُؤْمِنَةٌ أَوْ كَافِرَةٌ , صَغِيرَةٌ , أَوْ كَبِيرَةٌ , ذَكَرٌ أَوْ أُنْثَى , مَعِيبٌ أَوْ سَلِيمٌ ; لِعُمُومِ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ r أَعْتِقْ رَقَبَةً فَلَوْ كَانَ شَيْءٌ مِنْ الرِّقَابِ الَّتِي تُعْتَقُ لاَ يُجْزِئُ فِي ذَلِكَ لَبَيَّنَهُ عليه السلام , وَلَمَا أَهْمَلَهُ حَتَّى يُبَيِّنَهُ لَهُ غَيْرُهُ. وَيُجْزِئُ فِي ذَلِكَ : أُمُّ الْوَلَدِ , وَالْمُدَبَّرُ , وَالْمُعْتَقُ بِصِفَةٍ , وَإِلَى أَجَلٍ , وَالْمُكَاتَبُ الَّذِي لَمْ يُؤَدِّ شَيْئًا مِنْ كِتَابَتِهِ , وَلاَ يُجْزِئُ فِي ذَلِكَ نِصْفَانِ مِنْ رَقَبَتَيْنِ , وَلاَ مَنْ بَعْضُهُ حُرٌّ
 
وقال أبو حنيفة بِقَوْلِنَا فِي الْكَافِرِ وَالصَّغِيرِ :
 
وقال مالك , وَالشَّافِعِيُّ لاَ يُجْزِئُ إلاَّ مُؤْمِنَةٌ , قَالُوا : قِسْنَا ذَلِكَ عَلَى الرَّقَبَةِ فِي قَتْلِ الْخَطَأِ.
 
قال أبو محمد : وَالْقِيَاسُ كُلُّهُ بَاطِلٌ , ثُمَّ لَوْ كَانَ حَقًّا لَكَانَ هَذَا مِنْهُ بَاطِلاً , لإِنَّ مَالِكًا لاَ يَقِيسُ حُكْمَ قَاتِلِ الْعَمْدِ عَلَى حُكْمِ قَاتِلِ الْخَطَأِ فِي الْكَفَّارَةِ , فَإِذَا لَمْ يَقِسْ قَاتِلاً عَلَى قَاتِلٍ فَقِيَاسُ الْوَاطِئِ عَلَى الْقَاتِلِ أَوْلَى بِالْبُطْلاَنِ , إنْ كَانَ الْقِيَاسُ حَقًّا وَالشَّافِعِيُّ لاَ يَقِيسُ الْمُفْطِرَ بِالأَكْلِ عَلَى الْمُفْطِرِ بِالْوَطْءِ فِي الْكَفَّارَةِ , فَإِذَا لَمْ يَقِسْ مُفْطِرًا عَلَى مُفْطِرٍ فَقِيَاسُ الْمُفْطِرِ عَلَى الْقَاتِلِ أَوْلَى بِالْبُطْلاَنِ , إنْ كَانَ الْقِيَاسُ حَقًّا
 
وَأَيْضًا : فَإِنَّهُ لاَ خِلاَفَ فِي أَنَّ كَفَّارَةَ الْوَاطِئِ فِي رَمَضَانَ يُعَوَّضُ فِيهَا الإِطْعَامُ مِنْ الصِّيَامِ , وَلاَ يُعَوَّضُ الإِطْعَامُ مِنْ الصِّيَامِ فِي كَفَّارَةِ قَتْلِ الْخَطَأِ فَقَدْ صَحَّ إجْمَاعُهُمْ عَلَى أَنَّ حُكْمَ كَفَّارَةِ الْوَاطِئِ مُخَالِفٌ لِحُكْمِ كَفَّارَةِ الْقَاتِلِ ; فَبَطَلَ بِهَذَا قِيَاسُ إحْدَاهُمَا عَلَى الآُخْرَى
 
فَإِنْ قَالُوا : إنَّ النَّصَّ لَمْ يَرِدْ بِالتَّعْوِيضِ فِي كَفَّارَةِ الْقَتْلِ , وَوَرَدَ بِهِ فِي كَفَّارَةِ الْوَطْءِ
 
قلنا : وَالنَّصُّ لَمْ يَرِدْ بِاشْتِرَاطِ مُؤْمِنَةٍ فِي كَفَّارَةِ الْوَطْءِ وَوَرَدَ بِهِ فِي كَفَّارَةِ الْقَتْلِ , وَهَذَا هُوَ الْحَقُّ.
 
فَإِنْ قَالُوا : الْمُؤْمِنَةُ أَفْضَلُ
 
قلنا : نَعَمْ ; وَالْعَالِمُ الْفَاضِلُ أَفْضَلُ مِنْ الْجَاهِلِ الْفَاسِقِ. قَالَ تَعَالَى ﴿ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَاَلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ.
 
وَقَالَ تَعَالَى ﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَاَلَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَنْتُمْ تُجِيزُونَ فِيهَا الْجَاهِلَ الْفَاسِقَ.
 
وَأَمَّا الْمَعِيبُ فَكُلُّهُمْ مُتَّفِقٌ عَلَى إجَازَةِ الْعَيْبِ الْخَفِيفِ فِيهَا , وَلَمْ يَأْتِ نَصٌّ , وَلاَ إجْمَاعٌ , وَلاَ قِيَاسٌ بِالْفَرْقِ بَيْنَ الْعُيُوبِ فِي ذَلِكَ
 
وَأَيْضًا : فَلاَ سَبِيلَ لَهُمْ إلَى تَحْدِيدِ الْخَفِيفِ الَّذِي أَجَازُوهُ مِنْ الْكَثِيرِ الَّذِي لاَ يُجِيزُونَهُ فَصَحَّ أَنَّهُ رَأْيٌ فَاسِدٌ مِنْ آرَائِهِمْ
 
وقال أبو حنيفة : يُجْزِئُ الأَعْوَرُ , وَالْمَقْطُوعُ الْيَدِ أَوْ الرِّجْلِ أَوْ كِلَيْهِمَا مِنْ خِلاَفٍ , وَالْمَقْطُوعُ إصْبَعَيْنِ مِنْ كُلِّ يَدٍ سِوَى الإِبْهَامَيْنِ. وَلاَ يُجْزِئُ الأَعْمَى , وَلاَ الْمُقْعَدُ , وَلاَ الْمَقْطُوعُ يَدًا وَرِجْلاً مِنْ جَانِبٍ وَاحِدٍ , وَلاَ مَقْطُوعُ الإِبْهَامَيْنِ فَقَطْ مِنْ كِلْتَا يَدَيْهِ ، وَلاَ مَقْطُوعُ ثَلاَثِ أَصَابِعَ مِنْ كُلِّ يَدٍ
 
قال أبو محمد : وَهَذِهِ تَخَالِيطُ قَوِيَّةٌ بِمَرَّةٍ وَلَوْ كَانَ شَيْءٌ مِنْ هَذَا لاَ يُجْزِئُ لَبَيَّنَهُ عليه السلام.
 
وَأَمَّا أُمُّ الْوَلَدِ وَالْمُدَبَّرُ فَلاَ خِلاَفَ فِي أَنَّ الْعِتْقَ جَائِزٌ فِيهِمَا وَحُكْمُهُ وَاقِعٌ عَلَيْهِمَا إذَا عَتَقَا , فَمُعْتِقُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يُسَمَّى مُعْتِقَ رَقَبَةٍ , وَعِتْقُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عِتْقَ رَقَبَةٍ بِلاَ خِلاَفٍ ; فَوَجَبَ أَنَّ مَنْ أَعْتَقَ أَحَدَهُمَا فِي ذَلِكَ فَقَدْ فَعَلَ مَا أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ.
 
وقال أبو حنيفة , وَمَالِكٌ : لاَ يُجْزِئَانِ
 
وقال الشافعي : لاَ تُجْزِئُ أُمُّ الْوَلَدِ , لاَِنَّهَا لاَ تُبَاعُ
 
قال أبو محمد : فَكَانَ مَاذَا وَهَلْ اشْتَرَطَ عليه السلام إذْ أَمَرَ فِي الْكَفَّارَةِ بِعِتْقِ رَقَبَةٍ أَنْ تَكُونَ مِمَّنْ يَجُوزُ بَيْعُهَا حَاشَ لِلَّهِ مِنْ هَذَا , فَإِذْ لَمْ يَشْتَرِطْ عليه السلام هَذِهِ الصِّفَةَ فَاشْتِرَاطُهَا بَاطِلٌ , وَشَرْعٌ فِي الدِّينِ لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ تَعَالَى وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا. وَأَجَازَ فِي ذَلِكَ عِتْقَ الْمُدَبَّرِ وَمِمَّنْ أَجَازَ عِتْقَ أُمِّ الْوَلَدِ , وَالْمُدَبَّرِ فِي ذَلِكَ : عُثْمَانُ الْبَتِّيُّ , وَأَبُو سُلَيْمَانَ
 
وَأَمَّا الْمُكَاتَبُ الَّذِي لَمْ يُؤَدِّ شَيْئًا فَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّهُ عَبْدٌ , وَمِمَّنْ أَجَازَهُ فِي الْكَفَّارَةِ دُونَ مَنْ أَدَّى شَيْئًا مِنْ كِتَابَتِهِ : أَبُو حَنِيفَةَ , وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ , وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ.
 
وَأَمَّا الْمُكَاتَبُ الَّذِي أَدَّى شَيْئًا مِنْ كِتَابَتِهِ , وَمَنْ بَعْضُهُ حُرٌّ , فَقَدْ ذَكَرْنَا فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ شُرُوعُ الْحُرِّيَّةِ فِيهِ بِقَدْرِ مَا أَدَّى , فَمَنْ أَعْتَقَ بَاقِيَهُمَا فَإِنَّمَا أَعْتَقَ بَعْضَ رَقَبَةٍ ; لاَ رَقَبَةً ; فَلَمْ يُؤَدِّ مَا أُمِرَ بِهِ. وَمِمَّنْ قَالَ بِقَوْلِنَا فِي أَنَّهُمَا لاَ يُجْزِئَانِ : أَبُو حَنِيفَةَ , وَأَحْمَدُ , وَإِسْحَاقُ.
 
وَأَمَّا مَنْ أَعْتَقَ نِصْفَيْ رَقَبَتَيْنِ فَلاَ يُسَمَّى مُعْتِقَ رَقَبَةٍ كَمَا ذَكَرْنَا ; وَلاَِنَّهُ يَعْتِقُ عَلَيْهِ سَائِرُهُمَا بِحُكْمٍ آخَرَ ، وَلاَ بُدَّ ; فَإِذَا لَمْ يَكُنْ مُعْتِقَ رَقَبَةٍ فِي ذَلِكَ فَلَمْ يُؤَدِّ مَا أُمِرَ بِهِ
 
وَأَمَّا الْمُعْتِقُ إلَى أَجَلٍ وَإِنْ قَرُبَ أَوْ بِصِفَةٍ فَعِتْقُهُمَا وَبَيْعُهُمَا جَائِزٌ ; أَمَّا الْمُعْتَقُ فَلاَ خِلاَفُ مِنْهُمْ نَعْلَمُهُ فِيهِ. وَمِمَّنْ أَجَازَهُمَا فِي الْكَفَّارَةِ : الشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ , وَمُعْتَقُهُمَا يُسَمَّى : مُعْتِقَ رَقَبَةٍ.
 
741 - مَسْأَلَةٌ : وَكُلُّ مَا قلنا أَنَّهُ لاَ يُجْزِئُ ; فَإِنَّهُ عِتْقٌ مَرْدُودٌ بَاطِلٌ لاَ يَنْفُذُ , لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ r : مَنْ عَمِلَ عَمَلاً لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ وَلاَِنَّهُ لَمْ يُعْتِقْهُ إلاَّ بِصِفَةٍ لَمْ تَصِحَّ , فَلَمْ يَصِحَّ عِتْقُهُ وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ
 
742 - مَسْأَلَةٌ : وَمَنْ كَانَ فَرْضَهُ الصَّوْمُ , فَقَطَعَ صَوْمَهُ عَلَيْهِ رَمَضَانُ , أَوْ أَيَّامُ الأَضْحَى , أَوْ مَا لاَ يَحِلُّ صِيَامُهُ فَلَيْسَا مُتَتَابِعِينَ , وَإِنَّمَا أُمِرَ بِهِمَا مُتَتَابِعِينَ وَقَالَ قَائِلٌ : يُجْزِئُهُ
 
قال علي : وهذا خِلاَفُ أَمْرِهِ r وَلَيْسَ كَوْنُهُ مَعْذُورًا فِي إفْطَارِهِ غَيْرَ آثِمٍ ، وَلاَ مَلُومٍ بِمُجِيزٍ لَهُ مَا لَمْ يُجَوِّزْهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ عَدَمِ التَّتَابُعِ.
 
وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ الْحَجَّاجِ بْنِ الْمِنْهَالِ ، عَنْ أَبِي عَوَانَةَ ، عَنِ الْمُغِيرَةِ ، عَنْ إبْرَاهِيمَ : مَنْ لَزِمَهُ شَهْرَانِ مُتَتَابِعَانِ فَمَرِضَ فَأَفْطَرَ فَإِنَّهُ يَبْتَدِئُ صَوْمَهُمَا
 
743 - مَسْأَلَةٌ : فَإِنْ اعْتَرَضَهُ فِيهِمَا يَوْمُ نَذْرٍ نَذَرَهُ : بَطَلَ النَّذْرُ وَسَقَطَ عَنْهُ , وَتَمَادَى فِي صَوْمِ الْكَفَّارَةِ ,
 
وَكَذَلِكَ فِي رَمَضَانَ سَوَاءٌ سَوَاءٌ , لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ r كِتَابُ اللَّهِ أَحَقُّ وَشَرْطُ اللَّهِ أَوْثَقُ. فَصَحَّ أَنَّهُ لَيْسَ لاَِحَدٍ أَنْ يَلْتَزِمَ غَيْرَ مَا أَلْزَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى , وَمَنْ نَذَرَ مَا يَبْطُلُ بِهِ فَرْضَ اللَّهِ تَعَالَى فَنَذْرُهُ بَاطِلٌ ; لاَِنَّهُ تَعَدٍّ لِحُدُودِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ
 
744 - مَسْأَلَةٌ : فَإِنْ بَدَأَ بِصَوْمِهِمَا فِي أَوَّلِ يَوْمٍ مِنْ الشَّهْرِ صَامَ إلَى أَنْ يَرَى الْهِلاَلَ الثَّالِثَ ، وَلاَ بُدَّ , كَامِلَيْنِ كَانَا أَوْ نَاقِصَيْنِ , أَوْ كَامِلاً وَنَاقِصًا لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿ إنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ فَمَنْ لَزِمَهُ صَوْمُ شَهْرَيْنِ لَزِمَهُ أَنْ يَأْتِيَ بِهِمَا مِنْ جُمْلَةِ الاِثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا الْمَذْكُورَةِ
 
745 - مَسْأَلَةٌ : فَإِنْ بَدَأَ بِهِمَا فِي بَعْضِ الشَّهْرِ وَلَوْ لَمْ يَمْضِ مِنْهُ إلاَّ يَوْمٌ , أَوْ لَمْ يَبْقَ إلاَّ يَوْمٌ فَمَا بَيْنَ ذَلِكَ : لَزِمَهُ صَوْمُ ثَمَانِيَةٍ وَخَمْسِينَ يَوْمًا لاَ أَكْثَرَ. لِمَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ الرَّحْمَانِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ ، حدثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ ، حدثنا الْفَرَبْرِيُّ ، حدثنا الْبُخَارِيُّ ، حدثنا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، حدثنا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلاَلٍ ، عَنْ حُمَيْدٍ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : آلَى رَسُولُ اللَّهِ r مِنْ نِسَائِهِ فَأَقَامَ فِي مَشْرُبَةٍ تِسْعًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً ثُمَّ نَزَلَ , فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ , آلَيْتُ شَهْرًا , فَقَالَ : إنَّ الشَّهْرَ يَكُونُ تِسْعًا وَعِشْرِينَ. وَرُوِّينَاهُ مِنْ طُرُقٍ مُتَوَاتِرَةٍ جِدًّا كَذَلِكَ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرًا ,
 
وَمِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَانِ ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ
 
وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ عَمْرٍو , وَجَبَلَةِ بْنِ سُحَيْمٍ , وَعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ , وَعُقْبَةَ بْنِ حُرَيْثٍ , وَسَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ كُلُّهُمْ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ,
 
وَمِنْ طَرِيقِ إسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ، عَنْ أَبِيهِ ,
 
وَمِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ , كُلُّهُمْ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ r بِأَسَانِيدَ فِي غَايَةِ الصِّحَّةِ ; فَإِذَا الشَّهْرُ يَكُونُ تِسْعًا وَعِشْرِينَ وَيَكُونُ ثَلاَثِينَ , فَلاَ يَلْزَمُهُ إلاَّ الْيَقِينُ , وَهُوَ الأَقَلُّ وَقَالَ قَائِلُونَ : عَلَيْهِ أَنْ يُوَفِّيَ سِتِّينَ يَوْمًا لِيَكُونَ عَلَى يَقِينٍ مِنْ إتْمَامِ الشَّهْرَيْنِ
 
قال أبو محمد : وَهَذَا خَطَأٌ ; لإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى إنَّمَا أَلْزَمَهُ شَهْرَيْنِ , وَلَمْ يَقُلْ كَامِلَيْنِ , كُلُّ شَهْرٍ مِنْ ثَلاَثِينَ يَوْمًا , فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ شَهْرَيْنِ , وَاسْمُ شَهْرَيْنِ يَقَعُ بِنَصِّ كَلاَمِهِ عليه السلام عَلَى تِسْعٍ وَعِشْرِينَ , وَتِسْعٍ وَعِشْرِينَ , وَالْفَرَائِضُ لاَ تَلْزَمُ إلاَّ بِنَصٍّ , أَوْ إجْمَاعٍ وَيَلْزَمُ مَنْ قَالَ هَذَا مِنْ الْحَنَفِيِّينَ أَنْ يَقُولَ : لاَ تُجْزِئُ الرَّقَبَةُ إلاَّ مُؤْمِنَةً ; لِيَكُونَ عَلَى يَقِينٍ مِنْ أَنَّهُ قَدْ أَدَّى الْفَرْضَ فِي الرَّقَبَةِ وَيَلْزَمُ مَنْ قَالَ بِهَذَا مِنْ الْمَالِكِيِّينَ , وَالشَّافِعِيِّينَ أَنْ يَقُولَ : لاَ تُجْزِئُ إلاَّ غَدَاءً وَعَشَاءً , أَوْ غَدَاءً وَغَدَاءً , أَوْ عَشَاءً وَعَشَاءً , كَمَا يَقُولُ الْحَنَفِيُّونَ , وَلاَ يُجْزِئُ إلاَّ صَاعٌ مِنْ شَعِيرِ لِكُلِّ مِسْكِينٍ , أَوْ نِصْفُ صَاعِ بُرٍّ : لِيَكُونَ عَلَى يَقِينٍ مِنْ أَدَاءِ فَرْضِ الإِطْعَامِ
 
746 - مَسْأَلَةٌ : وَمَنْ كَانَ فَرْضُهُ الإِطْعَامَ فَإِنَّهُ لاَ بُدَّ لَهُ مِنْ أَنْ يُطْعِمَهُمْ شِبَعَهُمْ , مِنْ أَيِّ شَيْءٍ أَطْعَمَهُمْ , وَإِنْ اخْتَلَفَ , مِثْلُ : أَنْ يُطْعِمَ بَعْضَهُمْ خُبْزًا , وَبَعْضَهُمْ تَمْرًا , وَبَعْضَهُمْ ثَرِيدًا , وَبَعْضَهُمْ زَبِيبًا , وَنَحْوَ ذَلِكَ. وَيُجْزِئُ فِي ذَلِكَ مُدٌّ بِمُدِّ النَّبِيِّ r إنْ أَعْطَاهُمْ حَبًّا أَوْ دَقِيقًا أَوْ تَمْرًا أَوْ زَبِيبًا أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ , مِمَّا يُؤْكَلُ وَيُكَالُ ; فَإِنْ أَطْعَمَهُمْ طَعَامًا مَعْمُولاً فَيُجْزِئُهُ مَا أَشْبَعَهُمْ أَكْلَةً وَاحِدَةً , أَقَلَّ كَانَ أَوْ أَكْثَرَ
 
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُمَرَ ، حدثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُسَيْنِ بْنِ عِقَالٍ ، حدثنا بَكَّارُ بْنُ قُتَيْبَةَ ، حدثنا مُؤَمَّلٌ ، هُوَ ابْنُ إسْمَاعِيلَ الْحِمْيَرِيُّ ، حدثنا سُفْيَانُ هُوَ الثَّوْرِيُّ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، هُوَ ابْنُ الْمُعْتَمِرِ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ حُمَيْدٍ ، هُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَانِ بْنِ عَوْفٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ r فَذَكَرَ خَبَرَ الْوَاطِئِ فِي رَمَضَانَ , قَالَ قَالَ : فَأُتِيَ النَّبِيُّ r بِمِكْتَلٍ فِيهِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَعْنِي صَاعًا فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ r خُذْهُ فَأَطْعِمْهُ عَنْكَ.
 
قَالَ عَلِيٌّ : فَأَجْزَأَ هَذَا فِي الإِطْعَامِ. وَكَانَ إشْبَاعُهُمْ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ أَشْبَعَهُمْ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ : يُسَمَّى إطْعَامًا , وَالْبُرُّ : يُؤْكَلُ مَقْلُوًّا ; فَكُلُّ ذَلِكَ إطْعَامٌ. وَلاَ يَجُوزُ تَحْدِيدُ إطْعَامٍ دُونَ إطْعَامٍ بِغَيْرِ نَصٍّ ، وَلاَ إجْمَاعٍ , وَلَمْ يُخْتَلَفْ فِيمَا دُونَ الشِّبَعِ فِي الأَكْلِ , وَفِيمَا دُونَ الْمُدِّ فِي الإِعْطَاءِ أَنَّهُ لاَ يُجْزِئُ
 
وقال أبو حنيفة : لاَ يُجْزِئُ إلاَّ نِصْفُ صَاعِ بُرٍّ , أَوْ مِثْلُهُ مِنْ سَوِيقِهِ أَوْ دَقِيقِهِ , أَوْ صَاعٌ مِنْ شَعِيرٍ , أَوْ زَبِيبٍ , أَوْ تَمْرٍ , لِكُلِّ مِسْكِينٍ. ، وَلاَ بُدَّ مِنْ غَدَاءٍ وَعَشَاءٍ أَوْ غَدَاءٍ وَغَدَاءٍ , أَوْ عَشَاءٍ وَعَشَاءٍ , أَوْ سُحُورٍ وَغَدَاءٍ , أَوْ سُحُورٍ وَعَشَاءٍ
 
قال أبو محمد : وَهَذَا تَحَكُّمٌ وَشَرْعٌ لَمْ يُوجِبْهُ نَصٌّ ، وَلاَ إجْمَاعٌ ، وَلاَ قِيَاسٌ ، وَلاَ قَوْلُ صَاحِبٍ
 
747 - مَسْأَلَةٌ : وَلاَ يُجْزِئُ إطْعَامُ رَضِيعٍ لاَ يَأْكُلُ الطَّعَامَ , وَلاَ إعْطَاؤُهُ مِنْ ذَلِكَ , لاَِنَّهُ لاَ يُسَمَّى إطْعَامًا , فَإِنْ كَانَ يَأْكُلُ كَمَا تَأْكُلُ الصِّبْيَانُ أَجْزَأَ إطْعَامُهُ وَإِشْبَاعُهُ , وَإِنْ أَكَلَ قَلِيلاً , لاَِنَّهُ أَطْعَمَ كَمَا أُمِرَ وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ
 
748 - مَسْأَلَةٌ : وَلاَ يُجْزِئُ إطْعَامُ أَقَلَّ مِنْ سِتِّينَ , وَلاَ صِيَامُ أَقَلَّ مِنْ شَهْرَيْنِ , لاَِنَّهُ خِلاَفُ مَا أُمِرَ بِهِ
 
749 - مَسْأَلَةٌ : وَمَنْ كَانَ قَادِرًا حِينَ وَطْئِهِ عَلَى الرَّقَبَةِ لَمْ يُجْزِهِ غَيْرُهَا , افْتَقَرَ بَعْدَ ذَلِكَ أَوْ لَمْ يَفْتَقِرْ , وَمَنْ كَانَ عَاجِزًا عَنْهَا حِينَئِذٍ قَادِرًا عَلَى صِيَامِ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ لَمْ يُجْزِهِ شَيْءٌ غَيْرُ الصِّيَامِ , أَيْسَرَ بَعْدَ ذَلِكَ وَوَجَدَ رَقَبَةً أَوْ لَمْ يُوسِرْ وَمَنْ كَانَ عَاجِزًا حِينَ ذَلِكَ ، عَنِ الرَّقَبَةِ وَعَنِ الصِّيَامِ قَادِرًا عَلَى الإِطْعَامِ لَمْ يُجْزِهِ غَيْرُ الإِطْعَامِ , قَدَرَ عَلَى الرَّقَبَةِ أَوْ الصَّوْمِ بَعْدَ ذَلِكَ أَوْ لَمْ يَقْدِرْ ; لإِنَّ كُلَّ مَا ذَكَرْنَا هُوَ فَرْضُهُ بِالنَّصِّ , وَالإِجْمَاعِ ; فَلاَ يَجُوزُ سُقُوطُ فَرْضِهِ وَإِيجَابُ فَرْضٍ آخَرَ عَلَيْهِ بِغَيْرِ نَصٍّ ، وَلاَ إجْمَاعٍ. وَقَالَ قَائِلُونَ : إنْ دَخَلَ فِي الصَّوْمِ فَأَيْسَرَ انْتَقَلَ حُكْمُهُ إلَى الرَّقَبَةِ وَهَذَا خَطَأٌ , وَقَوْلٌ بِلاَ بُرْهَانٍ
 
750 - مَسْأَلَةٌ : فَمَنْ لَمْ يَجِدْ إلاَّ رَقَبَةً لاَ غِنَى بِهِ عَنْهَا , لاَِنَّهُ يَضِيعُ بَعْدَهَا أَوْ يَخَافُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ حُبِّهَا : لَمْ يَلْزَمْهُ عِتْقُهَا لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿ لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلاَّ وُسْعَهَا.
 
وَقَوْله تَعَالَى وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ.
 
وَقَوْله تَعَالَى يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ ، وَلاَ يُرِيدُ بِكُمْ الْعُسْرَ. وَكُلُّ مَا ذَكَرْنَا حَرَجٌ وَعُسْرٌ لَمْ يَجْعَلْهُ تَعَالَى عَلَيْنَا , وَلاَ أَرَادَهُ مِنَّا , وَفَرْضُهُ حِينَئِذٍ الصِّيَامُ , فَإِنْ كَانَ فِي غِنًى عَنْهَا وَهُوَ قَائِمٌ بِنَفْسِهِ ، وَلاَ مَالَ لَهُ فَعَلَيْهِ عِتْقُهَا ; لاَِنَّهُ وَاجِدُ رَقَبَةٍ لاَ حَرَجَ عَلَيْهِ فِي عِتْقِهَا
 
751 - مَسْأَلَةٌ : وَمَنْ كَانَ عَاجِزًا ، عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ فَفَرْضُهُ الإِطْعَامُ , وَهُوَ بَاقٍ عَلَيْهِ , فَإِنْ وَجَدَ طَعَامًا وَهُوَ إلَيْهِ مُحْتَاجٌ أَكَلَهُ هُوَ وَأَهْلُهُ وَبَقِيَ الإِطْعَامُ دَيْنًا عَلَيْهِ ; لإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ r أَمَرَهُ بِالإِطْعَامِ فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ لاَ يَقْدِرُ عَلَيْهِ , فَأَتَاهُ بِالتَّمْرِ فَأَعْطَاهُ إيَّاهُ وَأَمَرَهُ بِأَنْ يُطْعِمَهُ ، عَنْ كَفَّارَتِهِ
 
فَصَحَّ أَنَّ الإِطْعَامَ بَاقٍ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ لاَ يَقْدِرُ عَلَيْهِ , وَأَمَرَهُ عليه السلام بِأَكْلِهِ إذْ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ مُحْتَاجٌ إلَى أَكْلِهِ , وَلَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ مَا قَدْ أَلْزَمَهُ إيَّاهُ مِنْ الإِطْعَامِ , وَلاَ يَجُوزُ سُقُوطُ مَا افْتَرَضَهُ عليه السلام إلاَّ بِإِخْبَارٍ مِنْهُ عليه السلام بِأَنَّهُ قَدْ أَسْقَطَهُ وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
 
752 - مَسْأَلَةٌ : وَالْحُرُّ وَالْعَبْدُ فِي كُلِّ مَا ذَكَرْنَا سَوَاءٌ وَيُطْعِمُ مِنْ ذَلِكَ الْحُرَّ وَالْعَبْدَ , لإِنَّ حُكْمَ رَسُولِ اللَّهِ r جَاءَ عُمُومًا , لَمْ يُخَصَّ مِنْهُ حُرٌّ مِنْ عَبْدٍ , وَإِذَا كَانَ الْعَبْدُ مِسْكِينًا فَهُوَ مِمَّنْ أُمِرَ بِإِطْعَامِهِ ، وَلاَ تَجُوزُ مُعَارَضَةُ أَمْرِهِ عليه السلام بِالدَّعَاوَى الْكَاذِبَةِ وَبِاَللَّهِ تَعَالَى نَتَأَيَّدُ
 
753 - مَسْأَلَةٌ : وَلاَ يَنْقُضُ الصَّوْمَ حِجَامَةٌ ، وَلاَ احْتِلاَمٌ , وَلاَ اسْتِمْنَاءٌ , وَلاَ مُبَاشَرَةُ الرَّجُلِ امْرَأَتَهُ أَوْ أَمَتَهُ الْمُبَاحَةَ لَهُ فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ , تَعَمَّدَ الإِمْنَاءَ أَمْ لَمْ يُمْنِ , أَمْذَى أَمْ لَمْ يُمْذِ ، وَلاَ قُبْلَةٌ كَذَلِكَ فِيهِمَا , وَلاَ قَيْءٌ غَالِبٌ , وَلاَ قَلْسٌ خَارِجٌ مِنْ الْحَلْقِ , مَا لَمْ يَتَعَمَّدْ رَدَّهُ بَعْدَ حُصُولِهِ فِي فَمِهِ وَقُدْرَتِهِ عَلَى رَمْيِهِ , وَلاَ دَمٌ خَارِجٌ مِنْ الأَسْنَانِ أَوْ الْجَوْفِ مَا لَمْ يَتَعَمَّدْ بَلْعَهُ , وَلاَ حُقْنَةٌ ، وَلاَ سَعُوطٌ ، وَلاَ تَقْطِيرٌ فِي أُذُنٍ , أَوْ فِي إحْلِيلٍ , أَوْ فِي أَنْفٍ ، وَلاَ اسْتِنْشَاقٌ وَإِنْ بَلَغَ الْحَلْقَ , وَلاَ مَضْمَضَةٌ دَخَلَتْ الْحَلْقَ مِنْ غَيْرِ تَعَمُّدٍ , وَلاَ كُحْلٌ أَوْ إنْ بَلَغَ إلَى الْحَلْقِ نَهَارًا أَوْ لَيْلاً بِعَقَاقِيرَ أَوْ بِغَيْرِهَا , وَلاَ غُبَارُ طَحْنٍ , أَوْ غَرْبَلَةُ دَقِيقٍ , أَوْ حِنَّاءٍ , أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ , أَوْ عِطْرٌ , أَوْ حَنْظَلٌ , أَوْ أَيُّ شَيْءٍ كَانَ , وَلاَ ذُبَابٌ دَخَلَ الْحَلْقَ بِغَلَبَةٍ , وَلاَ مَنْ رَفَعَ رَأْسَهُ فَوَقَعَ فِي حَلْقِهِ نُقْطَةُ مَاءٍ بِغَيْرِ تَعَمُّدٍ لِذَلِكَ مِنْهُ ; ، وَلاَ مَضْغُ زِفْتٍ أَوْ مُصْطَكَى أَوْ عِلْكٍ ; ، وَلاَ مَنْ تَعَمَّدَ أَنْ يُصْبِحَ جُنُبًا , مَا لَمْ يَتْرُكْ الصَّلاَةَ , وَلاَ مَنْ تَسَحَّرَ أَوْ وَطِئَ وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّهُ لَيْلٌ فَإِذَا بِالْفَجْرِ كَانَ قَدْ طَلَعَ ، وَلاَ مَنْ أَفْطَرَ بِأَكْلٍ أَوْ وَطْءٍ , وَيَظُنُّ أَنَّ الشَّمْسَ قَدْ غَرَبَتْ فَإِذَا بِهَا لَمْ تَغْرُبْ , وَلاَ مَنْ أَكَلَ أَوْ شَرِبَ أَوْ وَطِئَ نَاسِيًا ; لاَِنَّهُ صَائِمٌ ,
 
وَكَذَلِكَ مَنْ عَصَى نَاسِيًا لِصَوْمِهِ , وَلاَ سِوَاكٌ بِرَطْبٍ أَوْ يَابِسٍ , وَلاَ مَضْغُ طَعَامٍ أَوْ ذَوْقُهُ , مَا لَمْ يَتَعَمَّدْ بَلْعَهُ , وَلاَ مُدَاوَاةُ جَائِفَةٍ أَوْ مَأْمُومَةٍ بِمَا يُؤْكَلُ أَوْ يُشْرَبُ أَوْ بِغَيْرِ ذَلِكَ , وَلاَ طَعَامٌ وُجِدَ بَيْنَ الأَسْنَانِ : أَيَّ وَقْتٍ مِنْ النَّهَارِ وُجِدَ , إذَا رُمِيَ , وَلاَ مَنْ أُكْرِهَ عَلَى مَا يَنْقُضُ الصَّوْمَ , وَلاَ دُخُولُ حَمَّامٍ , وَلاَ تَغْطِيسٌ فِي مَاءٍ , وَلاَ دَهْنُ شَارِبٍ أَمَّا الْحِجَامَةُ
 
قال أبو محمد : صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ r مِنْ طَرِيقِ ثَوْبَانَ , وَشَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ : وَمَعْقِلِ بْنِ سِنَانٍ , وَأَبِي هُرَيْرَةَ , وَرَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ وَغَيْرِهِمْ : ، أَنَّهُ قَالَ : أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ , فَوَجَبَ الأَخْذُ بِهِ , إلاَّ أَنْ يَصِحَّ نَسْخُهُ. وَقَدْ ظَنَّ قَوْمٌ أَنَّ الرِّوَايَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ " احْتَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ r نَاسِخَةٌ لِلْخَبَرِ الْمَذْكُورِ , وَظَنُّهُمْ فِي ذَلِكَ بَاطِلٌ ; لاَِنَّهُ قَدْ يَحْتَجِمُ عليه السلام وَهُوَ مُسَافِرٌ فَيُفْطِرُ , وَذَلِكَ مُبَاحٌ , أَوْ فِي صِيَامِ تَطَوُّعٍ فَيُفْطِرُ , وَذَلِكَ مُبَاحٌ. وَالْعَجَبُ كُلُّهُ مِمَّنْ يَقُولُ فِي الْخَبَرِ الثَّابِتِ أَنَّهُ عليه السلام " مَسَحَ عَلَى الْعِمَامَةِ " : لَعَلَّهُ كَانَ مَرِيضًا ثُمَّ لاَ يَقُولُ هَاهُنَا : لَعَلَّهُ كَانَ مَرِيضًا
 
وَأَيْضًا فَلَيْسَ فِي خَبَرِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ بَعْدَ إخْبَارِهِ عليه السلام أَنَّهُ أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ ، وَلاَ يُتْرَكُ حُكْمٌ مُتَيَقَّنٌ لِظَنٍّ كَاذِبٍ
 
وَأَيْضًا : فَلَوْ صَحَّ أَنَّ خَبَرَ ابْنِ عَبَّاسٍ بَعْدَ خَبَرِ مَنْ ذَكَرْنَا لَمَا كَانَ فِيهِ إلاَّ نَسْخُ إفْطَارِ الْمَحْجُومِ لاَ الْحَاجِمِ ; لاَِنَّهُ قَدْ يَحْجُمُهُ عليه السلام غُلاَمٌ لَمْ يَحْتَلِمْ
 
قال أبو محمد : لَكِنْ وَجَدْنَا مَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ التَّمِيمِيُّ وَأَحْمَدُ بْنُ عُمَرَ الْعُذْرِيُّ قَالَ التَّمِيمِيُّ : حدثنا مُعَاوِيَةُ الْقُرَشِيُّ الْمَرْوَانِيُّ ، حدثنا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ أَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ سَعِيدٍ ، حدثنا إِسْحَاقُ بْنُ يُوسُفَ الأَزْرَقُ ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ , وَقَالَ الْعُذْرِيُّ ، حدثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ عِقَالٍ الأَسَدِيُّ الْقُرَشِيُّ ، حدثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ الدِّينَوَرِيُّ ، حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْجَهْمِ ، حدثنا مُوسَى بْنُ هَارُونَ ، حدثنا إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ أَنَا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، عَنْ حُمَيْدٍ , ثُمَّ اتَّفَقَ خَالِدٌ الْحَذَّاءُ وَحُمَيْدٌ كِلاَهُمَا ، عَنْ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ النَّاجِي ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ r أَرْخَصَ فِي الْحِجَامَةِ لِلصَّائِمِ زَادَ حُمَيْدٍ فِي رِوَايَتِهِ " وَالْقُبْلَةِ ".
 
قَالَ عَلِيٌّ : إنَّ أَبَا نَضْرَةَ , وَقَتَادَةَ أَوْقَفَاهُ ، عَنْ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ عَلَى أَبِي سَعِيدٍ , وَإِنَّ ابْنَ الْمُبَارَكِ أَوْقَفَهُ ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ ، عَنْ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ عَلَى أَبِي سَعِيدٍ ; وَلَكِنْ هَذَا لاَ مَعْنَى لَهُ إذْ أَسْنَدَهُ الثِّقَةُ , وَالْمُسْنَدَانِ لَهُ ، عَنْ خَالِدٍ وَحُمَيْدٍ : ثِقَتَانِ ; فَقَامَتْ بِهِ الْحُجَّةُ , وَلَفْظَةُ " أَرْخَصَ " لاَ تَكُونُ إلاَّ بَعْدَ نَهْيٍ ; فَصَحَّ بِهَذَا الْخَبَرِ نَسْخُ الْخَبَرِ الأَوَّلِ وَمِمَّنْ قَالَ بِأَنَّ الْحِجَامَةَ تُفْطِرُ : عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ , وَأَبُو مُوسَى الأَشْعَرِيُّ , وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ , وَغَيْرُهُمْ. وَلَمْ يَرَهَا تُفْطِرُ : ابْنُ عَبَّاسٍ , وَزَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ , وَغَيْرُهُمَا. وَعَهْدُنَا بِالْحَنَفِيِّينَ يَقُولُونَ : إنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ لاَ يُقْبَلُ فِيمَا تَعْظُمُ بِهِ الْبَلْوَى , وَهَذَا مِمَّا تَكْثُرُ بِهِ الْبَلْوَى , وَقَدْ قَبِلُوا فِيهِ خَبَرَ الْوَاحِدِ مُضْطَرِبًا
 
وَأَمَّا الاِحْتِلاَمُ : فَلاَ خِلاَفَ فِي أَنَّهُ لاَ يَنْقُضُ الصَّوْمَ ; إلاَّ مِمَّنْ لاَ يُعْتَدُّ بِهِ
 
وَأَمَّا الاِسْتِمْنَاءُ : فَإِنَّهُ لَمْ يَأْتِ نَصٌّ بِأَنَّهُ يَنْقُضُ الصَّوْمَ وَالْعَجَبُ كُلُّهُ مِمَّنْ لاَ يَنْقُضُ الصَّوْمَ بِفِعْلِ قَوْمِ لُوطٍ , وَإِتْيَانِ الْبَهَائِمِ وَقَتْلِ الأَنْفُسِ , وَالسَّعْيِ فِي الأَرْضِ بِالْفَسَادِ , وَتَرْكِ الصَّلاَةِ وَتَقْبِيلِ نِسَاءِ الْمُسْلِمِينَ عَمْدًا إذَا لَمْ يُمْنِ ، وَلاَ أَمْذَى : ثُمَّ يَنْقُضُهُ بِمَسِّ الذَّكَرِ إذَا كَانَ مَعَهُ إمْنَاءٌ وَهُمْ لاَ يَخْتَلِفُونَ : أَنَّ مَسَّ الذَّكَرِ لاَ يُبْطِلُ الصَّوْمَ , وَأَنَّ خُرُوجَ الْمَنِيِّ دُونَ عَمَلٍ لاَ يَنْقُضُ الصَّوْمَ , ثُمَّ يُنْقَضُ الصَّوْمُ بِاجْتِمَاعِهِمَا , وَهَذَا خَطَأٌ ظَاهِرٌ لاَ خَفَاءَ بِهِ وَالْعَجَبُ كُلُّهُ مِمَّنْ يُنْقِضُ الصَّوْمَ بِالإِنْزَالِ لِلْمَنِيِّ إذَا تَعَمَّدَ اللَّذَّةَ , وَلَمْ يَأْتِ بِذَلِكَ نَصٌّ , وَلاَ إجْمَاعٌ , وَلاَ قَوْلُ صَاحِبٍ , وَلاَ قِيَاسٌ : ثُمَّ لاَ يُوجِبُ بِهِ الْغُسْلَ إذَا خَرَجَ بِغَيْرِ لَذَّةٍ , وَالنَّصُّ جَاءَ بِإِيجَابِ الْغُسْلِ مِنْهُ جُمْلَةً.
 
وَأَمَّا الْقُبْلَةُ وَالْمُبَاشَرَةُ لِلرَّجُلِ مَعَ امْرَأَتِهِ وَأَمَتِهِ الْمُبَاحَةِ لَهُ فَهُمَا سُنَّةٌ حَسَنَةٌ , نَسْتَحِبُّهَا لِلصَّائِمِ , شَابًّا كَانَ أَوْ كَهْلاً أَوْ شَيْخًا , وَلاَ نُبَالِي أَكَانَ مَعَهَا إنْزَالٌ مَقْصُودٌ إلَيْهِ أَوْ لَمْ يَكُنْ
 
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ، حدثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ، حدثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ، حدثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، حدثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ، حدثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ، حدثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، حدثنا الْحَسَنُ بْنُ مُوسَى ، حدثنا شَيْبَانُ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَانِ بْنِ عَوْفٍ : أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَخْبَرَهُ أَنَّ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ أَخْبَرَهُ أَنَّ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ أَخْبَرَتْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ r كَانَ يُقَبِّلُهَا وَهُوَ صَائِمٌ. وَبِهِ إلَى مُسْلِمٍ : حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ، حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ غُنْدَرٌ ، حدثنا شُعْبَةُ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيّ ، عَنْ عَلْقَمَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ r كَانَ يُبَاشِرُ وَهُوَ صَائِمٌ.
 
وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ لاَ سِيَّمَا مَنْ كَابَرَ عَلَى أَنَّ أَفْعَالَهُ r فَرْضٌ. وَقَدْ
 
رُوِّينَا ذَلِكَ مِنْ طَرِيقِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ , وَعَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ , وَعَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ , وَمَسْرُوقٍ , وَالأَسْوَدِ , وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَانِ بْنِ عَوْفٍ , كُلُّهُمْ ، عَنْ عَائِشَةَ بِأَسَانِيدَ كَالذَّهَبِ وَرُوِّينَاهُ بِأَسَانِيدَ فِي غَايَةِ الصِّحَّةِ ، عَنْ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ : أُمِّ سَلَمَةَ , وَأُمِّ حَبِيبَةَ , وَحَفْصَةَ وَعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ , وَابْنِ عَبَّاسٍ وَعُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ , وَغَيْرِهِمْ كُلُّهُمْ : عَنِ النَّبِيِّ r . فَادَّعَى قَوْمٌ أَنَّ الْقُبْلَةَ تُبْطِلُ الصَّوْمَ .
 
وَقَالَ قَوْمٌ : هِيَ مَكْرُوهَةٌ. .
 
وَقَالَ قَوْمٌ : هِيَ مُبَاحَةٌ لِلشَّيْخِ , مَكْرُوهَةٌ لِلشَّابِّ. .
 
وَقَالَ قَوْمٌ : هِيَ خُصُوصٌ لِلنَّبِيِّ r .
 
فأما مَنْ ادَّعَى أَنَّهَا خُصُوصٌ لَهُ عليه السلام فَقَدْ قَالَ الْبَاطِلَ , وَمَا يَعْجَزُ ، عَنِ الدَّعْوَى مَنْ لاَ تَقْوَى لَهُ فَإِنْ احْتَجَّ فِي ذَلِكَ بِمَا رُوِيَ مِنْ قَوْلِ عَائِشَةَ ، رضي الله عنها ، كَانَ رَسُولُ اللَّهِ r يُقَبِّلُ وَهُوَ صَائِمٌ , وَيُبَاشِرُ وَهُوَ صَائِمٌ وَلَكِنَّهُ كَانَ أَمْلَكَكُمْ لاِِرْبِهِ.
 
قلنا : لاَ حُجَّةَ لَكَ فِي قَوْلِ عَائِشَةَ هَذَا ; لإِنَّ عَبْدَ الرَّحْمَانِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ ، حدثنا قَالَ : حدثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ ، حدثنا الْفَرَبْرِيُّ ، حدثنا الْبُخَارِيُّ ، حدثنا إسْمَاعِيلُ بْنُ الْخَلِيلِ ، حدثنا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ ، حدثنا أَبُو إِسْحَاقَ هُوَ الشَّيْبَانِيُّ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَانِ بْنِ الأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ كَانَتْ إحْدَانَا إذَا كَانَتْ حَائِضًا فَأَرَادَ النَّبِيُّ r أَنْ يُبَاشِرَهَا أَنْ تَتَّزِرَ فِي فَوْرِ حَيْضَتِهَا ثُمَّ يُبَاشِرَهَا , قَالَتْ : وَأَيُّكُمْ يَمْلِكُ إرْبَهُ كَمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ r يَمْلِكُ إرْبَهُ فَإِنْ كَانَ قَوْلُهَا ذَلِكَ فِي قُبْلَةِ الصَّائِمِ يُوجِبُ أَنَّهُ لَهُ خُصُوصٌ فَقَوْلُهَا هَذَا فِي مُبَاشَرَةِ الْحَائِضِ يُوجِبُ أَنَّهَا لَهُ أَيْضًا خُصُوصٌ , أَوْ أَنَّهَا مَكْرُوهَةٌ , أَوْ أَنَّهَا لِلشَّيْخِ دُونَ الشَّابِّ ، وَلاَ يُمْكِنُهُمْ هَاهُنَا دَعْوَى الإِجْمَاعِ ; لإِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ وَغَيْرَهُ كَرِهُوا مُبَاشَرَةَ الْحَائِضِ ; جُمْلَةً وَلَعَمْرِي إنَّ مُبَاشَرَةَ الْحَائِضِ لاََشَدُّ غَرَرًا ; لاَِنَّهُ يَبْقَى ، عَنْ جِمَاعِهَا أَيَّامًا وَلَيَالِيَ فَتَشْتَدُّ حَاجَتُهُ ,
 
وَأَمَّا الصَّائِمُ فَالْبَارِحَةُ وَطِئَهَا , وَاللَّيْلَةَ يَطَؤُهَا , فَهُوَ بِشَمٍّ مِنْ الْوَطْءِ
 
حدثنا حمام ، حدثنا ابْنُ مُفَرِّجٍ ، حدثنا ابْنُ الأَعْرَابِيِّ ، حدثنا الدَّبَرِيُّ ، حدثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي رَجُلٌ مِنْ الأَنْصَارِ , أَنَّهُ قَبَّلَ امْرَأَتَهُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ r فَأَمَرَهَا فَسَأَلَتْ النَّبِيَّ r ، عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ r إنَّ رَسُولَ اللَّهِ يَفْعَلُ ذَلِكَ , فَأَخْبَرَتْهُ امْرَأَتُهُ , فَقَالَ لَهَا : إنَّ النَّبِيَّ r رُخِّصَ لَهُ فِي أَشْيَاءَ , فَارْجِعِي إلَيْهِ , فَرَجَعَتْ إلَيْهِ , فَذَكَرَتْ لَهُ ذَلِكَ , فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ r أَنَا أَتْقَاكُمْ وَأَعْلَمُكُمْ بِحُدُودِ اللَّهِ.
 
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ، حدثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ، حدثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ، حدثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، حدثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ، حدثنا مُسْلِمٌ بْنُ الْحَجَّاجِ حَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيْلِيُّ ، حدثنا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي عَمْرٌو ، هُوَ ابْنُ الْحَارِثِ ، عَنْ عَبْدِ رَبِّهِ بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبٍ الْحِمْيَرِيِّ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ الْمَخْزُومِيِّ أَنَّهُ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ r أَيُقَبِّلُ الصَّائِمُ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ r سَلْ هَذِهِ , يَعْنِي أُمَّ سَلَمَةَ , فَأَخْبَرَتْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ r يَصْنَعُ ذَلِكَ , فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ , قَدْ غُفِرَ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ , فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ r أَمَا وَاَللَّهِ إنِّي لاََتْقَاكُمْ لِلَّهِ وَأَخْشَاكُمْ. فَهَذَانِ الْخَبَرَانِ يُكَذِّبَانِ قَوْلَ مَنْ ادَّعَى فِي ذَلِكَ الْخُصُوصَ لَهُ عليه السلام ; لاَِنَّهُ أَفْتَى بِذَلِكَ عليه السلام مَنْ اسْتَفْتَاهُ , وَيُكَذِّبُ قَوْلَ مَنْ ادَّعَى أَنَّهَا مَكْرُوهَةٌ لِلشَّابِّ مُبَاحَةٌ لِلشَّيْخِ لإِنَّ عُمَرَ بْنَ أَبِي سَلَمَةَ كَانَ شَابًّا جِدًّا فِي قُوَّةِ شَبَابِهِ إذْ مَاتَ عليه السلام ، وَ، هُوَ ابْنُ أُمِّ سَلَمَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ وَزَوَّجَهُ النَّبِيُّ r بِنْتَ حَمْزَةَ عَمِّهِ t.
 
حدثنا عبد الله بن ربيع ، حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ، حدثنا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ، حدثنا أَبُو عَوَانَةَ ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَانِ بْنِ عَوْفٍ ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْمَانَ الْقُرَشِيِّ ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ أَهْوَى النَّبِيُّ r لِيُقَبِّلَنِي , فَقُلْتُ : إنِّي صَائِمَةٌ فَقَالَ : وَأَنَا صَائِمٌ , فَقَبَّلَنِي. وَكَانَتْ عَائِشَةُ إذْ مَاتَ عليه السلام بِنْتَ ثَمَانِ عَشْرَةَ سَنَةً فَظَهَرَ بُطْلاَنُ قَوْلِ مَنْ فَرَّقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الشَّيْخِ وَالشَّابِّ , وَبُطْلاَنُ قَوْلِ مَنْ قَالَ : إنَّهَا مَكْرُوهَةٌ ; وَصَحَّ أَنَّهَا حَسَنَةٌ مُسْتَحَبَّةٌ , سُنَّةٌ مِنْ السُّنَنِ , وَقُرْبَةٌ مِنْ الْقُرْبِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى اقْتِدَاءً بِالنَّبِيِّ r وَوُقُوفًا عِنْدَ فُتْيَاهُ بِذَلِكَ
 
وَأَمَّا مَا تَعَلَّقَ بِهِ مَنْ كَرِهَهَا لِلشَّابِّ فَإِنَّمَا هُمَا حَدِيثَا سَوْءٍ ,
 
رُوِّينَا أَحَدَهُمَا مِنْ طَرِيقٍ فِيهَا ابْنُ لَهِيعَةَ , وَهُوَ لاَ شَيْءَ , وَفِيهَا قَيْسٌ مَوْلَى تَجِيبٍ ; وَهُوَ مَجْهُولٌ لاَ يُدْرَى مَنْ هُوَ وَالآخَرَ مِنْ طَرِيقِ إسْرَائِيلَ وَهُوَ ضَعِيفٌ ، عَنْ أَبِي الْعَنْبَسِ , وَلاَ يُدْرَى مَنْ هُوَ ، عَنِ الأَغَرِّ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ , فِي كِلَيْهِمَا , أَنَّ النَّبِيَّ r أَرْخَصَ فِي قُبْلَةِ الصَّائِمِ لِلشَّيْخِ وَنَهَى عَنْهَا الشَّابَّ , فَسَقَطَا جَمِيعًا
 
وَأَمَّا مَنْ أَبْطَلَ الصَّوْمَ بِهَا فَإِنَّهُمْ احْتَجُّوا بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿ فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنْ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إلَى اللَّيْلِ فَفِي هَذِهِ الآيَةِ الْمَنْعُ مِنْ الْمُبَاشَرَةِ
 
قلنا قَدْ صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ r إبَاحَةُ الْمُبَاشَرَةِ , وَهُوَ الْمُبَيِّنُ ، عَنِ اللَّهِ تَعَالَى مُرَادُهُ مِنَّا.فَصَحَّ أَنَّ الْمُبَاشَرَةَ الْمُحَرَّمَةَ فِي الصَّوْمِ إنَّمَا هِيَ الْجِمَاعُ فَقَطْ ; ، وَلاَ حُجَّةَ فِي هَذِهِ الآيَةِ لِحَنَفِيٍّ ، وَلاَ لِمَالِكِيٍّ , فَإِنَّهُمْ يُبِيحُونَ الْمُبَاشَرَةَ , وَلاَ يُبْطِلُونَ الصَّوْمَ بِهَا أَصْلاً وَإِنَّمَا يُبْطِلُونَهُ بِشَيْءٍ يَكُونُ مَعَهَا , مِنْ الْمَنِيِّ أَوْ الْمَذْيِ فَقَطْ , وَإِنَّمَا هِيَ حُجَّةٌ لِمَنْ مَنَعَ الْمُبَاشَرَةَ وَأَبْطَلَ الصَّوْمَ بِهَا. وَهَؤُلاَءِ أَيْضًا قَدْ احْتَجُّوا بِخَبَرَيْنِ :
 
رُوِّينَا أَحَدَهُمَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي أُسَامَةَ حَمَّادِ بْنِ أُسَامَةَ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ حَمْزَةَ أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ قَالَ عُمَرُ : رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ r فِي الْمَنَامِ , فَرَأَيْتُهُ لاَ يَنْظُرنِي , فَقُلْت : يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا شَأْنِي فَقَالَ : أَلَسْتَ الَّذِي تُقَبِّلُ وَأَنْتَ صَائِمٌ قُلْت : فَوَاَلَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لاَ أُقَبِّلُ بَعْدَهَا وَأَنَا صَائِمٌ.
 
قال أبو محمد : الشَّرَائِعُ لاَ تُؤْخَذُ بِالْمَنَامَاتِ لاَ سِيَّمَا وَقَدْ أَفْتَى رَسُولُ اللَّهِ r عُمَرَ فِي الْيَقِظَةِ حَيًّا بِإِبَاحَةِ الْقُبْلَةِ لِلصَّائِمِ ; فَمِنْ الْبَاطِلِ أَنْ يُنْسَخَ ذَلِكَ فِي الْمَنَامِ مَيِّتًا نَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ هَذَا. وَيَكْفِي مِنْ هَذَا كُلِّهِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ حَمْزَةَ لاَ شَيْءَ.
 
حدثنا عبد الله بن ربيع ، حدثنا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ ، حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ، حدثنا أَبُو دَاوُد ، حدثنا عِيسَى بْنُ حَمَّادٍ هُوَ زُغْبَةٌ ، عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الأَشَجِّ ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ الأَنْصَارِيِّ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابُ هَشَشْتُ فَقَبَّلْتُ وَأَنَا صَائِمٌ , فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ , صَنَعْتُ الْيَوْمَ أَمْرًا عَظِيمًا , قَبَّلْتُ وَأَنَا صَائِمٌ , فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ r أَرَأَيْتَ لَوْ مَضْمَضْتَ مِنْ الْمَاءِ وَأَنْتَ صَائِمٌ قُلْت : لاَ بَأْسَ بِهِ , قَالَ : فَمَهْ ". وَالْخَبَرُ الثَّانِي الَّذِي رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ إسْرَائِيلَ وَهُوَ ضَعِيفٌ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنْ أَبِي يَزِيدَ الضَّبِّيِّ وَهُوَ مَجْهُولٌ ، عَنْ مَيْمُونَةَ بِنْتِ عُتْبَةَ مَوْلاَةِ رَسُولِ اللَّهِ r سُئِلَ عَمَّنْ قَبَّلَ امْرَأَتَهُ وَهُمَا صَائِمَانِ فَقَالَ : قَدْ أَفْطَرَ.
 
قال أبو محمد : حَتَّى لَوْ صَحَّ هَذَا لَكَانَ حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ الَّذِي ذَكَرْنَا فِي بَابِ الْحِجَامَةِ لِلصَّائِمِ أَنَّهُ عليه السلام أَرْخَصَ فِي الْقُبْلَةِ لِلصَّائِمِ : نَاسِخًا لَهُ وَمِمَّنْ رُوِيَ عَنْهُ إبْطَالُ الصِّيَامِ بِالْقُبْلَةِ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ : أَنَّ عُمَرَ كَانَ يَنْهَى ، عَنِ الْقُبْلَةِ لِلصَّائِمِ , فَقِيلَ لَهُ إنَّ رَسُولَ اللَّهِ r كَانَ يُقَبِّلُ وَهُوَ صَائِمٌ فَقَالَ : وَمَنْ ذَا لَهُ مِنْ الْحِفْظِ وَالْعِصْمَةِ مَا لِرَسُولِ اللَّهِ r
 
وَمِنْ طَرِيقِ عِمْرَانَ بْنِ مُسْلِمٍ ، عَنْ زَاذَانَ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ فِي الَّذِي يُقَبِّلُ وَهُوَ صَائِمٌ , فَقَالَ : أَلاَ يُقَبِّلُ جَمْرَةً وَعَنْ مُوَرِّقٍ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَنْهَى عَنْهَا
 
وَمِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ مَا تُرِيدُ إلَى خُلُوفٍ فِيهَا دَعْهَا حَتَّى تُفْطِرَ وَعَنِ الْهَزْهَازِ : أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ سُئِلَ عَمَّنْ قَبَّلَ وَهُوَ صَائِمٌ فَقَالَ : أَفْطَرَ , وَيَقْضِي يَوْمًا مَكَانَهُ. وَعَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ : مَنْ تَأَمَّلَ خَلْقَ امْرَأَتِهِ وَهُوَ صَائِمٌ بَطَلَ صَوْمُهُ وَعَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ ثَعْلَبَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي صُعَيْرٍ : رَأَيْت أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ r يَنْهَوْنَ ، عَنِ الْقُبْلَةِ لِلصَّائِمِ
 
وَمِنْ طَرِيقِ شُرَيْحٍ أَنَّهُ سُئِلَ ، عَنْ قُبْلَةِ الصَّائِمِ فَقَالَ : يَتَّقِي اللَّهَ ، وَلاَ يَعُدْ. وَعَنْ أَبِي قِلاَبَةَ أَنَّهُ نَهَى عَنْهَا وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ : إنَّمَا الصَّوْمُ مِنْ الشَّهْوَةِ , وَالْقُبْلَةُ مِنْ الشَّهْوَةِ وَعَنْ أَبِي رَافِعٍ قَالَ : لاَ يُقَبِّلُ الصَّائِمُ. وَعَنْ مَسْرُوقٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْهَا فَقَالَ : اللَّيْلُ قَرِيبٌ وَقَالَ ابْنُ شُبْرُمَةَ : إنْ قَبَّلَ الصَّائِمُ أَفْطَرَ وَقَضَى يَوْمًا مَكَانَهُ وَمَنْ كَرِهَهَا :
 
رُوِّينَا ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ : الْقُبْلَةُ تُنْقِضُ الصَّوْمَ ، وَلاَ تُفْطِرُ وَعَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيّ أَنَّهُ كَرِهَهَا وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ أَنَّهُ كَرِهَهَا وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ : ، أَنَّهُ قَالَ : لاَ بَأْسَ بِهَا , وَإِنَّهَا لَبَرِيدُ سُوءٍ وَعَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ : لَمْ أَرَ الْقُبْلَةَ تَدْعُو إلَى خَيْرٍ يَعْنِي لِلصَّائِمِ وَصَحَّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ، أَنَّهُ قَالَ : هِيَ دَلِيلٌ إلَى غَيْرِهَا وَالاِعْتِزَالُ أَكْيَسُ وَكَرِهَهَا مَالِكٌ وَمَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الشَّيْخِ وَالشَّابِّ :
 
رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ
 
وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي مِجْلَزٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ,
 
وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ,
 
وَمِنْ طَرِيقِ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ,
 
وَمِنْ طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ الْغَازِ ، عَنْ مَكْحُولٍ ,
 
وَمِنْ طَرِيقِ حُرَيْثٍ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ أَنَّهُمْ كُلَّهُمْ رَخَّصُوا فِي قُبْلَةِ الصَّائِمِ لِلشَّيْخِ وَكَرِهُوهَا لِلشَّابِّ وَمَنْ كَرِهَ الْمُبَاشَرَةَ لِلصَّائِمِ :
 
رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَطَاءٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ سُئِلَ ، عَنِ الْقُبْلَةِ لِلصَّائِمِ فَقَالَ : لاَ بَأْسَ بِهَا , وَسُئِلَ أَيَقْبِضُ عَلَى سَاقِهَا قَالَ لاَ يَقْبِضُ عَلَى سَاقِهَا , أَعِفُّوا الصِّيَامَ
 
وَمِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَنْهَى ، عَنِ الْمُبَاشَرَةِ لِلصَّائِمِ. وَعَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّهُ نَهَى ، عَنْ لَمْسِ الصَّائِمِ وَتَجْرِيدِهِ. وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ فِي الصَّائِمِ يُبَاشِرُ قَالَ : يَتُوبُ عَشْرَ مِرَارٍ , إنَّهُ يَنْقُصُ مِنْ صَوْمِهِ الَّذِي يُجَرِّدُ أَوْ يَلْمِسُ , لَكَ أَنْ تَأْخُذَ بِيَدِهَا وَبِأَدْنَى جَسَدِهَا وَتَدَعَ أَقْصَاهُ وَعَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ فِي الصَّائِمِ يُبَاشِرُ بِالنَّهَارِ قَالَ : لَمْ يَبْطُلْ صَوْمُهُ ; وَلَكِنْ يُبَدِّلُ يَوْمًا مَكَانَهُ. وَعَنْ أَبِي رَافِعٍ : لاَ يُبَاشِرُ الصَّائِمُ. وَكَرِهَهَا مَالِكٌ. وَمَنْ أَبَاحَ الْمُبَاشَرَةَ لِلشَّيْخِ وَنَهَى عَنْهَا لِلشَّابِّ :
 
رُوِّينَا هَذَا ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ , وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَالشَّعْبِيِّ.
 
وَأَمَّا مَنْ أَبَاحَ كُلَّ ذَلِكَ :
 
رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ أَنَّ عَائِشَةَ بِنْتَ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ أَخْبَرَتْهُ : أَنَّهَا كَانَتْ عِنْدَ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ فَدَخَلَ عَلَيْهَا زَوْجُهَا , وَهُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَانِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وَهُوَ صَائِمٌ فِي رَمَضَانَ , فَقَالَتْ لَهُ عَائِشَةُ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ : مَا يَمْنَعُكَ أَنْ تَدْنُوَ مِنْ أَهْلِكَ فَتُقَبِّلَهَا وَتُلاَعِبَهَا فَقَالَ : أُقَبِّلُهَا وَأَنَا صَائِمٌ قَالَتْ : نَعَمْ.
 
وَمِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ ، عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ ، عَنْ أَبِي قِلاَبَةَ ، عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ : سَأَلْت عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ : مَا يَحِلُّ لِلرَّجُلِ مِنْ امْرَأَتِهِ صَائِمًا فَقَالَتْ كُلُّ شَيْءٍ إلاَّ الْجِمَاعَ
 
قال أبو محمد : عَائِشَةُ بِنْتُ طَلْحَةَ كَانَتْ أَجْمَلَ نِسَاءِ أَهْلِ زَمَانِهَا , وَكَانَتْ أَيَّامَ عَائِشَةَ وَهِيَ وَزَوْجُهَا فَتِيَّيْنِ فِي عُنْفُوَانِ الْحَدَاثَةِ وَهَذَانِ الْخَبَرَانِ يُكَذِّبَانِ قَوْلَ مَنْ لاَ يُبَالِي بِالْكَذِبِ أَنَّهَا أَرَادَتْ بِقَوْلِهَا وَأَيُّكُمْ أَمْلَكُ لاِِرْبِهِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ r النَّهْيَ مِنْ الْقُبْلَةِ وَالْمُبَاشَرَةِ لِلصَّائِمِ
 
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ , وَعُبَيْدِ اللَّهِ : ابْنَيْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ : أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَانَتْ تُقَبِّلُهُ امْرَأَتُهُ عَاتِكَةُ بِنْتُ زَيْدِ بْنِ عَمْرٍو وَهُوَ صَائِمٌ ; فَلاَ يَنْهَاهَا
 
وَمِنْ طَرِيقِ دَاوُد بْنِ أَبِي هِنْدٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ : أَنَّ رَجُلاً قَالَ لاِبْنِ عَبَّاسٍ : إنِّي تَزَوَّجْت ابْنَةَ عَمٍّ لِي جَمِيلَةً , فَبَنَيْتُ بِهَا فِي رَمَضَانَ : فَهَلْ لِي بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي إلَى قُبْلَتِهَا مِنْ سَبِيلٍ فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ : هَلْ تَمْلِكُ نَفْسَكَ قَالَ : نَعَمْ , قَالَ : قَبِّلْ , قَالَ : فَبِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي : هَلْ إلَى مُبَاشَرَتِهَا مِنْ سَبِيلٍ قَالَ : هَلْ تَمْلِكُ نَفْسَكَ قَالَ : نَعَمْ , قَالَ : فَبَاشِرْهَا , قَالَ : فَهَلْ لِي إلَى أَنْ أَضْرِبَ بِيَدِي عَلَى فَرْجِهَا مِنْ سَبِيلٍ قَالَ : وَهَلْ تَمْلِكُ نَفْسَكَ قَالَ : نَعَمْ , قَالَ : اضْرِبْ وَهَذِهِ أَصَحُّ طَرِيقٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَعَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ شِهَابٍ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : سَأَلْت أَبَا هُرَيْرَةَ ، عَنْ دُنُوِّ الرَّجُلِ مِنْ امْرَأَتِهِ وَهُوَ صَائِمٌ فَقَالَ : إنِّي لاََرُفُّ شَفَتَيْهَا وَأَنَا صَائِمٌ. وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ قَالَ : قِيلَ لاَِبِي هُرَيْرَةَ : أَتُقَبِّلُ وَأَنْتَ صَائِمٌ قَالَ : نَعَمْ وَأَكْفَحُهَا مَعْنَاهُ أَنَّهُ يَفْتَحُ فَاهُ إلَى فِيهَا وَسُئِلَ ، عَنْ تَقْبِيلِ غَيْرِ امْرَأَتِهِ فَأَعْرَضَ بِوَجْهِهِ. وَمِنْ طُرُقٍ صِحَاحٍ ، عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ أَنَّهُ سُئِلَ : أَتُقَبِّلُ وَأَنْتَ صَائِمٌ قَالَ : نَعَمْ وَأَقْبِضُ عَلَى مَتَاعِهَا. وَعَنْ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّهُ كَانَ لاَ يَرَى بِالْقُبْلَةِ لِلصَّائِمِ بَأْسًا. وَعَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ ، عَنْ زَكَرِيَّا ، هُوَ ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ كَانَ يُبَاشِرُ امْرَأَتَهُ نِصْفَ النَّهَارِ وَهُوَ صَائِمٌ وَهَذِهِ أَصَحُّ طَرِيقٍ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ.
 
وَمِنْ طَرِيقِ حَنْظَلَةَ بْنِ سَبْرَةَ ، عَنِ الْمُسَيِّبِ بْنِ نُجْبَةَ الْفَزَارِيّ ، عَنْ عَمَّتِهِ وَكَانَتْ تَحْتَ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ قَالَتْ : كَانَ حُذَيْفَةُ إذَا صَلَّى الْفَجْرَ فِي رَمَضَانَ جَاءَ فَدَخَلَ مَعِي فِي لِحَافِي ثُمَّ يُبَاشِرُنِي. وَعَنْ أَبِي ظَبْيَانَ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ : لاَ بَأْسَ بِالْقُبْلَةِ لِلصَّائِمِ. وَعَنْ مِسْعَرٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَرْدَانَ بِهِ ، عَنْ أَبِي كَثِيرٍ أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ لَهُ وَقَدْ تَزَوَّجَ فِي رَمَضَانَ : لَوْ دَنَوْت , لَوْ قَبَّلْت وَمِنْ التَّابِعِينَ مِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ : لاَ بَأْسَ بِالْقُبْلَةِ وَالْمُبَاشَرَةِ لِلصَّائِمِ , إنَّمَا هِيَ كَالْكِسْرَةِ يَشْتَمُّهَا. وَعَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ قَالَ : يُقَبِّلُ الصَّائِمُ , وَيُبَاشِرُ. وَعَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَانِ بْنِ عَوْفٍ أَنَّهُ كَانَ يُقَبِّلُ فِي رَمَضَانَ نَهَارًا وَيُفْتِي بِذَلِكَ. وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ : إبَاحَةُ الْقُبْلَةِ لِلصَّائِمِ. وَعَنِ الشَّعْبِيِّ : لاَ بَأْسَ بِالْقُبْلَةِ , وَالْمُبَاشَرَةِ لِلصَّائِمِ. وَعَنْ مَسْرُوقٍ أَنَّهُ سُئِلَ ، عَنْ تَقْبِيلِ الصَّائِمِ امْرَأَتَهُ فَقَالَ : مَا أُبَالِي أَقَبَّلْتهَا , أَوْ قَبَّلْت يَدِي فَهَؤُلاَءِ مِنْ الصَّحَابَةِ ، رضي الله عنهم ، عَائِشَةُ , وَأُمُّ سَلَمَةَ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ , وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ , وَعَلِيٌّ , وَعَاتِكَةُ بِنْتُ زَيْدٍ , وَابْنُ عَبَّاسٍ , وَأَبُو هُرَيْرَةَ , وَسَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ , وَابْنُ مَسْعُودٍ , وَأَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ , وَحُذَيْفَةُ , وَمَا نَعْلَمُ مِنْهُمْ أَحَدًا رُوِيَ عَنْهُ كَرَاهَتُهَا إلاَّ وَقَدْ جَاءَ عَنْهُ إبَاحَتُهَا بِأَصَحَّ مِنْ طَرِيقِ الْكَرَاهَةِ ; إلاَّ ابْنَ عُمَرَ وَحْدَهُ , وَرُوِيَتْ الإِبَاحَةُ جُمْلَةً ، عَنْ سَعْدٍ , وَأَبِي سَعِيدٍ , وَعَائِشَةَ , وَأُمِّ سَلَمَةَ , وَعَاتِكَةَ.
 
قال أبو محمد : وَلَقَدْ كَانَ يَجِبُ لِمَنْ غَلَّبَ الْقِيَاسَ عَلَى الأَثَرِ أَنْ يَجْعَلَهَا فِي الصِّيَامِ بِمَنْزِلَتِهَا فِي الْحَجِّ ; وَيَجْعَلَ فِيهَا صَدَقَةً كَمَا جَعَلَ فِيهَا هُنَالِكَ ; وَلَكِنْ هَذَا مِمَّا تَرَكُوا فِيهِ الْقِيَاسَ وَبِاَللَّهِ تَعَالَى نَتَأَيَّدُ. وَإِذْ قَدْ صَحَّ أَنَّ الْقُبْلَةَ وَالْمُبَاشَرَةَ : مُسْتَحَبَّتَانِ فِي الصَّوْمِ وَأَنَّهُ لَمْ يُنْهَ الصَّائِمُ فِي امْرَأَتِهِ ، عَنْ شَيْءٍ إلاَّ الْجِمَاعَ : فَسَوَاءٌ تَعَمَّدَ الإِمْنَاءَ فِي الْمُبَاشَرَةِ أَوْ لَمْ يَتَعَمَّدْ كُلُّ ذَلِكَ مُبَاحٌ لاَ كَرَاهَةَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ ; إذْ لَمْ يَأْتِ بِكَرَاهِيَتِهِ نَصٌّ ، وَلاَ وَإِجْمَاعٌ , فَكَيْف إبْطَالُ الصَّوْمِ بِهِ , فَكَيْف أَنْ تُشْرَعَ فِيهِ كَفَّارَةٌ وَقَدْ بَيَّنَّا مَعَ ذَلِكَ مِنْ أَنَّهُ خِلاَفٌ لِلسُّنَّةِ فَسَادَ قَوْلِ مَنْ رَأَى الصَّوْمَ يُنْتَقَضُ بِذَلِكَ ; لأَنَّهُمْ , يَقُولُونَ : خُرُوجُ الْمَنِيِّ بِغَيْرِ مُبَاشَرَةٍ لاَ يَنْقُضُ الصَّوْمَ ; ، وَأَنَّ الْمُبَاشَرَةَ إذَا لَمْ يَخْرُجْ مَعَهَا مَذْيٌ , وَلاَ مَنِيٌّ , لاَ تَنْقُضُ الصَّوْمَ ; ، وَأَنَّ الإِنْعَاظَ دُونَ مُبَاشَرَةٍ لاَ يَنْقُضُ الصَّوْمَ , فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ عَلَى انْفِرَادِهِ لاَ يَكْدَحُ فِي الصَّوْمِ أَصْلاً ; فَمِنْ أَيْنَ لَهُمْ إذَا اجْتَمَعَتْ أَنْ تَنْقُضَ الصَّوْمَ هَذَا بَاطِلٌ لاَ خَفَاءَ بِهِ , إلاَّ أَنْ يَأْتِيَ بِذَلِكَ نَصٌّ , وَلاَ سَبِيلَ إلَى وُجُودِهِ أَبَدًا , لاَ مِنْ رِوَايَةٍ صَحِيحَةٍ ، وَلاَ سَقِيمَةٍ ,
 
وَأَمَّا تَوْلِيدُ الْكَذِبِ وَالدَّعَاوَى بِالْمُكَابَرَةِ , فَمَا يَعْجِزُ عَنْهَا مَنْ لاَ دِينَ لَهُ. وَمَا رُئِيَ قَطُّ حَلاَلٌ وَحَلاَلٌ يَجْتَمِعَانِ فَيَحْرُمَانِ إلاَّ أَنْ يَأْتِيَ بِذَلِكَ نَصٌّ , وَبِهَذَا الدَّلِيلِ نَفْسِهِ خَالَفَ الْحَنَفِيُّونَ السُّنَّةَ الثَّابِتَةَ فِي تَحْرِيمِ نَبِيذِ التَّمْرِ وَالزَّبِيبِ يُجْمَعَانِ , ثُمَّ حَكَمُوا بِهِ هَاهُنَا حَيْثُ لاَ يَحِلُّ الْحُكْمُ بِهِ وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. وَهُمْ يَقُولُونَ : إنَّ الْجِمَاعَ دُونَ الْفَرْجِ حَتَّى يُمْنِيَ لاَ يُوجِبُ حَدًّا ، وَلاَ يُلْحَقُ بِهِ الْوَلَدُ , وَكَانَ يَجِبُ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِمَاعِ فِي إبْطَالِ الصَّوْمِ بِهِ , مَعَ أَنَّ نَقْضَ الصَّوْمِ بِتَعَمُّدِ الإِمْنَاءِ خَاصَّةً لاَ نَعْلَمُهُ ، عَنْ أَحَدٍ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى قَبْلَ أَبِي حَنِيفَةَ , ثُمَّ اتَّبَعَهُ مَالِكٌ , وَالشَّافِعِيُّ
 
وَأَمَّا الْقَيْءُ الَّذِي لاَ يُتَعَمَّدُ فَقَدْ جَاءَ الأَثَرُ بِذَلِكَ عَلَى مَا ذَكَرْنَا قَبْلُ , وَلاَ نَعْلَمُ فِي الْقَلْسِ , وَالدَّمِ : الْخَارِجَيْنِ مِنْ الأَسْنَانِ لاَ يَرْجِعَانِ إلَى الْحَلْقِ , خِلاَفًا فِي أَنَّ الصَّوْمَ لاَ يَبْطُلُ بِهِمَا , وَحَتَّى لَوْ جَاءَ فِي ذَلِكَ خِلاَفٌ لَمَا اُلْتُفِتَ إلَيْهِ ; إذْ لَمْ يُوجِبْ بُطْلاَنَ الصَّوْمِ بِذَلِكَ نَصٌّ
 
وَأَمَّا الْحُقْنَةُ , وَالتَّقْطِيرُ فِي الإِحْلِيلِ , وَالتَّقْطِيرُ فِي الآُذُنِ , وَالسَّعُوطُ , وَالْكُحْلُ , وَمُدَاوَاةُ الْجَائِفَةِ , وَالْمَأْمُومَةُ : فَإِنَّهُمْ قَالُوا : إنَّ مَا وَصَلَ إلَى الْجَوْفِ وَإِلَى بَاطِنِ الرَّأْسِ لاَِنَّهُ جَوْفٌ فَإِنَّهُ يَنْقُضُ الصَّوْمَ , قِيَاسًا عَلَى الأَكْلِ ثُمَّ تَنَاقَضُوا , فَلَمْ يَرَ الْحَنَفِيُّونَ , وَالشَّافِعِيُّونَ فِي الْكُحْلِ قَضَاءً , وَإِنْ وَصَلَ إلَى حَلْقِهِ , وَلَمْ يَرَ مَالِكٌ بِالْفَتَائِلِ تُسْتَدْخَلُ لِدَوَاءٍ بَأْسًا لِلصَّائِمِ , وَلَمْ يَرَ الْكُحْلَ يُفْطِرُ , إلاَّ أَنْ يَكُونَ فِيهِ عَقَاقِيرُ وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ : لاَ تُفْطِرُ الْحُقْنَةُ إنْ كَانَتْ لِدَوَاءٍ وَعَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيّ لاَ بَأْسَ بِالسَّعُوطِ لِلصَّائِمِ
 
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ ، عَنِ الْمُعْتَمِرِ بْنِ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ. أَنَّ أَبَاهُ , وَمَنْصُورَ بْنَ الْمُعْتَمِرِ , وَابْنَ أَبِي لَيْلَى , وَابْنَ شُبْرُمَةَ كَانُوا يَقُولُونَ : إنْ اكْتَحَلَ الصَّائِمُ فَعَلَيْهِ أَنْ يَقْضِيَ يَوْمًا مَكَانَهُ.
 
قال أبو محمد : إنَّمَا نَهَانَا اللَّهُ تَعَالَى فِي الصَّوْمِ ، عَنِ الأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالْجِمَاعِ , وَتَعَمُّدِ الْقَيْءِ , وَالْمَعَاصِي , وَمَا عَلِمْنَا أَكْلاً , وَلاَ شُرْبًا , يَكُونُ عَلَى دُبُرٍ , أَوْ إحْلِيلٍ , أَوْ أُذُنٍ , أَوْ عَيْنٍ , أَوْ أَنْفٍ , أَوْ مِنْ جُرْحٍ فِي الْبَطْنِ , أَوْ الرَّأْسِ وَمَا نُهِينَا قَطُّ ، عَنْ أَنَّ نُوَصِّلُ إلَى الْجَوْفِ بِغَيْرِ الأَكْلِ , وَالشُّرْبِ مَا لَمْ يُحَرَّمْ عَلَيْنَا إيصَالُهُ وَالْعَجَبُ أَنَّ مَنْ رَأَى مِنْهُمْ الْفِطْرَ بِكُلِّ ذَلِكَ لاَ يَرَى عَلَى مَنْ احْتَقَنَ بِالْخَمْرِ , أَوْ صَبَّهَا فِي أُذُنِهِ حَدًّا فَصَحَّ أَنَّهُ لَيْسَ شُرْبًا , وَلاَ أَكْلاً ثُمَّ تَنَاقُضُهُمْ فِي الْكُحْلِ عَجَبٌ جِدًّا وَهُوَ أَشَدُّ وُصُولاً إلَى الْحَلْقِ , وَمَجْرَى الطَّعَامِ مِنْ الْقُطُورِ فِي الآُذُنِ
 
وَاحْتَجَّ بَعْضُهُمْ بِأَنَّهُ كَغُبَارِ الطَّرِيقِ , وَالطَّحِينِ فَقِيلَ لَهُ : لَيْسَ مِثْلَهُ ; لإِنَّ غُبَارَ الطَّرِيقِ , وَالطَّحِينِ : لَمْ يَتَعَمَّدْ إيصَالَهُ إلَى الْحَلْقِ , وَالْكُحْلُ تَعَمَّدَ إيصَالَهُ
 
وَأَيْضًا : فَإِنَّ قِيَاسَ السَّعُوطِ عَلَى غُبَارِ الطَّرِيقِ , وَالطَّحِينِ أَوْلَى ; لإِنَّ كُلَّ ذَلِكَ مَسْلَكُهُ الأَنْفُ ; وَلَكِنَّهُمْ لاَ يُحْسِنُونَ قِيَاسًا ، وَلاَ يَلْتَزِمُونَ نَصًّا , وَلاَ يَطْرُدُونَ أَصْلاً
 
وَأَمَّا الْمَضْمَضَةُ , وَالاِسْتِنْشَاقُ فَيَغْلِبُهُ الْمَاءُ فَيَدْخُلُ حَلْقَهُ ، عَنْ غَيْرِ تَعَمُّدٍ. فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ : إنْ كَانَ ذَاكِرًا لِصَوْمِهِ فَقَدْ أَفْطَرَ وَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ , وَإِنْ كَانَ نَاسِيًا فَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ
 
وَهُوَ قَوْلُ إبْرَاهِيمَ.
 
وقال مالك : عَلَيْهِ الْقَضَاءُ فِي كُلِّ ذَلِكَ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى : لاَ قَضَاءَ عَلَيْهِ , ذَاكِرًا كَانَ أَوَغَيْرَ ذَاكِرٍ.
 
وَرُوِّينَا ، عَنْ بَعْضِ التَّابِعِينَ وَهُوَ الشَّعْبِيُّ , وَحَمَّادٌ وَعَنِ الْحَسَنِ بْنِ حَيٍّ : إنْ كَانَ ذَلِكَ فِي وُضُوءٍ لِصَلاَةٍ فَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ , وَإِنْ كَانَ لِغَيْرِ وُضُوءٍ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ.
 
قال أبو محمد : قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ
 
وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ r : رُفِعَ ، عَنْ أُمَّتِي : الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ.
 
وَرُوِّينَا قَوْلَنَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ.
 
وَاحْتَجَّ مَنْ أَفْطَرَ بِذَلِكَ بِالأَثَرِ الثَّابِتِ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ r : وَإِذَا اسْتَنْشَقْتَ فَبَالِغْ , إلاَّ أَنْ تَكُونَ صَائِمًا.
 
قال أبو محمد : وَلاَ حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ ; لاَِنَّهُ لَيْسَ فِيهِ أَنَّهُ يُفْطِرُ الصَّائِمُ بِالْمُبَالَغَةِ فِي الاِسْتِنْشَاقِ ; وَإِنَّمَا فِيهِ إيجَابُ الْمُبَالَغَةِ فِي الاِسْتِنْشَاقِ لِغَيْرِ الصَّائِمِ , وَسُقُوطُ وُجُوبِ ذَلِكَ ، عَنِ الصَّائِمِ فَقَطْ ; لاَ نَهْيُهُ ، عَنِ الْمُبَالَغَةِ ; فَالصَّائِمُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يُبَالِغَ فِي الاِسْتِنْشَاقِ وَبَيْنَ أَنْ لاَ يُبَالِغَ فِيهِ ,
 
وَأَمَّا غَيْرُ الصَّائِمِ فَالْمُبَالَغَةُ فِي الاِسْتِنْشَاقِ فَرْضٌ عَلَيْهِ , وَإِلاَّ كَانَ مُخَالِفًا لاَِمْرِهِ عليه السلام : بِالْمُبَالَغَةِ ; وَلَوْ أَنَّ امْرَأً يَقُولُ : إنَّ الْمُبَالَغَةَ فِي الاِسْتِنْشَاقِ تُفْطِرُ الصَّائِمَ لَكَانَ أَدْخَلَ فِي التَّمْوِيهِ مِنْهُمْ ; لاَِنَّهُ لَيْسَ فِي هَذَا الْخَبَرِ مِنْ وُصُولِ الْمَاءِ إلَى الْحَلْقِ أَثَرٌ ، وَلاَ عِثْيَرٌ ، وَلاَ إشَارَةٌ ، وَلاَ دَلِيلٌ ; وَلَكِنَّهُمْ لاَ يَزَالُونَ يَتَكَهَّنُونَ فِي السُّنَنِ مَا يُوَافِقُ آرَاءَهُمْ بِالدَّعَاوَى الْكَاذِبَةِ وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ
 
وَأَمَّا الذُّبَابُ يَدْخُلُ فِي الْحَلْقِ غَلَبَةً , وَمَنْ رَفَعَ رَأْسَهُ إلَى السَّمَاءِ فَتَثَاءَبَ فَوَقَعَ فِي حَلْقِهِ نُقْطَةٌ مِنْ الْمَطَرِ : فَإِنَّ مَالِكًا قَالَ : يُفْطِرُ ;
 
وقال أبو حنيفة : لاَ يُفْطِرُ بِالذُّبَابِ. وَقَدْ
 
رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الذُّبَابِ يَدْخُلُ حَلْقَ الصَّائِمِ قَالَ : لاَ يُفْطِرُ وَعَنْ وَكِيعٍ ، عَنِ الرَّبِيعِ ، عَنِ الْحَسَنِ فِي الذُّبَابِ يَدْخُلُ حَلْقَ الصَّائِمِ قَالَ : لاَ يُفْطِرُ. وَعَنِ الشَّعْبِيِّ مِثْلُهُ : وَمَا نَعْلَمُ لاِبْنِ عَبَّاسٍ فِي هَذَا مُخَالِفًا مِنْ الصَّحَابَةِ ، رضي الله عنهم ، إلاَّ تِلْكَ الرِّوَايَةَ الضَّعِيفَةَ عَنْهُ. وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ : الْفِطْرُ مِمَّا دَخَلَ وَلَيْسَ مِمَّا خَرَجَ ; وَالْوُضُوءُ مِمَّا خَرَجَ وَلَيْسَ مِمَّا دَخَلَ وَكُلُّهُمْ قَدْ خَالَفَ هَذِهِ الرِّوَايَةَ ; لأَنَّهُمْ يَرَوْنَ الْفِطْرَ بِتَعَمُّدِ خُرُوجِ الْمَنِيِّ , وَهُوَ خَارِجٌ لاَ دَاخِلٌ , وَيُبْطِلُونَ الْوُضُوءَ بِالإِيلاَجِ , وَهُوَ دَاخِلٌ لاَ خَارِجٌ
 
قال أبو محمد : قَدْ
 
قلنا : إنَّ مَا لَيْسَ أَكْلاً , وَلاَ شُرْبًا , وَلاَ جِمَاعًا , وَلاَ مَعْصِيَةً , فَلاَ يُفْطِرُ ; لاَِنَّهُ لَمْ يَأْمُرْ اللَّهُ تَعَالَى بِذَلِكَ , وَلاَ رَسُولُهُ r
 
وَأَمَّا السِّوَاكُ بِالرَّطْبِ , وَالْيَابِسِ , وَمَضْغُ الطَّعَامِ أَوْ ذَوْقُهُ مَا لَمْ يَصِلْ مِنْهُ إلَى الْحَلْقِ أَيُّ شَيْءٍ بِتَعَمُّدٍ : فَكُلُّهُمْ لاَ يَرَوْنَ الصِّيَامَ بِذَلِكَ مُنْتَقَضًا , وَإِنْ كَانَ الشَّافِعِيُّ كَرِهَ السِّوَاكَ فِي آخِرِ النَّهَارِ , وَلَمْ يُبْطِلْ بِذَلِكَ الصَّوْمَ. وَكَرِهَ بَعْضُهُمْ مَضْغَ الطَّعَامِ وَذَوْقَهُ , وَهَذَا لاَ شَيْءَ ; لإِنَّ كَرَاهَةَ مَا لَمْ يَأْتِ قُرْآنٌ ، وَلاَ سُنَّةٌ بِكَرَاهَتِهِ خَطَأٌ , وَهُمْ لاَ يَكْرَهُونَ الْمَضْمَضَةَ , وَلاَ فَرْقَ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ مَضْغِ الطَّعَامِ ; بَلْ الْمَاءُ أَخْفَى وُلُوجًا وَأَشَدُّ امْتِزَاجًا بِالرِّيقِ مِنْ الطَّعَامِ ; وَهَذَا مِمَّا خَالَفُوا فِيهِ الْقِيَاسَ
 
وَاحْتَجَّ الشَّافِعِيُّ بِالْخَبَرِ الثَّابِتِ : إنَّ خُلُوفَ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ.
 
قال أبو محمد : الْخُلُوفُ خَارِجٌ مِنْ الْحَلْقِ , وَلَيْسَ فِي الأَسْنَانِ , وَالْمَضْمَضَةُ تَعْمَلُ فِي ذَلِكَ عَمَلَ السِّوَاكِ , وَهُوَ لاَ يَكْرَهُهَا , وَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي هَذَا هُوَ قَوْلُ مُجَاهِدٍ , وَوَكِيعٍ , وَغَيْرِهِمَا. وَقَدْ حَصَّ رَسُولُ اللَّهِ r عَلَى السِّوَاكِ لِكُلِّ صَلاَةٍ , وَلَمْ يَخُصَّ صَائِمًا مِنْ غَيْرِهِ فَالسِّوَاكُ سُنَّةٌ لِلْعَصْرِ , وَالْمَغْرِبِ , وَسَائِرِ الصَّلَوَاتِ وَقَدْ كَرِهَ أَبُو مَيْسَرَةَ الرَّطْبَ مِنْ السِّوَاكِ لِلصَّائِمِ , وَلَمْ يَكْرَهْهُ الْحَسَنُ وَغَيْرُهُ.
 
وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ الْحَسَنِ , وَحَمَّادٍ , وَإِبْرَاهِيمَ أَنَّهُمْ كَانُوا لاَ يَكْرَهُونَ لِلصَّائِمِ أَنْ يَمْضُغَ الطَّعَامَ لِلصَّبِيِّ , وَكَانَ الْحَسَنُ يَفْعَلُهُ
 
وَأَمَّا مَضْغُ الْعِلْكِ , وَالزِّفْتِ , وَالْمَصْطَكَى : فَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقٍ لاَ يَصِحُّ ، عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ : أَنَّهَا كَرِهَتْ الْعِلْكَ لِلصَّائِمِ
 
وَرُوِّينَا ، عَنِ الشَّعْبِيِّ أَنَّهُ لَمْ يَرَ بِهِ بَأْسًا وَقَدْ
 
قلنا : إنَّ مَا لَمْ يَكُنْ أَكْلاً , وَلاَ شُرْبًا , وَلاَ جِمَاعًا , وَلاَ مَعْصِيَةً : فَهُوَ مُبَاحٌ فِي الصَّوْمِ ; وَلَمْ يَأْتِ بِهِ نَصٌّ بِنَهْيِ الصَّائِمِ ، عَنْ شَيْءٍ مِمَّا ذَكَرْنَا , وَلَيْسَ أَكْلاً , وَلاَ شُرْبًا , وَلاَ يَنْقُصُ مِنْهُ شَيْءٌ بِطُولِ الْمَضْغِ لَوْ وُزِنَ وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ
 
وَأَمَّا غُبَارُ مَا يُغَرْبَلُ فَقَدْ ذَكَرْنَا ، عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لاَ يُفْطِرُ , وَرُوِّينَاهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَضَّاحٍ ، عَنْ سَحْنُونَ وَهُوَ لاَ يُسَمَّى أَكْلاً , وَلاَ شُرْبًا , فَلاَ يُفْطِرُ الصَّائِمَ
 
وَأَمَّا طَعَامٌ يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الأَسْنَانِ فِي أَيِّ وَقْتٍ مِنْ النَّهَارِ خَرَجَ فَرَمَى بِهِ : فَهَذَا لَمْ يَأْكُلْ , وَلاَ شَرِبَ ; فَلاَ حَرَج , وَلاَ يُبْطِلُ الصَّوْمَ : وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ ;
 
وَهُوَ قَوْلُهُمْ كُلُّهُمْ.
 
وَأَمَّا مَنْ أَصْبَحَ جُنُبًا عَامِدًا أَوْ نَاسِيًا مَا لَمْ يَتَعَمَّدْ التَّمَادِي ضُحًى كَذَلِكَ حَتَّى يَتْرُكَ الصَّلاَةَ عَامِدًا ذَاكِرًا لَهَا : فَإِنَّ السَّلَفَ اخْتَلَفُوا فِي هَذَا فَرَأَى بَعْضُهُمْ أَنَّهُ يَبْطُلُ صَوْمُهُ بِتَرْكِ الْغُسْلِ قَبْلَ الْفَجْرِ وَقَالَ الْحَنَفِيُّونَ , وَالْمَالِكِيُّونَ ; وَالشَّافِعِيُّونَ : صَوْمُهُ تَامٌّ وَإِنْ تَعَمَّدَ أَنْ لاَ يَغْتَسِلَ مِنْ الْجَنَابَةِ شَهْرَ رَمَضَانَ كُلَّهُ
 
قال أبو محمد : أَمَّا هَذَا الْقَوْلُ فَظَاهِرُ الْفَسَادِ , لِمَا ذَكَرْنَا قَبْلُ مِنْ أَنَّ تَعَمُّدَ الْمَعْصِيَةِ يُبْطِلُ الصَّوْمَ , وَلاَ مَعْصِيَةَ أَعْظَمُ مِنْ تَعَمُّدِ تَرْكِ الصَّلاَةِ حَتَّى يَخْرُجَ وَقْتُهَا وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ مِنْ السَّلَفِ إلَى مَا ذَكَرْنَا قَبْلُ :
 
كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ شُعَيْبِ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ : " أَنَّهُ احْتَلَمَ لَيْلَةً فِي رَمَضَانَ ثُمَّ نَامَ فَلَمْ يَنْتَبِهْ حَتَّى أَصْبَحَ , قَالَ : فَلَقِيت أَبَا هُرَيْرَةَ فَاسْتَفْتَيْتُهُ فَقَالَ : أَفْطِرْ , فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ r كَانَ يَأْمُرُ بِالْفِطْرِ إذَا أَصْبَحَ الرَّجُلُ جُنُبًا قَالَ : فَجِئْت إلَى أَبِي فَأَخْبَرْتُهُ بِمَا أَفْتَانِي بِهِ أَبُو هُرَيْرَةَ , فَقَالَ : أُقْسِمُ بِاَللَّهِ لَئِنْ أَفْطَرْتَ لاَُوجِعَنَّ مَتْنَكَ , صُمْ , فَإِنْ بَدَا لَكَ أَنْ تَصُومَ يَوْمًا آخَرَ فَافْعَلْ.
 
وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ جَعْدَةَ سَمِعْت عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو الْقَارِئَ قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ : لاَ وَرَبِّ هَذَا الْبَيْتِ , مَا أَنَا قُلْتُ : مَنْ أَدْرَكَهُ الصُّبْحُ وَهُوَ جُنُبٌ فَلاَ يَصُمْ , مُحَمَّدٌ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ قَالَهُ.
 
قال أبو محمد : وَقَدْ عَابَ مَنْ لاَ دِينَ لَهُ ، وَلاَ عِلْمَ لَهُ هَذَا الْخَبَرَ بِأَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَانِ بْنَ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ رَوَى ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّهُ قَالَ لَهُ فِي هَذَا الْخَبَرِ : إنَّ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ حَدَّثَهُ بِهِ , وَإِنَّ الْفَضْلَ بْنَ عَبَّاسٍ حَدَّثَهُ بِهِ
 
قال أبو محمد : وَهَذِهِ قُوَّةٌ زَائِدَةٌ لِلْخَبَرِ , أَنْ يَكُونَ أُسَامَةُ وَالْفَضْلُ رَوَيَاهُ ، عَنِ النَّبِيِّ r وَمَا نَدْرِي إلَى مَا أَشَارَ بِهِ هَذَا الْجَاهِلُ وَمَا يَخْرُجُ مِنْ هَذَا الاِعْتِرَاضِ إلاَّ نِسْبَةُ أَبِي هُرَيْرَةَ لِلْكَذِبِ , وَالْمُعْتَرِضُ بِذَلِكَ أَحَقُّ بِالْكَذِبِ مِنْهُ
 
وَكَذَلِكَ عَارَضَ قَوْمٌ لاَ يُحَصِّلُونَ مَا يَقُولُونَ هَذَا الْخَبَرَ بِأَنَّ أُمَّيْ الْمُؤْمِنِينَ رَوَتَا أَنَّ النَّبِيَّ r كَانَ يُصْبِحُ جُنُبًا مِنْ جِمَاعٍ غَيْرِ احْتِلاَمٍ ثُمَّ يَصُومُ ذَلِكَ النَّهَارَ.
 
قال أبو محمد : وَلَيْسَ يُعَارِضُ هَذَا الْخَبَرَ مَا رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ لإِنَّ رِوَايَةَ أَبِي هُرَيْرَةَ هِيَ الزَّائِدَةُ. وَالْعَجَبُ مِمَّنْ يَرُدُّ رِوَايَتَهُمَا رضي الله عنهما فِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ r كَانَ يُقَبِّلُ وَهُوَ صَائِمٌ بِرَأْيِهِ : ثُمَّ يَجْعَلُ رِوَايَتَهُمَا هَاهُنَا حُجَّةً عَلَى السُّنَّةِ الثَّابِتَةِ لاَ سِيَّمَا مَعَ صِحَّةِ الرِّوَايَةِ ، عَنْ عَائِشَةَ ، رضي الله عنها ، أَنَّهَا قَالَتْ : مَا أَدْرَكَ الْفَجْرُ قَطُّ رَسُولَ اللَّهِ r إلاَّ وَهُوَ نَائِمٌ فَهَلاَّ حَمَلُوا هَذَا عَلَى غَلَبَةِ النَّوْمِ , لاَ عَلَى تَعَمُّدِ تَرْكِ الْغُسْلِ
 
وَاحْتَجَّ أَيْضًا قَوْمٌ بِمَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَانِ بْنِ مَهْدِيٍّ ، عَنْ هِشَامٍ الدَّسْتُوَائِيِّ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ قَالَ : رَجَعَ أَبُو هُرَيْرَةَ ، عَنْ فُتْيَاهُ فِي الرَّجُلِ يُصْبِحُ جُنُبًا.
 
قَالَ عَلِيٌّ : وَلاَ حُجَّةَ فِي رُجُوعِهِ , لاَِنَّهُ رَأْي مِنْهُ ; إنَّمَا الْحُجَّةُ فِي رِوَايَتِهِ ، عَنِ النَّبِيِّ r وَقَدْ اُفْتُرِضَ عَلَيْنَا اتِّبَاعُ رِوَايَتِهِمْ , وَلَمْ نُؤْمَرْ بِاتِّبَاعِ الرَّأْيِ مِمَّنْ رَآهُ مِنْهُمْ. وَالْعَجَبُ مِمَّنْ يَحْتَجُّ بِهَذَا مِنْ الْمَالِكِيِّينَ وَهُمْ قَدْ ثَبَتُوا عَلَى مَا رُوِيَ ، عَنْ عُمَرَ t مِنْ تَحْرِيمِ الْمُتَزَوِّجَةِ فِي الْعِدَّةِ عَلَى الَّذِي دَخَلَ بِهَا فِي الأَبَدِ. وَقَدْ صَحَّ رُجُوعُ عُمَرَ ، عَنْ ذَلِكَ إلَى أَنَّهُ مُبَاحٌ لَهُ ابْتِدَاءُ زَوَاجِهَا وَمِمَّنْ قَالَ بِهَذَا مِنْ السَّلَفِ
 
كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَطَاءٍ أَنَّهُ لَمَّا اخْتَلَفَ عَلَيْهِ أَبُو هُرَيْرَةَ , وَعَائِشَةُ فِي هَذَا قَالَ عَطَاءٌ : يُبَدِّلُ يَوْمًا وَيُتِمُّ يَوْمَهُ ذَلِكَ.
 
وَمِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ، عَنْ أَبِيهِ ، أَنَّهُ قَالَ : مَنْ أَدْرَكَهُ الصُّبْحُ جُنُبًا وَهُوَ مُتَعَمِّدٌ أَبْدَلَ الصِّيَامَ ; وَمَنْ أَتَاهُ غَيْرَ مُتَعَمِّدٍ فَلاَ يُبَدِّلُهُ فَهَذَا عُرْوَةُ ابْنُ أُخْتِ عَائِشَةَ ، رضي الله عنها ، قَدْ تَرَكَ قَوْلَهَا لِرِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ.
 
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَانِ بْنِ مَهْدِيٍّ ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ ، عَنْ مَنْصُورِ بْنِ الْمُعْتَمِرِ قَالَ : سَأَلْت إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيّ ، عَنِ الرَّجُلِ يُصْبِحُ جُنُبًا فَقَالَ : أَمَّا رَمَضَانُ فَيُتِمُّ صَوْمَهُ وَيَصُومُ يَوْمًا مَكَانَهُ ;
 
وَأَمَّا التَّطَوُّعُ فَلاَ
 
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَانِ بْنِ مَهْدِيٍّ ، حدثنا ابْنُ إِسْحَاقَ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ قَالَ : سَأَلْت سَالِمًا ، عَنْ رَجُلٍ أَصْبَحَ جُنُبًا فِي رَمَضَانَ قَالَ : يُتِمُّ يَوْمَهُ وَيَقْضِي يَوْمًا مَكَانَهُ.
 
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاوُوس ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : مَنْ أَصْبَحَ جُنُبًا فِي شَهْرِ رَمَضَانَ فَاسْتَيْقَظَ وَلَمْ يَغْتَسِلْ حَتَّى يُصْبِحَ فَإِنَّهُ يُتِمُّ ذَلِكَ وَيَصُومُ يَوْمًا مَكَانَهُ ; فَإِنْ لَمْ يَسْتَيْقِظْ فَلاَ بَدَلَ عَلَيْهِ.
 
وَمِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ ، عَنِ الرَّبِيعِ ، عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ فِيمَنْ أَصْبَحَ جُنُبًا فِي رَمَضَانَ : يَقْضِيهِ فِي الْفَرْضِ.
 
وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ ، عَنْ عَائِذِ بْنِ حَبِيبٍ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ فِي الَّذِي يُصْبِحُ جُنُبًا فِي رَمَضَانَ قَالَ : عَلَيْهِ الْقَضَاءُ.
 
قال أبو محمد : لَوْ لَمْ يَكُنْ إلاَّ مَا ذَكَرْنَا لَكَانَ الْوَاجِبُ الْقَوْلَ بِخَبَرِ أَبِي هُرَيْرَةَ , لَكِنْ مَنَعَ مِنْ ذَلِكَ صِحَّةُ نَسْخِهِ وَ
 
بُرْهَانُ ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى ﴿ أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنْ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إلَى اللَّيْلِ. حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَانِ بْنِ مَسْعُودٍ ، حدثنا أَحْمَدُ بْنُ دُحَيْمٍ ، حدثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ حَمَّادٍ ، حدثنا إسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ ، حدثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ ، حدثنا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، حدثنا عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانَ أَحَدُهُمْ إذَا نَامَ لَمْ تَحِلَّ لَهُ النِّسَاءُ , وَلَمْ يَحِلَّ لَهُ أَنْ يَأْكُلَ شَيْئًا إلَى الْقَابِلَةَ , وَرَخَّصَ اللَّهُ لَكُمْ.
 
حدثنا عبد الله بن ربيع ، حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ، حدثنا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ أَخْبَرَنِي هِلاَلُ بْنُ الْعَلاَءِ بْنِ هِلاَلٍ الرَّقِّيُّ ، حدثنا حُسَيْنُ بْنُ عَيَّاشٍ ثِقَةٌ مِنْ أَهْلِ بَاجَدَّا : حدثنا زُهَيْرُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ، حدثنا أَبُو إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ : أَنَّ أَحَدَهُمْ كَانَ إذَا نَامَ قَبْلَ أَنْ يَتَعَشَّى لَمْ يَحِلَّ لَهُ أَنْ يَأْكُلَ شَيْئًا ، وَلاَ يَشْرَبَ لَيْلَتَهُ وَيَوْمَهُ مِنْ الْغَدِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ , حَتَّى نَزَلَتْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنْ الْفَجْرِ.
 
قال أبو محمد :
 
فَصَحَّ أَنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَاسِخَةٌ لِكُلِّ حَالٍ تَقَدَّمَتْ الصَّوْمَ , وَخَبَرُ أَبِي هُرَيْرَةَ مُوَافِقٌ لِبَعْضِ الأَحْوَالِ الْمَنْسُوخَةِ , وَإِذْ صَحَّ أَنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَاسِخَةٌ لِمَا تَقَدَّمَ فَحُكْمُهَا بَاقٍ لاَ يَجُوزُ نَسْخُهُ وَفِيهَا إبَاحَةُ الْوَطْءِ إلَى تَبَيُّنِ الْفَجْرِ ; فَإِذْ هُوَ مُبَاحٌ بِيَقِينٍ , فَلاَ شَكَّ فِي أَنَّ الْغُسْلَ لاَ يَكُونُ إلاَّ بَعْدَ الْفَجْرِ , وَلاَ شَكَّ فِي أَنَّ الْفَجْرَ يُدْرِكُهُ وَهُوَ جُنُبٌ , فَبِهَذَا وَجَبَ تَرْكُ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ , لاَ بِمَا سِوَاهُ وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ
 
وَأَمَّا مَنْ نَسِيَ أَنَّهُ صَائِمٌ فِي رَمَضَانَ , أَوْ فِي صَوْمِ فَرْضٍ , أَوْ تَطَوُّعٍ : فَأَكَلَ , وَشَرِبَ , وَوَطِئَ , وَعَصَى ; وَمَنْ ظَنَّ أَنَّهُ لَيْلٌ فَفَعَلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَإِذَا بِهِ قَدْ أَصْبَحَ ; أَوْ ظَنَّ أَنَّهُ غَابَتْ الشَّمْسُ فَفَعَلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَإِذَا بِهَا لَمْ تَغْرُبْ : فَإِنَّ صَوْمَ كُلِّ مَنْ ذَكَرْنَا تَامٌّ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَلِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ r : رُفِعَ ، عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ. حَدَّثَنَا بِذَلِكَ أَحْمَدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ أَنَسٍ الْعُذْرِيُّ قَالَ ، حدثنا الْحُسَيْنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْجُرْجَانِيِّ قَالَ ، حدثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ الشِّيرَازِيُّ أَخَبَرَتْنَا فَاطِمَةُ بِنْتُ الْحَسَنِ الرَّيَّانِ الْمَخْزُومِيِّ وَرَّاقِ أَبِي بَكْرِ بْنِ قُتَيْبَةَ ، حدثنا الرَّبِيعِ بْنِ سُلَيْمَانَ الْمُؤَذِّنِ الْمَرَادِيِّ ، حدثنا بِشْرُ بْنُ بَكْرٍ ، عَنِ الأَوْزَاعِيِّ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r : إنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لِي ، عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ.
 
حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَانِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ ، حدثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ ، حدثنا الْفَرَبْرِيُّ ، حدثنا الْبُخَارِيُّ ، حدثنا عَبْدَانُ أَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ ، حدثنا هِشَامٌ ، هُوَ ابْنُ حَسَّانَ ، حدثنا ابْنُ سِيرِينَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ r قَالَ : إذَا نَسِيَ أَحَدُكُمْ فَأَكَلَ , أَوْ شَرِبَ فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ ; فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللَّهُ وَسَقَاهُ.
 
حدثنا عبد الله بن ربيع ، حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ السُّلَيْمِ ، حدثنا ابْنُ الأَعْرَابِيِّ ، حدثنا أَبُو دَاوُد ، حدثنا مُوسَى بْنُ إسْمَاعِيلَ ، حدثنا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، حدثنا أَيُّوبُ هُوَ السِّخْتِيَانِيُّ وَحَبِيبُ بْنُ الشَّهِيدِ كِلاَهُمَا ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ إلَى رَسُولِ اللَّهِ r فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ , إنِّي أَكَلْتُ وَشَرِبْتُ نَاسِيًا وَأَنَا صَائِمٌ فَقَالَ : اللَّهُ أَطْعَمَكَ وَسَقَاكَ. وَرُوِّينَاهُ أَيْضًا ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ , وَخِلاَسٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ r .
 
قال أبو محمد : فَسَمَّاهُ رَسُولُ اللَّهِ r صَائِمًا , وَأَمَرَهُ بِإِتْمَامِ صَوْمِهِ ذَلِكَ فَصَحَّ أَنَّهُ صَحِيحُ الصَّوْمِ .
 
وَبِهِ يَقُولُ جُمْهُورُ السَّلَفِ
 
رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ ، عَنْ شُعْبَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ قَالَ : اسْتَسْقَى ابْنُ عُمَرَ وَهُوَ صَائِمٌ , فَقُلْت : أَلَسْتَ صَائِمًا فَقَالَ : أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَسْقِيَنِي فَمَنَعْتَنِي.
 
وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي هُرَيْرَةَ : مَنْ شَرِبَ نَاسِيًا أَوْ أَكَلَ نَاسِيًا فَلَيْسَ عَلَيْهِ بَأْسٌ , إنَّ اللَّهَ أَطْعَمَهُ وَسَقَاهُ وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ , وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ مِثْلُ هَذَا. وَرُوِّينَاهُ أَيْضًا ، عَنْ عَطَاءٍ , وَقَتَادَةَ , وَمُجَاهِدٍ وَالْحَسَنِ , وَسَوَّيَا فِي ذَلِكَ بَيْن الْمُجَامِعِ , وَالآكِلِ , وَعَنِ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ مِثْلُهُ , وَعَنْ أَبِي الأَحْوَصِ , وَعَلْقَمَةَ , وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ , وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ ,
 
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ , وَسُفْيَانَ , وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ , وَالشَّافِعِيِّ , وَأَبِي سُلَيْمَانَ , وَغَيْرِهِمْ ; إلاَّ أَنَّ بَعْضَ مَنْ ذَكَرْنَا رَأَى الْجِمَاعَ بِخِلاَفِ الأَكْلِ وَالشُّرْبِ , وَرَأَى فِيهِ الْقَضَاءَ.
 
وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ , وَسُفْيَانَ :
 
قال أبو محمد :
 
وقال مالك : الْقَضَاءُ وَاجِبٌ عَلَى النَّاسِي
 
قَالَ عَلِيٌّ : وَمَا نَعْلَمُ لَهُمْ حُجَّةً أَصْلاً , إلاَّ أَنَّهُمْ قَالُوا : الأَكْلُ , وَالْجِمَاعُ , وَالشُّرْبُ يُنَافِي الصَّوْمَ فَقِيلَ لَهُمْ : وَعَلَى هَذَا فَالأَكْلُ وَالشُّرْبُ يُنَافِي الصَّلاَةَ وَأَنْتُمْ تَقُولُونَ : إنَّ ذَلِكَ لاَ يُبْطِلُ الصَّلاَةَ إذَا كَانَ بِنِسْيَانٍ فَظَهَرَ تَنَاقُضُهُمْ فَكَيْفَ وَقَوْلُهُمْ هَذَا خَطَأٌ وَإِنَّمَا الصَّوَابُ أَنَّ تَعَمُّدَ الأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالْجِمَاعِ وَالْقَيْءِ يُنَافِي الصَّوْمَ لاَ الأَكْلُ كَيْفَ كَانَ , وَلاَ الشُّرْبُ كَيْفَ كَانَ , وَلاَ الْجِمَاعُ كَيْفَ كَانَ , وَلاَ الْقَيْءُ كَيْفَ كَانَ , فَهَذَا هُوَ الْحَقُّ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ , وَاَلَّذِي جَاءَتْ بِهِ النُّصُوصُ مِنْ الْقُرْآنِ وَالسُّنَنِ.
 
وَأَمَّا دَعْوَاهُمْ فَبَاطِلٌ , عَارِيَّةٌ مِنْ الدَّلِيلِ جُمْلَةً , لاَ مِنْ قُرْآنٍ , وَلاَ مِنْ سُنَّةٍ صَحِيحَةٍ , وَلاَ مِنْ رِوَايَةٍ فَاسِدَةٍ , وَلاَ مِنْ قِيَاسٍ , وَلاَ مِنْ قَوْلِ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ ، رضي الله عنهم ، , بَلْ هَذَا مِمَّا نَقَضُوا فِيهِ وَتَنَاقَضُوا فِيهِ , لأَنَّهُمْ يُعَظِّمُونَ خِلاَفَ قَوْلِ الصَّاحِبِ إذَا وَافَقَهُمْ. وَخَالَفُوا هَاهُنَا طَائِفَةً مِنْ الصَّحَابَةِ لاَ يُعْرَفُ لَهُمْ مِنْهُمْ مُخَالِفٌ , وَقَالُوا : الْكَلاَمُ , أَوْ الأَكْلُ , أَوْ الشُّرْبُ فِي الصَّلاَةِ بِنِسْيَانٍ لاَ يُبْطِلُهَا , وَأَبْطَلُوا الصَّوْمَ بِكُلِّ ذَلِكَ بِالنِّسْيَانِ وَهَذَا تَنَاقُضٌ لاَ خَفَاءَ بِهِ
 
وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ فَتَنَاقَضَ أَيْضًا , لاَِنَّهُ رَأَى أَنَّ الْكَلاَمَ , أَوْ الأَكْلَ نَاسِيًا , أَوْ الشُّرْبَ نَاسِيًا تَبْطُلُ الصَّلاَةُ بِكُلِّ ذَلِكَ وَيَبْتَدِئُهَا , وَخَالَفَ السُّنَّةَ الْوَارِدَةَ فِي ذَلِكَ , وَرَأَى الْجِمَاعَ يُبْطِلُ الْحَجَّ نَاسِيًا كَانَ أَوْ عَامِدًا وَرَأَى أَنَّ كُلَّ ذَلِكَ لاَ يُبْطِلُ الصَّوْمَ , وَاتَّبَعَ الْخَبَرَ فِي ذَلِكَ , وَرَأَى الْجِمَاعَ نَاسِيًا لاَ يُبْطِلُ الصَّوْمَ , قِيَاسًا عَلَى الأَكْلِ , وَلَمْ يَقِسْ الآكِلَ نَائِمًا عَلَى الآكِلِ نَاسِيًا ; بَلْ رَأَى الأَكْلَ نَائِمًا يُبْطِلُ الصَّوْمَ , وَهُوَ نَاسٍ بِلاَ شَكٍّ , وَهَذَا تَخْلِيطٌ لاَ نَظِيرَ لَهُ وَادَّعَى مُقَلِّدُوهُ الإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ الْجِمَاعَ وَالأَكْلَ نَاسِيًا سَوَاءٌ ; وَكَذَبُوا فِي ذَلِكَ ; لاَِنَّنَا
 
رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ : قُلْت لِعَطَاءٍ : رَجُلٌ أَصَابَ امْرَأَتَهُ نَاسِيًا فِي رَمَضَانَ فَقَالَ عَطَاءٌ : لاَ يَنْسَى هَذَا كُلَّهُ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ ; لَمْ يَجْعَلْ اللَّهُ لَهُ عُذْرًا , وَإِنْ طَعِمَ نَاسِيًا فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ ، وَلاَ يَقْضِيهِ , اللَّهُ أَطْعَمَهُ وَسَقَاهُ.
 
وَبِهِ يَقُولُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ. وَرَأَى ابْنُ الْمَاجِشُونِ عَلَى مَنْ أَكَلَ نَاسِيًا أَوْ شَرِبَ نَاسِيًا الْقَضَاءَ وَعَلَى مَنْ جَامَعَ نَاسِيًا الْقَضَاءَ وَالْكَفَّارَةَ وَهَذِهِ أَقْوَالٌ فَاسِدَةٌ وَتَفَارِيقُ لاَ تَصِحُّ وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
 
قال أبو محمد : وَمَنْ أَكَلَ وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّهُ لَيْلٌ أَوْ جَامَعَ كَذَلِكَ أَوْ شَرِبَ كَذَلِكَ فَإِذَا بِهِ نَهَارٌ إمَّا بِطُلُوعِ الْفَجْرِ
 
وَأَمَّا بِأَنَّ الشَّمْسَ لَمْ تَغْرُبْ : كِلاَهُمَا لَمْ يَتَعَمَّدْ إبْطَالَ صَوْمِهِ , وَكِلاَهُمَا ظَنَّ أَنَّهُ فِي غَيْرِ صِيَامٍ , وَالنَّاسِي ظَنَّ أَنَّهُ فِي غَيْرِ صِيَامٍ ، وَلاَ فَرْقَ , فَهُمَا وَالنَّاسِي سَوَاءٌ ، وَلاَ فَرْقَ. وَلَيْسَ هَذَا قِيَاسًا وَمَعَاذَ اللَّهِ مِنْ ذَلِكَ وَإِنَّمَا يَكُونُ قِيَاسًا لَوْ جَعَلْنَا النَّاسِيَ أَصْلاً ثُمَّ شَبَّهْنَا بِهِ مَنْ أَكَلَ وَشَرِبَ وَجَامَعَ وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّهُ فِي لَيْلٍ فَإِذَا بِهِ فِي نَهَارٍ , وَلَمْ نَفْعَلْ هَذَا بَلْ كُلُّهُمْ سَوَاءٌ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَفِي قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ r : إنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لاُِمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ. وَهَذَا قَوْلُ جُمْهُورِ السَّلَفِ :
 
رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ : حدثنا مَعْمَرٌ ، عَنِ الأَعْمَشِ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ قَالَ : أَفْطَرَ النَّاسُ فِي زَمَنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَرَأَيْت عِسَاسًا أُخْرِجَتْ مِنْ بَيْتِ حَفْصَةَ فَشَرِبُوا , ثُمَّ طَلَعَتْ الشَّمْسُ مِنْ سَحَابٍ , فَكَأَنَّ ذَلِكَ شَقَّ عَلَى النَّاسِ , فَقَالُوا : نَقْضِي هَذَا الْيَوْمَ فَقَالَ عُمَرُ : لِمَ وَاَللَّهِ مَا تَجَانَفْنَا لاِِثْمٍ
 
وَرُوِّينَا أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ الأَعْمَشِ ، عَنِ الْمُسَيِّبِ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ.
 
وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ أَخِيهِ ، عَنْ أَبِيهِ وَلَمْ يَذْكُرْ قَضَاءً وَقَدْ رُوِيَ ، عَنْ عُمَرَ أَيْضًا الْقَضَاءُ , وَهَذَا تَخَالُفٌ مِنْ قَوْلِهِ , فَوَجَبَ الرُّجُوعُ إلَى مَا افْتَرَضَ اللَّهُ تَعَالَى الرُّجُوعَ إلَيْهِ عِنْدَ التَّنَازُعِ , مِنْ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ , فَوَجَدْنَا مَا ذَكَرْنَا قَبْلُ , مَعَ أَنَّ هَذِهِ الرِّوَايَةَ ، عَنْ عُمَرَ أَوْلَى لإِنَّ زَيْدَ بْنَ وَهْبٍ لَهُ صُحْبَةٌ , وَإِنَّمَا رُوِيَ عَنْهُ الْقَضَاءُ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ حَنْظَلَةَ ، عَنْ أَبِيهِ.
 
وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ قَالَ : سَأَلْت الْحَكَمَ بْنَ عُتَيْبَةَ عَمَّنْ تَسَحَّرَ نَهَارًا وَهُوَ يَرَى أَنَّ عَلَيْهِ لَيْلاً فَقَالَ : يُتِمُّ صَوْمَهُ.
 
وَمِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ : مَنْ أَكَلَ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّهُ لَمْ يَطْلُعْ فَلَيْسَ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ ; لإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ : حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنْ الْفَجْرِ.
 
وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ : حدثنا سَهْلُ بْنُ يُوسُفَ ، عَنْ عَمْرٍو ، عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ فِيمَنْ تَسَحَّرَ وَهُوَ يَرَى أَنَّهُ لَيْلٌ , قَالَ : يُتِمُّ صَوْمَهُ.
 
وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ : حدثنا أَبُو دَاوُد هُوَ الطَّيَالِسِيُّ ، عَنْ حَبِيبٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ هَرِمٍ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ فِيمَنْ أَكَلَ يَرَى أَنَّهُ لَيْلٌ فَإِذَا بِهِ نَهَارٌ , قَالَ : يُتِمُّ صَوْمَهُ.
 
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ , وَمَعْمَرٍ , قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : عَنْ عَطَاءٍ , وَقَالَ مَعْمَرٌ : عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ , ثُمَّ اتَّفَقَ عُرْوَةُ وَعَطَاءٌ فِيمَنْ أَكَلَ فِي الصُّبْحِ وَهُوَ يَرَى أَنَّهُ لَيْلٌ : لَمْ يَقْضِهِ ; فَهَؤُلاَءِ : عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابُ , وَالْحَكَمُ بْنُ عُتَيْبَةَ , وَمُجَاهِدٌ ; وَالْحَسَنُ , وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ أَبُو الشَّعْثَاءِ , وَعَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ , وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ
 
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي سُلَيْمَانَ.
 
وَرُوِّينَا ، عَنْ مُعَاوِيَةَ , وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ , وَابْنِ سِيرِينَ , وَهِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ , وَعَطَاءٍ , وَزِيَادِ بْنِ النَّضْرِ , وَإِنَّمَا قَالَ هَؤُلاَءِ : بِالْقَضَاءِ فِي الَّذِي يُفْطِرُ وَهُوَ يَرَى أَنَّهُ لَيْلٌ ثُمَّ تَطْلُعُ الشَّمْسُ
 
وَأَمَّا فِي الْفَجْرِ فَلاَ , مِثْلَ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ , وَمَالِكٍ , وَالشَّافِعِيِّ , وَمَا نَعْلَمُ لَهُمْ حُجَّةً أَصْلاً.
 
فَإِنْ ذَكَرُوا مَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ ، عَنْ أَبِي أُسَامَةَ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ الْمُنْذِرِ ، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ قَالَتْ : أَفْطَرَ النَّاسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ r ثُمَّ طَلَعَتْ الشَّمْسُ. قَالَ أَبُو أُسَامَةَ : قُلْت لِهِشَامٍ : فَأُمِرُوا بِالْقَضَاءِ فَقَالَ : وَمِنْ ذَلِكَ بُدٌّ فَإِنَّ هَذَا لَيْسَ إلاَّ مِنْ كَلاَمِ هِشَامٍ , وَلَيْسَ مِنْ الْحَدِيثِ , فَلاَ حُجَّةَ فِيهِ. وَقَدْ قَالَ مَعْمَرٌ : سَمِعْت هِشَامَ بْنَ عُرْوَةَ فِي هَذَا الْخَبَرِ نَفْسِهِ يَقُولُ : لاَ أَدْرِي أَقَضَوْا أَمْ لاَ فَصَحَّ مَا
 
قلنا.
 
وَأَمَّا مَنْ أُكْرِهَ عَلَى الْفِطْرِ , أَوْ وُطِئَتْ امْرَأَةٌ نَائِمَةً , أَوْ مُكْرَهَةً أَوْ مَجْنُونَةً أَوْ مُغْمًى عَلَيْهَا , أَوْ صُبَّ فِي حَلْقِهِ مَاءٌ وَهُوَ نَائِمٌ : فَصَوْمُ النَّائِمِ , وَالنَّائِمَةِ , وَالْمُكْرَهِ , وَالْمُكْرَهَةِ : تَامٌّ صَحِيحٌ لاَ دَاخِلَةَ فِيهِ , وَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِمْ , وَلاَ شَيْءَ عَلَى الْمَجْنُونَةِ. وَالْمُغْمَى عَلَيْهَا , وَلاَ عَلَى الْمَجْنُونِ وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ ; لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ r : إنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لاُِمَّتِهِ ، عَنِ الْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ. وَالنَّائِمُ وَالنَّائِمَةُ مُكْرَهَانِ بِلاَ شَكٍّ غَيْرُ مُخْتَارَيْنِ لِمَا فُعِلَ بِهِمَا وَقَالَ زُفَرُ : لاَ شَيْءَ عَلَى النَّائِمِ , وَالنَّائِمَةِ ، وَلاَ قَضَاءَ كَمَا
 
قلنا , سَوَاءٌ سَوَاءٌ , وَصَوْمُهُمَا تَامٌّ
 
وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ بْنِ زِيَادٍ. وَقَدْ رُوِيَ أَيْضًا ، عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِي النَّائِمِ مِثْلُ قَوْلِ زُفَرَ. وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيِّ : إذَا جُومِعَتْ الْمَرْأَةُ مُكْرَهَةً فِي نَهَارِ رَمَضَانَ فَصَوْمُهَا تَامٌّ ، وَلاَ قَضَاءَ عَلَيْهَا
 
وَهُوَ قَوْلُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ.
 
وَبِهِ يَقُولُ أَبُو سُلَيْمَانَ , وَجَمِيعُ أَصْحَابِنَا. وَالْمَجْنُونُ , وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ غَيْرُ مُخَاطَبَيْنِ , قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r : رُفِعَ الْقَلَمُ ، عَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ , وَالنَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ , وَالصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ. وَالْمَشْهُورُ ، عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْقَضَاءَ عَلَى النَّائِمِ وَالنَّائِمَةِ , وَالْمُكْرَهِ وَالْمُكْرَهَةِ , وَالْمَجْنُونِ وَالْمَجْنُونَةِ , وَالْمُغْمَى عَلَيْهِمَا
 
وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ.
 
قال أبو محمد : وَهُوَ قَوْلٌ ظَاهِرُ الْفَسَادِ , وَمَا نَعْلَمُ لَهُمْ حُجَّةً مِنْ قُرْآنٍ , وَلاَ سُنَّةٍ صَحِيحَةٍ ، وَلاَ رِوَايَةٍ فَاسِدَةٍ ، وَلاَ قَوْلِ صَاحِبٍ , وَلاَ قِيَاسٍ , إلاَّ أَنَّ بَعْضَهُمْ قَاسَ ذَلِكَ عَلَى الْمُكْرَهِ عَلَى الْحَدَثِ أَنَّهُ تُنْتَقَضُ طَهَارَتُهُ.
 
قال علي : وهذا قِيَاسٌ فِي غَايَةِ الْفَسَادِ لَوْ كَانَ الْقِيَاسُ حَقًّا فَكَيْفَ وَالْقِيَاسُ كُلُّهُ بَاطِلٌ لإِنَّ الطَّهَارَةَ تُنْتَقَضُ مِنْ الأَحْدَاثِ بِقِسْمَيْنِ :
 
أَحَدُهُمَا بِنَقْضِهَا كَيْفَ مَا كَانَ , بِنِسْيَانٍ أَوْ عَمْدٍ أَوْ إكْرَاهٍ : وَالآخَرُ لاَ يَنْقُضُهَا إلاَّ بِالْعَمْدِ عَلَى حَسَبِ النُّصُوصِ الْوَارِدَةِ فِي ذَلِكَ , وَهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ الرِّيحَ , وَالْبَوْلَ , وَالْغَائِطَ يَنْقُضُ الطَّهَارَةَ : أَنْ يَقِيسُوا النَّاسِيَ فِي الصَّوْمِ عَلَى النَّاسِي فِي الطَّهَارَةِ , وَالْمَغْلُوبَ بِالْقَيْءِ عَلَى الْمَغْلُوبِ بِالْحَدَثِ , وَكُلُّهُمْ لاَ يَقُولُونَ بِهَذَا أَصْلاً , فَبَطَلَ قِيَاسُهُمْ الْفَاسِدُ وَكَانَ أَدْخَلَ فِي الْقِيَاسِ لَوْ قَاسُوا الْمُكْرَهَ , وَالْمَغْلُوبَ فِي الصَّوْمِ عَلَى الْمُكْرَهِ , وَالْمَغْلُوبِ فِي الصَّلاَةِ عَلَى تَرْكِ الْقِيَامِ , أَوْ تَرْكِ السُّجُودِ , أَوْ الرُّكُوعِ , فَهَؤُلاَءِ صَلاَتُهُمْ تَامَّةٌ بِإِجْمَاعٍ مِنْهُمْ ; فَكَذَلِكَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ صَوْمُ الْمُكْرَهِ وَالْمَغْلُوبِ ، وَلاَ فَرْقَ ; وَلَكِنَّهُمْ لاَ يُحْسِنُونَ الْقِيَاسَ ، وَلاَ يَتَّبِعُونَ النُّصُوصَ ، وَلاَ يَطْرُدُونَ أُصُولَهُمْ , وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ
 
وَأَمَّا دُخُولُ الْحَمَّامِ , وَالتَّغْطِيسُ فِي الْمَاءِ , وَدَهْنُ الشَّارِبِ , فَقَدْ
 
رُوِّينَا ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ t : لاَ يَدْخُلُ الصَّائِمُ الْحَمَّامَ. وَعَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيّ الإِفْطَارُ بِدَهْنِ الشَّارِبِ , وَعَنْ بَعْضِ السَّلَفِ مِثْلُ ذَلِكَ فِي التَّغْطِيسِ فِي الْمَاءِ , وَلاَ حُجَّةَ إلاَّ فِيمَا صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ r وَلَمْ يَأْتِ عَنْهُ نَهْيٌ لِلصَّائِمِ ، عَنْ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ ; فَكُلُّ ذَلِكَ مُبَاحٌ لاَ يَكْدَحُ فِي الصَّوْمِ وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
 
 
 
[[تصنيف:محلى ابن حزم]]
 

مراجعة 23:06، 27 ديسمبر 2006